*شمس الحب*
19-06-06, 12:33 AM
الخطبة الأولى
أما بعد:
قوله عز وجل: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بعض موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون [الحديد:12-17].
يقول الله تعالى مخبرا عن عباده المؤمنين يوم القيامة، أنهم يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، وبأيمانهم كتبهم، قال ابن مسعود: (على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه، ويتقد مرة ويطفأ مرة).
وعن قتادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل : يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك. وقيل: ليس أحد لا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين أحوج ما يكونون إليه، عند ذلك يقول المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا [التحريم:8].
وقوله عز وجل: وبأيمانهم [الحديد:12] أي وبأيمانهم كتبهم، كما قال: فمن أوتي كتابه بيمينه [الانشقاق:7]. أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة: بشراكم أي المبشر به جنات، أو بشراكم دخول الجنات، قال ابن القيم رحمه الله: وكيف يقدر قدر دار خلقها الله بيده، وجعلها مقرا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة ونقص، فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرض الرحمن، وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيه شجرة إلا وساقها من ذهب أو فضة لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن ثمارها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل، وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل، وإن سأل عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب))([1]).
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله قال الله عز وجل: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) مصداق ذلك في كتاب الله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة:17].
فيا عجبا ممن يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنها لا يموت أهلها، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها، كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها، ويهنأ بعيش دونها، والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان، مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان، لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته.
كيف وأهلها ملوك آمنون، وفي أنواع السرور متمتعون، لهم فيها ما يشتهون، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون، وإلى وجه الله الكريم ينظرون، وينالون بالنظر إلى وجه الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ينادي مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قول الله عز وجل: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ([2])[الأعراف:43].
وبعد أن بين الله عز وجل حال المؤمنين، وكيف أنهم يعطون النور في الآخرة بقدر أعمالهم، ويحملون كتابهم بأيمانهم، وتبشرهم الملائكة بجنة الله عز وجل خالدين فيها، وأن ذلك هو الفوز العظيم، بين الله عز وجل أحوال المنافقين إذا حرموا النور يوم القيامة، أو أطفأ عنهم أحوج ما يكونون إليه.
فقال عز وجل: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [الحديد:13].
قوله: انظرونا أي انظروا إلينا، وقيل بمعنى انتظرونا وهو الذي عول عليه ابن جرير، وكأنهم يقولون للمؤمنين ذلك حينما يساقون إلى الجنة زمرا، والمنافقون ما يزالون في عرصات الآخرة وأهوالها وعذابها، والمراد حينئذ من الانتظار الاقتباس من نورهم، ورجاء شفاعتهم، أو دخول الجنة معهم، طمعا في غير مطمع، يقولون لهم ذلك حين يسرع بهم إلى الجنة.
قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً قال الزمخشري: طرد لهم وتهكم بهم، أي ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هناك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه، وهو الإيمان والعمل الصالح، أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أنه لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم.
قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو الذي قال الله تعالى: وبينهما حجاب [الأعراف:46]. وقال ابن كثير وهو الصحيح: باطنه في الرحمة أي الجنة وما فيها وظاهره من قبله العذاب.
والنفاق عباد الله هو الداء العضال، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر.
هم أحسن الناس أجساما وألطفهم بيانا، وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا، فهم كالخشب المسنّدة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حافظ يقيمها لئلا يطأها السالكون: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون [المنافقون:3].
يؤخرون الصلاة عن وقتها، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتقين أنه مطرود وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، ما أكثرهم وهم الأقلون، وما أجهلهم وهم المتعالمون: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [التوبة:56].
كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم فثبطهم عنها وأقعدهم، وأبغض قربهم منه وجوارهم لميلهم إلى أعدائه فطردهم عنه وأبعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين فقال تعالى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة:46].
ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم، وأن ذلك من لطفه بأوليائه، وإسعادهم فقال وهو أحكم الحاكمين: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين [التوبة:47].
إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً [النساء:61].
كثروا والله على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، سمع حذيفة رجلا يقول اللهم أهلك المنافقين فقال: (يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم قلة السالك).
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، ساء ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة: (نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله منهم؟ قال لا ولا أزكي بعدك أحدا ).
وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل). وذكر عن الحسن البصري (ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن) قوله: ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور [الحديد:14].
أي ينادي المنافقون المؤمنين، أما كنا في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونقف معكم بعرفات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ (قالوا بلى) قد كنتم معنا: ولكنكم فتنتم أنفسكم وارتبتم وغرتكم الأماني .
أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، وتربصتم أي أخرتم التوبة، وقال قتادة تربصتم بالحق وأهله: وارتبتم أي برسالة محمد ، وبالبعث بعد الموت، وغرتكم الأماني أي قلتم سيغفر لنا: حتى جاء أمر الله أي ما زلتم في هذه الحالة بغير توبة حتى جاءكم الموت وغركم بالله الغرور أي الشيطان، قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
قال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبرا، وللآخر بالأول مزدجرا، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى الخدع، ومن ذكر المنية نسي الأمنية، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل.
فمعنى قول المؤمنين للمنافقين إنكم كنتم معنا، أي بالأبدان لا بالقلوب، كنتم معنا بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك وتربص وغرور. ثم بالغ المؤمنون في توبيخهم وتقريعهم وتقنيطهم، فقالوا: فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه كما لا تقبل الفدية كذلك ممن أظهر كفره وعناده.
أما بعد:
قوله عز وجل: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون اعلموا أن الله يحيي الأرض بعض موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون [الحديد:12-17].
يقول الله تعالى مخبرا عن عباده المؤمنين يوم القيامة، أنهم يسعى نورهم بين أيديهم في عرصات القيامة، وبأيمانهم كتبهم، قال ابن مسعود: (على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه، ويتقد مرة ويطفأ مرة).
وعن قتادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم وسيماكم وحلاكم ونجواكم ومجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل : يا فلان هذا نورك، يا فلان لا نور لك. وقيل: ليس أحد لا يعطى نورا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين أحوج ما يكونون إليه، عند ذلك يقول المؤمنون: ربنا أتمم لنا نورنا [التحريم:8].
وقوله عز وجل: وبأيمانهم [الحديد:12] أي وبأيمانهم كتبهم، كما قال: فمن أوتي كتابه بيمينه [الانشقاق:7]. أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة: بشراكم أي المبشر به جنات، أو بشراكم دخول الجنات، قال ابن القيم رحمه الله: وكيف يقدر قدر دار خلقها الله بيده، وجعلها مقرا لأحبابه، وملأها من رحمته وكرامته ورضوانه، ووصف نعيمها بالفوز العظيم، وملكها بالملك الكبير، وأودعها الخير بحذافيره وطهرها من كل عيب وآفة ونقص، فإن سألت عن أرضها وتربتها فهي المسك والزعفران، وإن سألت عن سقفها فهو عرض الرحمن، وإن سألت عن بلاطها فهو المسك الأذفر، وإن سألت عن حصبائها فهو اللؤلؤ والجوهر، وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب، وإن سألت عن أشجارها فما فيه شجرة إلا وساقها من ذهب أو فضة لا من الحطب والخشب، وإن سألت عن ثمارها فأمثال القلال ألين من الزبد وأحلى من العسل، وإن سألت عن ورقها فأحسن ما يكون من رقائق الحلل، وإن سأل عن أنهارها فأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب))([1]).
وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله قال الله عز وجل: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)) مصداق ذلك في كتاب الله: فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون [السجدة:17].
فيا عجبا ممن يؤمن بدار هذه صفتها، ويوقن بأنها لا يموت أهلها، ولا تحل الفجائع بمن نزل بفنائها، ولا تنظر الأحداث بعين التغيير إلى أهلها، كيف يأنس بدار قد أذن الله في خرابها، ويهنأ بعيش دونها، والله لو لم يكن فيها إلا سلامة الأبدان، مع الأمن من الموت والجوع والعطش وسائر أصناف الحدثان، لكان جديرا بأن يهجر الدنيا بسببها وأن لا يؤثر عليها ما التصرم والتنغص من ضرورته.
كيف وأهلها ملوك آمنون، وفي أنواع السرور متمتعون، لهم فيها ما يشتهون، وهم في كل يوم بفناء العرش يحضرون، وإلى وجه الله الكريم ينظرون، وينالون بالنظر إلى وجه الله ما لا ينظرون معه إلى سائر نعيم الجنان ولا يلتفتون، وهم على الدوام بين أصناف هذه النعم يترددون وهم من زوالها آمنون.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ينادي مناد: يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا فذلك قول الله عز وجل: ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ([2])[الأعراف:43].
وبعد أن بين الله عز وجل حال المؤمنين، وكيف أنهم يعطون النور في الآخرة بقدر أعمالهم، ويحملون كتابهم بأيمانهم، وتبشرهم الملائكة بجنة الله عز وجل خالدين فيها، وأن ذلك هو الفوز العظيم، بين الله عز وجل أحوال المنافقين إذا حرموا النور يوم القيامة، أو أطفأ عنهم أحوج ما يكونون إليه.
فقال عز وجل: يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب [الحديد:13].
قوله: انظرونا أي انظروا إلينا، وقيل بمعنى انتظرونا وهو الذي عول عليه ابن جرير، وكأنهم يقولون للمؤمنين ذلك حينما يساقون إلى الجنة زمرا، والمنافقون ما يزالون في عرصات الآخرة وأهوالها وعذابها، والمراد حينئذ من الانتظار الاقتباس من نورهم، ورجاء شفاعتهم، أو دخول الجنة معهم، طمعا في غير مطمع، يقولون لهم ذلك حين يسرع بهم إلى الجنة.
قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً قال الزمخشري: طرد لهم وتهكم بهم، أي ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أعطينا هذا النور فالتمسوه هناك فمن ثم يقتبس، أو ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا نورا بتحصيل سببه، وهو الإيمان والعمل الصالح، أو ارجعوا خائبين وتنحوا عنا فالتمسوا نورا آخر فلا سبيل لكم إلى هذا النور، وقد علموا أنه لا نور وراءهم وإنما هو تخييب وإقناط لهم.
قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو الذي قال الله تعالى: وبينهما حجاب [الأعراف:46]. وقال ابن كثير وهو الصحيح: باطنه في الرحمة أي الجنة وما فيها وظاهره من قبله العذاب.
والنفاق عباد الله هو الداء العضال، وهو أن يظهر للمسلمين إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وهو في الباطن منسلخ من ذلك كله مكذب به.
وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر.
هم أحسن الناس أجساما وألطفهم بيانا، وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا، فهم كالخشب المسنّدة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حافظ يقيمها لئلا يطأها السالكون: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون [المنافقون:3].
يؤخرون الصلاة عن وقتها، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفات الثعلب إذ يتقين أنه مطرود وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، ما أكثرهم وهم الأقلون، وما أجهلهم وهم المتعالمون: ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون [التوبة:56].
كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم فثبطهم عنها وأقعدهم، وأبغض قربهم منه وجوارهم لميلهم إلى أعدائه فطردهم عنه وأبعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين فقال تعالى: ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين [التوبة:46].
ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم وطردهم عن بابه وإبعادهم، وأن ذلك من لطفه بأوليائه، وإسعادهم فقال وهو أحكم الحاكمين: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين [التوبة:47].
إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً [النساء:61].
كثروا والله على ظهر الأرض وفي أجواف القبور، لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، سمع حذيفة رجلا يقول اللهم أهلك المنافقين فقال: (يا ابن أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم قلة السالك).
تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، ساء ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة: (نشدتك بالله هل سماني لك رسول الله منهم؟ قال لا ولا أزكي بعدك أحدا ).
وقال ابن أبي مليكة: (أدركت ثلاثين من أصحاب محمد كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل). وذكر عن الحسن البصري (ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن) قوله: ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور [الحديد:14].
أي ينادي المنافقون المؤمنين، أما كنا في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونقف معكم بعرفات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ (قالوا بلى) قد كنتم معنا: ولكنكم فتنتم أنفسكم وارتبتم وغرتكم الأماني .
أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، وتربصتم أي أخرتم التوبة، وقال قتادة تربصتم بالحق وأهله: وارتبتم أي برسالة محمد ، وبالبعث بعد الموت، وغرتكم الأماني أي قلتم سيغفر لنا: حتى جاء أمر الله أي ما زلتم في هذه الحالة بغير توبة حتى جاءكم الموت وغركم بالله الغرور أي الشيطان، قال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.
قال بعض العلماء: إن للباقي بالماضي معتبرا، وللآخر بالأول مزدجرا، والسعيد من لا يغتر بالطمع، ولا يركن إلى الخدع، ومن ذكر المنية نسي الأمنية، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل.
فمعنى قول المؤمنين للمنافقين إنكم كنتم معنا، أي بالأبدان لا بالقلوب، كنتم معنا بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك وتربص وغرور. ثم بالغ المؤمنون في توبيخهم وتقريعهم وتقنيطهم، فقالوا: فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبا ومثله معه ليفتدي به من عذاب الله ما قبل منه كما لا تقبل الفدية كذلك ممن أظهر كفره وعناده.