دندىستار
10-02-09, 01:36 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الملك محمد الخامس
محمد الخامس (قصة كفاح ملك وشعب)
1909م-1961م
ولد السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) عام 1909م وقبل ثلاث سنوات من فرض فرنسا لحمايتها على المغرب، وفي عام 1927م توفي والده المولى (يوسف) سلطان المغرب، ولم يكن عمره آنذاك قد تعدى الثامنة عشرة، فتمت مبايعته في 18/11/1927م، وظل السلطان الشاب يُعاني من تسلط قوات الحماية الفرنسية في بلاده بعد أن نجحت في القضاء على ثورة الأمير الخطابي في شمال المغرب عام 1926م وقامت بنفيه إلى جزيزة (رينيون) بالمحيط الهندي، وفي فبراير عام 1934م قررت فرنسا إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات الفرنسية، مما كان يعني اعتبار المغرب أرضاً مستعمرة، ولم تثنى فرنسا غضبة المغاربة التي تفجرت ضدها من الاستمرار في سياسة البطش والتنكيل بهم، وقامت بنفي عدد كبير منهم خارج المغرب.
وفي محاولة من السلطان لنيل بعض الحقوق لمواطنيه أمر بمشاركة الجنود المغاربة في الحرب إلى جانب فرنسا عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939م، وعند استسلام فرنسا للألمان في يونيو عام 1940م أبدى السلطان تأثره وحزنه الشديد، واستمر على ولائه لها ورفض إقامة أي علاقة مع الألمان بغية أن يحصل المغرب على ثمن وقوفه بجانب الحلفاء على حد قوله عقب انتصار فرنسا وحلفائها: "لقد شارك المغرب في الحرب الأخيرة بأبنائه وبجميع ما لديه من وسائل إلى أن تم النصر النهائي، وقد أخذت الشعوب اليوم تطالب بحقوق متلائمة مع العصر الحاضر، فمن العدل أن ينال الشعب المغربي حقوقه المشروعة وأن تتحقق مطامحه التي هي مطامح جميع الشعوب"، أما مكافئة فرنسا للسلطان فكانت أن وشح الجنرال ديجول السلطان بوسام (رفقاء التحرير) في 17 يوليو 1945م بباريس.
وفي عام 1946م تم تعيين الفرنسي (أريك لابون) مقيماً عاماً في المغرب، فاستهل عمله ببعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وخفف من سياسة العنف ضد الوطنيين، وسمح بعودة بعضهم من المنافي، إلا أن تلك السياسة لم تكن لتؤدي إلى الاعتراف بحق المغرب فيالاستقلال؛ وفي خطوة جريئة من السلطان قام بزيارة لمدينة طنجة المغربية الواقعة تحت الإدارة الدولية آنذاك، وألقى بها خطاباً هاماً في 10 أبريل 1947م كان حداً فاصلاً في العلاقة بينه وبين سلطات الحماية بعد أن صرح بأن: "المغرب بلد عربي تربطه روابط متينة بالأمة العربية في الشرق، وأنه راغب رغبة أكيدة في تقوية تلك الروابط، لاسيما مع جامعة الدول العربية"، كما لم يرد في خطابه أي إشارة إلى وضـع الحماية الفرنسية بالمغرب.
وإزاء هذا الموقف من السلطان قامت فرنسا بإقالة المقيم العام إريك لابون في 4/5/1947م وتعيين الجنرال (الفونس جوان) المعروف بتشدده خلفاً له، وعلى الفور قام هذا الأخير بإعداد مشروع هدف في جوهره إلى إشغال المغاربة والسلطان عن المطالبة بالاستقلال، وتسهيل هجرة رؤوس الأموال الفرنسية إلى المغرب، وقام جوان بالتقدم بمشروعه إلى السلطان للمصادقة عليه، إلا أن السلطان رفض اعتماده، لما فيه من إضرار بمصالح المغرب، إلا أن جوان اتهمه بإعاقة بلاده عن المُضي في طريق الديموقراطية بُغية الاستئثار بالسلطة المُطلقة لنفسه.
وكخطوة أخرى للإيقاع بين السلطان والوطنيين وجهت فرنسا إليه الدعوة لزيارتها في أكتوبر1950م، وبالغت فى الحفاوة والترحاب به، إلا أن السلطان كان مُلماً بأبعاد اللعبة وقام بتقديم مذكرتين إلى الحكومة الفرنسية في 16/10/1950م عبر فيهما عن ضرورة تغيير طبيعة العلاقة بين فرنسا والمغرب، وطالب بإطلاق الحريات وإلغاء نظام الحماية؛ الأمر الذي مثل صدمة كبيرة للفرنسيين واعتبروه تهديداً لنفوذهم في المغرب.
عندما عاد السلطان كان الجنرال جوان قد أعد مؤامرة لعزله أعتمد فيها على (تهامي الجلاوي) باشا مُراكُش الذي أخذ في تحريض القبائل والباشاوات على التوقيع على عرائض للإطاحة بالسلطان، وفي 26/1/1951م قابل جوان السلطان وطلب منه إصدار بيان يُدين فيه أعمال حزب الاستقلال الحزب الرئيسي في الحركة الوطنية آنذاك، فرفض السلطان طلبه فما كان من جوان إلا أن وجه إليه إنذاراً بالعزل إن هو لم يُدين أعمال الحزب، في تلك الأثناء كان حزب الاستقلال يقوم بجهود جبارة لفضح الخطة الفرنسية في الداخل والخارج، مما حدا بالجامعة العربية إلى عقد عدة اجتماعات برئاسة النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية، أعلن على أثرها عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة آنذاك، عن تصميم الجامعة على تأييد مطامح الشعب المغربي.
وعلى الفور أعلن جوان في 22/2/1951م قطع العلاقات مع السلطان، وعلى الجانب الآخر كان الجلاوي قد بدأ في الزحف بقواته نحو العاصمة الرباط لمهاجمتها، ولما كانت نصوص معاهدة الحماية توجب على الإقامة العامة أن تتدخل لحماية السلطان في مثل هذه الحالة، لذا فقد تقدمت قوات الحماية وأحاطت بالقصر وحاصرته بحجة تأمين وحماية السلطان، أما واقع الأمر فقد كان الحصار تهديد للسلطان لإجباره على الخضوع لطلبات جوان، فلم يجد السلطان بداً من الخضوع لضغط المقيم العام، وقبول سياسة الأمر الواقع، فأصدر في 25/2/1951م بيان الاستنكار، لكنه لم يُسمي فيه حزب الاستقلال بعينه، حفظاً لماء الوجه، فما كان من الإقامة العامة إلا أن جعلت من بيان السلطان ذريعة للبطش واعتقال الوطنيين المغاربة. أدت تلك الأحداث إلى استياء الدول العربية وتقدمت الحكومة المصرية بشكوى ضد فرنسا أمام هيئة الأمم المتحدة في دورة 1951م، وطالبت دول أخرى فرنسا بحل المشكلة المغربية، مما أشعر فرنسا بفشل سياسة جوان في المغرب، فقامت بعزله في 28/8/1951م، وتعيين الجنرال "غيوم" خلفاً له في محاولة للتخفيف من حدة الموقف.
في مايو 1953م تولت حكومة "جوزيف لانييل" اليمينية مقاليد الحكم في فرنسا، وكان وزير خارجيته "جورج بيدو" يرى أن الصراع القائم في المغرب على حد تعبيره ما هو إلا صورة جديدة للنزاع بين الهلال والصليب لذا فقد تجددت فكرة خلع السلطان، ولما كان السلطان ممثلاً للسلطة الزمنية والدينية في ذات الوقت، لذا كان من الصعب انتزاع السلطة الزمنية منه ما دام يحتفظ بالسلطة الدينية، وهنا عمل الجلاوي على جمع العرائض عنوة من زعماء القبائل وصغار الباشاوات للمطالبة بأمير مؤمنين جديد وعزل السلطان، إضافة إلى رغبة الأحزاب اليمينية الفرنسية في التخلص من السلطان لرفضه التوقيع على المراسيم التي تقدمها له الإقامة العامة، لذا فقد صدرت الأوامر إلى المقيم العام غيوم بالتوجه إلى القصر طالباً من السلطان التنازل عن العرش، فإن رفض فعليه بخلعه، طبقاً لمطالب الزعماء وأهل الرأى من المغاربة.
لم تكن مشكلة ملئ العرش المغربي بعويصة على من دبروا لخلع السلطان، فقد كانوا قد أعدوا مسبقاً لتلك المهمة "محمد بن عرفة" أحد أقارب السلطان، وكان فى العقد السابع من العمر، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وبعد أن انتشرت الأخبار بأن القادة والباشاوات قد بايعوه أميراً للمؤمنين تحركت الإقامة العامة بقواتها وحاصرت القصر، فلم يعد بإمكان السلطان القيام بأى شىء، بعد أن انتزعت سلطته الدينية؛ وكان عليه إما أن يوقع على مطالب فرنسا المُجحفة، وإما أن يتنازل عن العرش.
في 20/8/1953م وهو اليوم السابق لعيد الأضحى المبارك توجه غيوم في القصر وطلب من السلطان التنحي عن العرش، فما كان من هذا الأخير إلا أن رفض الخضوع لتهديد المقيم العام، فأمر غيوم رئيس القوة المرافقة له بالقبض على السلطان واقتياده، رفقة ولديه الحسن وعبد الله وتم نفيهم إلى جزيرة مدغشقر، ويًعلن المقيم العام رسمياً نبأ خلع السلطان وتعيين بن عرفة خلفا له.
مما لا شك فيه أن عزل السلطان كان مثل هزة عنيفة للحركة الوطنية، في داخل المغرب وخارجه، فمن إذاعة صوت العرب في القاهرة انطلق صوت علال الفاسي مؤكداً تصميم الحكومات العربية على الدفاع عن حق المغرب وعودة السلطان واستقلال المغرب. عاش المغاربة ولفترة في ذهول مما حدث فلم تصدر أي حركات عنف عن الوطنيين، سوى تلك التي قام بها المواطن المغربي "علال بن عبد الله" الذي انتهز فرصة خروج بن عرفة بالموكب السلطاني لأداء صلاة الجمعة بمسجد مُراكُش، وأنسل مُحاولاً الانقضاض عليه، إلا أن الحراس أردوه قتيلاً.
وفي الوقت الذي حاولت فرنسا وعملائها إشغال القوى الوطنية المغربية بنفي السلطان، وإذا بالأمير الخطابي الذي استطاع الفرار من الأسر الفرنسي والاستقرار بالقاهرة يلتقط الكرة ويقذف بها في وجه فرنسا مرة أخرى إذ قاد حملة كبيرة دعا فيها الشعب بأكمله للثورة المسلحة وفوراً، وما كادت نداءاته تصل إلى المغاربة؛ إلا وحدث ما كانت فرنسا تخشاه، فقد فتح عليها المغاربة في العديد من المناطق أبواب من جهنم، أعادوا بها إلى أذهان الفرنسيين مرارة هزائمهم خلال حربهم للأمير الخطابي قبل عشرون عاماً بشمال المغرب.
كان هذا الوضع سبباً في أن أصدرت هيئة الأمم المتحدة في جلسة 3/11/1953م، قراراً يقضي بضرورة "التخفيف من حدة التوتر في المغرب وحثت على تأمين حق الشعب المغربي في أن يكون له مؤسسات ديموقراطية سياسية حرة، بناء على حقه في تقرير مصيره"، ومع سقوط أعداد كبيرة من القتلى بين المستوطنين الفرنسيين سيجد (إدجار فور) رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك مبرراً لتوجيه الدعوة إلى الزعماء المغاربة للاجتماع بهم في مقره الصيفي في (إكس ليبــان) للتفاوض معهم من أجل الوصول إلى تسوية للوضع القائم بالمغرب؛ وخلال أيام 22-27 أغسطس 1955م دارت بينهم وبين الحكومة الفرنسية مناقشات، أفضت إلى مجموعة من الخطوات اللازمة لتسوية الأزمة المغربية الفرنسية وعودة محمد الخامس.
وفي نهاية شهر أكتوبر 1955م وصل محمد الخامس إلى باريس للتفاوض حول كيفية تغيير العلاقة التي تربط بلاده بفرنسا. وفي 16/11/1955م يعود محمد الخامس إلى عرشه فيستقبله الشعب استقبال الأبطال، وتقام الاحتفالات وتعُم الفرحة الشعب العربي بأكمله، وفي 2/3/1956م تم توقيع الاتفاق الفرنسي المغربي بخصوص منح المغرب استقلاله، وعقب إعلان الاستقلال أصبح (الملك) لقباً للسلطان وسافر الملك محمد الخامس إلى مدريد فاجتمع بالجنرال (فرانكو) وبحثا معاً وضع القوات الأسبانية في شمال المغرب، وفي 7/4/1956م تم الإعلان عن تخلى أسبانيا عن المناطق التي تحتلها في المغرب.
هكذا تكلل كفاح الشعب المغربي وملكه باستخلاص الاستقلال الكامل لبلادهم، بعد ما بذلوه من دماء طاهرة ثمناً لهذا الاستقلال، وأدار محمد الخامس شؤون بلاده برجاحة عقل، وأقام علاقات ود طيبة مع معظم الدول والزعماء، وبتقدم السن وانقضاء الأيام مرض محمد الخامس وأدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية قضى خلالها أجله يوم 26 فبراير 1961م، رحم الله الرجل وأسكنه فسيح جناته
الملك محمد الخامس
محمد الخامس (قصة كفاح ملك وشعب)
1909م-1961م
ولد السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) عام 1909م وقبل ثلاث سنوات من فرض فرنسا لحمايتها على المغرب، وفي عام 1927م توفي والده المولى (يوسف) سلطان المغرب، ولم يكن عمره آنذاك قد تعدى الثامنة عشرة، فتمت مبايعته في 18/11/1927م، وظل السلطان الشاب يُعاني من تسلط قوات الحماية الفرنسية في بلاده بعد أن نجحت في القضاء على ثورة الأمير الخطابي في شمال المغرب عام 1926م وقامت بنفيه إلى جزيزة (رينيون) بالمحيط الهندي، وفي فبراير عام 1934م قررت فرنسا إلحاق المغرب بوزارة المستعمرات الفرنسية، مما كان يعني اعتبار المغرب أرضاً مستعمرة، ولم تثنى فرنسا غضبة المغاربة التي تفجرت ضدها من الاستمرار في سياسة البطش والتنكيل بهم، وقامت بنفي عدد كبير منهم خارج المغرب.
وفي محاولة من السلطان لنيل بعض الحقوق لمواطنيه أمر بمشاركة الجنود المغاربة في الحرب إلى جانب فرنسا عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939م، وعند استسلام فرنسا للألمان في يونيو عام 1940م أبدى السلطان تأثره وحزنه الشديد، واستمر على ولائه لها ورفض إقامة أي علاقة مع الألمان بغية أن يحصل المغرب على ثمن وقوفه بجانب الحلفاء على حد قوله عقب انتصار فرنسا وحلفائها: "لقد شارك المغرب في الحرب الأخيرة بأبنائه وبجميع ما لديه من وسائل إلى أن تم النصر النهائي، وقد أخذت الشعوب اليوم تطالب بحقوق متلائمة مع العصر الحاضر، فمن العدل أن ينال الشعب المغربي حقوقه المشروعة وأن تتحقق مطامحه التي هي مطامح جميع الشعوب"، أما مكافئة فرنسا للسلطان فكانت أن وشح الجنرال ديجول السلطان بوسام (رفقاء التحرير) في 17 يوليو 1945م بباريس.
وفي عام 1946م تم تعيين الفرنسي (أريك لابون) مقيماً عاماً في المغرب، فاستهل عمله ببعض الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وخفف من سياسة العنف ضد الوطنيين، وسمح بعودة بعضهم من المنافي، إلا أن تلك السياسة لم تكن لتؤدي إلى الاعتراف بحق المغرب فيالاستقلال؛ وفي خطوة جريئة من السلطان قام بزيارة لمدينة طنجة المغربية الواقعة تحت الإدارة الدولية آنذاك، وألقى بها خطاباً هاماً في 10 أبريل 1947م كان حداً فاصلاً في العلاقة بينه وبين سلطات الحماية بعد أن صرح بأن: "المغرب بلد عربي تربطه روابط متينة بالأمة العربية في الشرق، وأنه راغب رغبة أكيدة في تقوية تلك الروابط، لاسيما مع جامعة الدول العربية"، كما لم يرد في خطابه أي إشارة إلى وضـع الحماية الفرنسية بالمغرب.
وإزاء هذا الموقف من السلطان قامت فرنسا بإقالة المقيم العام إريك لابون في 4/5/1947م وتعيين الجنرال (الفونس جوان) المعروف بتشدده خلفاً له، وعلى الفور قام هذا الأخير بإعداد مشروع هدف في جوهره إلى إشغال المغاربة والسلطان عن المطالبة بالاستقلال، وتسهيل هجرة رؤوس الأموال الفرنسية إلى المغرب، وقام جوان بالتقدم بمشروعه إلى السلطان للمصادقة عليه، إلا أن السلطان رفض اعتماده، لما فيه من إضرار بمصالح المغرب، إلا أن جوان اتهمه بإعاقة بلاده عن المُضي في طريق الديموقراطية بُغية الاستئثار بالسلطة المُطلقة لنفسه.
وكخطوة أخرى للإيقاع بين السلطان والوطنيين وجهت فرنسا إليه الدعوة لزيارتها في أكتوبر1950م، وبالغت فى الحفاوة والترحاب به، إلا أن السلطان كان مُلماً بأبعاد اللعبة وقام بتقديم مذكرتين إلى الحكومة الفرنسية في 16/10/1950م عبر فيهما عن ضرورة تغيير طبيعة العلاقة بين فرنسا والمغرب، وطالب بإطلاق الحريات وإلغاء نظام الحماية؛ الأمر الذي مثل صدمة كبيرة للفرنسيين واعتبروه تهديداً لنفوذهم في المغرب.
عندما عاد السلطان كان الجنرال جوان قد أعد مؤامرة لعزله أعتمد فيها على (تهامي الجلاوي) باشا مُراكُش الذي أخذ في تحريض القبائل والباشاوات على التوقيع على عرائض للإطاحة بالسلطان، وفي 26/1/1951م قابل جوان السلطان وطلب منه إصدار بيان يُدين فيه أعمال حزب الاستقلال الحزب الرئيسي في الحركة الوطنية آنذاك، فرفض السلطان طلبه فما كان من جوان إلا أن وجه إليه إنذاراً بالعزل إن هو لم يُدين أعمال الحزب، في تلك الأثناء كان حزب الاستقلال يقوم بجهود جبارة لفضح الخطة الفرنسية في الداخل والخارج، مما حدا بالجامعة العربية إلى عقد عدة اجتماعات برئاسة النحاس باشا رئيس الحكومة المصرية، أعلن على أثرها عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام للجامعة آنذاك، عن تصميم الجامعة على تأييد مطامح الشعب المغربي.
وعلى الفور أعلن جوان في 22/2/1951م قطع العلاقات مع السلطان، وعلى الجانب الآخر كان الجلاوي قد بدأ في الزحف بقواته نحو العاصمة الرباط لمهاجمتها، ولما كانت نصوص معاهدة الحماية توجب على الإقامة العامة أن تتدخل لحماية السلطان في مثل هذه الحالة، لذا فقد تقدمت قوات الحماية وأحاطت بالقصر وحاصرته بحجة تأمين وحماية السلطان، أما واقع الأمر فقد كان الحصار تهديد للسلطان لإجباره على الخضوع لطلبات جوان، فلم يجد السلطان بداً من الخضوع لضغط المقيم العام، وقبول سياسة الأمر الواقع، فأصدر في 25/2/1951م بيان الاستنكار، لكنه لم يُسمي فيه حزب الاستقلال بعينه، حفظاً لماء الوجه، فما كان من الإقامة العامة إلا أن جعلت من بيان السلطان ذريعة للبطش واعتقال الوطنيين المغاربة. أدت تلك الأحداث إلى استياء الدول العربية وتقدمت الحكومة المصرية بشكوى ضد فرنسا أمام هيئة الأمم المتحدة في دورة 1951م، وطالبت دول أخرى فرنسا بحل المشكلة المغربية، مما أشعر فرنسا بفشل سياسة جوان في المغرب، فقامت بعزله في 28/8/1951م، وتعيين الجنرال "غيوم" خلفاً له في محاولة للتخفيف من حدة الموقف.
في مايو 1953م تولت حكومة "جوزيف لانييل" اليمينية مقاليد الحكم في فرنسا، وكان وزير خارجيته "جورج بيدو" يرى أن الصراع القائم في المغرب على حد تعبيره ما هو إلا صورة جديدة للنزاع بين الهلال والصليب لذا فقد تجددت فكرة خلع السلطان، ولما كان السلطان ممثلاً للسلطة الزمنية والدينية في ذات الوقت، لذا كان من الصعب انتزاع السلطة الزمنية منه ما دام يحتفظ بالسلطة الدينية، وهنا عمل الجلاوي على جمع العرائض عنوة من زعماء القبائل وصغار الباشاوات للمطالبة بأمير مؤمنين جديد وعزل السلطان، إضافة إلى رغبة الأحزاب اليمينية الفرنسية في التخلص من السلطان لرفضه التوقيع على المراسيم التي تقدمها له الإقامة العامة، لذا فقد صدرت الأوامر إلى المقيم العام غيوم بالتوجه إلى القصر طالباً من السلطان التنازل عن العرش، فإن رفض فعليه بخلعه، طبقاً لمطالب الزعماء وأهل الرأى من المغاربة.
لم تكن مشكلة ملئ العرش المغربي بعويصة على من دبروا لخلع السلطان، فقد كانوا قد أعدوا مسبقاً لتلك المهمة "محمد بن عرفة" أحد أقارب السلطان، وكان فى العقد السابع من العمر، وكان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وبعد أن انتشرت الأخبار بأن القادة والباشاوات قد بايعوه أميراً للمؤمنين تحركت الإقامة العامة بقواتها وحاصرت القصر، فلم يعد بإمكان السلطان القيام بأى شىء، بعد أن انتزعت سلطته الدينية؛ وكان عليه إما أن يوقع على مطالب فرنسا المُجحفة، وإما أن يتنازل عن العرش.
في 20/8/1953م وهو اليوم السابق لعيد الأضحى المبارك توجه غيوم في القصر وطلب من السلطان التنحي عن العرش، فما كان من هذا الأخير إلا أن رفض الخضوع لتهديد المقيم العام، فأمر غيوم رئيس القوة المرافقة له بالقبض على السلطان واقتياده، رفقة ولديه الحسن وعبد الله وتم نفيهم إلى جزيرة مدغشقر، ويًعلن المقيم العام رسمياً نبأ خلع السلطان وتعيين بن عرفة خلفا له.
مما لا شك فيه أن عزل السلطان كان مثل هزة عنيفة للحركة الوطنية، في داخل المغرب وخارجه، فمن إذاعة صوت العرب في القاهرة انطلق صوت علال الفاسي مؤكداً تصميم الحكومات العربية على الدفاع عن حق المغرب وعودة السلطان واستقلال المغرب. عاش المغاربة ولفترة في ذهول مما حدث فلم تصدر أي حركات عنف عن الوطنيين، سوى تلك التي قام بها المواطن المغربي "علال بن عبد الله" الذي انتهز فرصة خروج بن عرفة بالموكب السلطاني لأداء صلاة الجمعة بمسجد مُراكُش، وأنسل مُحاولاً الانقضاض عليه، إلا أن الحراس أردوه قتيلاً.
وفي الوقت الذي حاولت فرنسا وعملائها إشغال القوى الوطنية المغربية بنفي السلطان، وإذا بالأمير الخطابي الذي استطاع الفرار من الأسر الفرنسي والاستقرار بالقاهرة يلتقط الكرة ويقذف بها في وجه فرنسا مرة أخرى إذ قاد حملة كبيرة دعا فيها الشعب بأكمله للثورة المسلحة وفوراً، وما كادت نداءاته تصل إلى المغاربة؛ إلا وحدث ما كانت فرنسا تخشاه، فقد فتح عليها المغاربة في العديد من المناطق أبواب من جهنم، أعادوا بها إلى أذهان الفرنسيين مرارة هزائمهم خلال حربهم للأمير الخطابي قبل عشرون عاماً بشمال المغرب.
كان هذا الوضع سبباً في أن أصدرت هيئة الأمم المتحدة في جلسة 3/11/1953م، قراراً يقضي بضرورة "التخفيف من حدة التوتر في المغرب وحثت على تأمين حق الشعب المغربي في أن يكون له مؤسسات ديموقراطية سياسية حرة، بناء على حقه في تقرير مصيره"، ومع سقوط أعداد كبيرة من القتلى بين المستوطنين الفرنسيين سيجد (إدجار فور) رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك مبرراً لتوجيه الدعوة إلى الزعماء المغاربة للاجتماع بهم في مقره الصيفي في (إكس ليبــان) للتفاوض معهم من أجل الوصول إلى تسوية للوضع القائم بالمغرب؛ وخلال أيام 22-27 أغسطس 1955م دارت بينهم وبين الحكومة الفرنسية مناقشات، أفضت إلى مجموعة من الخطوات اللازمة لتسوية الأزمة المغربية الفرنسية وعودة محمد الخامس.
وفي نهاية شهر أكتوبر 1955م وصل محمد الخامس إلى باريس للتفاوض حول كيفية تغيير العلاقة التي تربط بلاده بفرنسا. وفي 16/11/1955م يعود محمد الخامس إلى عرشه فيستقبله الشعب استقبال الأبطال، وتقام الاحتفالات وتعُم الفرحة الشعب العربي بأكمله، وفي 2/3/1956م تم توقيع الاتفاق الفرنسي المغربي بخصوص منح المغرب استقلاله، وعقب إعلان الاستقلال أصبح (الملك) لقباً للسلطان وسافر الملك محمد الخامس إلى مدريد فاجتمع بالجنرال (فرانكو) وبحثا معاً وضع القوات الأسبانية في شمال المغرب، وفي 7/4/1956م تم الإعلان عن تخلى أسبانيا عن المناطق التي تحتلها في المغرب.
هكذا تكلل كفاح الشعب المغربي وملكه باستخلاص الاستقلال الكامل لبلادهم، بعد ما بذلوه من دماء طاهرة ثمناً لهذا الاستقلال، وأدار محمد الخامس شؤون بلاده برجاحة عقل، وأقام علاقات ود طيبة مع معظم الدول والزعماء، وبتقدم السن وانقضاء الأيام مرض محمد الخامس وأدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية قضى خلالها أجله يوم 26 فبراير 1961م، رحم الله الرجل وأسكنه فسيح جناته