المساعد الشخصي الرقمي إضغط هنا لمشاهدة المواضيع حسب التسلسل من الأحدث الى الأقدم

مشاهدة النسخة كاملة : الكتاب : موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية


جعفر الجزائري
12-01-09, 12:48 AM
لم يبد راكوسي أي اهتمام بالشئون اليهودية، بل وحاول إخفاء أصله اليهودي، كما أنه كان مناهضا للصهيونية، وقدم الكثير من الصهاينة للمحاكمة، فهو إذن «يهودي غير يهودي» على حد تعبير إسحق دويتشر. وقد لعب هؤلاء اليهود غير اليهود دورا كبيرا في نشر الشيوعية في شرق أوربا وفي حكوماتها الشيوعية بعد ذلك. وقد تأثر كثير من أعضاء الجماعة اليهودية في المجر تأثرا سلبيا من سياسات راكوسي الاقتصادية التي أدت إلى تأميم المؤسسات التجارية الخاصة وإلى نقل آلاف السكان خارج العاصمة وغيرها من المدن الكبيرة. ولكنه، مع هذا، ظل يصنف على أنه «يهودي».
ادعاء اليهودية
Claiming Jewishness
«ادعاء اليهودية» هو أن يدعي شخص غير يهودي، وليست له أية جذور يهودية على الإطلاق، أنه يهودي. والمصطلح نفسه ينطبق على يهودي مندمج تماما (يهودي غير يهودي) نسي يهوديته، ولكنه تحت ظروف معينة يدعي أنه يهودي. وهذه الظاهرة ظاهرة حديثة تماما، فعبر التاريخ كان «التهود» يعني الانضمام لأقلية لها طقوسها وشعائرها ووظائفها التي تعزلها عن المجتمع، والتي لها وضع مختلف عن وضع الأغلبية، ولذا لم يكن هناك أي مبرر لادعاء اليهودية.
وقد ظل الوضع كذلك إلى أن ظهرت الحركة الصهيونية وأقيمت دولة إسرائيل التي فتحت أبوابها للمهاجرين (بخاصة من الدول الغربية) وقدمت لهم هي والحركة الصهيونية تسهيلات مادية وعينية مختلفة ومنحا مالية مباشرة. وقد شجع هذا بعض العناصر اليهودية ممن فقدوا علاقاتهم باليهودية على إعادة اكتشاف هذه العلاقة حتى يمكنهم عن طريقها تحقيق المزايا المادية. ولكن الظاهرة ظلت هامشية إلى حد كبير.
--------------------------------------------------------------------------------

ومع هجرة اليهود السوفييت في بداية التسعينيات (والتي تزامنت مع تآكل الاتحاد السوفيتي ثم سقوطه)، تفاقمت الظاهرة حتى أن كثيرا من «اليهود المتخفين»، أي المواطنين السوفييت من أصل يهودي، الذين سجلوا أنفسهم على أنهم غير يهود (وهو أمر كان يسمح به القانون السوفيتي)، بدأوا يؤكدون هويتهم اليهودية المزعومة، وانضمت لهم بأعداد متزايدة عناصر غير يهودية على الإطلاق (من بينها عناصر مسيحية بل ومسلمة). ويقال إن ما بين نصف أو ثلث المهاجرين اليهود السوفييت في التسعينيات غير يهود (مدعو اليهودية أو زوجات وأزواج غير يهود).
ولا يقتصر الأمر على الاتحاد السوفيتي (سابقا)، فمن المعروف أن عدد اليهود في مدينة مكسيكوسيتي كان يبلغ حوالي عشرة آلاف ثم قفز إلى 35 ألفا في عام واحد بعد أن بدأت بعض المنظمات اليهودية الأمريكية تقديم العون للجماعة اليهودية في المكسيك.
وقد تكررت الظاهرة مرة أخرى في إثيوبيا، فالفلاشاه ليسوا يهودا بالمعنى الحاخامي، ومع هذا سمح لهم بالهجرة إلى إسرائيل. ثم بدأ الفلاشاه موراه بالمطالبة بالهجرة باعتبارهم يهودا، مع أنهم فلاشاه تنصروا منذ قرنين من الزمان.
--------------------------------------------------------------------------------

ويرى الإسرائيليون أن العبرانيين السود أو اليهود السود (من الولايات المتحدة) مدعو اليهودية. وفي الأعوام الأخيرة، بدأت الظاهرة تأخذ شكلا حادا إذ بدأ أفراد بعض القبائل في آسيا وأفريقيا يعلنون أنهم «يهود» (من نسل القبائل العبرانية العشر المفقودة) ومن ثم يحق لهم الهجرة إلى إسرائيل بمقتضى قانون العودة. وبعض هذه القبائل توجد في شعائرها بالفعل عناصر عبرية أو يهودية، ولكنها لا تجعل عقيدتهم عقيدة يهودية (بأقصى المعايير تسامحا بل ونسبية) ومن ثم لا يمكن تصنيف أعضائها على أنهم يهود. ولكن معظم أعضاء الجماعات اليهودية لا يعترفون بمعيارية اليهودية الحاخامية. وقد عرفت المحكمة الإسرائيلية العليا اليهودي بأنه من يرى نفسه كذلك. وهذا يخلق ورطة حقيقية للمستوطن الصهيوني. ولذلك، فقد تعالت الأصوات ولأول مرة في تاريخ الصهيونية مطالبة بإلغاء قانون العودة.
أغيار يتحدثون العبرية
Heberw-Speaking Gentiles
«أغيار يتحدثون العبرية» مصطلح صكه عالم الاجتماع الفرنسي (اليهودي) جورج فريدمان في كتابه موت الشعب اليهودي ويستخدمه للإشارة إلى جيل الصابرا الإسرائيلي، فهم من وجهة نظره يختلفون تماما عن يهود العالم (يهود المنفى)، وهويتهم لا علاقة لها بما يسمى «الهوية اليهودية». ولذا، فهم ليسوا يهودا وإنما أغيار وحسب، حتى وإن كانوا يتحدثون العبرية. والمصطلح تعبير عن إشكالية الهوية أو الهويات اليهودية.
أعضاء الجماعات اليهودية وقضية الهوية القومية
Members of Jewish Communities and the Issue of National Identity
--------------------------------------------------------------------------------

ما يقال له «المسألة اليهودية» هو، في جانب أساسي منه، مشكلة «الهوية اليهودية» في التشكيل الحضاري الغربي. وتعود بجذورها إلى العصور الوسطى في الغرب إذ أن أعضاء الجماعات اليهودية لعبوا هناك دور الجماعة الوظيفية الوسيطة كتجار ومرابين، الأمر الذي أدى إلى عزلهم عن بقية أعضاء المجتمع. ومما دعم هذه العزلة، علاقات الجماعة الوظيفية اليهودية (في كل بلد أو مدينة أوربية) مع الجماعات الوظيفية اليهودية الأخرى في أنحاء العالم الغربي والإسلامي، وهي علاقات كانت تشكل ما يشبه النظام المصرفي والائتماني العالمي. وقد خلقت هذه العلاقات وهم الوحدة، بحيث كان المراقب الخارجي يتصور أن اليهود يشكلون وحدة قومية بسبب علاقاتهم التجارية والمالية، وهم في الواقع جماعات غير متجانسة تنتمي إلى تشكيلات حضارية مختلفة ويربطها رباط الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية (وهذا ما سماه أبراهام ليون«الطبقة/الأمة»). ومن أسباب تدعيم العزلة، أيضا، التصور المسيحي لهم باعتبارهم قتلة المسيح والشعب الشاهد (على عظمة الكنيسة وصدقها). وقد تبدى كل هذا في شكل استيطان وتوطين اليهود في الجيتو. وهذه بالطبع صورة نموذجية مثالية تختلف كثيرا عن الواقع الحي الذي كان أكثر تماوجا وتركيبا.

--------------------------------------------------------------------------------

وقد ظل هذا الوضع قائما في أوربا، بصور مختلفة، حتى القرن السابع عشر، حين بدأت تظهر الطبقات البورجوازية المحلية (المسيحية) ثم الدول المطلقة ووريثتها الدولة القومية الحديثة التي بدأت تضطلع بكل وظائف الجماعات الوظيفية، وهو ما أدى إلى الاستغناء عنها، وانهيار الهيكل القانوني والسياسي الذي كان يجسد عملية الفصل بين الطبقات من ناحية، والجماعات الدينية والإثنية التي كانت تدار على أساسها الدولة في المجتمع التقليدي من الناحية الأخرى. وقد طالبت الدولة القومية الحديثة أعضاء الجماعات اليهودية وكل الأقليات بالتخلص من خصوصيتهم الدينية أو الإثنية أو العرقية، وبأن يقوموا بإعادة تعريف هويتهم بشكل يتفق مع ما تتطلبه من ولاء قومي كامل من كل المواطنين، وحاولت تخليصهم من تمايزهم الوظيفي والاقتصادي. وهذه عملية يمكن أن نطلق عليها مصطلح «تحديث الهوية» أو «علمنة الهوية». وتتم هذه العملية وتكتمل حينما يتحول أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة وظيفية وسيطة إلى أعضاء في الطبقة الوسطى، أو أي من الطبقات الأخرى في المجتمع.

--------------------------------------------------------------------------------

ومن منظور التحديث، يمكننا أن نقول إن هويتين يهوديتين أساسيتين ظهرتا في التشكيل الحضاري الغربي في القرن التاسع عشر، أولاهما، الهوية اليهودية في مجتمعات غرب أوربا ووسطها، في إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وفي ألمانيا بدرجة أقل، ثم في الولايات المتحدة، وهي مجتمعات تتسم بأنها لم تكن تضم أعدادا كبيرة من أعضاء الجماعات وبأن عملية التحديث نجحت فيها إلى حد كبير، وتم إعتاق أعضاء الجماعات وإعطاؤهم حقوقهم السياسية والمدنية، كما تم دمجهم في المجتمع اقتصاديا وثقافيا، حيث أصبح الاندماج هو المثل الأعلى. وقد نشأت، في هذا الإطار الاندماجي، اليهودية الإصلاحية التي فصلت الهوية الدينية عن الهوية القومية أو الإثنية تماما، وعرفت الهوية اليهودية تعريفا دينيا خالصا. وقد أنجزت اليهودية الأرثوذكسية أمرا مماثلا بأن جعلت هوية اليهودي مسألة دينية أساسا، وجعلت تحقيق الجانب القومي من العقيدة اليهودية مرتبطا بالإرادة الإلهية، وهو كما تقدم الحل التقليدي الذي طرحته اليهودية الحاخامية للإشكالية المشيحانية. وقد اندمج يهود هذه المجتمعات اندماجا كاملا، وكانوا يتحدثون الفرنسية في فرنسا والإنجليزية في كل من إنجلترا والولايات المتحدة. والهوية اليهودية في ألمانيا، وفي كثير من بلاد وسط أوربا، تنتمي إلى النمط نفسه رغم اختلاف الظروف، ولا يمكن فهم هوية الجماعات اليهودية في هذه البلاد إلا في السياق الحضاري لكل منها. وبالتدريج تراجع البعد الديني مع تصاعد معدلات العلمنة فأعيد تعريف الهوية اليهودية على أساس إثني علماني ولكن البعد اليهودي (الإثني والديني) ظل هامشيا للغاية. ولذلك، تأخذ التطلعات القومية اليهودية ليهود الغرب، إذا وجدت، شكل حنين ديني للعودة إلى صهيون (الروحية) إن كان اليهود من المتدينين. أما إذا كانوا من العلمانيين، فإنها تأخذ شكل حماس عاطفي لهويتهم الإثنية، لا يترجم نفسه أبدا إلى هجرة

--------------------------------------------------------------------------------

استيطانية وإنما يأخذ شكل صهيونية توطينية، أي ينصرف إلى توطين اليهود الآخرين حتى يحموا مواقعهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية. وهذه هي هوية ما بعد الانعتاق أو الهوية اليهودية بعد تحديثها أو الهوية اليهودية الجديدة.
أما الهوية اليهودية الثانية، فقد نشأت في مجتمعات شرق أوربا بين يهود اليديشية، خصوصا في بولندا وروسيا. وهذه مجتمعات دخلت العصر الحديث متأخرة وسادت فيها (في القرن التاسع عشر) ظروف تشبه الظروف السائدة في العالم الثالث في الوقت الحاضر، إذ تعثر فيها التحديث لسنوات طويلة ابتداء من عام 1882، كما أنها كانت تضم أعدادا ضخمة من أعضاء الجماعات اليهودية، بل معظم يهود العالم. وكان أعضاء الجماعات اليهودية في هذه المجتمعات يتحدثون اليديشية في محيط سلافي، ويؤمنون باليهودية في محيط مسيحي أرثوذكسي محافظ. كما أن روسيا كانت تأخذ شكل إمبراطورية مكونة من قوميات لكل منها لغتها وثقافتها. ولذا، لم يكن اليهود، كتجمع له ثقافته ولغته، يمثل استثناء كبيرا. وقد بذلت محاولات، في نهاية القرن التاسع عشر، لصبغ اليهود، وغيرهم من الجماعات، بالصبغة الروسية أو البولندية. ولكن، مع تعثر التحديث، توقفت هذه المحاولات.
وداخل هذا الإطار، وفي هذه المرحلة (أواخر القرن التاسع عشر) طرحت في شرق أوربا عدة تصورات للهوية اليهودية تستند إلى تجربة أعضاء الجماعات اليهودية في تلك المنطقة. فكان هناك التصور الاندماجي الذي يشبه تصور يهود الغرب للهوية. ولكن، كان هناك تصوران آخران هما اللذان قدر لهما الشيوع في صفوف يهود شرق أوربا.
أ) قومية الدياسبورا:

--------------------------------------------------------------------------------

حاول دعاة قومية الدياسبورا (سيمون دبنوف، وحزب البوند)، المتأثرون بتجربة يهود شرق أوربا وتراثهم، أن يعرفوا الهوية اليهودية تعريفا ثقافيا أو تراثيا وحسب، بإسقاط الجانب الديني تماما، إذ رأوا أن الهوية اليهودية هي أساسا انتماء إلى التراث الثقافي اليهودي. كما لم يربطوا هذا التراث بفلسطين أو بأي مركز محدد آخر، فهم يرون أن مركز اليهودية الثقافي ينتقل من بلد إلى آخر. كما أنهم يرفضون أي إطار عالمي لليهودية، ولا يعترفون بوجود ثقافة يهودية عالمية، ويرون أن كل جماعة يهودية مرتبطة بحركيات تاريخية مختلفة ولها هوية مختلفة وتراث يهودي مختلف، ولذا فإن كل جماعة تبحث عن حلول لمسألتها داخل حدود تاريخها الخاص والمتعين وخارج أية رؤية تاريخية عالمية. ولهذا، يمكن القول بأنهم لا يتحدثون في واقع الأمر عن «قومية الديسبورا» (كما يتوهمون)، وإنما عن هوية يهودية شرق أوربية (يديشية) متفاعلة مع التشكيل الحضاري الذي توجد فيه. وانطلاقا من تلك الرؤية، يرى دعاة قومية الدياسبورا أن اللغة التي تعبر عن هذه الهوية اليهودية ليست العبرية (اللغة الدينية العالمية لليهود)، وإنما اليديشية. وحينما استأنفت الثورة البلشفية عملية التحديث في روسيا، ناصبت حزب البوند العداء لأسباب سياسية في البداية، كما رفضت تصوره للهوية اليهودية المحدودة الشرق أوربية، ولكنها عادت في الثلاثينيات واعترفت بها وبلغتها المستقلة وبشخصيتها الثقافية المستقلة التي يمكن أن تتحقق داخل الإطار السوفيتي. وانطلاقا من ذلك، حددت مقاطعة بيروبيجان، كمقاطعة مستقلة، لغتها الرسمية اليديشية. وكان بإمكان هذه المقاطعة، من الناحية النظرية، أن تتحول إلى جمهورية مستقلة (داخل اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية) لو هاجر إليها عدد كاف من اليهود. وقد ظلت الهوية اليديشية مزدهرة في الفجوة الزمنية بين تعثر التحديث واستئنافه في الاتحاد السوفيتي

--------------------------------------------------------------------------------

وبين هجرة يهود شرق أوربا إلى الولايات المتحدة واندماجهم فيها، وهي تقع على وجه التقريب بين بداية القرن الحالي وأواخر الأربعينيات. ولكن مع تصاعد معدلات التحديث والعلمنة بدأت الهوية اليديشية في التآكل السريع، وساهم النازيون في القضاء على البقية الباقية من هذه الهوية، ومع الستينيات لم يعد للهوية اليديشية من أثر في العالم.
ب) الحل الصهيوني:
حاول الصهاينة العلمانيون، أو اللادينيون، إعادة تعريف الهوية اليهودية تعريفا يؤكد الجانب القومي ولا يعنى بالجانب الديني إلا بمقدار تعبيره عما يسمى «القومية اليهودية». وقد أسس هؤلاء مجتمعهم الصهيوني استنادا إلى هذه الرؤية. ومع هذا، ظهرت داخل الحركة الصهيونية جماعات من الصهاينة المتدينين الذين يرون أن الدين اليهودي والقومية اليهودية هما شيء واحد، وأن الهوية اليهودية هوية قومية دينية، الأمر الذي أدى إلى تصعيد التفجرات داخل الكيان الصهيوني.
التعاريف الصهيونية للهويات اليهودية
Zionist Definitions of Jewish Identities

--------------------------------------------------------------------------------

تعد الصهيونية، في أحد جوانبها، محاولة لإعادة تعريف اليهود تعريفا يتفق مع وضعهم الجديد في الغرب بعد ظهور الدولة القومية العلمانية وعصر الإعتاق وسقوط الجيتو. وهي، من هذا المنظور، واحدة من كثير من المحاولات اليهودية الأخرى، مثل: اليهودية الإصلاحية، واليهودية الأرثوذكسية، وقومية الدياسبورا. وينطلق الصهاينة اللادينيون من تعريف للهوية هو في جوهره علمنة لكثير من الأفكار القومية الكامنة في التراث الديني اليهودي. فهم يرون أن ثمة هوية قومية يهودية واحدة متميزة متجانسة تفرق بين اليهود وسواهم من أقوام وشعوب في كل زمان ومكان، وأن ثمة مصدرين لها. أما المصدر الأول، فهو الضغوط من الخارج، أي أن مصدر الهوية اليهودية ليس من داخل اليهودية ذاتها وإنما هو مجرد رد فعل لهجمات أعداء اليهود عليهم، باعتبار أن اليهود جسم قومي غريب في أوطان الآخرين. ومن جهة أخرى يرى بعض الصهاينة المتأثرين بالخطاب الاشتراكي أن مصدر الهوية اليهودية هو الوضع الطبقي المتميز لليهود في المجتمع الغربي كجماعة وظيفية وسيطة. واليهودي، بحسب الرؤية السابقة، يكتسب هويته من الغير، وهو تعريف أخذ به معظم الصهاينة الأوائل مثل: تيودور هرتزل، وماكس نوردو، وأهارون جوردون، وغيرهم. ويبدو أن هذا كان الاتجاه السائد في أوربا. فعلى سبيل المثال، صرح كارل ليوجر (المرشح المعادي لليهود لمنصب عمدة فيينا) بأنه هو الذي يحدد من هو اليهودي.
--------------------------------------------------------------------------------

لكن معظم الاتجاهات الصهيونية لا تأخذ بهذا الرأي الآن، وتطرح تصورا للهوية اليهودية على اعتبار أنها شيء نابع من مصدر آخر هو حركيات ما يسمى «التاريخ اليهودي» المرتبط بفلسطين (إرتس يسرائيل في الخطاب الديني). وهذا المجال الزماني المكاني هو المجال الوحيد الذي تستطيع فيه هذه الهوية أن تعبر عن نفسها تعبيرا كاملا، مثلما حدث تحت حكم المملكة العبرانية المتحدة (أو الكومنولث الأول) وحكم الدولة الحشمونية (أو الكومنولث الثاني)، إلى أن تم هدم الهيكل.
ويرى الصهاينة أن هويات يهود المنفى المندمجين ليست إلا انحرافا عن مسار هذا التاريخ. ولذا، فهم ينطلقون في تعريفهم الهوية اليهودية « الحقة » من انتقاد جذري لهذه الهويات، مستخدمين كثيرا من أطروحات أدبيات معاداة اليهود. فاليهود المندمجون شخصيات مريضة مصابة بالازدواج والانقسام، مشوهة وهامشية، وهم يحاولون إخفاء هويتهم اليهودية الحقة المتأصلة ويبذلون قصارى جهدهم في إظهار هويتهم غير اليهودية المكتسبة والإعلان عنها بشكل مقزز، الأمر الذي يجعلهم يشبهون القردة التي تقلد ما لا تعي. وستلغى كل هذه الأوضاع الشاذة حالما يؤسس الصهاينة وطنا قوميا تتمكن الشخصية اليهودية من خلاله التعبير عن نفسها بشكل سوي تعبيرا كاملا، بحيث يصبح اليهود شعبا مثل كل الشعوب. وسيحقق اليهود من خلال الدولة، وبوصفهم شعبا، ما فشلوا في تحقيقه بوصفهم أعضاء في مجتمعاتهم. وهذا ما يسمى في المصطلح الصهيوني «تطبيع الشخصية اليهودية». وبحسب الرؤية الصهيونية، فقد بدأت هذه العملية بالفعل في عام 1948ـ عام إعلان الدولة الصهيونية (الكومنولث الثالث). لكن تطبيع اليهود لا يعني تصفية الهوية اليهودية وإنما يعني منحهم هوية يهودية جديدة سوية؛ هوية اليهودي الخالص (اليهودي مائة بالمائة على حد قول بن جوريون). وقد طرحت تصورات عدة لمصدر يهودية هذا اليهودي الخالص ولسماته وجوهره:




--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ التعريف العرقي:
يصر المدافعون عن هذا التعريف على رؤية اليهود كعنصر عرقي متميز، ولذا فهم يتحدثون عن «الجنس اليهودي» وعن اليهود باعتبارهم « جنسا متميزا ». وقد عرف كثير من الزعماء الصهاينة اليهودية بأنها « مسألة تتعلق بالدم». وانطلاقا من ذلك، يرى الصهاينة أن التزاوج مع الأجانب سيؤدي إلى تدهور العرق اليهودي، وأنه لابد من تأسيس وطن قومي (لهذا الجنس الفريد) ودولة مستقلة يعبر فيها عن عبقريته ويمارس فيها إرادته. ولكن تم التخلي عن هذا التعريف تماما في هذه الأيام، إذ أن النظريات العرقية لم تعد مقبولة في الغرب، خصوصا بعد أن نجح هتلر في تدمير أعداد كبيرة من اليهود باسم هذه النظريات والاعتذاريات.
2 ـ التعريف الإثني أو التراثي:
يرى فريق من الصهاينة أن اليهود جماعة مترابطة ذات تاريخ مشترك منفصل ومحدد، وأن ثمة روابط تراثية (وليست عرقية) فريدة بقيت على مدى قرابة أربعة آلاف سنة بين اليهود، وأن ثمة تماثلا في أوضاع اليهود الإثنية والتاريخية، والمختلفة من بلد إلى بلد. وهم يرون أن ما حفظ وحدة اليهود هو الدين اليهودي، لا من حيث هو عقيدة وإنما من حيث هو إطار رمزي وبعد أساسي من أبعاد التراث اليهودي. فالدين هو الوعاء الوحيد الذي ضمن الاستمرار والتجانس الإثني. وبناء عليه، تكون الدولة الصهيونية هي الإطار الأمثل لكي تعبر هذه الإثنية عن نفسها.
3 ـ التعريف الديني:




--------------------------------------------------------------------------------

لم يقبل الصهاينة الدينيون التعاريف اللادينية السابقة، وحاولوا استرجاع قداسة الهوية اليهودية. وهكذا، فهم يرون أن هوية اليهود القومية مصدرها الدين، إذ لا يمكن التفرقة بين القومية اليهودية والعقيدة اليهودية. فاليهود أمة مقدسة وكيان منعزل غريب مقدس يكتسب هويته من علاقته الخاصة مع الرب، ومن رسالته الخالدة بين الشعوب الأخرى. والتعريف الديني لا يستبعد العنصر الإثني، فالهوية اليهودية (بحسب تعريف الشريعة كما تقدم) ذات أساس ديني إثني. كما أن الهوية اليهودية (كما يعرفها الصهاينة المتدينون) لا تحمل معها أية أعباء أخلاقية، بل تمنح اليهود حقوقهم القومية كاملة دون أية مسئولية تجاه الأغيار. ولذا، لا يوجد أي تناقض جوهري بين التعريف الإثني اللاديني والتعريف الإثني الديني. ومع هذا، يظل مصدر الشرعية في كلا التعريفين مختلفا، فمصدر الشرعية والقداسة في القول الصهيوني العلماني هو الشعب اليهودي ذاته. أما في القول الديني، فإن مصدر الشرعية هو الحلول الإلهي في هذا الشعب. وحينما يتحدث المتدينون عن اليهودي، فإنهم يستخدمون، كما هو متوقع، معيارا أرثوذكسيا.
والتعريف السائد الآن في المستوطن الصهيوني هو التعريف الصهيوني اللاديني الإثني بالدرجة الأولى، ويليه التعريف الصهيوني الديني الإثني. ومن الملاحظ أن التعريف الديني أخذ في الشيوع والانتشار منذ نهاية الستينيات. كما أن الصراع بين التيارين يفجر قضية الهوية التي يشار إليها بسؤال «من هو اليهودي»؟.
--------------------------------------------------------------------------------

يتبع

جعفر الجزائري
12-01-09, 12:51 AM
ومن الضروري أن نتنبه إلى أن مقولة الهوية اليهودية في السياق الصهيوني الاستيطاني ليست مجرد مقولة نفسية أو فلسفية أو دينية، فهي مقولة قانونية تحمل مضمونا سياسيا واقتصاديا محددا. فلليهودي، في الدولة الصهيونية، مزايا وحقوق معينة لا يتمتع بها غير اليهودي. كما أن ثمة وكالات ومؤسسات صهيونية عديدة يمولها يهود الخارج وتعد الترجمة الفعلية والمؤسسية لمقولة اليهودي هذه، فهي مؤسسات تمد يد المساعدة لليهود وحسب، وتحجبها عن غير اليهود. وأهم هذه المؤسسات الصندوق القومي اليهودي الذي يمتلك معظم أراضي فلسطين المحتلة باسم الشعب اليهودي، والذي تحرم قوانينه بيع هذه الأراضي أو تأجيرها لغير اليهود، أو حتى استخدامهم للعمل فيها. وبذلك يمكننا أن نقول إن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية هو الأساس النظري للممارسات الصهيونية العنصرية ضد العرب، بل إن عمليات ضم الأراضي تتم باسم هذه الهوية. وبالفعل، حذر الحاخام آرون سولوفاشيك (زعيم اليهودية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة) من أن قبول التعريف العلماني لليهودي سيقوي عناصر الضغط على إسرائيل لأن تتنازل عن الأراضي المحتلة وعن أجزاء من القدس وحائط المبكى، حيث إنها ضمتها باسم الهوية اليهودية وباسم الحقوق التي يتمتع بها اليهود.
الهويات اليهودية والتناقض بين الرؤية الصهيونية والممارسة الإسرائيلية
Jewish Identities and the Contradiction Between the Zionist Outlook and Israeli Practice
كانت كل جماعة يهودية تمارس تجربتها التاريخية والدينية بمعزل عن الجماعات الأخرى، وكانت كل منها تطور هويتها الدينية والإثنية من خلال التشكيل الحضاري الذي توجد فيه وتتعامل معه وتسمي نفسها «يهودية»، وذلك دون البحث عن خاصية جوهرية ما تربط كل أعضاء الجماعات معا، ودون الحاجة إلى تعريف دقيق وعالمي وشامل لليهودي.
--------------------------------------------------------------------------------

وكان الصهاينة اللادينيون، حتى عام 1948، يتحدثون بحرية شديدة عن «الشعب اليهودي الواحد» (بالألمانية: أين فولك Ein Volk)، وبالتالي عن «الهوية اليهودية الواحدة» و«القومية اليهودية». كما كان الصهاينة المتدينون قانعين بدورهم الثانوي في الحركة الصهيونية، ولكنهم كانوا يتحينون الفرصة ليفرضوا تعريفهم القومي الديني الأرثوذكسي. وقد تم إعلان قيام الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة مستقلة وحسب، وإنما باعتبارها دولة يهودية ليست مقصورة على مواطنيها، فهي أيضا دولة الشعب اليهودي بأسره داخل فلسطين وخارجها. وترى هذه الدولة أن مصدر شرعية وجودها هو يهوديتها، ومن هنا محورية تعريف الهوية اليهودية، ومن هنا أيضا حتمية ظهور التناقضات الكامنة.
وقد أصدرت الدولة الصهيونية عدة قوانين تعطي حقوقا لصاحب الهوية اليهودية. وكان أول هذه القوانين قانون العودة (عام 1950) الذي يعطي لأي يهودي الحق، أينما كان، في الهجرة إلى إسرائيل (فلسطين المحتلة)، والاستيطان فيها. ثم صدر عام 1952 قانون تكميلي هو قانون المواطنة الإسرائيلية، والذي يمنح الجنسية الإسرائيلية لكل المهاجرين اليهود. ولكن كلا القانونين لم يعرف من هو اليهودي، وتركت القضية معلقة. وقانون العودة ليس القانون الوحيد الذي يتطلب تعريف اليهودي، إذ تتم الإشارة إلى اليهودي في الدولة الصهيونية في سياقين آخرين. فقانون تسجيل المواطنين يتعرض لهذه القضية إذ تتضمن الهوية في إسرائيل البنود المعتادة مثل الجنسية (إسرائيلي)، والديانة (يهودي أو مسلم أو مسيحي)، ولكن هناك بندا ثالثا خاصا بالقومية (عربي بالنسبة للعرب المسلمين والمسيحيين ويهودي بالنسبة للإسرائيليين اليهود). ولابد أن يتفق البندان الخاصان بالديانة والقومية في حالة الإسرائيليين اليهود باعتبار أن الصهيونية في أحد تعاريفها للهوية توحد بينهما.

--------------------------------------------------------------------------------

أما السياق الثالث الذي تتم الإشارة فيه إلى اليهودي، فهو المحاكم الحاخامية التي تمارس السلطة المطلقة في أمور الزواج والطلاق. والتعريف الذي تأخذ به هذه المحاكم هو التعريف الديني القومي (الأرثوذكسي) وحسب، وهو يستبعد أي تعريف آخر. ويمكننا أن نتحدث عن عدة تناقضات أساسية، واجهها الصهاينة في محاولتهم تطبيق المثل الصهيونية، ولكنهم فضلوا إرجاءها وعدم التعرض لها:
1 ـ التناقض بين الدينيين واللادينيين:
التعريف الديني الأرثوذكسي لليهودي أمر معروف أقرته الشريعة اليهودية الحاخامية. أما التعريف القومي (غير الديني)، فهو مسألة غامضة للغاية، إذ أن من الصعب تعريف هذه الخاصية القومية الفريدة التي تميز هذا الحشد الهائل من الجماعات اليهودية التي تتمتع بهويات متعددة. ومن الصعب كذلك، بل وربما من المستحيل، تعريف اليهودي الملحد أو اليهودي الإثني، أو اليهودي غير اليهودي. وفي نهاية الأمر، تصبح المسألة مسألة إحساس داخلي غامض يمارسه اليهودي بوجود هذه الخاصية اليهودية داخله. ولذلك، يشير بعض المعلقين إلى التعريف الديني بأنه تعريف موضوعي، أي يستند إلى مقاييس خارجة عن الذات ويمكن الاحتكام إليها. أما التعريف العلماني، فهو تعريف ذاتي يستند إلى حالة شعورية تتفاوت في حدتها وعمقها من شخص إلى آخر. وبالفعل، تعرف الأوساط العلمانية اليهودي بأنه من يشعر في قرارة نفسه بأنه يهودي ويعلن ذلك بإخلاص دون الحاجة إلى قرائن خارجية، وهو تعريف يخلق من المشاكل أكثر مما يحل.
--------------------------------------------------------------------------------

ولإيضاح هذه النقطة، يمكن أن نشير إلى العاهرات وتجار الرقيق الأبيض والقوادين من أعضاء الجماعة اليهودية ممن تركزوا في الأرجنتين، وكونوا قطاعا اقتصاديا كبيرا وجماعة ضغط، وأصبحت لهم مؤسساتهم الخاصة من نواد ومسارح ونظام رفاه اجتماعي. وهذه مسألة مفهومة تماما في إطار علماني مادي حيث يقوم من لهم مصالح مشتركة بتنظيم أنفسهم. ولكن المشكلة ظهرت حينما أصر هؤلاء المشتغلون بهذه المهنة الشائنة على انتمائهم أو هويتهم اليهودية، ومن ثم كانت لهم معابدهم الخاصة وحاخاماتهم الذين يفون باحتياجاتهم الروحية، بل وكانوا يخرجون في استعراضات أو مواكب في الأعياد الدينية اليهودية! وغني عن القول أن هذا كان يسبب حرجا شديدا لأعضاء الجماعة اليهودية، فظلوا يحاربون هذا الجيب الذي يصر على يهوديته حتى نجحوا في القضاء عليه تماما. وكل ما تبقى من هذا الجيب هو ملجأ للبغايا اليهوديات العجائز في بيونس أيرس.
2 ـ التناقض بين السفارد والإشكناز:

--------------------------------------------------------------------------------

يمكن القول بأن الصهيونية، على مستوى الممارسة منذ أول أيامها وحتى عام 1948، قد عرفت اليهودي بأنه اليهودي الأبيض (الإشكنازي). وكانت، في هذا، متسقة تماما مع نفسها، فقد كانت تقدم نفسها باعتبار أنها تجربة تتم داخل إطار التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي، ولذا كان على الصهاينة إثبات بياض بشرة اليهودي حتى يتسنى للمستوطنين أن يشاركوا في حمل عبء الرجل الأبيض، ويستفيدوا في الوقت نفسه من الأمن العسكري والدعم الاقتصادي الذي يوفره القائمون على المشروع الاستعماري، ويحلوا محل أحد شعوب آسيا وأفريقيا. وقد بذل آرثر روبين، أحد أهم علماء الاجتماع الصهاينة والمسئول عن الاستيطان في فلسطين لفترة طويلة قبل إنشاء الدولة، جهدا «علميا»فائقا لإثبات أن اليهودي هو الإشكنازي وحده وأن الشرقيين ليسوا يهودا. وهناك العديد من البيانات والتصريحات تعبر عن هذا الموقف. لكن هذا الموقف يتناقض تماما مع موقف الصهيونية الأصلي، فالصهيونية تكتسب شرعيتها من زعمها بأنها حركة الشعب اليهودي بأسره.
3 ـ التناقض بين التعاريف الدينية المختلفة:

--------------------------------------------------------------------------------

لا تنحصر المسألة في التناقض بين الدينيين والعلمانيين وحسب، أو بين الإشكناز والسفارد فقط، وإنما تمتد لتشمل مجال الدينيين ذاته. فالأرثوذكس لا يعترفون بالحاخامات الإصلاحيين ولا بالحاخامات المحافظين كيهود. ولذا، فهم لا يعترفون بالمتهودين على أيدي مثل هؤلاء الحاخامات. وفي معرض دفاعهم عن وجهة نظرهم، يذكر الأرثوذكس أن الشريعة، بحسب اليهودية الحاخامية، حددت الخطوات اللازمة للتهود بشكل واضح تماما كما حددت من هو اليهودي. فلكي يتهود إنسان ما، يجب أن يتم ختانه إن كان ذكرا، أما الأنثى فعليها أن تأخذ حماما طقوسيا وهي عارية أمام ثلاثة حاخامات (وهو الأمر الذي يسبب الحرج للإناث المتهودات). وعلى المتهود أن يتقبل نير المتسفوت (الفرائض أو الأوامر والنواهي)، أي أن يعيش حسب قانون التوراة. أما الحاخامات الإصلاحيون، فلا يلتزمون بهذه الخطوات، إذ يكفي عندهم أن يحضر راغب التهود محاضرة عن التاريخ اليهودي، أو يقرأ مقطوعة من العهد القديم. ويقر الحاخامات الإصلاحيون بأن مراسم التهويد التي يقومون بها لا تتبع الشريعة، ولكنهم يصرون في الوقت نفسه على أن هذا لا يمنع كونها مقدسة. أما المحافظون، فيرون أنهم يتبعون الشريعة، لكن الأرثوذكس لا يوافقونهم على ذلك.
ومن المشاكل الأخرى التي ظهرت داخل المعسكر الديني مشكلة قيام اليهودية الإصلاحية بإعادة تعريف اليهودي بحيث أصبح من يولد لأب يهودي أو أم يهودية، وهو ما لا توافق عليه اليهودية الأرثوذكسية واليهودية المحافظة.
4 ـ تناقضات أخرى:
هناك تناقضات يصعب تصنيفها لأنها ذات طابع ديني إثني، وقد نشأت هذه التناقضات أساسا بين المؤسسة الدينية وبعض الجماعات اليهودية الصغيرة بشأن انتمائهم الديني والإثني وما إذا كان هذا الانتماء خالصا أم أنه هجين.
--------------------------------------------------------------------------------

وكانت أولى المشاكل التي واجهها الصهاينة التناقض بين السفارد والإشكناز، وهو انقسام سبق إعلان الدولة. وقد لجأت السلطات البريطانية لطرق عملية غير عقائدية لحله، إذ سمحت بوجود حاخاميتين: واحدة سفاردية، والأخرى إشكنازية، بكل ما ينطوي عليه ذلك من انقسام أساسي وجذري. والانقسام بين الإشكناز والسفارد انقسام عميق ذو طابع ديني، ولكنه ذو أبعاد طبقية وإثنية. وهو من العمق بحيث يتبدى من خلال تنوع الأحزاب الإسرائيلية وبنيتها وأنماط التصويت في الانتخابات التي تجري في المستوطن الصهيوني. ومع هجرة اليهود الشرقيين من العالم العربي والعالم الإسلامي وبلاد الشرق الأخرى، مثل الهند، زاد العنصر الشرقي على حساب العنصر الغربي، وأصبح الشرقيون أغلبية في المجتمع، الأمر الذي اضطر المؤسسة الحاكمة إلى إخفاء تعريف الهوية الذي يعادل بين الإشكنازي واليهودي، وكفت المؤسسة عن إطلاق التصريحات العنصرية ضد اليهود السفارد ويهود البلاد الإسلامية. لكن الرؤية الكامنة التي توجه الدولة الصهيونية لا تزال، أولا وأخيرا إشكنازية، وهي تحاول القضاء على الأشكال الحضارية الشرقية التي أحضرها اليهود الشرقيون معهم، ولا تزال النخبة الحاكمة في إسرائيل غربية بوجه عام وإشكنازية بالدرجة الأولى.

--------------------------------------------------------------------------------
يتبع

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:07 AM
ومن الأمثلة الأخرى التي انفجرت فيها قضية الهوية من منظور ديني، قضية يهود الهند المعروفون باسم بني إسرائيل. فالحاخاميتان، السفاردية والإشكنازية، لم تعترفا بهم كيهود، لأنهم يمارسون الزواج المختلط ولا يعرفون التلمود. وقد استمرت مشكلتهم قائمة إلى أن اضطرت المؤسسة الدينية إلى الرضوخ لضغط المؤسسة السياسية. ولم تعترف الحاخاميتان أيضا بيهود الفلاشاه، ولم تشجع هجرتهم طيلة الأعوام الثلاثين الماضية لعدة أسباب، من بينها أنهم هم أيضا لا يعرفون التلمود، ولكن حينما طلب إليهم التهود، رفضت أعداد كبيرة منهم ذلك. فاقترحت الحاخاميتان صيغة مخففة للتهويد تتضمن عملية تختين رمزية (حين قبل بعضهم ذلك سارع ممثل الحاخامية السفاردية بتختينهم قبل أن يقوم ممثل الحاخامية الإشكنازية بهذه العملية. ولكن حينما حضر الأخير قام هو الآخر بالعملية نفسها، أي أنهم تم تهويدهم وتختينهم مرتين خلال عدة أيام). وتثار قضية اليهود القرائين واليهود السامريين من آونة إلى أخرى، خصوصا حينما يتم زواج مختلط بين أحد أعضاء إحدى هاتين الجماعتين وفرد ينتمي إلى اليهودية الحاخامية. ولم تضطر الدولة الصهيونية ولا المؤسسة الدينية إلى الدخول في صراع عميق مع أي من هذه الجماعات بسبب صغر أحجامها وقلة نفوذها داخل وخارج إسرائيل. ولم تأخذ المؤسسة السياسية موقفا حاسما في هذه القضية، بل تركت الأمر للمؤسسة الدينية تصرفه بطريقتها.
--------------------------------------------------------------------------------

ومع منتصف الخمسينيات، ظهرت التناقضات بين الدينيين واللادينيين، وكذلك بين الأرثوذكس من ناحية وبقية الفرق الدينية من ناحية أخرى، وذلك حينما بدأت المؤسسة الأرثوذكسية في الخارج تضغط على المؤسسة الدينية في إسرائيل حتى تتبنى موقفا أكثر تشددا من مسألة تعريف اليهودي. وقد تزامن ذلك مع موجة من الهجرة من شرق أوربا ضمت عددا كبيرا من الزيجات المختلطة. وفي عام 1957، قرر رئيس قسم تسجيل الهوية في وزارة الداخلية (وهو عضو في الحزب الديني القومي) ألا يقبل وصف المهاجر لنفسه بأنه يهودي باعتباره المقياس الوحيد معتبرا أنه معيار علماني ذاتي، وأصدر أمرا إداريا للموظفين في إدارته بذلك. وردا على ذلك، أصدر وزير الداخلية (وكان علمانيا من حزب اتحاد العمال «أحدوت هاعفود») قرارا في مارس 1958 يؤكد فيه التوجيهات القديمة التي تقبل المعيار الذاتي. فانسحب الحزب الديني القومي من الائتلاف الحاكم احتجاجا. فقام بن جوريون بالكتابة إلى خمسين شخصية يهودية (دينية وفكرية) في أنحاء العالم يطلب إليهم الفتوى في هذا الأمر (وكان يشار إليهم بعد ذلك بوصفهم «حكماء إسرائيل»!). وجاءت الإجابات مشتملة على سائر التناقضات المتوقعة والتي لم يحسمها الفكر الصهيوني قبل قيام الدولة. فقد عرف القسم الأكبر منهم (37) الهوية اليهودية على أساس الشريعة، ولكن نفرا منهم تبنى معيار الاختيار الشخصي (اليهودي هو من يعتبر نفسه كذلك)، وتبنى نفر آخر معيار القسر الخارجي، أي أن اليهودي هو من يعتبره الأغيار كذلك. ومع هذا، صدر عام 1959 توجيه إداري ينص على تعريف اليهودي بأنه الشخص الذي ولد لأم يهودية، وذلك لاسترضاء الحزب الديني القومي حتى يعود إلى التحالف.

--------------------------------------------------------------------------------

وقد ضمت الوزارة التالية وزيرا للداخلية من الحزب الديني القومي، فأصدر توجيهات إدارية عام 1960 يعرف فيها اليهودي بأنه من يثبت أن أمه يهودية أو أنه تهود حسب الشريعة وعلى يد حاخام أرثوذكسي. وقد وعد الحزب الديني بأن التعديل ستتم الموافقة عليه، ولكن الرأي العام الإسرائيلي أفشل هذه المحاولة.
ثم تفجرت القضية مرة أخرى بهجرة الأخ دانيال (أوزوالد روفايزين) الذي ولد لأبوين يهوديين في بولندا، وانضم إلى المقاومة ضد النازية وأنقذ كثيرا من اليهود. وبعد أن قبض عليه فر إلى دير راهبات وعاش فيه متخفيا في زي راهبة حتى انتهت الحرب، فاعتنق المسيحية ودخل سلك الرهبنة، وهاجر إلى إسرائيل بموافقة الفاتيكان، وطلب اعتباره يهوديا بمقتضى قانون العودة. وقد عرضت عليه الجنسية الإسرائيلية على أساس التجنس، ولكنه رفض وأصر على أن يحصل على الجنسية بموجب قانون العودة، أي باعتباره يهوديا. وقد ذكر في طلبه أن الشريعة اليهودية تقرر أن اليهودي لا ينسلخ بتاتا عن دينه اليهودي مهما بلغت ذنوبه وذلك بحسب ما جاء في كتاب السنهدرين في التلمود. وقد ذكر الأخ دانيال أنه إذا كان بوسع الملحد أن يظل يهودي القومية، فمن باب أولى أن يعتبر هو (المسيحي) يهوديا!! وقد رفضت المحكمة العليا طلبه عام 1966، وقالت في حكمها إنه وفقا للعرف المعمول به فإن كل من يغير دينه بدين آخر يعد غير يهودي لأنه اختار أن ينفصل عن مصير الشعب اليهودي وتاريخه (ويلاحظ أن فكرة المصير هذه ستصبح بالتدريج ركيزة التعريف اللاديني الأساسية). وقد بينت المحكمة أن حكمها هذا مناف للشريعة اليهودية وأكثر تشددا منها، وأن الأخ دانيال قد يكون يهوديا بحسب الشريعة،ولكن لا يمكن اعتباره يهوديا من منظور قانون العودة،أي أن المحكمة أخذت بتعريف لا ديني لليهودي،وجعلت أساس اليهودية الانتماء القومي.

--------------------------------------------------------------------------------

ومن المفارقات، أن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية كانت تقف ضد طلب الأخ دانيال، أي أنها أخذت موقفا أكثر تشددا من الشريعة ذاتها بل ومنافيا لها. وقد قيل في معرض نقد هذا الحكم إنه يتعلق بتعريف من هو غير اليهودي ولكنه لا يعرف اليهودي من قريب أو بعيد. ولم تترك القضية أثرا عميقا في الدولة الصهيونية لأنها لم تؤثر على علاقتها بيهود العالم. بل وشعر كثير من الإسرائيليين بأنها لا تخصهم.
وأثيرت القضية مرة أخرى وبحدة عام 1968 حينما طلب الضابط بنيامين شاليط (المتزوج من إنجليزية غير يهودية رفضت التهود بسبب لا أدريتها) تسجيل أولاده باعتبارهم إسرائيليي الجنسية يهوديي القومية، على أن يكتب في بند الدين عبارة «لا يوجد»، أي أنه طلب الأخذ بالتعريف الإثني دون الديني. وحينما رفض طلبه، رفع قضية في المحكمة العليا التي حكمت لصالحه عام 1970، وذكرت المحكمة في حكمها أن مصطلح «قومية» خاضع للتفسير العلماني، فأولاد شاليط ارتبطوا بمصير الشعب اليهودي وتاريخه. ومع هذا، أكدت المحكمة أن حكمها ينصب على الوضع المدني، أي على قانون العودة وقانون المواطنة والإجراءات الخاصة بالتسجيل، ولا ينصرف إلى الأحوال الشخصية (مثل الزواج والطلاق) التي تختص بها المحاكم الحاخامية. وقد رفض اليهود الأرثوذكس الأخذ بهذا الحكم، لأنه في تصورهم سيقسم اليهود إلى قسمين: يهود مؤمنين ويهود غير مؤمنين. ولذا، صدر عام 1970 تعديل لقانون العودة، وعرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية بشرط ألا يكون على دين آخر. ونص أيضا على أن اليهودي هو المتهود، وهو تعريف يعتمد الجانبين الإثني والديني، ولا يزال هذا التعريف هو المعتمد.




--------------------------------------------------------------------------------

ومع هذا، أثار التعريف غضب الدينيين واللادينيين. كما أن جورج طامارين، المحاضر في جامعة تل أبيب، أثار جانبا آخر غير متوقع للقضية. فقد رأى أن التعريف الأخير تعريف ثيوقراطي، أي يستند إلى أساس ديني. ولذا، طالب بأن يسجل في بند القومية لفظ «إسرائيلي» بدلا من «يهودي». وقد رفض طلبه بطبيعة الحال، لأن ذلك يعني رفض الصهيونية من أساسها.
أما الأرثوذكس، فلم يعجبهم التعريف الجديد إذ أنه يعترف ضمنا باليهود المتهودين على يد حاخامات إصلاحيين ومحافظين، وهم في نظر الأرثوذكس ليسوا يهودا، أو على الأقل مشكوك في يهوديتهم، ولذلك فهم يطالبون بإضافة عبارة «تهود حسب الشريعة» (بالعبرية: كاهالاخاه) أي على يد حاخام أرثوذكسي. وتحولت القضية، من ثم، إلى من هو الحاخام؟ وقد قدم إلى الكنيست مشروع قرار بهذا المعنى، رفض في 16 يناير 1985، وتسبب المعراخ أساسا في إسقاطه. والملاحظ أن هذا التعديل الأخير المقترح سيثير من المشاكل أكثر مما يحل، فهو على سبيل المثال سيهز أحد الأسس التي يستند إليها التجمع الصهيوني، وهي فكرة «الوضع الراهن». والعبارة تشير إلى الوضع السائد في فلسطين إبان حكم الانتداب.وقد توصل الصهاينة الدينيون والصهاينة اللادينيون، عشية إنشاء الدولة، إلى اتفاق على أن الدولة الصهيونية ستلتزم بالشعائر والأعراف السائدة في ذلك الوقت في المجال الديني.ولا يزال الاتفاق يحكم مدى التزام الدولة بتنفيذ الشعائر الدينية.




--------------------------------------------------------------------------------

وقد أثيرت عام 1987 قضية شوشانا ميلر المواطنة الأمريكية التي اعتنقت اليهودية على يد حاخام إصلاحي ثم هاجرت عام 1985 إلى إسرائيل، حيث رفضت وزارة الداخلية الإسرائيلية منحها الجنسية بمقتضى قانون العودة. وطلب إليها وزيرالداخلية أن تتهود مرة أخرى على يد حاخام أرثوذكسي، فرفضت طلبه وتقدمت بشكوى إلى القضاء. ولحسم المسألة، اقترح الوزير أن يكتب على بطاقة تحقيق الشخصية الخاصة بالمتهودين لفظة «متهود» بدلا من «يهودي»، سواء أكان التهود قد تم على يد حاخام إصلاحي أم على يد حاخام محافظ أم أرثوذكسي، فرفضت المواطنة ذلك أيضا باعتبار أن هذا سيحولها إلى يهودية من الدرجة الثانية. وقد حكمت المحكمة لصالح الشاكية، فاستقال وزير الداخلية واتهم اليهود الإصلاحيين بأنهم « يقودون أمة إسرائيل إلى التهلكة ». ولكن الوزارة اضطرت في نهاية الأمر إلى تسجيل بعض من تهودوا على يد حاخامات غير أرثوذكس باعتبار أنهم يهود.
وهناك حالات قامت فيها المحاكم الحاخامية بالتشكيك في يهودية بعض ضحايا الإبادة النازية الذين استقروا في إسرائيل، بل وهناك حالة قامت فيها السلطات الدينية بالرجوع إلى الأرشيف النازي للتأكد من هوية أحد اليهود.
وكأن مشاكل الهوية لا تنتهي، فقد طرحت القضية من جديد وبحدة بالغة في فبراير 1988، حين حضر يهوديان اسمهما جيري وشيرلي بيرسفورد، ينتميان إلى جماعة دينية مسيحية تبشيرية اسمها رامات هاشارون، ويشبه وضعهما وضع الأخ دانيال من بعض الوجوه، ويختلفان عنه من البعض الآخر. فهما يهوديان بالمعنى الإثني وهما يؤمنان بالمسيح، تماما مثل الأخ دانيال، ولكنهما يختلفان عنه في أنهما لم يتنصرا، أي لم يعتنقا الديانة المسيحية. ولا يبين المصدر ما معنى هذه العبارة، وإن كان من الواضح أنها تعني أنهما آمنا بأن عيسى هو المسيح أو الماشيح المنتظر دون الإيمان ببنوته للرب.

--------------------------------------------------------------------------------

وقد طرح حل صهيوني للمشكلة باعتبار أن قانون العودة قانون سياسي صهيوني لمن يشاء، وقانون ديني لمن يشاء، ويمكن لكل فريق أن يفسره بالطريقة التي يراها، على أن تحتفظ السلطة الأرثوذكسية بسلطتها كاملة في أمور الأحوال الشخصية وفي عمليات التهويد التي تتم داخل إسرائيل. وتحاول بعض الأحزاب الدينية تبني موقف مماثل، لكنهم بدلا من المطالبة بتغيير قانون العودة يطالبون بتغيير قانون المحاكم الحاخامية بحيث يصبح من صلاحياتها أن تقرر من هو اليهودي ومن هو غير اليهودي، بدلا من وزارة الداخلية. وفي هذه الحالة، سيمكنها أن تسقط صفة اليهودية عن الحاخامات الإصلاحيين والمحافظين. ولكن جماعة حبد الأرثوذكسية ترفض مثل هذا الحل.




--------------------------------------------------------------------------------

وفي تصورنا أن أزمة الهوية اليهودية ستتعمق ولن تحسم في المستقبل القريب لأسباب عديدة تتصل بالتطورات داخل المستوطن الصهيوني وخارجه. أما داخل المستوطن الصهيوني، فقد لوحظ، على عكس ما توقع المفكرون الصهاينة، أن التطورات والآليات الاجتماعية لم تؤد إلى صهر العناصر اليهودية الدينية واللادينية والإشكنازية والسفاردية وغيرها، وإنما ازدادت الصورة استقطابا وتطرفا. وإذا ما ركزنا على الجانب الديني مقابل العلماني، نلاحظ ظهور هوية يهودية جديدة بالإضافة إلى عدم التجانس، وهي هوية الصابرا من الإشكناز التي يتسم أصحابها بسمات خاصة، كمعاداة العقل والفكر وحب العنف والتحلل من القيم الأخلاقية، بل إنهم يكنون احتقارا عميقا ليهود المنفى، أي يهود العالم كله (وقد كان المؤمل في الصابرا أن يكونوا الترجمة العملية لليهودي الخالص). وإلى جانب ذلك، يلاحظ تزايد معدلات العلمنة في التجمع الصهيوني (الذي وصفه أمنون روبنشتاين بأنه من أكثر المجتمعات إباحية على وجه الأرض). وبحسب بعض الإحصاءات، يبلغ عدد المواطنين الذين لا يؤمنون بالخالق 80% من كل الإسرائيليين. وهؤلاء ينظرون إلى الشعائر الدينية باعتبارها فلكلورا قوميا. وتعد الأعياد الدينية بالنسبة إليهم أعيادا قومية، والعبرية ليست لغة الصلاة (اللسان المقدس) وإنما هي لغة البيع والشراء والجماع. وقد أصبح يوم السبت، وهو يوم راحة وتعبد من الناحية الدينية، يوم صخب ولهو في الدولة التي يقال لها «يهودية». ولا يراعي كثير من الإسرائيليين قوانين الطعام الشرعي، ويقال إن نصف اللحم المستهلك في إسرائيل من لحم الخنزير.




--------------------------------------------------------------------------------

لكل هذا، حينما عرضت قضية جيري وشيرلي بيرسفورد على الرأي العام الإسرائيلي، قال 78% منهم إنه يجب منحهما الجنسية الإسرائيلية إن كانا صهاينة، وعلى استعداد لأن يرتبطا بالمصير اليهودي. ومعنى هذا أن الإسرائيليين استخدموا معيارا قوميا لا دينيا صرفا، ولو تم الأخذ به سيظهر نوع جديد من اليهود الذين يؤمنون بالمسيح عيسى بن مريم، ولأصبح الأخ دانيال يهوديا برغم حكم المحكمة العليا.
مقابل هذا التعاظم في معدلات العلمنة، هناك تعاظم أيضا في النزعة الدينية يتضح في هجوم المؤسسة الدينية على الصور والمظاهر الإباحية في إسرائيل، وإصرارها على إقامة شعائر السبت، وفي إصرارها على تعديل قانون العودة. وينعكس هذا الاستقطاب القومي في واقعة حرق اللادينيين معبدا يهوديا احتجاجا على نشاط المتدينين. ويتضح الاستقطاب أيضا في ظهور عاصمتين للتجمع الصهيوني؛ إحداهما علمانية تماما في تل أبيب، والأخرى في القدس يتزايد فيها نفوذ الأرثوذكس. وفي مثل هذا الإطار، يصبح الإجماع القومي، أو حتى الهدنة الاجتماعية القومية بشأن تعريف الهوية اليهودية، أمرا مستبعدا. ومما يعمق المشكلة أن ثمة استقطابا مماثلا يحدث بين يهود العالم الذين تزداد بينهم معدلات العلمنة والزواج المختلط.




--------------------------------------------------------------------------------

ويلاحظ أن مشكلة السفارد قد ازدادت تفاقما، خصوصا مع ازدياد عددهم وازدياد ثقتهم بأنفسهم. فالتجمع الصهيوني يعتبرهم يهودا وحسب ماداموا في بلادهم، وهذا جزء من حملته الإعلامية، ولكنهم يصبحون يهودا شرقيين فور وصولهم إلى إسرائيل، إذ أن التجمع الصهيوني يحتاج إليهم باعتبار أنهم مادة بشرية قادرة على حل أزمة المصادر البشرية التي يعاني منها، وعلى العمل في قاعدة الهرم الاقتصادي الإنتاجية. لكن إصرار السفارد على الحراك الاجتماعي، باعتبارهم يهودا بشكل عام، سيجعلهم يشغلون الدرجات العليا من الهرم، ويتركون قاعدته خالية يشغلها العرب. وبهذا تشتبك مشكلة الهوية مع واحدة من أعمق مشكلات التجمع الصهيوني،وهي مشكلة الإنتاجية،خصوصا أن الصهاينة يدعون أن اليهودي الجديد شخصية منتجة على خلاف يهود المنفى الهامشيين المرابين.
وقضية الهوية اليهودية قضية محورية. فالدولة الصهيونية تكتسب شرعيتها، أمام نفسها وأمام الكثيرين، من ادعائها أنها دولة يهودية، لكن استمرار تفجر هذ القضية يقوض دعائم هذه الشرعية. كما أن تعديل قانون العودة سيؤدي إلى استبعاد ما يقرب من 80% من يهود العالم (وربما أكثر) ممن يعرفون اليهودي على أسس دينية ذاتية أو على أسس إصلاحية ومحافظة ولا يقبلون اليهودية الأرثوذكسية.
ومن القضايا الأخرى المرتبطة بقضية «من هو اليهودي؟» قضية «من هو الصهيوني؟»، وهل هو اليهودي الذي يهاجر إلى إسرائيل، أي من يمارس الصهيونية الاستيطانية أم اليهودي الذي يدعم المستوطن الصهيوني دون أن يهاجر ويكتفي بالصهيونية التوطينية؟ وهي قضية تمس الهوية ولكنها لا تصل في عمقها إلى قضية «من هو اليهودي؟».




--------------------------------------------------------------------------------

وكل هذه العناصر والتوترات والتناقضات تجعل من العسير على اليهود أنفسهم تصديق مقولة الشعب اليهودي الذي يتجاوز الأزمنة والأمكنة والذي يحمل داخله جوهرا يهوديا. فقد أثبت الواقع العملي أنه لا يوجد جوهر واحد، بل هي سمات عديدة متنوعة بتنوع التشكيلات الحضارية والتاريخية التي يتواجد فيها اليهود. وقد أثيرت القضية مرة أخرى مع وصول المهاجرين اليهود السوفييت. وكما بينت المؤسسة الدينية، فإن معظمهم ليسوا يهودا، فهم إما من أصل مسيحي تزوجوا من يهود أو هم من مدعي اليهودية. بل واتضح أن اليهودية بالنسبة لليهودي منهم لا تمثل سوى أصداء خافتة للغاية. ومع هذا، رحبت المؤسسة الصهيونية بوصولهم، فهي في حاجة ماسة للمادة الاستيطانية. والحاجة نفسها هي التي تفسر الترحيب بالفلاشاه موراه (وهم أشباه يهود تنصروا بكامل إرادتهم منذ قرنين من الزمن). وكل هذه المؤشرات تدل على أن المؤسسة الصهيونية، نظرا لحاجتها للمادة البشرية الاستيطانية، قد تجعل من اليهودية قشرة رقيقة للغاية (مثل الانتماء المسيحي في جنوب أفريقيا) إذ أن المطلوب هو مادة استيطانية غير عربية يضمن الكيان الصهيوني لنفسه الاستمرار من خلالها.
الأخ دانيال (1922 ( –
Brother Daniel




--------------------------------------------------------------------------------

راهب كاثوليكي ولد لأبوين يهوديين، وكان يدعى عند مولده أوزوالد روفايزين. لجأ إلى دير كاثوليكي أثناء الاجتياح النازي لبولندا، ثم اعتنق المسيحية وعمد وأصبح راهبا من الطائفة الكرملية. وفي عام 1958، أرسل إلى دير جبل الكرمل في حيفا. وعند وصوله إلى إسرائيل، طلب منحه الجنسية الإسرائيلية بمقتضى قانون العودة الذي يعرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية (دون إشارة إلى العقيدة). وقد بين الأخ دانيال أنه إذا كان الشرع اليهودي يعترف بالملحد يهوديا، فمن باب أولى أن يعترف بالكاثوليكي يهوديا! وعندما رفضت وزارة الداخلية طلبه، رفع قضية في المحكمة العليا التي أيدت قرار وزارة الداخلية (خمسة أصوات ضد أربعة). وفي حكمها، اعترفت المحكمة بأن الشريعة اليهودية تعرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية وأن المرتد عن اليهودية يظل يهوديا، ولكنها بينت أن قانون العودة قانون علماني، ومن ثم يجب تفسيره بما يتفق مع الفهم العام للكلمة، ولذا فالكلمة لابد أن تفهم بالطريقة التي يفهمها بها المواطن العادي، الذي يرى أن كون الإنسان يهوديا يتعارض مع الإيمان بعقيدة أخرى. ويستند هذا المعنى العادي اليومي، في تصور المحكمة، إلى التاريخ اليهودي والأهداف الصهيونية والرغبة الجماعية في الإبقاء على الصلة بين إسرائيل ويهود العالم (الدياسبورا). وقد عدل قانون العودة بعد ذلك
يتبع

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:08 AM
ليصبح تعريف اليهودي «من ولد لأم يهودية ولم يتبن عقيدة أخرى». وقد حصل الأخ دانيال على الجنسية بمقتضى قانون التجنيس، وهي عملية لا تستند إلى قانون العودة.




--------------------------------------------------------------------------------

وقد أدت حادثة الأخ دانيال إلى طرح قضية «من هو اليهودي؟» وهي قضية لم تجد حلا حتى الوقت الحالي. ولعل الذين أثاروا قضية الأخ دانيال لم يدركوا أن الفيلسوف « اليهودي » ليف شستوف والمفكرة الدينية « اليهودية » إتي هلسوم والروائي «اليهودي» بوريس باسترناك كلهم كانوا يؤمنون بالمسيحية أو كانوا يؤثرونها كنسق ديني على اليهودية، ومع هذا تظهر أسماؤهم في الموسوعات اليهودية باعتبارهم يهودا.
إديث شتاين (1891-1942(
Edith Stein
مساعدة الفيلسوف الألماني هسرل. ولدت لأم يهودية أرثوذكسية لم توفر تعليما دينيا لأولادها، ولذا ألحدت إديث وهي في سن صغيرة. ثم قرأت السيرة الذاتية لحياة سانت تيريزا، وتأثرت بها تأثرا عميقا، فتكثلكت وغيرت اسمها إلى تيريزيا بنديكتا. ويبدو أنها كانت تشير إلى نفسها على أنها يهودية (بمعنى أن اليهودي هو من ولد لأم يهودية). وقد قبض عليها الجستابو عام 1942 وماتت في أوشفتس بعد ثمانية أيام من القبض عليها.
وقد أعلنت الكنيسة الكاثوليكية عام 1990 أن إديث شتاين قديسة، فثارت ثائرة المؤسسة اليهودية لأن هذا ـ من وجهة نظرهم ـ يعد محاولة للاستيلاء على أوشفتس باعتبارها رمزا يهوديا (يحتكره اليهود وحدهم). كما أن المؤسسة اليهودية أشارت إلى أن إديث شتاين تم القبض علىها لأنها يهودية. والطريف في الموضوع أن الأخ دانيال، وهو يهودي تكثلك (تماما مثل إديث شتاين)، وذهب إلى إسرائيل باعتباره يهوديا وطالب بالحصول على الجنسية الإسرائيلية حسب قانون العودة ورفض طلبه. فكأن المؤسسة اليهودية في العالم الغربي هي التي تقرر من هو اليهودي، دون الالتزام بأية معايير إلا مصالحها وأهوائها.
استجابة أعضاء الجماعات اليهودية للتعاريف الصهيونية للهويات اليهودية
Response of the Members of the Jewish Communities to the Zionist Definitions of Jewish Identities




--------------------------------------------------------------------------------

طرحت الصهيونية (في صيغتها اللادينية) نفسها كحركة لتطبيع اليهود، وطرحت مفهوم «اليهودي الخالص» صاحب الهوية اليهودية الحقيقية ليحل محل «يهودي المنفى» الذي يخفي هويته ويتقمص هوية الآخرين. والدولة الصهيونية التي يقال لها «يهودية» ستكون هي المسرح الذي تتحقق عليه هذه الهوية. وقد قبل بعض الصهاينة الدينيين المشروع الصهيوني وتحالفوا مع اللادينيين على أمل أن تتاح لهم الفرصة بعد ذلك أن يفرضوا رؤيتهم الدينية بحيث يصبح «اليهودي الحقيقي » هو اليهودي حسب التعريف الأرثوذكسي. وقد أدى هذا إلى توترات عميقة بين الدولة الصهيونية من جهة والجماعات اليهودية في العالم، بكل ما تتسم به من تنوع وعدم تجانس، من جهة أخرى.
والصهيونية، كما بينا، ترى أن الهوية اليهودية خارج المستوطن الصهيوني هوية ناقصة مريضة يجب إلغاؤها، وهذا ما يسمى «نفي الدياسبورا» في المصطلح الصهيوني (أي تصفية الجماعات اليهودية أو استغلالها). وقد نجم عن ذلك صراع حاد بين أعضاء الجماعات اليهودية والمستوطن الصهيوني، إذ أن أعضاء الجماعات يرون أن هويتهم، أو هوياتهم اليهودية، ليست مريضة وإنما هي جديرة بالحفاظ عليها وتنميتها، في حين تحاول المؤسسة الصهيونية أن تقلل من شأنها وأن تجعل منها وقودا يغذي الدولة الصهيونية. ولذا، فهي تجعل من الهجرة إلى فلسطين المحتلة والاستيطان فيها، المعيار الوحيد لتقييم مدى صهيونية اليهودي ومدى يهوديته. وهذه المشكلة تنفجر دائما داخل المؤتمرات الصهيونية وخارجها.




--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ وانطلاقا من المفهوم الصهيوني للهوية اليهودية الحقيقية، تتصرف الدولة الصهيونية أحيانا بطريقة لا تخدم صالح أعضاء الجماعات اليهودية وإنما تخدم مصالحها هي على حسابهم. وربما تكون حادثة بولارد نقطة مهمة في هذا الصراع، فهي تمثل تصادما بين رؤيتين للهوية: واحدة صهيونية والأخرى أمريكية يهودية. فتذهب الرؤية الصهيونية إلى أن الأمريكي اليهودي يهودي أولا وأخيرا، ولذا لابد أن يخدم الدولة الصهيونية، في حين تذهب الرؤية الأمريكية اليهودية إلى أن الأمريكي اليهودي هو أمريكي في المقام الأول وله مصالح تختلف عن مصالح الدولة الصهيونية.
2 ـ عندما ينظر يهود العالم، خصوصا المتدينين منهم، إلى الدولة التي يقال لها «يهودية»، يكتشفون أن هويتها وهوية سكانها ليست يهودية على الإطلاق. فمعدلات العلمنة عالية للغاية بين الإسرائيليين، وهو الأمر الذي يصدم الزوار اليهود للدولة الصهيونية الذين يهربون من مجتمعاتهم الاستهلاكية ويحضرون إلى إسرائيل فيفاجأون بمجتمع إباحي مفتوح أكثر علمانية من المجتمعات غير اليهودية التي تركوها وراءهم. والواقع أن المجتمع الإسرائيلي بدأ، منذ السبعينيات، يتوجه توجها استهلاكيا حادا لا يضبطه أي ضابط أخلاقي أو حضاري أو عقائدي. وهذه التساؤلات ليست مقصورة على المتدينين، فاليهود اللادينيون، أو المندمجون الذين لا يقيمون شعائر دينهم، يحاولون التمتع بشيء من الهوية والتجربة الدينية عن طريق إسرائيل. فبرغم أنهم يتمتعون تماما بالاستهلاك والحضارة العلمانية في بلادهم، فإنهم يذهبون إلى إسرائيل ويدفعون لها الإعانات ليعيشوا تجربة دينية قومية (ولو بشكل مؤقت، وكأن إسرائيل ديزني لاند يهودية، على حد قول أحد الحاخامات). ولكن العلمانية الصريحة للدولة اليهودية تحرمهم من هذه المتعة وتلك الإثارة.




--------------------------------------------------------------------------------

3 ـ كما يسأل اليهود المتدينون: بأي معنى يمكن إطلاق تسمية الدولة الصهيونية على الدولة اليهودية وهي تسوي كل خلافاتها مع الآخرين عن طريق العنف العسكري ولا يمكن محاكمتها بمعايير أخلاقية يهودية؟ كما أن الطريقة التي يتم بها قمع الانتفاضة يصعب تسميتها «يهودية» مهما تحلى الإنسان بالكرم والخيال.
4 ـ يشكو اليهود المتدينون من أن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية قد صادر الرموز والمصطلحات الدينية، بحيث يتصور كثير من اليهود الآن أن اليهودية والصهيونية أمران مترادفان، وأن المرء يمكنه أن يحقق هويته اليهودية عن طريق التبرع للدولة الصهيونية وعن طريق شراء سندات إسرائيل. وكما قال الحاخام ألكسندر شندلر: «يتصور بعض اليهود الآن أن إسرائيل هي معبدهم اليهودي وأن رئيس وزرائها هو حاخامهم الأكبر».




--------------------------------------------------------------------------------

ولكن نقطة الاشتباك الكبرى بين أعضاء الجماعات والدولة الصهيونية هي في مجال تعريف هوية اليهودي والمعيار المستخدم في هذا التعريف، إذ تصر المؤسسة الدينية، ممثلة في أحزابها الدينية، على تبني تعريف أرثوذكسي. وقد حدثت مواجهة سريعة بين يهود العالم والمؤسسة الدينية في حالة يهود الهند (بني إسرائيل) في الخمسينيات، وفي حالة يهود الفلاشاه في الثمانينيات، ومع القرائين والسامريين عبر كل هذه السنوات. وكان جوهر المواجهة دائما هو إصرار المؤسسة الدينية على التمسك بتعريفها لليهودي، والذي يستبعد أعضاء هذه الجماعات. وقد حسمت هذه المواجهات إما بتهود أعضاء هذه الجماعات مرة أخرى حسب الشريعة، وإما بتراجعهم وقبولهم مرتبة ثانوية في الهرم الديني اليهودي. كما أن المؤسسة أبدت من جانبها شيئا من المرونة تجاههم. ولكن كل هذه المواجهات كانت مع جماعات صغيرة لا نفوذ لها انفصلت منذ قرون طويلة عن اليهودية الحاخامية، ولذا لم تتسبب المواجهة في تفجير أزمة عامة ذات أثر عميق. أما المواجهة مع يهود الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وغيرهم من الجماعات اليهودية بشأن الموضوع نفسه، فهي مواجهة مهمة وعميقة لها أعمق الأثر في كل من الدولة الصهيونية وأعضاء الجماعات.




--------------------------------------------------------------------------------

ولنفهم مدى عمق هذه المواجهة، لابد أن نتناول وضع الجماعات اليهودية في العالم. فلو نظرنا إلى الهويات اليهودية في أنحاء العالم الغربي خصوصا في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حيث يتركز معظم يهود العالم لوجدنا أن ثمة هويات متعددة غير متجانسة مندمجة في مجتمعاتها تتفاعل معها بحيث أصبح الإطار المرجعي لهويتهم وأساسها هو تجربتهم التاريخية في أوطانهم وليس التعريف الصهيوني أو اليهودي وإن كان ثمة عنصر مشترك بينها فهو المرجعية العلمانية النهائية التي أدت إلى ظهور «الهوية اليهودية الجديدة» فهوية يهود أمريكا على سبيل المثال هوية أمريكية ذات أبعاد إثنية دينية يهودية هامشية والحديث الصارخ عن بعث الإثنية في الولايات المتحدة والتمسك بها إنما هو من قبيل الادعاءات اللفظية المريحة للغاية. فمفهوم الهوية في الإطار الأمريكي لا يختلف أبدا عن مفهوم الدين، وكل من الدين والهوية شيئان يمكن تقبلهما شريطة أن يتم تهميشهما حتى لا يتعارضا مع أداء اليهودي في رقعة الحياة العامة ولا يهددا الانتماء إلى المجتمع الأمريكي. ولكن إذا استبعدنا الهوية والدين من الحياة العامة ومن الإحساس بالانتماء، فلا يبقى شيء سوى زخارف أو تسلية تمارس في أوقات الفراغ من آونة لأخرى، ولا تشكل بعدا حقيقيا في بناء شخصية المرء ولا في رؤيته للكون

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:09 AM
1 ـ وانطلاقا من المفهوم الصهيوني للهوية اليهودية الحقيقية، تتصرف الدولة الصهيونية أحيانا بطريقة لا تخدم صالح أعضاء الجماعات اليهودية وإنما تخدم مصالحها هي على حسابهم. وربما تكون حادثة بولارد نقطة مهمة في هذا الصراع، فهي تمثل تصادما بين رؤيتين للهوية: واحدة صهيونية والأخرى أمريكية يهودية. فتذهب الرؤية الصهيونية إلى أن الأمريكي اليهودي يهودي أولا وأخيرا، ولذا لابد أن يخدم الدولة الصهيونية، في حين تذهب الرؤية الأمريكية اليهودية إلى أن الأمريكي اليهودي هو أمريكي في المقام الأول وله مصالح تختلف عن مصالح الدولة الصهيونية.
2 ـ عندما ينظر يهود العالم، خصوصا المتدينين منهم، إلى الدولة التي يقال لها «يهودية»، يكتشفون أن هويتها وهوية سكانها ليست يهودية على الإطلاق. فمعدلات العلمنة عالية للغاية بين الإسرائيليين، وهو الأمر الذي يصدم الزوار اليهود للدولة الصهيونية الذين يهربون من مجتمعاتهم الاستهلاكية ويحضرون إلى إسرائيل فيفاجأون بمجتمع إباحي مفتوح أكثر علمانية من المجتمعات غير اليهودية التي تركوها وراءهم. والواقع أن المجتمع الإسرائيلي بدأ، منذ السبعينيات، يتوجه توجها استهلاكيا حادا لا يضبطه أي ضابط أخلاقي أو حضاري أو عقائدي. وهذه التساؤلات ليست مقصورة على المتدينين، فاليهود اللادينيون، أو المندمجون الذين لا يقيمون شعائر دينهم، يحاولون التمتع بشيء من الهوية والتجربة الدينية عن طريق إسرائيل. فبرغم أنهم يتمتعون تماما بالاستهلاك والحضارة العلمانية في بلادهم، فإنهم يذهبون إلى إسرائيل ويدفعون لها الإعانات ليعيشوا تجربة دينية قومية (ولو بشكل مؤقت، وكأن إسرائيل ديزني لاند يهودية، على حد قول أحد الحاخامات). ولكن العلمانية الصريحة للدولة اليهودية تحرمهم من هذه المتعة وتلك الإثارة.

(4/54)


--------------------------------------------------------------------------------

3 ـ كما يسأل اليهود المتدينون: بأي معنى يمكن إطلاق تسمية الدولة الصهيونية على الدولة اليهودية وهي تسوي كل خلافاتها مع الآخرين عن طريق العنف العسكري ولا يمكن محاكمتها بمعايير أخلاقية يهودية؟ كما أن الطريقة التي يتم بها قمع الانتفاضة يصعب تسميتها «يهودية» مهما تحلى الإنسان بالكرم والخيال.
4 ـ يشكو اليهود المتدينون من أن التعريف الصهيوني للهوية اليهودية قد صادر الرموز والمصطلحات الدينية، بحيث يتصور كثير من اليهود الآن أن اليهودية والصهيونية أمران مترادفان، وأن المرء يمكنه أن يحقق هويته اليهودية عن طريق التبرع للدولة الصهيونية وعن طريق شراء سندات إسرائيل. وكما قال الحاخام ألكسندر شندلر: «يتصور بعض اليهود الآن أن إسرائيل هي معبدهم اليهودي وأن رئيس وزرائها هو حاخامهم الأكبر».

(4/55)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن نقطة الاشتباك الكبرى بين أعضاء الجماعات والدولة الصهيونية هي في مجال تعريف هوية اليهودي والمعيار المستخدم في هذا التعريف، إذ تصر المؤسسة الدينية، ممثلة في أحزابها الدينية، على تبني تعريف أرثوذكسي. وقد حدثت مواجهة سريعة بين يهود العالم والمؤسسة الدينية في حالة يهود الهند (بني إسرائيل) في الخمسينيات، وفي حالة يهود الفلاشاه في الثمانينيات، ومع القرائين والسامريين عبر كل هذه السنوات. وكان جوهر المواجهة دائما هو إصرار المؤسسة الدينية على التمسك بتعريفها لليهودي، والذي يستبعد أعضاء هذه الجماعات. وقد حسمت هذه المواجهات إما بتهود أعضاء هذه الجماعات مرة أخرى حسب الشريعة، وإما بتراجعهم وقبولهم مرتبة ثانوية في الهرم الديني اليهودي. كما أن المؤسسة أبدت من جانبها شيئا من المرونة تجاههم. ولكن كل هذه المواجهات كانت مع جماعات صغيرة لا نفوذ لها انفصلت منذ قرون طويلة عن اليهودية الحاخامية، ولذا لم تتسبب المواجهة في تفجير أزمة عامة ذات أثر عميق. أما المواجهة مع يهود الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا وغيرهم من الجماعات اليهودية بشأن الموضوع نفسه، فهي مواجهة مهمة وعميقة لها أعمق الأثر في كل من الدولة الصهيونية وأعضاء الجماعات.

(4/56)


--------------------------------------------------------------------------------

ولنفهم مدى عمق هذه المواجهة، لابد أن نتناول وضع الجماعات اليهودية في العالم. فلو نظرنا إلى الهويات اليهودية في أنحاء العالم الغربي خصوصا في الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حيث يتركز معظم يهود العالم لوجدنا أن ثمة هويات متعددة غير متجانسة مندمجة في مجتمعاتها تتفاعل معها بحيث أصبح الإطار المرجعي لهويتهم وأساسها هو تجربتهم التاريخية في أوطانهم وليس التعريف الصهيوني أو اليهودي وإن كان ثمة عنصر مشترك بينها فهو المرجعية العلمانية النهائية التي أدت إلى ظهور «الهوية اليهودية الجديدة» فهوية يهود أمريكا على سبيل المثال هوية أمريكية ذات أبعاد إثنية دينية يهودية هامشية والحديث الصارخ عن بعث الإثنية في الولايات المتحدة والتمسك بها إنما هو من قبيل الادعاءات اللفظية المريحة للغاية. فمفهوم الهوية في الإطار الأمريكي لا يختلف أبدا عن مفهوم الدين، وكل من الدين والهوية شيئان يمكن تقبلهما شريطة أن يتم تهميشهما حتى لا يتعارضا مع أداء اليهودي في رقعة الحياة العامة ولا يهددا الانتماء إلى المجتمع الأمريكي. ولكن إذا استبعدنا الهوية والدين من الحياة العامة ومن الإحساس بالانتماء، فلا يبقى شيء سوى زخارف أو تسلية تمارس في أوقات الفراغ من آونة لأخرى، ولا تشكل بعدا حقيقيا في بناء شخصية المرء ولا في رؤيته للكون.

(4/57)


--------------------------------------------------------------------------------

كما أن أوضاع أعضاء الجماعات في إنجلترا وفرنسا وجنوب أفريقيا لا تختلف في أساسياتها عن الصورة العامة السائدة بين أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة. بل إن وضع يهود روسيا وأوكرانيا ينطبق عليه أيضا مصطلح «يهود ما بعد الانعتاق» أو «الهوية اليهودية الجديدة»، فقد حصلوا على حقوقهم السياسية والمدنية، وتوجد أطر ومنابر يمكنهم من خلالها التعبير عما تبقى من هويتهم الشرق أوربية. كما ينتشر بينهم الزواج المختلط (وهو من أهم معايير الاندماج) بدرجة تفوق أحيانا درجته في الولايات المتحدة. وقد صرح شارنسكي، بطل الصهاينة في الاتحاد السوفيتي، حينما أفرج عنه واستقر في إسرائيل، بأن درجة اندماج اليهود في المجتمع السوفيتي « درجة مرضية »، والمقصود أنها «عالية». ورغم أنه يستخدم معيارا صهيونيا للهوية، إلا أنه يعترف ضمنيا بحقيقة ارتفاع معدلات الاندماج. وإذا كانت بين يهود الاتحاد السوفيتي (سابقا) أعداد كبيرة ترغب في الهجرة، فإن هذا يعود إلى بعض المشكلات الخاصة بالمجتمع الاشتراكي وبمجتمعات كومنولث الدول المستقلة. وعلى أية حال، فإن أغلبية من تتاح له فرصة مغادرة روسيا وأوكرانيا، يهاجر إلى الولايات المتحدة، ولا تهاجر سوى أعداد صغيرة إلى إسرائيل. وحتى هؤلاء الذين يصلون إلى هناك يكتشفون أن هويتهم وطموحاتهم تختلف عن الهوية اليهودية كما عرفها الصهاينة. بل إن يهود روسيا وأوكرانيا الذين يصلون إلى الولايات المتحدة يكتشفون أنهم روس، ومن ثم لا يختلطون باليهود في الولايات المتحدة ولا يندمجون فيهم وإنما يندمجون في المجتمع الأمريكي. بل ويقال إن الإسرائيليين المهاجرين إلى الولايات المتحدة يظلون أيضا بمعزل عن يهود الولايات المتحدة ولا يتزاوجون معهم، إذ يكتشفون أنهم إسرائيليون وليسوا مجرد يهود.

(4/58)


--------------------------------------------------------------------------------

وبشكل عام، يمكن القول بأن القيم العلمانية تنتشر في الوقت الراهن بين أغلبية يهود العالم، فهم إما منصرفون عن الدين تماما وإما يتبنون الصيغ المخففة منه والمتمثلة في اليهودية الإصلاحية والمحافظة، ولم يعد بينهم سوى أقلية أرثوذكسية. ففي الولايات المتحدة، يبلغ عدد اليهود الإصلاحيين والمحافظين مليونين ولا يوجد سوى 400 ألف أرثوذكسي. أما بقية اليهود، فهم إما لاأدريون أو غير مكترثين باليهودية، ولكنهم يلجأون إلى حاخامات إصلاحيين أو محافظين في أمور الزواج وغيره. وربما تكون درجة علمنة يهود روسيا وأوكرانيا أعلى من ذلك بكثير. ومع هذا، وبرغم علمنة هؤلاء اليهود، وبرغم ابتعاد المتدينين منهم عن الأرثوذكسية، فإنهم يتمسكون ببقايا هويتهم الإثنية، ربما بتأثير الصهيونية. ولذا، فهم يصرون على تسمية أنفسهم «يهود» برغم انصرافهم عن العقيدة، ثم يطالبون بتبني تعريف تعددي لليهودية، أي بأي تعريف يروق لهم بحيث يتم قبول أي يهودي يرى أنه يهودي. وهم ينظرون إلى الدولة الصهيونية باعتبارها دولة تعددية يهودية، بالمعنى الإثني، يمكنهم تحقيق هويتهم من خلالها. وفي هذا الإطار، ليس من المستغرب أن يؤدي التعديل المقترح لقانون العودة (بحيث يعرف اليهودي بأنه «المتهود بحسب الشريعة» أي على يد حاخام أرثوذكسي) إلى تفجير التناقضات الكامنة إذ أنه، في واقع الأمر، يستبعد أغلبية المتهودين وعائلاتهم في الولايات المتحدة. ومن المعروف أن عشرة آلاف أمريكي يتهودون سنويا نظرا لزواجهم من أقران يهود، ولا يتهود سوى ألف منهم أمام محاكم أرثوذكسية، أما الباقون فيتهودون على يد حاخامات إصلاحيين ومحافظين، ولا تعترف الحاخامية في إسرائيل بهم كيهود.

(4/59)


--------------------------------------------------------------------------------

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:10 AM
وهناك مشكلة أخرى أثيرت عدة مرات ولن يحسمها التعريف الجديد حتى لو تم تبنيه. فالحاخامات الأرثوذكس يطلبون ما يسمى «جيط» من كل يهودية مطلقة، أي شهادة طلاق من محكمة شرعية يهودية ليصبح الطلاق شرعيا، وهو تقليد أبطله الحاخامات الإصلاحيون. ولذا، فإن أية يهودية مطلقة تتزوج دون أن تحصل على شهادة طلاق شرعي، يعتبر أطفالها (بحسب التصور الأرثوذكسي) غير شرعيين، حتى لو كانت هي يهودية معترفا بيهوديتها من المؤسسة الأرثوذكسية. ولهذا، فمن المتوقع أن تتفاقم المشكلة بسبب ازدياد معدلات الطلاق غير الشرعي بين اليهود في الخارج، سواء في الولايات المتحدة أو في كومنولث الدول المستقلة (الاتحاد السوفيتي سابقا)، وبسبب جهل كثير منهم بقضية الجيط هذه!

(4/60)


--------------------------------------------------------------------------------

ويدرك أعضاء الجماعات اليهودية، خصوصا في الولايات المتحدة، المضمون الخفي الكامن وراء تعديل قانون العودة تماما، والمحاولة الرامية إلى ذلك. ومن هنا كانت حدة استجابتهم لهذه المحاولة إلى درجة أدهشت القيادات في اجتماع لمجلس الفيدراليات الأمريكية الذي خصص لمناقشة هذه القضية (1988)، ومجلس الفيدراليات هو التنظيم الذي يضم سائر التنظيمات اليهودية الأمريكية. فعندما حاولت القيادة التقليل من أهمية التعديل المقترح والتهوين من شأنه، ثارت القاعدة وأعلنت سخطها وأعلنت كذلك عن نيتها أن تترجم هذا السخط إلى فعل ضد إسرائيل. بل إن بعضهم اشتكى إلى نوابهم في الكونجرس الأمريكي من التعديل المزمع، وقام هؤلاء النواب، وبعضهم من غير اليهود، بنقل شكوى ناخبيهم من اليهود إلى حكومة الدولة اليهودية. وتتحدث الصحف الإسرائيلية عن احتمال أن تناقش المسألة في الكونجرس الأمريكي عند مناقشة المعونة الأمريكية لإسرائيل. وهكذا، فبدلا من أن تستخدم الدولة الصهيونية الدياسبورا أداة للضغط على الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها، يقوم أعضاء الجماعة الأمريكية اليهودية بالضغط على الدولة الصهيونية من خلال الولايات المتحدة للحفاظ على مصالحهم. ويقال إن استجابة يهود الولايات المتحدة لتعديل قانون العودة يشبه في حدته استجابتهم لحرب 1967، حين أحسوا بالفخر الشديد لانتصار القوات الإسرائيلية، أي حين تضخمت هويتهم اليهودية المزعومة بسبب انتصار جيوش الدولة اليهودية. وقانون العودة يمس هذه الهوية، ذلك أن تعديله ينزع عنهم هويتهم هذه ويجعل منهم مجرد يهود إصلاحيين أو محافظين، أي يهود من الدرجة الثانية. ويجب ملاحظة أنه بينما أصبحت اليهودية، بالنسبة إلى معظم سكان المستوطن الصهيوني مسألة قومية وليست دينية محضة (ولهذا فهم لا يكترثون بموقف المؤسسة الأرثوذكسية)، فإن الأمر جد مختلف بالنسبة إلى يهود العالم، فيهوديتهم برغم علمانيتهم الواضحة لا

(4/61)


--------------------------------------------------------------------------------

يمكن أن تعرف تعريفا قوميا وحسب، حيث يتنافى هذا مع انتمائهم القومي. ولذلك، يظل البعد الديني، برغم شكليته وضموره، أكثر أهمية بالنسبة إليهم من أهميته بالنسبة إلى الإسرائيليين.
ومن إنجازات الانتفاضة أنها، بوصولها إلى الإعلام الخارجي، قد حولت النضال الفلسطيني من قضية سياسية أو أخلاقية إلى قضية إعلامية تمس صورة اليهودي وبالتالي هويته ورؤيته لها. ولعل الأفلام اليومية على شاشة التليفزيون الأمريكي قد ساعدت على تهيئة الجو لثورة الأمريكيين اليهود، وغيرهم من أعضاء الجماعات، على القيادات الصهيونية ورفضهم تعديل قانون العودة.
وثمة تطور ثالث شديد الأهمية يتمثل في البقعة التي يلتقي فيها يهود العالم بالمستوطن الصهيوني: أي المنظمة الصهيونية العالمية. فقد شهد العقدان السابقان صهينة قطاعات كبيرة من يهود الولايات المتحدة كانت ترفض الصهيونية من قبل. فاليهودية الإصلاحية التي تشجع الاندماج، كانت ترفض الصهيونية بشكل عقائدي عند نشأتها، كما كان بعض مفكري اليهودية المحافظة يرفضونها. ولكنهم، بمرور الزمن، تناسوا هذه الاعتراضات وانتهى بهم الأمر إلى الانضمام إلى المنظمة الصهيونية العالمية. هذا، بينما يلاحظ أن الجماعات اليهودية الدينية، وضمن ذلك بعض الأحزاب الدينية في إسرائيل، إما معادية للصهوينة وإما غير صهيونية وغير ممثلة في المنظمة الصهيونية.

(4/62)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد انعكس هذا الوضع على انتخابات المؤتمر الصهيوني الحادي والثلاثين (1987) التي أسفرت عن فوز أغلبية من حزب العمال الإسرائيلي وممثلي اليهود الإصلاحيين والمحافظين والعلمانيين. وهذه هي المرة الأولى التي لا يعكس فيها تكوين المنظمة الصهيونية موازين القوى داخل الدولة الصهيونية. وقد قضى المؤتمر (291 صوتا ضد 271 صوتا) بضرورة المساواة الكاملة بين جميع اتجاهات اليهودية، الأمر الذي أدى بحركة المزراحي (الصهيونية الدينية) إلى التهديد بإعادة النظر في وضعها داخل الحركة الصهيونية. والواقع أن هذا الوضع يناقض الوضع داخل الدولة الصهيونية حيث يتنامى نفوذ الأحزاب الدينية.

(4/63)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد أثار وصول المهاجرين السوفييت مشكلة الهوية مرة أخرى. فعدد اليهود السوفييت حسب آخر إحصاء هو 1.500.000 وحسب، فمن أين أتت الأعداد الضخمة، خصوصا ونحن نعرف أن اليهود السوفييت حققوا معدلات عالية من الاندماج وأنهم جماعة مسنة؟ ولتفسير هذا نذهب إلى أن اليهود الذين يهاجرون إلى إسرائيل يضمون في صفوفهم عددا كبيرا من اليهود المتخفين الذين كانوا قد فقدوا علاقتهم باليهودية تماما ولم يسجلوا أنفسهم كيهود، ولكنهم اكتشفوا مؤخرا أن مسألة الانتماء اليهودي مسألة مربحة وأنها ستضمن لهم تأشيرة خروج من الدولة السوفيتية وتأشيرة دخول إلى الدولة الصهيونية. ولعل هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يظهر فيها مثل هذا الموقف: أن يكون في صالح المرء أن يكتشف جذوره اليهودية ويعلنها ويوظفها. وأشباه اليهود هؤلاء غير مختنين وغير متزوجين من يهوديات وأولادهم غير يهود ولا يربطهم باليهودية سوى أن لهم جدا مدفونا في موسكو (على حد قول أحد الحاخامات الإسرائيليين). كما أن هناك فريقا آخر ممن نسميهم مدعي اليهودية، وهؤلاء ليسوا يهودا ويشترون شهادة ميلاد تثبت أنهم يهود. وهذه الآلاف تصل إلى إسرائيل وتطالب بالجنسية حسب قانون العودة. ويقال إن نسبتهم بين المهاجرين يمكن أن تصل إلى 30% وقد بدأت المؤسسة الحاخامية تحذر من أن إسرائيل قد تصبح دولة غير يهودية. ولكن المؤسسة الإشكنازية الحاكمة (اللادينية) لا تجد أية غضاضة في استقبال هؤلاء المهاجرين ماداموا سيحلون المشكلة السكانية لإسرائيل، ولا تمانع في تقبل التعريف العلماني الذي وضعه شارانسكي لليهودي باعتباره من يشعر أنه يهودي مضطهد. وهو تعريف لا تأخذ به، بطبيعة الحال، المؤسسة الحاخامية. ولهذا أسست محكمة شرعية في موسكو للتحقق من الهوية اليهودية للمهاجرين، الأمر الذي يثير حفيظتهم ويؤدي إلى احتجاج العناصر اللادينية في إسرائيل.

(4/64)


--------------------------------------------------------------------------------

وتعتبر الأزمة التي تعتمل داخل الدولة الصهيونية، وفي صفوف الجماعات اليهودية في العالم، نتيجة لمحاولة تبني التعريف الديني أو التعريف اللاديني الصهيوني للهوية، أمرا طبيعيا ومتوقعا. فهذا التعريف لا يأخذ في الاعتبار تموجات التاريخ وتعرجاته ولا ينبع منها، ويتجاهل التركيب الجيولوجي للعقائد والجماعات اليهودية، كما أنه مجرد تعريف عقائدي يفرض نفسه فرضا على واقع متنوع. فهو يفترض وجود هوية يهودية واحدة رغم وجود هويات يهودية عديدة متنوعة أهمها «الهوية اليهودية الجديدة» التي تهمش العنصر اليهودي. والتعريف الصهيوني يرى أن اليهود شعب واحد له تاريخ واحد، وهم في واقع الأمر جماعات منتشرة لها تجارب تاريخية متنوعة ذات انتماءات قومية وإثنية وطبقية ودينية متعددة. كما أن أعضاء هذه الجماعات، حين يستوطنون فلسطين المحتلة، يحملون معهم انتماءاتهم وتجاربهم التاريخية، شاءوا أم أبوا. وحينما يتبنون تعريفا صهيونيا لهويتهم، تنفجر الأزمة إذ تكتشف أغلبيتهم العظمى أنهم ليسوا يهودا أو أن يهوديتهم مشكوك فيها بل ومرفوضة،كما حدث ليهود بني إسرائيل والفلاشاه، وكما سيحدث ليهود الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لو تم تعديل قانون العودة.
الباب الرابع: اليهود والجماعات اليهودية
اليهود : مشكلة التعريف
The Jews: The Problem of Definition
كلمة «يهودي» هي من أكثر الدوال إشكالية رغم بساطتها، فكلمة «يهودي» يمكن أن تستخدم للإشارة إلى العبرانيين القدامى باعتبارهم جماعة عرقية أو إثنية (قوم) أو باعتبارهم جماعة دينية (شعب مختار). ثم تستخدم الكلمة للإشارة إلى اليهود الحاخاميين والقرائين والسامريين ويهود الصين وإثيوبيا.

(4/65)
--------------------------------------------------------------------------------

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:14 AM
ويشار إلى اليهود باعتبارهم شعبا مقدسا في التراثين الدينيين المسيحي واليهودي. وبعد ظهور العلمانية، أصبحوا شعبا عضويا يشار إليهم بوصفهم «الشعب اليهودي» أو بالمعنى اللاديني مجرد «اليهود» (بالإنجليزية: جوري Jewry ). ويشار إلى السفارد والإشكناز والصابرا ويهود الولايات المتحدة على أنهم «يهود». وتزداد الأمور اختلاطا حينما يستخدم الدال «يهودي» للإشارة إلى يهود العالم وإلى صهاينة العالم والمستوطنين الصهاينة في إسرائيل. ولعل المصدر الأساسي لهذا الخلط هو التراث الإنجيلي الذي يتحدث دائما عن اليهود ككل باعتبارهم «الشعب»، وهي طريقة للرؤية ورثها العالم الغربي ككل.ولذا، نجد أن المحايدين العلميين والمعادين لليهود والصهاينة المتحيزين كلهم يتحدثون عن اليهود ككل.
وغني عن القول إن استخدام الدال «يهودي» بهذه الطريقة يجعله عديم الفائدة، إذ يشير إلى حقل دلالي متضارب ومدلولات مختلفة. وسنحاول في مداخل هذا المجلد أن نحدد الحقل الدلالي لبعض المصطلحات السائدة وأن نقترح مصطلحات جديدة لتحل محل مصطلح «يهودي».
اليهود بوصفهم كلا متماسكا
Jewry
«اليهود بوصفهم كلا متماسكا» هي ترجمتنا للكلمة الإنجليزية «جوري »Jewry»، والتي كانت تستخدم أصلا للإشارة إلى الجيتو أو الشارع أو الحي الذي يسكنه اليهود. وهي تشير إلى اليهود من حيث هم كل متماسك لا من حيث هم جماعات شتى لكل منها انتماؤها العرقي أو الإثني أو الحضاري وتضم في صفوفها أعضاء يهودا لكل طموحاته وتصوراته الخاصة به. والكلمة تفترض أن هناك علاقة عضوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم، وأنهم يخضعون للحركيات نفسها التاريخية التي تجب الانتماءات المختلفة والتناقضات الكامنة والظاهرة. وتوجد كلمات مماثلة في اللغات الأوربية الأخرى، مثل جويفيري Juiverie الفرنسية، وجويديتشا Guidecca الإيطالية.

(4/66)


--------------------------------------------------------------------------------

ويحبذ الصهاينة استخدام هذا المصطلح لأنه يعبر عن رؤيتهم ونموذجهم التفسيري. وهذا المصطلح لا يختلف كثيرا في تضميناته عن مصطلحات مثل «الشعب اليهودي» أو «الشعب العضوي»، فهي جميعا تشير إلى كل عضوي متماسك.
الشعب اليهودي
The Jewish People
«الشعب اليهودي» عبارة تفترض أن اليهود شعب بالمعنى القومي أو العرقي للكلمة، كما تفترض أن لديهم قوميتهم اليهودية المستقلة. ويستطيع القارئ أن يعود إلى مدخل «القومية اليهودية» و«الجماعات اليهودية».
الشعب
The People
«الشعب» كلمة تتواتر في الأدبيات الدينية اليهودية والمسيحية وفي الدراسات الدنيوية أيضا. ويختلف معنى الكلمة في السياق الديني عنه في السياق الدنيوي والتاريخي. فهي في السياق الديني تعني «جماعة دينية» ترتبط بميثاق بينها وبين الإله وتنتفي عنها صفة الشعب بعدم تنفيذها العهد. وهذا الشعب قد يرى نفسه شعبا مختارا أو شعبا مقدسا أو أمة الروح أو الأمة المقدسة أو الشعب الأزلي أو المفضل على العالمين، ومن أسمائه «بنو يسرائيل» و«شعب يسرائيل». وترى الكنيسة المسيحية أن المسيحيين هم الشعب الحقيقي وأن اليهود قد تحولوا إلى مجرد «شعب شاهد».
أما في السياق الدنيوي، فالأمر أكثر تركيبا، حيث يعني «الشعب» مجموعة القبائل العبرانية التي تسللت إلى كنعان ثم اتحدت في المملكة العبرانية المتحدة ثم انفكت إلى مملكتين: المملكة الشمالية والمملكة الجنوبية. وقد اعتبره اليونانيون والرومان «إثنوس» أي قوما يترأسهم رئيس القوم (إثنآرخ)، ثم تحولوا إلى جماعات يهودية مختلفة منتشرة. وفي العصر الحديث، عاد الحديث بين الصهاينة عن «الشعب اليهودي» أو «الشعب العضوي (فولك)». وقد قمنا بوضع مصطلح «الشعب العضوي المنبوذ» لوصف رؤية العالم الغربي للجماعات اليهودية.
الجماعات اليهودية
Jewish Communities

(4/67)


--------------------------------------------------------------------------------

«الجماعات اليهودية» مصطلح نستخدمه في هذه الموسوعة بدلا من مصطلح «اليهود». ونحن نذهب إلى أن العبرانيين (والعبرانيين اليهود)، أي اليهود القدامى، كانوا يشكلون وحدة ثقافية وإثنية تتسم بقدر من التماسك والتجانس والوحدة. ولكن، مع انتشار اليهود في أرجاء العالم في مجتمعات مختلفة، لكل تقاليدها الحضارية والدينية، وتواريخها، تفاعل اليهود مع هذه التقاليد والتواريخ وخضعوا لمؤثراتها، شأنهم شأن كل الأقليات والبشر. وقد بدأت عملية الانتشار مع التهجير البابلي، ولكن وتيرتها تصاعدت مع ظهور الحضارة الهيلينية والرومانية. وقد اكتملت عملية الانتشار والتفرق مع هدم الهيكل في عام 70م على يد تيتوس، وكذلك سقوط العبادة القربانية المركزية وأية سلطة دينية مركزية يهودية. وقد تحول اليهود نتيجة هذه العملية إلى جماعات مختلفة متفرقة غير متجانسة. ونحن نفضل استخدام مصطلح «جماعات يهودية» على مصطلح «يهود» لأن المصطلح الأخير يؤكد التماسك والتجانس والوحدة حيث لا تماسك ولا تجانس ولا وحدة.

(4/68)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا حاول الدارس أن يدرس أعضاء الجماعات اليهودية في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين كيهود وحسب فإنه سيحاول دون شك أن يرصد عناصر الوحدة بين هؤلاء اليهود. ومع أن هناك عناصر مشتركة قد تجمع بين هذه الجماعات، إلا أنها ليست في أهمية العناصر غير المشتركة من الناحية التفسيرية والتصنيفية. ولعل الاستعراض التاريخي الجغرافي للجماعات اليهودية يوضح هذه النقطة، فقد كانت الجماعات اليهودية في كل أنحاء العالم، في القرنين العاشر والحادي عشر، توجد داخل عدة تشكيلات حضارية سياسية مستقلة وسمت كل جماعة بميسمها. وقد أصبح أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا أقنان بلاط وتجارا ومرابين داخل النظام الإقطاعي، بل وبدأوا يواجهون مشكلة ظهور طبقات تجارية ومالية محلية. أما يهود العالم الإسلامي فلم يتسموا بتميز وظيفي حاد بل وشاركوا في الثورة التجارية التي ظهرت آنذاك، وكانوا من الناحية الثقافية جزءا لا يتجزأ من محيطهم الحضاري كما هو واضح في العصر الذهبي في الأندلس. وقد كانت أعداد من يهود فارس (وربما الهند) قد بدأت تستقر في الصين لأسباب تتصل بالحضارة الصينية (وهو تزايد الحاجة إلى المنسوجات الحريرية). وكان يهود الخزر قد تبعثرت دولتهم بسبب صعود القوة السلافية الروسية وتنصرها، ولكنهم كانوا يشاركون في تأسيس المجر. وكان يهود الفلاشاه قد أصبحوا جزءا من التشكيل الحضاري الأفريقي في إثيوبيا، وكونوا قبيلتهم بل ومملكتهم وانخرطوا في الحروب القبلية المختلفة. ولا يمكن لإطار واحد أن يشمل كل هذه الظواهر. ولفهم سلوك هذه الجماعات وحركتها ومصيرها، لابد من العودة إلى التشكيلات الحضارية التاريخية التي كانوا يوجدون فيها، لا إلى جوهر يهودي يتجاوز الزمان والمكان ويشكل وحدتها الجوهرية أو إلى تاريخ يهودي يتطور حسب قوانينه الداخلية ويتطور اليهود في إطاره منعزلين عن تواريخ الجماعات التي يعيشون بين ظهرانيها.

(4/69)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد ازداد عدم التجانس بين الجماعات اليهودية بعد القرن الحادي عشر على المستويين الديني والاجتماعي، حيث تعمق التوحيد في النسق الديني اليهودي في العالم الإسلامي، بينما تعمق العنصر الحلولي الكموني في اليهودية الغربية وظهرت عناصر الثنوية والشرك مع هيمنة التراث القبالي. بينما كان يهود العالم الإسلامي يزدادون اندماجا وتحضرا، كان يهود العالم الغربي يزدادون انعزالا وتخلفا. ولكن، مع الصعود الاقتصادي للعالم الغربي بعد الثورة التجارية والصناعية والرأسمالية، نجد أن يهود الغرب مارسوا تحولا عميقا ولعبوا دورا في هذه العملية التي لم تترك أي أثر في يهود الدولة العثمانية أو يهود كوشين في الهند على سبيل المثال.
وفي العصر الحديث، نجد أن اليهود الأرثوذكس يكفرون الإصلاحيين والمحافظين والتجديديين. ويوجد الآن فريق من اليهود المسيحيين الذين يؤمنون بالمسيح باعتباره الماشيح دون الاعتراف بألوهيته. كما أن غالبية يهود العالم إما ملحدون أو لاأدريون أو غير مكترثين بالدين. ويهود الفلاشاه لا يعرفون التلمود ويتعبدون بالجعزية، مع أن التلمود يشكل العمود الفقري لليهودية الحاخامية (أي اليهودية الأرثوذكسية(.

(4/70)


--------------------------------------------------------------------------------

وكل جماعة يهودية لها مشاكلها الخاصة النابعة من وجودها داخل بناء تاريخي مستقل، فيهود الفلاشاه يواجهون مشكلة المجاعات التي تجتاح أفريقيا في الآونة الأخيرة كما بدأوا يواجهون مشكلة التحديث في إسرائيل. أما يهود اليمن، فهم يواجهون مشكلة عدم توافر المعلمين الدينيين والكتب الدينية بسبب انقطاع صلتهم بمراكز الدراسات الحاخامية في الغرب، كما يواجهون مشكلة أن اليمن بلد عربي في حالة صراع سياسي حاد مع دولة تسمي نفسها «الدولة اليهودية». وهم يعانون أيضا من التدخل الدائم من المنظمة الصهيونية التي تحاول إنقاذهم شاءوا أم أبوا. واليهود القراءون في إسرائيل يواجهون مشكلة وجودهم في مجتمع تسيطر عليه المؤسسة الحاخامية التي لا يعترفون بها، وكذلك مشكلة تزايد معدلات العلمنة. أما القراءون في الاتحاد السوفيتي، فيواجهون مشاكل مختلفة. ومشاكل كلا الفريقين تختلف عن تلك التي يواجهها اليهود القراءون في مصر أو في الولايات المتحدة. واليهود السامريون في نابلس يواجهون مشاكل فريدة باعتبارهم أصغر أقلية دينية في العالم لا تزال محتفظة بعبادتها القربانية المرتبطة بجبل جريزيم. ومشاكل يهود جورجيا تختلف عن مشاكل يهود الكرمشاكي أو يهود أوكرانيا أو يهود بيروبيجان. ويواجه يهود الولايات المتحدة مشاكل من بينها الخوف من الاندماج (الهولوكوست الصامت) نتيجة تقبل المجتمع لهم ونجاحهم فيه. وهذا التقبل والنجاح يسبب لهم مشاكل مع السود، فالسود متركزون في المدن نفسها التي يوجد فيها اليهود وعادة ما يشغلون «الجيتو» الذي كان يشغله المهاجرون اليهود قبل أن يحققوا الحراك الاجتماعي وينتقلوا إما إلى جيرة أفضل أو إلى الضواحي. فحي هارلم الشهير كان حيا يهوديا يجعل من « المالك اليهودي » ممثلا للرأسمالية الأمريكية المستغلة أمام الأمريكيين السود، الأمر الذي يسبب كثيرا من المشاكل للجماعة اليهودية ككل. كما أن تزايد وعي السود بأنفسهم،

(4/71)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:16 AM
وبقوتهم ورغبتهم في المشاركة في السلطة، يجعل احتكاكهم باليهود أكثر حدة بسبب تركز الجماعتين في الأماكن نفسها. ويواجه يهود هولندا مشكلة عدم الامتزاج بين الإشكناز والسفارد حتى أن كل طائفة لها مدارسها. وكلا الفريقين يواجه مشاكل ناجمة عن تصاعد معدلات العلمنة في هولندا. ويجابه أعضاء الجماعة اليهودية في فرنسا مشاكل الانقسام، فالمهاجرون اليهود من البلاد العربية لا يتزوجون في كثير من الأحوال من يهود فرنسا الأصليين، وإن كانت هذه الظاهرة قد بدأت تقل.

(4/72)


--------------------------------------------------------------------------------

كما نجد أن الجماعات اليهودية لا تعترف أحيانا الواحدة بالأخرى. وتتضح هذه الظاهرة بحدة في أمريكا اللاتينية حيث حافظت كل جماعة يهودية على هويتها وبالتالي كان الصدام حادا بين الجماعات، خصوصا بين السفارد والإشكناز. وفي سويسرا، يجابه اليهود مشكلة أن الذبح الشرعي محظور منذ أمد طويل مع أن سويسرا هي مقر كثير من المنظمات اليهودية. وفي إنجلترا، يجابه الجيل اليهودي القديم مشكلة انصراف اليهود عن التعليم اليهودي والتقاليد اليهودية، فخمسة في المائة فقط من الأطفال اليهود يدخلون مدارس يهودية و75% يدرسون موضوعات اليهودية في مدارس الأحد و20% لا يتلقون أية ثقافة يهودية على الإطلاق. والواقع أن مشكلة التعليم و «الانتماء اليهودي» على وجه التحديد هي مشكلة تواجهها جميع الجماعات اليهودية في الغرب، وسببها ازدياد علمانية هذه المجتمعات وانتشار العقلية الاستهلاكية التي لا تهتم كثيرا بالتاريخ أو التراث أو الهوية. ومما يزيد المشكلة حدة أن الجيل الجديد يدخل طرفا في زيجات مختلطة، الأمر الذي لابد أن يؤدي إلى تناقص عدد أعضاء الجماعة. كما أن أعضاء الأجيال الجديدة يحجمون عن الزواج بشكل عام، وإن تزوجوا فهم يحجمون عن الإنجاب. ومن الملاحظ أن متوسط أعمار اليهود في كثير من بلدان الغرب أعلى من متوسط العمر في هذه البلدان بسبب اختفاء العناصر الشابة. وكل هذا يهدد بموت الشعب اليهودي وهي مشكلة لا يعاني منها اليهود الشرقيون بعد.

(4/73)


--------------------------------------------------------------------------------

إن مشاكل الجماعات اليهودية متنوعة ونابعة من وجودها في مجتمعات مختلفة ذات مستويات مختلفة من التقدم والتخلف. ولكن استخدام اصطلاح «يهود» على إطلاقه لن يساعد كثيرا على التحليل والتفسير. ومن هنا، فإننا نرى أن كلا من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية هما، في واقع الأمر، عقائد وهويات تأخذ شكل تركيب تراكمي جيولوجي يحوي داخله طبقات غير متجانسة تعيش بعضها فوق بعض. (وإذا ما أطلقنا على هذا اسم «يهود» و«يهودية» لكان في الأمر تعسف ولي لعنق الواقع لا يساعدان كثيرا على فهم الظاهرة). ولذا، فنحن نشير إلى العقائد وإلى الجماعات اليهودية، بحيث تؤكد كلمة «جماعات» على استقلال كل جماعة وعلى خضوعها لحركيات تاريخية وحضارية مختلفة.

(4/74)


--------------------------------------------------------------------------------

كما أن لفظ «جماعة» أفضل من لفظ «طائفة» أو «أقلية». فلفظ «طائفة» يشير عادة إلى طائفة دينية، بينما يؤكد لفظ «أقلية» الجانب الكمي للظاهرة. أما كلمة «جماعة»، فهي وإن كانت لا تؤكد الجانب الكمي (أي عدد اليهود كأقلية)، إلا أنها لا تستبعده تماما. كما تتضمن فكرة أنها جزء من كل أكبر، كما أن كلمة «جماعة»، وهذا هو الأهم، تؤكد أن ثمة عناصر تميز هذه المجموعة البشرية وأن هذه العناصر ليست دينية وحسب، فقد تكون حضارية أو ثقافية أو وظيفية. ونحن حين نستخدم اصطلاح «جماعة وظيفية»، فإننا نربط على مستوى المصطلح بين «الجماعة اليهودية» و«الجماعة الوظيفية». ومما يجدر ذكره أن العرب، في شبه جزيرة أيبريا، استخدموا لفظ «الجماعة» للإشارة إلى اليهود، وقد استبقاه المسيحيون من بعدهم. والمقدرة التفسيرية لمصطلح «الجماعة اليهودية» أعلى بكثير من مصطلح «اليهود» الذي يجعل الباحث يواجه اليهود ككتلة متماسكة لها قوانينها الخاصة المقصورة عليها ولها منطقها الداخلي. أما مصطلح «أعضاء الجماعات اليهودية»، فيؤكد عدم التجانس وعلى استقلال كل جماعة عن الأخرى، ويؤكد أن هذه الجماعات قد تكون خاضعة لقوانينها الخاصة ومنطقها الداخلي (من حيث هي يهودية) ولكنها مع ذلك خاضعة أيضا لقانون أكبر ومنطق أشمل من حيث هي «جماعات» تشكل جزءا من كل، فهو إذن مصطلح يعين الظاهرة باعتبارها ظاهرة يهودية ولكنه لا يجعل هذا الأمر النقطة المرجعية الأساسية بل مجرد نقطة فرعية، إذ تظل الحقيقة الأساسية المرجعية أنها جماعة بشرية في مجتمع الأغلبية، وأنها جزء من كل تاريخي حضاري أكبر تستمد منه هويتها وترقى حركيتها برقيه وتنحدر وتهوى بانحداره وسقوطه، شأنها في هذا شأن الجماعات المماثلة.

(4/75)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن المفيد أن نؤكد أن مصطلحا مثل «الجماعات اليهودية في مصر» قد يكون مضللا رغم أنه يشير إلى يهود مصر، فلابد من تأكيد البعد الزمني إلى جانب البعد الجغرافي. والواقع أن يهود مصر، على سبيل المثال، يبدأ تاريخهم منذ أن كانوا في مصر عبيدا عبرانيين يتحدثون لغة المصريين القدماء أو ربما لغة أخرى لا نعرف ما هي (ثم حينما تسللوا إلى كنعان اكتسبوا لسان كنعان). وكانت حامية إلفنتاين العبرانية، في عهد الأسرة 26، تتحدث العبرية والآرامية، وتتعبد حسب صيغة وثنية يهودية إذ كانوا يعبدون يهوه وآلهة أخرى. ثم نجد أن يهود مصر راحوا يتأغرقون بعد ذلك ويتخذون من اليونانية لغة لهم، كما اكتسبت عبادتهم بعدا هيلينيا. وأخيرا، بعد الفتح الإسلامي، استعرب يهود مصر وأصبحت يهوديتهم أكثر توحيدية. وفي العصر الحديث، تم علمنتهم وتغريبهم. إن هذه الجماعات المختلفة إثنيا ودينيا يطلق عليها جميعا «يهود مصر» كما لو كانت كلا واحدا مستمرا بلا انقطاع، مع أن من الواضح أن ثمة انقطاعات عديدة.

(4/76)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن أكثر الأمثلة درامية وطرافة يهود القرم ويهود شبه جزيرة تامان المجاورة لها. ويعود تاريخ استقرار اليهود في هذا المكان إلى القرن الثاني قبل الميلاد، حينما استجلب مثراديتيس الأكبر مستوطنين يهودا من آسيا الصغرى ووطنهم ذلك الجزء من مملكته (حول مضيق البوسفور). ومن المؤكد أنه، في القرن الأول الميلادي، كانت توجد مستوطنات من اليهود المتأغرقين في المملكة البوسفورية. ولذا، كانت شواهد قبورهم تكتب بكل من اليونانية والعبرية، كما كان الحال في مصر بعد تأغرقهم. وهناك وثائق تدل على وجود جماعة استيطانية قتالية من عبدة الإله الأعظم. وقد حطمت قبائل الهن هذه المملكة في عام 370 مما ساهم في نزع الصبغة الإغريقية عن الجماعة اليهودية. ثم غزت الإمبراطورية البيزنطية هذه المنطقة في القرن السادس، ولابد أن هوية اليهود في هذه المنطقة قد تغيرت بتغير التشكيل الحضاري الذي ساد فيها. وفيما بعد، غزت قبائل الخزر شبه جزيرة القرم في منتصف القرن السابع، وهو ما أدى إلى دخولها في فلك إمبراطورية الخزر فتترك اليهود فيها وتهودت النخبة الحاكمة. وبعد سقوط دولة الخزر، التي اختفى آخر أثر لها في القرم في القرن الحادي عشر، اكتسح التتار شبه الجزيرة عام 1227. وقد اندمج اليهود في التتار أيضا وتبنوا لغتهم وأزياءهم. وهؤلاء هم أسلاف يهود الكرمشاكي الذين انتقلت بقاياهم مؤخرا من الاتحاد السوفيتي إلى الولايات المتحدة. وتحت حكم التتار، بدأ القراءون يدخلون القرم. وقد قامت مدينة جنوة بتأسيس بعض مستعمرات تجارية على الساحل الجنوبي لشبه الجزيرة في منتصف القرن الرابع عشر. ويبدو أن بعض أعضاء الجماعة اليهودية اكتسبوا الثقافة الإيطالية أو انضم إليهم يهود من إيطاليا. ونحن نعرف أن الجماعة اليهودية في تامان كان يرأسها (عام 1419) يهودي إيطالي يدعى سيمون دي جوبزولفي.

(4/77)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع سقوط القسطنطينية عام 1543، أصبحت القرم تابعة للدولة العثمانية. ولابد أن هذا ترك أيضا أثره الثقافي في اليهود. ثم ضمت روسيا القرم في عام 1783، وبدأت هجرة العناصر الإشكنازية، كما بدأ تحديث يهود القرم.
ورغم كل هذه التحولات اللغوية والحضارية، يشار لهم باسم «يهود القرم» بكل ما ينطوي عليه المصطلح من استمرار وتجانس وعدم انقطاع حيث لا استمرار ولا تجانس، وإن وجدت عناصر استمرار فإنها لا تكون في أهمية عناصر الانقطاع وعدم الاستمرار. ولذا، نقترح أن نقول «يهود القرم في العصر الخزري» و«يهود مصر في العصر البطلمي» وهكذا.
وأخيرا، يجب ملاحظة أن إحدى الدول قد تضم جماعة يهودية واحدة متجانسة حضاريا و تضم دولة أخرى عدة جماعات. فالجماعة اليهودية في إنجلترا، مثلا، جماعة واحدة يتصف معظم أعضائها ببعض السمات الأساسية، وغالبيتهم الساحقة يتحدثون الإنجليزية. والأمر نفسه ينطبق على يهود الولايات المتحدة، حيث توجد جماعة يهودية رئيسة يتحدث أعضاؤها الإنجليزية وجماعات أخرى صغيرة للغاية مهملة إحصائيا، خصوصا أن أعضاءها في طريقهم إلى الاندماج والاختفاء. هذا على عكس يهود الاتحاد السوفيتي (سابقا)، فقد كانت أغلبيتهم الساحقة من يهود اليديشية الإشكناز الذين اصطبغوا بالصبغة الروسية، ولكن كانت هناك جماعات أخرى (تشكل حوالي 15%) لها هويات أخرى. والشيء نفسه ينطبق على أمريكا اللاتينية، فما نقوله عن الجماعة اليهودية في إنجلترا والولايات المتحدة، وكذلك ما يقال عن الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي (سابقا)، يصدق على الجماعات اليهودية في أمريكا اللاتينية.
طائفة
Community; Taifa

(4/78)


--------------------------------------------------------------------------------

كان يشار لكل جماعة يهودية بأنها «طائفة»، فكان يشار إلى «طائفة اليهود» وإلى «الطائفتين» (القرائين والحاخاميين) وإلى «رئيس الطائفة اليهودية». ويقوم بعض الدارسين العرب في الوقت الحاضر باستخدام هذا المصطلح. وقد آثرنا استخدام «جماعة» لأنه أكثر عمومية من طائفة، فكلمة «طائفة» مرتبطة بالتشكيل الحضاري والسياسي الإسلامي وكان المطلوب هو التوصل إلى مصطلح أكثر عمومية ليضم كلا من طوائف اليهود في العالم الإسلامي والجماعات اليهودية في بقية العالم ومن هنا استقر اختيارنا على هذا المصطلح. هذا وقد استخدم لفظ «الجماعة» للإشارة إلى الجماعة اليهودية في كل من إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية.
عبري
Hebrew
«عبري» هي أقدم التسميات التي تطلق على أعضاء الجماعات اليهودية، ويقال أيضا «عبراني»، وجمعها «عبرانيون». وهناك تسمية أخرى هي «بنو يسرائيل» أو «جماعة يسرائيل» أو «يسرائيلي»، ثم يأتي بعد ذلك لفظ «يهودي» للتعبير عن المسمى نفسه.
والكلمة ذات معان ومدلولات عديدة، فيرى بعض الكتاب أن الكلمة ترادف كلمة «عبيرو» التي ترد في المدونات المصرية، و«خابيرو» التي ترد في المدونات الأكادية. ولكن البعض الآخر يشكك في هذا الاشتقاق باعتبار أن كلمة «عبري» صفة تدل على النسب أو الانتماء لوجود ياء النسب في آخرها، في حين أن كلمة «خابيرو» أو «حبيرو» لا تعني غير المزاملة والمرافقة .

(4/79)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن الآراء المطروحة أيضا أن كلمة «عبري» مشتقة من «العبور» من عبارة «عبر النهر»: « فهرب هو وكل ما كان له وقام وعبر النهر وجعل وجهه نحو جبل جلعاد » (تكوين 31/21). ويرى البعض أنه حين يقول الساميون « عبر النهر » دون ذكر اسم هذا النهر فإنهم يعنون نهر الفرات، والإشارة هنا إلى عبور يعقوب الفرات هاربا من أصهاره. ويرى بعض الباحثين أن عبور يعقوب النهر هو أساس اسم العبرانيين، حيث ينتسبون إلى من قام بهذا العبور، أي يعقوب الذي سمي «يسرائيل».
وربما كان الاسم إشارة إلى جماعة قبلية إثنية كبيرة. ويظهر هذا الاستعمال في العلاقة بين المصطلح «عبري» واسم «عابر» حفيد سام (تكوين 10/24 ـ 25، 11/15 ـ 16) الذي تنتسب إليه مجموعة كبيرة من الأنساب. ولكن أول شخص يشار إليه بأنه عبري هو إبراهيم (تكوين 14، 13) في سياق لا يدل على أن الإشارة إشارة إثنية، وإنما إشارة تدل على الوضع الاجتماعي باعتباره غريبا أو أجنبيا ليست له أية حقوق. وتشير كلمة «عبري» في التوراة إلى العبرانيين أيضا باعتبارهم غرباء. والعبري «غريب في منزلة الخادم» ويدل هذا على أن كلمة «عبري» هنا تشير إلى غير اليهودي في حكم التوراة، ويظهر هذا في الأحكام الخاصة بشراء عبد عبري (خروج 21/2(.
وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا غرباء في مصر مدة طويلة، وبالتالي ارتبط الاسم بهم، وتحول من صفة لوضع اجتماعي إلى وصف لجماعة إثنية. ولذا، فإن ثمة إشارات إلى يوسف على أنه غلام عبراني (تكوين 41/12)، أو رجل عبراني (تكوين 39/14). كما أن ثمة إشارة أيضا إلى النساء العبرانيات (خروج 1/19). ورغم أن الإشارة ذات طابع إثني واضح، فإنها لم تفقد بعدها الاجتماعي تماما. وفي سفر التكوين نجد إشارة إلى يوسف كعبد عبراني (39/18) وهي إشارة ذات دلالة تخلط العنصرين الإثني والطبقي.

(4/80)


--------------------------------------------------------------------------------

وترد كلمة «عبري» أحيانا مرادفة لكلمة «يهودي» على نحو ما جاء في سفر إرميا (34/9): « أن يطلق كل واحد عبده وكل واحد أمته، العبراني والعبرانية، حرين حتى لا يستعبدهما، أي أخويه اليهوديين، أحد ». كما كانت الكلمة مرادفة لكلمة «يسرائيلي» (خروج 9/1 ـ 4): « هكذا يقول الرب إله العبرانيين... ويميز الرب بين مواشي يسرائيل ومواشي المصريين ». وفي صمويل الأول (4/9)، يقول أحد الفلستيين: « تشددوا... وكونوا رجالا لئلا تستعبدوا للعبرانيين » وهو يتحدث عن جماعة يسرائيل.

(4/81)


--------------------------------------------------------------------------------

ويفضل بعض الصهاينة العلمانيين أن يستخدموا كلمة «عبري» أو «عبراني» على استخدام كلمة «يسرائيلي» أو «يهودي» باعتبار أن الكلمة تشير إلى العبرانيين قبل اعتناقهم اليهودية، أي أن مصطلح «عبري» يؤكد الجانب العرقي على حساب الجانب الديني فيما يسمى «القومية اليهودية». بل إن بعض أصحاب الاتجاهات الإصلاحية والاندماجية، في مرحلة من المراحل، كانوا يفضلون كلمة «عبري» على كلمة «يهودي» بسبب الإيحاءات القدحية للكلمة الأخيرة. وقد ظهرت في هذه الآونة كلية الاتحاد العبري Hebrew Union Collegeوجماعة هياس (وهي اختصار Hebrew Immigration Aid Society، أي الجمعية العبرية لمساعدة المهاجرين). كما أنهم في إسرائيل، يشيرون عادة إلى اللغة العبرية والأدب العبري والصحافة العبرية، ولكننا نفضل استخدام «عبراني» للإشارة إلى اليهود القدامى من حيث هم تجمع بشري حضاري ذو خصائص متميزة. أما لفظ «عبري»، فنقصر استخدامه على الناحية اللغوية والأدبية، كما نستخدم كلمة «جماعة يسرائيل» (أو «يسرائيلي») للإشارة إلى العبرانيين القدامى من حيث هم تجمع ديني، تمييزا لهم عن الصهاينة المستوطنين في فلسطين، وعن أبنائهم الذين يمكن أن نطلق عليهم مصطلح «إسرائيليين»، على أن تظل كلمة «يهودي» مصطلحا يشير إلى المؤمنين باليهودية، بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الإثني أو الحضاري، ويشير إلى كل من يطلق على نفسه هذه الصفة.
ونحن في هذا لا نختلف كثيرا عن الاستعمال الشائع للكلمة. ويقول الدكتور ظاظا: « بعد العودة من بابل في القرن الخامس قبل الميلاد، اقتصر استخدام مصطلح «عبرانيين» على الإشارة إلى الرعيل الأول من اليهود حتى عصر التهجير البابلي، واستخدمت كلمة «يهود» أو «يسرائيلي» للإشارة إلى الأجيال التي أتت بعد ذلك، والتي لم تعد تستخدم اللغة العبرية وإنما تتحدث الآرامية وتكتب بها ».

(4/82)


--------------------------------------------------------------------------------

ولعل الدقة الكاملة كانت تتطلب أن نستخدم اصطلاح «عبراني يهودي» للإشارة للعبرانيين في الفترة ما بعد العودة إلى بابل (538 ق.م) حتى سقوط الهيكل (70م)، فإبان هذه الفترة بدأت ملامح النسق الديني اليهودي كما نعرفه في التحدد مع بداية الفترة واكتملت مع نهايتها. ومع هذا، كانت العبادة القربانية المركزية لا تزال الإطار الديني المرجعي الأساسي للعبرانيين اليهود. ولكننا، مع هذا، نستخدم كلمة «يهودي» وحدها للإشارة إلى العبرانيين اليهود من قبيل التبسيط، وحتى لا يصبح هيكل المصطلحات مركبا لدرجة يصعب معها استخدامه. ويستطيع القارئ أن يعود إلى مدخل «الهويات اليهودية (تاريخ)».
يسرائيل
Israel; Yisrael
«يسرائيل» كلمة عبرية قديمة غامضة المعنى، يمكن تقسيمها إلى «يسرا»، أي الذي يحترب أو يصارع، و« إيل» وهو الأصل السامي لكلمة «إله». والكلمة تعني حرفيا «الذي يصارع الإله» أو «جندي الإله إيل»، وفي كل التفسيرات معنيان أساسيان هما معنى الصراع والحرب ومعنى القداسة.
ومما يجدر ذكره أن كلمة «يسرائيل» وردت في الكتابات المصرية في عهد مرنبتاح في عام 1230 ق.م بوصفها اسما لإحدى المدن، أو ربما لبطن من بطون القبائل في جنوبي كنعان. ولعل هذا يدل على أن الكلمة كنعانية الأصل، وأنها كانت ذات ارتباطات مقدسة بين سكان المنطقة آنئذ. وهناك نظرية تذهب إلى أنها كانت اسم بطن من بطون القبائل العبرانية.

(4/83)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد اكتسب يعقوب هذا الاسم بعد أن صارع الإله في حادثة غامضة لا يفهم مكنونها أو دلالتها « فبقي يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر. ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب حق فخذه فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه. وقال أطلقني لأنه قد طلع الفجر. فقال لا أطلقك إن لم تباركني. فقال ما اسمك، فقال يعقوب. فقال لا يدعى اسمك فيما بعد يعقوب بل يسرائيل، لأنك جاهدت مع الإله والناس وقدرت. وسأل يعقوب وقال أخبرني باسمك. فقال لماذا تسأل عن اسمي، وباركه هناك » (تكوين 32/25 ـ 29). والقصة متأثرة بعناصر الملحمة الأكادية، حيث يكتسب البطل بصراعه المادي مع الإله صفات تجعله فوق البشر أو نصف إله، وتكسبه بانتصاره على الإله حق نصرة الإله له دائما في علاقاته مع الآخرين. وهذا الصراع مع الإله يشبه وقائع مماثلة في الأساطير اليونانية.
وكلمة «يسرائيل» تشير أيضا إلى نسل يعقوب، ثم أصبحت تشير إلى المملكة الشمالية «يسرائيل» قبل التهجير الآشوري. ثم استخدمت الكلمة للإشارة إلى سكان المملكة الجنوبية «يهودا» بعد سقوط مملكة يسرائيل إلى أن حلت كلمة «يهودي» محلها.
وللكلمة في دلالتها الاصطلاحية معنيان أساسيان: فهي تعني اليهود بوصفهم شعبا مقدسا، وتعني فلسطين بوصفها أرضا مقدسة. وهي ترد مضافة إلى كلمات أخرى، مثل: «عام يسرائيل» أي «شعب إسرائيل» و«بنو يسرائيل» أي «بنو إسرائيل»، و«بيت يسرائيل» أي «بيت إسرائيل». و«كنيست يسرائيل» أي «مجمع إسرائيل» أو «جماعة يسرائيل». وقد بعثت كلمة «يسرائيلي» مرة أخرى، في عصر الانعتاق، في القرن التاسع عشر الميلادي، كما بعثت أيضا كلمة «عبراني» لأن كلمة «يهودي» كانت تحمل إيحاءات سلبية.

(4/84)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:20 AM
وفي العصر الحديث، تستخدم عبارة «مدينة إسرائيل» العبرية للإشارة إلى الدولة الصهيونية وكلمة «إسرائيليين» للإشارة إلى أعضاء التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. ولكننا، إذا أردنا التفرقة، فمن المستحسن أن نطلق كلمة «إسرائيليين» على سكان التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وحدهم، وأن نسمي اليهود القدامى، من حيث هم تجمع بشري له خصائص إثنية متميزة، «عبرانيين» (ومفردها عبراني) وأن نسميهم «جماعة يسرائيل» (وأحيانا «اليسرائيليين») لنصفهم من حيث هم جماعة دينية، على أن تظل كلمة «يهودي» مصطلحا يشير إلى كل من يعتنق اليهودية وهي العقيدة التي اكتسبت ملامحها الرئيسية في القرن الأول قبل الميلاد. مصطلح «عبري» فيصلح في الناحيتين اللغوية والأدبية وحسب.
بنو إسرائيل
Banu Israel
«بنو إسرائيل» عبارة ترد في القرآن الكريم (وفي كثير من الكتب الفقهية الإسلامية) للإشارة إلى اليهود. كما توجد كلمات أخرى، مثل: «أهل الكتاب» و«الكتابيون» و«أهل الذمة» و«الذميون» لتشير إلى كل من اليهود والمسيحيين. وقد عرف النطاق الدلالي لكلمة «بني إسرائيل» إسلاميا بشكل واضح ومحدد، فهي تشير إلى جماعة محددة الأوصاف يؤمن أصحابها بالإله والتوراة. ومن ثم، فإن هذا المصطلح لا ينطبق على غالبية يهود العالم في الوقت الحالي. لكن هؤلاء هم موضع الدراسة في هذه الموسوعة، ومن ثم فإننا لا نستخدم هذه العبارة. وترد عبارة «بني إسرائيل» للإشارة إلى الجماعة اليهودية التي توجد في الهند وتحمل هذا الاسم.
شعب يسرائيل
The People of Yisrael
«شعب يسرائيل» هو أحد الأسماء التي تطلق على العبرانيين من حيث هم جماعة دينية قديمة تسبق تبلور اليهودية، وهو مرادف للكلمات «بني يسرائيل» و«اليسرائيليين»، وكذلك «كنيست يسرائيل» أي «جماعة يسرائيل».
جماعة يسرائيل
Israel; Yisrael

(4/85)


--------------------------------------------------------------------------------

»جماعة يسرائيل« مصطلح قمنا باشتقاقه من كلمة «يسرائيل»، وهي كلمة من المعجم الديني اليهودي وتعني »الذي يصارع الإله». ونحن نستخدم الكلمة لنشير إلى العبرانيين القدامى من حيث هم جماعة دينية مقابل العبرانيين القدامى كجماعة عرقية أو إثنية. ومن ثم نشير إلى عقيدتهم باعتبارها «عبادة يسرائيل القربانية المركزية» لتمييزها عن اليهودية التي هي ثمرة تطورات مختلفة دخلت على هذه العبادة في بابل وبعد العودة منها وخلصتها من جوانبها الوثنية. كما نستخدم كلمة «يسرائيل» للإشارة إلى مملكة يسرائيل الشمالية العبرانية (مقابل مملكة يهودا الجنوبية) لتمييزها عن دولة إسرائيل الحديثة. أما المستوطنون اليهود من مواطني الدولة الصهيونية، فنحن نشير إليهم على أنهم إسرائيليون.
ونحن نفعل ذلك حتى لا نخلط بين النسق الديني اليهودي والواقع الاستيطاني في فلسطين المحتلة، ولا نخلط بين العبرانيين القدامى والمستوطنين الصهاينة، وهو خلط تحرص كل من الإمبريالية الغربية والمؤسسة الصهيونية عليه باستخدام دال واحد يشير إلى مدلولين مختلفين للإيهام بوجود استمرار وترادف بين النسق الديني والواقع الاستيطاني، وبالتالي إكساب عملية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين شرعية بل وقداسة، وكذلك تصوير الهجوم على المستوطنين الصهاينة على أنه معاداة لليهود ونوع من التعصب الديني!
ونستخدم كلمة «يهودي» للإشارة إلى أعضاء الجماعات اليهودية بعد صدور مرسوم قورش بعودة المهجرين إلى بابل. أما كلمة«صهيوني» فهي تشير إلى كل من يؤمن بالعقيدة الصهيونية بغض النظر عن انتمائه الديني.
عم هآرتس
Am Haaretz

(4/86)


--------------------------------------------------------------------------------

«عم هآرتس» عبارة عبرية تعني حرفيا «شعب الأرض»، أي «أبناء الأرض». وقد وردت هذه العبارة في العهد القديم بمعنيين، الأول للإشارة إلى سكان فلسطين الأصليين مثل الحيثيين الذين اشترى منهم إبراهيم مغارة مكفيلة (تكوين 23) مقابل العبرانيين. أما المعنى الثاني، فيشير إلى السامريين والأقوام الأخرى التي كانت تسكن فلسطين وعارضت استيطان العبرانيين العائدين من بابل (عزرا 4).
وكانت العبارة تستخدم كذلك للإشارة إلى عامة العبرانيين مقابل الأسرة المالكة والنبلاء والطبقة العسكرية والكهنة والأنبياء، وذلك قبل التهجير البابلي. ولكن بعد العودة من بابل، حيث صارت النخبة الحاكمة هي الكهنة أساسا، أصبحت العبارة تشير إلى الشعب مقابل الكهنة الأثرياء. وقد أخذت الحواجز بين الفريقين في التحدد والتبلور، فكانت طبقة الكهنة تقيم جميع شعائر الطهارة الخاصة بالعبادة القربانية، كما كانت تتلقى العشور من المصلين ولا تأكل طعاما إلا إذا دفعت ضريبة العشور عنه. وقد قام الفريسيون والفرق اليهودية الأخرى، مثل الأسينيين، بإقامة شعائر الطهارة رغم أنهم لم يكونوا من طبقة الكهنة، وكانوا أيضا لا يأكلون من محاصيل لم تدفع عنها العشور. وحتى يضمنوا أن يظلوا ضمن النخبة الحاكمة الطاهرة، كانوا حريصين على الإبقاء على الحواجز الفاصلة بينهم وبين العامة.
ولكن رغم توسيع نطاق النخبة ليضم الفريسيين وغيرهم، ظلت أعداد كبيرة من اليهود غير قادرة على إقامة شعائر الطهارة بسبب تزمتها وصرامتها، خصوصا في المناطق التي ضمها الحشمونيون وهودوا أهلها عنوة (الإيطوريون والأدوميون الذين أصبحوا يهودا ولكنهم باتوا ينوءون تحت نير هذه الشعائر). وقد توجهت المسيحية إلى هؤلاء فانضموا إلى صفوفها، إذ أن الدين الجديد لم يثقل المؤمن بقيود شعائر الطهارة والعبادة القربانية.

(4/87)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع هدم الهيكل، فقدت العبارة معناها القديم حيث اختفت قوانين الطهارة والعبادة القربانية مع اختفاء الهيكل. ومع ظهور المعبد كمركز للعبادة اليهودية، أصبحت العبارة تفيد معنى قدحيا وتشير إلى اليهودي الذي لا يرتدي تمائم الصلاة (تيفلين)، ولا الشال (طاليت)، ولا يضع تمائم الباب (مزوزاه) على منزله، ولا يعلم أولاده التوراة. بل وتشير العبارة إلى العامة الذين لا يتفرغون لدراسة التوراة مقابل النخبة الحاخامية التي تفرغت لها. ويبدو أن الهوة قد اتسعت بين الفريقين حتى أن الحاخام عقيبا، الذي بدأ دراسته في سن متأخرة، قال إنه حين كان ضمن عم هآرتس (أي العامة) كان من الممكن أن ينهش لحم أي حاخام يقابله في طريقه. وقد جاء في التلمود أن العالم يجب ألا يتزوج من ابنة أحد من العم هآرتس فهم كريهون وزوجاتهم مثل الديدان وينطبق على بناتهم ما جاء في التوراة " ملعون من يضطجع مع بهيمة " (تثنية 27/21). فعبارة عم هآرتس تعني ببساطة «الإنسان الجاهل» ولو أنها، عند الحسيديين، كانت تعني «الساذج وطيب القلب».
وقد استمر التمييز الحاد بين النخبة والعامة من يهود اليديشية، فهم يميزون بين «شيد يدين»، وهي عبارة يديشية تعني «الرجال الذين يتحلون بالجمال»، وبين «بروست يدين»، أي الرجال العاديون، وهي تكاد تكون مرادفا يديشيا لعبارة «عم هآرتس». وفي العصر الحديث، تطلق كلمة «عم هآرتس» أحيانا على اليهود السفارد والشرقيين والفلاشاه.
اليشوف
Yishuv

(4/88)


--------------------------------------------------------------------------------

«يشوف» كلمة عبرية تعني «التوطن» أو «السكن»، وهي تشير إلى الجماعات اليهودية التي تستوطن فلسطين لأغراض دينية. ويستخدم اصطلاح «اليشوف القديم» للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي كانت تعيش على الصدقات التي ترسلها لهم الجماعات اليهودية فيما يعرف باسم «حالوقة». وكان اليشوف القديم يتكون من جماعتين منفصلتين تمام الانفصال: الأولى إشكنازية والأخرى سفاردية، وكانت كل جماعة تنقسم بدورها إلى أقسام فرعية مختلفة حسب مصدر الصدقة التي تأتي لها (وهذا يذكرنا بعض الشيء بالنظام الحزبي في إسرائيل ونظام تمويله عن طريق مساعدات يهود الدياسبورا، فحزب حيروت مثلا يحصل على أكبر قسط من المعونة من اليهود اليمينيين وبالذات في جنوب أفريقيا، أما حزب الماباي فيموله اليهود الليبراليون في الغرب).
ولم يكن عند أعضاء اليشوف القديم أية مطامع سياسية لأن الغرض من وجودهم كان دينيا محضا، ولذلك كانت علاقاتهم بالعرب طبيعية وطيبة للغاية. وعلى العكس من هذا كان أعضاء اليشوف الجديد (وهو الاصطلاح الذي يطلقه الصهاينة على التجمع الاستيطاني الصهيوني ابتداء من عام 1882)، إذ كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم جماعة «قومية» ذات برنامج سياسي محدد يتلخص في إنشاء الوطن اليهودي. ولذلك، ركزوا جهدهم في تأسيس أبنية اقتصادية سياسية حضارية منعزلة تمام الانعزال عن العرب (بل وعن أعضاء اليشوف القديم)، كما كانوا يدورون في إطار مفاهيم انعزالية مثل اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج. وقد تسبب هذا في حدوث توتر ثم صراع حاد أدى إلى نشوب القتال بينهم وبين العرب، وهذا الصراع هو الذي يعرف الآن باسم الصراع العربي الإسرائيلي.
والملاحظ أن الكتابات الصهيونية تستخدم كلمة «يشوف» لتوحي بأن ثمة استمرارا يهوديا عبر التاريخ، وأن الوجود اليهودي في فلسطين كان مستمرا ومتصلا، وفي الوقت نفسه مستقلا ومنفصلا عن تاريخ المنطقة العربية.

(4/89)


--------------------------------------------------------------------------------

يهودي Jew
كلمة «يهودي» كانت تشير إلى الشخص الذي يعتنق اليهودية، وقد ظهرت بعد الكلمتين الأخريين «عبراني» و«يسرائيلي» أو عضو «جماعة يسرائيل». و«يهودي» كلمة عبرية مشتقة من «يهودا» وهو اسم أحد أبناء يعقوب والذي سميت به إحدى قبائل العبرانيين الاثنتي عشرة.
والاسم مشتق من الأصل السامي القديم «ودي» التي تفيد الاعتراف والإقرار والجزاء مثل كلمة «دية» عند العرب. وقد اكتسبت هذه المادة معنى الإقرار والاعتراف بالجميل. وقد استوحت ليئة زوجة يعقوب اسم ابنها الرابع من هذا المعنى: " هذه المرة أحمد الرب لذلك دعت اسمه يهودا " (تكوين 29/35). فكلمة «يهوه» تعني الرب و«دي» تعني الشكر ومنهما «يهودي».
وكانت الكلمة ذات دلالة جغرافية تاريخية في بادئ الأمر، إذ كانت تشير إلى سكان المملكة الجنوبية (يهودا) وحسب، ولكن دلالتها اتسعت لتشمل اليهود كافة، خصوصا بعد انصهار سكان المملكة الشمالية (يسرائيل) بعد التهجير الآشوري، واختفائهم من مسرح التاريخ، واستمرار مملكة يهودا قرنين من الزمان.
وهكذا أصبحت كلمة «يهودي» علما على كل من يعتنق اليهودية في أي زمان ومكان بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الجغرافي. ومن هنا، فإن فيلون السكندري يهودي، وموسى بن ميمون العربي يهودي. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، فكلمة «يهودي» متسعة الدلالة تختلف دلالتها باختلاف الزمان والمكان.

(4/90)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع أن الشرع اليهودي قد عرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية أو تهود، فإن الشرع الإسلامي لم يقبل، في جميع مراحله التاريخية، بهذا التعريف العرقي، فكان يعرف اليهودي تعريفا دينيا وحسب، أي أنه عرفه بأنه من يعتنق اليهودية سواء كان من الحاخاميين أو القرائين أو السامريين. وثمة اختلاف جوهري بين التعريفين، فأحدهما عقائدي محض والآخر ديني عرقي، وبالتالي تنشأ مشكلة من هو اليهودي، وهل اليهودي هو الذي يعتقد أنه كذلك من منظور يهودي أم أنه اليهودي الذي نسميه نحن كذلك انطلاقا من عقيدتنا؟
أما في العالم الغربي، فقد مرت الكلمة بعدة تطورات دلالية. ففي العالم الهيليني والدولة الرومانية، كانت كلمة «يهودي» تشير إلى الفرد في الإثنوس أي القوم اليهودي، وكانت مسألة العقيدة ثانوية. وفي العصور الوسطى الكارولينجية في الغرب، حتى القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت كلمة «يهودي» تعني الانتماء إلى الجماعة اليهودية، كما كانت مرادفة لكلمة «تاجر». وبعد القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت كلمة «يهودي» مرادفة لكلمة «مرابي». ولم تتخلص اللغات الأوربية تماما من تلك التضمينات التي كانت تحمل كلمة «يهودي» معنى قدحيا، مثل «بخيل» أو «غير شريف» أو «عبد للمال» وغير ذلك من المعاني التي ارتبطت بأعضاء الجماعات اليهودية، نظرا لاضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة التي هي محط كراهية أعضاء المجتمع المضيف. وهذا ما كان يعنيه ماركس حينما تحدث عن انتشار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في المجتمع بوصفه « تهويد المجتمع ». ويساوي الفكر الاشتراكي الغربي، خصوصا كتابات فورييه، بين اليهودي والمرابي. وفي اللغة الإنجليزية، ارتبطت الكلمة باسم يهوذا Judas الإسقريوطي الذي باع المسيح بحفنة قطع من الفضة.

(4/91)


--------------------------------------------------------------------------------

ولذا، أسقط بعض اليهود، في القرن التاسع عشر الميلادي، مصطلح «يهودي» واستخدموا مصطلحات مثل «عبراني» و«إسرائيلي» و«موسوي» حتى أصبحت كلها مترادفة. ولكن حدث تراجع عن ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح مصطلح «يهودي» أكثر شيوعا. وكثير من المعاجم الأوربية لا تورد الآن المعاني القدحية لكلمة «يهودي» بل وتوصي بعدم استخدامها. ويلاحظ أن كلمة «يهودي» بدأت، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، تحمل إيحاءات بالقداسة مع بعث أسطورة اليهودي التائه وإعطائها مضمونا إيجابيا.
ومع ظهور حركة التنوير وضعف اليهودية الحاخامية، ترك كثير من اليهود عقيدتهم الدينية واستمروا في تسمية أنفسهم «يهودا»، وهذا ما يطلق عليه «اليهودي غير اليهودي». وبين هؤلاء نجد «اليهودي الملحد» و«اليهودي العلماني» و«اليهودي الإثني» ممن نطلق عليهم نحن «اليهود الجدد». وغني عن القول أنه حينما كان مصطلح «يهودي» يستخدم للإشارة إلى هؤلاء، فإن محيطه الدلالي كان يختلف تماما عن محيطه الدلالي حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان الانتماء اليهودي يعني الإيمان بالعقيدة اليهودية. أما هؤلاء، فإنهم لا يتبعون تعاليم دينهم بل ويرفضها بعضهم تماما ويسمي نفسه يهوديا استنادا إلى ما يتصور أنه موروثه الثقافي.ويوجد الآن تعريفان لليهودي: أحدهما ديني يعتمد الشريعة ويأخذ به نحو 18% من يهود العالم، والآخر علماني ويأخذ به نحو 61%. والباقون مترددون متضاربون في الرأي. فإن شعر أحدهم في قرارة نفسه بأنه يهودي، فإنه يمكن اعتباره يهوديا.

(4/92)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد حاول جان بول سارتر تعريف «اليهودي» فأخذ بهذا التعريف الذاتي، وقال إن اليهودي يكون يهوديا أصيلا حينما يصبح واعيا بحالته كيهودي ويشعر بالتضامن مع سائر اليهود. ولكن سارتر نفسه كان قد عرف اليهودي من قبل بأنه من يراه الأغيار كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يوجد معيار موضوعي للتعريف. وقد انتهى الأمر به إلى القول بأن اليهودي هو رجل يبحث عن هويته. وهذا ليس بتعريف أيضا، وإنما إشارة إلى حالة عقلية. وقد علق أحد المثقفين الفرنسيين على الوضع قائلا: « إنني مثل جميع اليهود الفرنسيين، فأنا يهودي من الناحية الخيالية ولكني فرنسي من الناحية الفعلية ».
ويمكن القول بأن كلمة «يهودي» في الوقت الحالي لها معنيان:
1 ـ يهودي بالمعني الديني الإثني.
2 ـ يهودي بالمعنى الإثني المحض.
فهي تشير إذن إلى الكتل اليهودية الثلاث الأساسية، وهي الإشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامي، وإلى الجماعات اليهودية الأخرى التي انفصلت عن الكتل الثلاث الكبرى مثل الفلاشاه ويهود الهند. وهي تشير أيضا إلى اليهود من شتى الفرق التي نشأت في العالم الغربي: الإصلاحيين والمحافظين والأرثوذكسيين والتجديديين حتى ولو كفر أعضاء هذه الفرق بعضهم بعضا. ويستخدم المصطلح للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة مع أن مسألة من هو اليهودي لا تزال دون إجابة داخل الدولة الصهيونية، أي أنها كلمة ذات مجال دلالي مختلط وغير محدد.

(4/93)


--------------------------------------------------------------------------------

ونحن نستخدم كلمة «عبراني» للإشارة إلى اليهود القدامى كتجمع إثني ذي خصائص متميزة. وكلمة «جماعة يسرائيل» تشير إلى المجموعة البشرية نفسها كتجمع ديني. وتستخدم كلمة «إسرائيل» للإشارة إلى المستوطن الصهيوني أما السكان، فهم «إسرائيليون». كما أننا نستخدم عبارة «أعضاء الجماعات اليهودية» للإشارة إلى يهود العالم بعد المرحلة البابلية، ولا نستخدم كلمة «يهود» أو «يهودي» إلا إذا تطلب السياق ذلك، كأن ننقل وجهة نظر أحد الباحثين أو إن كان الحديث عن اليهود كجماعة دينية. وبسبب اختلاط المجال الدلالي للكلمة، فإننا نضطر إلى استخدام كلمة «يهود» للإشارة إلى اليهود ممن لا يؤمنون بالتوراة أو الإله والذين يصنفون أنفسهم يهودا.
وغني عن البيان أن مصطلح «صهيوني» لا علاقة له بمصطلح «يهودي»، فليس كل اليهود صهاينة وليس كل الصهاينة يهودا، وهناك صهاينة مسلمون وصهاينة مسيحيون وصهاينة بوذيون وصهاينة لا دين لهم ولا ملة.
صهيوني Zionist
«الصهيوني» هو من يؤمن بالعقيدة الصهيونية (إما في شكلها الاستيطاني أو في صورتها التوطينية). ولذا، فإن هناك اختلافا عميقا بين الصهيوني واليهودي، وبينهما من جهة وبين الإسرائيلي من جهة أخرى. ويستطيع القارئ أن يعود للمجلد السادس من هذه الموسوعة والذي يتناول موضوع الصهيونية.
إسرائيلي Israeli
«الإسرائيلي» هو مواطن الدولة الصهيونية. وهو يختلف عن «اليسرائيلي» أو عضو «جماعة يسرائيل» وهم العبرانيون كجماعة دينية. وليس كل الإسرائيليين صهاينة، تماما كما أن كل الصهاينة ليسوا بالضرورة إسرائيليين. ولا يوجد أي ترادف بين «إسرائيلي» و« يهودي»، بل إن هناك إسرائيليين كثيرين يرفضون العقيدة اليهودية. ويستطيع القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة عن إسرائيل.

(4/94)


--------------------------------------------------------------------------------

الباب الخامس: إشكالية التعداد
أعداد الجماعات اليهودية وتوزعها في العالم حتى الوقت الحاضر
Worldwide Number and Distribution of the Jewish Communities to the Present
بلغ تعداد العبرانيين في عام 1000 ق.م، حسب بعض التقديرات التخمينية، نحو 1.800.000 نسمة، منهم 450 ألفا في المملكة الجنوبية ومليون وثلاثمائة وخمسون ألفا في المملكة الشمالية. ولكن ثمة رأيا يذهب إلى أن هذا العدد مبالغ فيه، حيث أن الإمكانات الطبيعية لفلسطين واقتصادها ما كان يمكن لهما في تلك المرحلة بمستوى التطور التكنولوجي السائد آنذاك أن يمدا مثل هذا العدد الضخم بأسباب الحياة، مع ملاحظة أن عدد سكان مصر كان نحو ستة ملايين بكل إمكاناتها ومعدل نموها.
وعلى أية حال، فقد تناقص التعداد بسبب تدهور الأحوال السياسية والاقتصادية في المملكتين، حتى بلغ خلال الفترة بين عامي 733 و701 ق.م نحو مليون ومائة ألف نسمة، منهم 300 ألف في المملكة الجنوبية و800 ألف في المملكة الشمالية. أما في عام 568 ق.م، بعد التهجير البابلي، فقد بلغ عدد اليهود 150 ألفا يعيشون جميعا في المملكة الجنوبية، ولم يبق أحد في المملكة الشمالية إذ أن اليهود الذين هجروا إلى آشور انصهروا وذابوا في سكانها، أما من تبقوا فقد انصهروا في السكان المحليين أو فقدوا هويتهم العبرانية من خلال آليات مختلفة، بعضها معلوم لدينا، وبعضها لا يزال مجهولا. ويبدو أن عدد سكان مقاطعة يهودا لم يتجاوز فيما بعد مرسوم قورش ما بين 60 و70 ألفا.
وتختلف الصورة السكانية لليهود مع نهاية القرن الأول قبل الميلاد. وقد وصل بعض الدارسين إلى أن عدد يهود العالم في تلك الفترة كان 8.000.000، عاش منهم ما بين 2.350.000 و2.500.000 فقط في فلسطين، وذلك قبل هدم الهيكل على يد تيتوس عام 70 ميلادية، 3.200.000 في سوريا وآسيا الصغرى وبابل (أكثر من 1.000.000 في كل منها)، وتوزع الباقون في أماكن أخرى مختلفة. ويقال إن الإسكندرية وحدها كانت تضم ما يتراوح بين نصف مليون ومليون يهودي، أي نحو 40% من كل سكانها وأكثر من سكان القدس من اليهود. ويبدو أن هذه الأعداد مبالغ فيها، إذ أن ثمة تقديرا تخمينيا آخر يرى أن عدد اليهود لم يزد على خمسة ملايين: ثلاثة ملايين في سوريا وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى، ومليون في أماكن أخرى متفرقة من الإمبراطورية الرومانية، ومليون في بابل التي كانت تابعة للفرس ثم للفرثيين ومن بعدهم الساسانيين.
ويبدو أن ازدياد العدد يرجع إلى عدة أسباب من بينها قيام الدولة الحشمونية بتهويد بعض السكان غير اليهود داخل حدودها، مثل الإيطوريين وبعض الشعوب المجاورة مثل الأدوميين الذين حكمت أرضهم. وقد قام الفريسيون بحركة تبشير ضخمة لاقت نجاحا غير عادي بسبب أن الوثنية الرومانية بدأت تدخل مرحلة الأزمة التي أدت في نهاية الأمر إلى سقوطها وإلى تبني الرومان للمسيحية دينا رسميا. و قد انتشرت اليهودية بين أعداد كبيرة من الرومان، من بينهم بعض أعضاء النخبة الحاكمة، في الفجوة الزمنية التي تفصل بين بداية الضعف والاضمحلال وبين السقوط النهائي وتبني المسيحية من حيث هي دين وعقيدة تفسر الكون لأتباعها وتمنحهم الإجابات للأسئلة الكونية الكبرى التي تجابههم.

(4/96)



(4/95)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:21 AM
وفي العصر الحديث، تستخدم عبارة «مدينة إسرائيل» العبرية للإشارة إلى الدولة الصهيونية وكلمة «إسرائيليين» للإشارة إلى أعضاء التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين. ولكننا، إذا أردنا التفرقة، فمن المستحسن أن نطلق كلمة «إسرائيليين» على سكان التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين وحدهم، وأن نسمي اليهود القدامى، من حيث هم تجمع بشري له خصائص إثنية متميزة، «عبرانيين» (ومفردها عبراني) وأن نسميهم «جماعة يسرائيل» (وأحيانا «اليسرائيليين») لنصفهم من حيث هم جماعة دينية، على أن تظل كلمة «يهودي» مصطلحا يشير إلى كل من يعتنق اليهودية وهي العقيدة التي اكتسبت ملامحها الرئيسية في القرن الأول قبل الميلاد. مصطلح «عبري» فيصلح في الناحيتين اللغوية والأدبية وحسب.
بنو إسرائيل
Banu Israel
«بنو إسرائيل» عبارة ترد في القرآن الكريم (وفي كثير من الكتب الفقهية الإسلامية) للإشارة إلى اليهود. كما توجد كلمات أخرى، مثل: «أهل الكتاب» و«الكتابيون» و«أهل الذمة» و«الذميون» لتشير إلى كل من اليهود والمسيحيين. وقد عرف النطاق الدلالي لكلمة «بني إسرائيل» إسلاميا بشكل واضح ومحدد، فهي تشير إلى جماعة محددة الأوصاف يؤمن أصحابها بالإله والتوراة. ومن ثم، فإن هذا المصطلح لا ينطبق على غالبية يهود العالم في الوقت الحالي. لكن هؤلاء هم موضع الدراسة في هذه الموسوعة، ومن ثم فإننا لا نستخدم هذه العبارة. وترد عبارة «بني إسرائيل» للإشارة إلى الجماعة اليهودية التي توجد في الهند وتحمل هذا الاسم.
شعب يسرائيل
The People of Yisrael
«شعب يسرائيل» هو أحد الأسماء التي تطلق على العبرانيين من حيث هم جماعة دينية قديمة تسبق تبلور اليهودية، وهو مرادف للكلمات «بني يسرائيل» و«اليسرائيليين»، وكذلك «كنيست يسرائيل» أي «جماعة يسرائيل».
جماعة يسرائيل
Israel; Yisrael

(4/85)


--------------------------------------------------------------------------------

»جماعة يسرائيل« مصطلح قمنا باشتقاقه من كلمة «يسرائيل»، وهي كلمة من المعجم الديني اليهودي وتعني »الذي يصارع الإله». ونحن نستخدم الكلمة لنشير إلى العبرانيين القدامى من حيث هم جماعة دينية مقابل العبرانيين القدامى كجماعة عرقية أو إثنية. ومن ثم نشير إلى عقيدتهم باعتبارها «عبادة يسرائيل القربانية المركزية» لتمييزها عن اليهودية التي هي ثمرة تطورات مختلفة دخلت على هذه العبادة في بابل وبعد العودة منها وخلصتها من جوانبها الوثنية. كما نستخدم كلمة «يسرائيل» للإشارة إلى مملكة يسرائيل الشمالية العبرانية (مقابل مملكة يهودا الجنوبية) لتمييزها عن دولة إسرائيل الحديثة. أما المستوطنون اليهود من مواطني الدولة الصهيونية، فنحن نشير إليهم على أنهم إسرائيليون.
ونحن نفعل ذلك حتى لا نخلط بين النسق الديني اليهودي والواقع الاستيطاني في فلسطين المحتلة، ولا نخلط بين العبرانيين القدامى والمستوطنين الصهاينة، وهو خلط تحرص كل من الإمبريالية الغربية والمؤسسة الصهيونية عليه باستخدام دال واحد يشير إلى مدلولين مختلفين للإيهام بوجود استمرار وترادف بين النسق الديني والواقع الاستيطاني، وبالتالي إكساب عملية الاغتصاب الصهيوني لفلسطين شرعية بل وقداسة، وكذلك تصوير الهجوم على المستوطنين الصهاينة على أنه معاداة لليهود ونوع من التعصب الديني!
ونستخدم كلمة «يهودي» للإشارة إلى أعضاء الجماعات اليهودية بعد صدور مرسوم قورش بعودة المهجرين إلى بابل. أما كلمة«صهيوني» فهي تشير إلى كل من يؤمن بالعقيدة الصهيونية بغض النظر عن انتمائه الديني.
عم هآرتس
Am Haaretz

(4/86)


--------------------------------------------------------------------------------

«عم هآرتس» عبارة عبرية تعني حرفيا «شعب الأرض»، أي «أبناء الأرض». وقد وردت هذه العبارة في العهد القديم بمعنيين، الأول للإشارة إلى سكان فلسطين الأصليين مثل الحيثيين الذين اشترى منهم إبراهيم مغارة مكفيلة (تكوين 23) مقابل العبرانيين. أما المعنى الثاني، فيشير إلى السامريين والأقوام الأخرى التي كانت تسكن فلسطين وعارضت استيطان العبرانيين العائدين من بابل (عزرا 4).
وكانت العبارة تستخدم كذلك للإشارة إلى عامة العبرانيين مقابل الأسرة المالكة والنبلاء والطبقة العسكرية والكهنة والأنبياء، وذلك قبل التهجير البابلي. ولكن بعد العودة من بابل، حيث صارت النخبة الحاكمة هي الكهنة أساسا، أصبحت العبارة تشير إلى الشعب مقابل الكهنة الأثرياء. وقد أخذت الحواجز بين الفريقين في التحدد والتبلور، فكانت طبقة الكهنة تقيم جميع شعائر الطهارة الخاصة بالعبادة القربانية، كما كانت تتلقى العشور من المصلين ولا تأكل طعاما إلا إذا دفعت ضريبة العشور عنه. وقد قام الفريسيون والفرق اليهودية الأخرى، مثل الأسينيين، بإقامة شعائر الطهارة رغم أنهم لم يكونوا من طبقة الكهنة، وكانوا أيضا لا يأكلون من محاصيل لم تدفع عنها العشور. وحتى يضمنوا أن يظلوا ضمن النخبة الحاكمة الطاهرة، كانوا حريصين على الإبقاء على الحواجز الفاصلة بينهم وبين العامة.
ولكن رغم توسيع نطاق النخبة ليضم الفريسيين وغيرهم، ظلت أعداد كبيرة من اليهود غير قادرة على إقامة شعائر الطهارة بسبب تزمتها وصرامتها، خصوصا في المناطق التي ضمها الحشمونيون وهودوا أهلها عنوة (الإيطوريون والأدوميون الذين أصبحوا يهودا ولكنهم باتوا ينوءون تحت نير هذه الشعائر). وقد توجهت المسيحية إلى هؤلاء فانضموا إلى صفوفها، إذ أن الدين الجديد لم يثقل المؤمن بقيود شعائر الطهارة والعبادة القربانية.

(4/87)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع هدم الهيكل، فقدت العبارة معناها القديم حيث اختفت قوانين الطهارة والعبادة القربانية مع اختفاء الهيكل. ومع ظهور المعبد كمركز للعبادة اليهودية، أصبحت العبارة تفيد معنى قدحيا وتشير إلى اليهودي الذي لا يرتدي تمائم الصلاة (تيفلين)، ولا الشال (طاليت)، ولا يضع تمائم الباب (مزوزاه) على منزله، ولا يعلم أولاده التوراة. بل وتشير العبارة إلى العامة الذين لا يتفرغون لدراسة التوراة مقابل النخبة الحاخامية التي تفرغت لها. ويبدو أن الهوة قد اتسعت بين الفريقين حتى أن الحاخام عقيبا، الذي بدأ دراسته في سن متأخرة، قال إنه حين كان ضمن عم هآرتس (أي العامة) كان من الممكن أن ينهش لحم أي حاخام يقابله في طريقه. وقد جاء في التلمود أن العالم يجب ألا يتزوج من ابنة أحد من العم هآرتس فهم كريهون وزوجاتهم مثل الديدان وينطبق على بناتهم ما جاء في التوراة " ملعون من يضطجع مع بهيمة " (تثنية 27/21). فعبارة عم هآرتس تعني ببساطة «الإنسان الجاهل» ولو أنها، عند الحسيديين، كانت تعني «الساذج وطيب القلب».
وقد استمر التمييز الحاد بين النخبة والعامة من يهود اليديشية، فهم يميزون بين «شيد يدين»، وهي عبارة يديشية تعني «الرجال الذين يتحلون بالجمال»، وبين «بروست يدين»، أي الرجال العاديون، وهي تكاد تكون مرادفا يديشيا لعبارة «عم هآرتس». وفي العصر الحديث، تطلق كلمة «عم هآرتس» أحيانا على اليهود السفارد والشرقيين والفلاشاه.
اليشوف
Yishuv

(4/88)


--------------------------------------------------------------------------------

«يشوف» كلمة عبرية تعني «التوطن» أو «السكن»، وهي تشير إلى الجماعات اليهودية التي تستوطن فلسطين لأغراض دينية. ويستخدم اصطلاح «اليشوف القديم» للإشارة إلى الجماعات اليهودية التي كانت تعيش على الصدقات التي ترسلها لهم الجماعات اليهودية فيما يعرف باسم «حالوقة». وكان اليشوف القديم يتكون من جماعتين منفصلتين تمام الانفصال: الأولى إشكنازية والأخرى سفاردية، وكانت كل جماعة تنقسم بدورها إلى أقسام فرعية مختلفة حسب مصدر الصدقة التي تأتي لها (وهذا يذكرنا بعض الشيء بالنظام الحزبي في إسرائيل ونظام تمويله عن طريق مساعدات يهود الدياسبورا، فحزب حيروت مثلا يحصل على أكبر قسط من المعونة من اليهود اليمينيين وبالذات في جنوب أفريقيا، أما حزب الماباي فيموله اليهود الليبراليون في الغرب).
ولم يكن عند أعضاء اليشوف القديم أية مطامع سياسية لأن الغرض من وجودهم كان دينيا محضا، ولذلك كانت علاقاتهم بالعرب طبيعية وطيبة للغاية. وعلى العكس من هذا كان أعضاء اليشوف الجديد (وهو الاصطلاح الذي يطلقه الصهاينة على التجمع الاستيطاني الصهيوني ابتداء من عام 1882)، إذ كانوا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم جماعة «قومية» ذات برنامج سياسي محدد يتلخص في إنشاء الوطن اليهودي. ولذلك، ركزوا جهدهم في تأسيس أبنية اقتصادية سياسية حضارية منعزلة تمام الانعزال عن العرب (بل وعن أعضاء اليشوف القديم)، كما كانوا يدورون في إطار مفاهيم انعزالية مثل اقتحام الأرض والعمل والحراسة والإنتاج. وقد تسبب هذا في حدوث توتر ثم صراع حاد أدى إلى نشوب القتال بينهم وبين العرب، وهذا الصراع هو الذي يعرف الآن باسم الصراع العربي الإسرائيلي.
والملاحظ أن الكتابات الصهيونية تستخدم كلمة «يشوف» لتوحي بأن ثمة استمرارا يهوديا عبر التاريخ، وأن الوجود اليهودي في فلسطين كان مستمرا ومتصلا، وفي الوقت نفسه مستقلا ومنفصلا عن تاريخ المنطقة العربية.

(4/89)


--------------------------------------------------------------------------------

يهودي Jew
كلمة «يهودي» كانت تشير إلى الشخص الذي يعتنق اليهودية، وقد ظهرت بعد الكلمتين الأخريين «عبراني» و«يسرائيلي» أو عضو «جماعة يسرائيل». و«يهودي» كلمة عبرية مشتقة من «يهودا» وهو اسم أحد أبناء يعقوب والذي سميت به إحدى قبائل العبرانيين الاثنتي عشرة.
والاسم مشتق من الأصل السامي القديم «ودي» التي تفيد الاعتراف والإقرار والجزاء مثل كلمة «دية» عند العرب. وقد اكتسبت هذه المادة معنى الإقرار والاعتراف بالجميل. وقد استوحت ليئة زوجة يعقوب اسم ابنها الرابع من هذا المعنى: " هذه المرة أحمد الرب لذلك دعت اسمه يهودا " (تكوين 29/35). فكلمة «يهوه» تعني الرب و«دي» تعني الشكر ومنهما «يهودي».
وكانت الكلمة ذات دلالة جغرافية تاريخية في بادئ الأمر، إذ كانت تشير إلى سكان المملكة الجنوبية (يهودا) وحسب، ولكن دلالتها اتسعت لتشمل اليهود كافة، خصوصا بعد انصهار سكان المملكة الشمالية (يسرائيل) بعد التهجير الآشوري، واختفائهم من مسرح التاريخ، واستمرار مملكة يهودا قرنين من الزمان.
وهكذا أصبحت كلمة «يهودي» علما على كل من يعتنق اليهودية في أي زمان ومكان بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الجغرافي. ومن هنا، فإن فيلون السكندري يهودي، وموسى بن ميمون العربي يهودي. ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، فكلمة «يهودي» متسعة الدلالة تختلف دلالتها باختلاف الزمان والمكان.

(4/90)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع أن الشرع اليهودي قد عرف اليهودي بأنه من ولد لأم يهودية أو تهود، فإن الشرع الإسلامي لم يقبل، في جميع مراحله التاريخية، بهذا التعريف العرقي، فكان يعرف اليهودي تعريفا دينيا وحسب، أي أنه عرفه بأنه من يعتنق اليهودية سواء كان من الحاخاميين أو القرائين أو السامريين. وثمة اختلاف جوهري بين التعريفين، فأحدهما عقائدي محض والآخر ديني عرقي، وبالتالي تنشأ مشكلة من هو اليهودي، وهل اليهودي هو الذي يعتقد أنه كذلك من منظور يهودي أم أنه اليهودي الذي نسميه نحن كذلك انطلاقا من عقيدتنا؟
أما في العالم الغربي، فقد مرت الكلمة بعدة تطورات دلالية. ففي العالم الهيليني والدولة الرومانية، كانت كلمة «يهودي» تشير إلى الفرد في الإثنوس أي القوم اليهودي، وكانت مسألة العقيدة ثانوية. وفي العصور الوسطى الكارولينجية في الغرب، حتى القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت كلمة «يهودي» تعني الانتماء إلى الجماعة اليهودية، كما كانت مرادفة لكلمة «تاجر». وبعد القرن الحادي عشر الميلادي، أصبحت كلمة «يهودي» مرادفة لكلمة «مرابي». ولم تتخلص اللغات الأوربية تماما من تلك التضمينات التي كانت تحمل كلمة «يهودي» معنى قدحيا، مثل «بخيل» أو «غير شريف» أو «عبد للمال» وغير ذلك من المعاني التي ارتبطت بأعضاء الجماعات اليهودية، نظرا لاضطلاعهم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة التي هي محط كراهية أعضاء المجتمع المضيف. وهذا ما كان يعنيه ماركس حينما تحدث عن انتشار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في المجتمع بوصفه « تهويد المجتمع ». ويساوي الفكر الاشتراكي الغربي، خصوصا كتابات فورييه، بين اليهودي والمرابي. وفي اللغة الإنجليزية، ارتبطت الكلمة باسم يهوذا Judas الإسقريوطي الذي باع المسيح بحفنة قطع من الفضة.

(4/91)


--------------------------------------------------------------------------------

ولذا، أسقط بعض اليهود، في القرن التاسع عشر الميلادي، مصطلح «يهودي» واستخدموا مصطلحات مثل «عبراني» و«إسرائيلي» و«موسوي» حتى أصبحت كلها مترادفة. ولكن حدث تراجع عن ذلك بعد الحرب العالمية الثانية وأصبح مصطلح «يهودي» أكثر شيوعا. وكثير من المعاجم الأوربية لا تورد الآن المعاني القدحية لكلمة «يهودي» بل وتوصي بعدم استخدامها. ويلاحظ أن كلمة «يهودي» بدأت، منذ القرن التاسع عشر الميلادي، تحمل إيحاءات بالقداسة مع بعث أسطورة اليهودي التائه وإعطائها مضمونا إيجابيا.
ومع ظهور حركة التنوير وضعف اليهودية الحاخامية، ترك كثير من اليهود عقيدتهم الدينية واستمروا في تسمية أنفسهم «يهودا»، وهذا ما يطلق عليه «اليهودي غير اليهودي». وبين هؤلاء نجد «اليهودي الملحد» و«اليهودي العلماني» و«اليهودي الإثني» ممن نطلق عليهم نحن «اليهود الجدد». وغني عن القول أنه حينما كان مصطلح «يهودي» يستخدم للإشارة إلى هؤلاء، فإن محيطه الدلالي كان يختلف تماما عن محيطه الدلالي حتى أوائل القرن التاسع عشر الميلادي، حيث كان الانتماء اليهودي يعني الإيمان بالعقيدة اليهودية. أما هؤلاء، فإنهم لا يتبعون تعاليم دينهم بل ويرفضها بعضهم تماما ويسمي نفسه يهوديا استنادا إلى ما يتصور أنه موروثه الثقافي.ويوجد الآن تعريفان لليهودي: أحدهما ديني يعتمد الشريعة ويأخذ به نحو 18% من يهود العالم، والآخر علماني ويأخذ به نحو 61%. والباقون مترددون متضاربون في الرأي. فإن شعر أحدهم في قرارة نفسه بأنه يهودي، فإنه يمكن اعتباره يهوديا.

(4/92)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد حاول جان بول سارتر تعريف «اليهودي» فأخذ بهذا التعريف الذاتي، وقال إن اليهودي يكون يهوديا أصيلا حينما يصبح واعيا بحالته كيهودي ويشعر بالتضامن مع سائر اليهود. ولكن سارتر نفسه كان قد عرف اليهودي من قبل بأنه من يراه الأغيار كذلك. وفي كلتا الحالتين، لا يوجد معيار موضوعي للتعريف. وقد انتهى الأمر به إلى القول بأن اليهودي هو رجل يبحث عن هويته. وهذا ليس بتعريف أيضا، وإنما إشارة إلى حالة عقلية. وقد علق أحد المثقفين الفرنسيين على الوضع قائلا: « إنني مثل جميع اليهود الفرنسيين، فأنا يهودي من الناحية الخيالية ولكني فرنسي من الناحية الفعلية ».
ويمكن القول بأن كلمة «يهودي» في الوقت الحالي لها معنيان:
1 ـ يهودي بالمعني الديني الإثني.
2 ـ يهودي بالمعنى الإثني المحض.
فهي تشير إذن إلى الكتل اليهودية الثلاث الأساسية، وهي الإشكناز والسفارد ويهود العالم الإسلامي، وإلى الجماعات اليهودية الأخرى التي انفصلت عن الكتل الثلاث الكبرى مثل الفلاشاه ويهود الهند. وهي تشير أيضا إلى اليهود من شتى الفرق التي نشأت في العالم الغربي: الإصلاحيين والمحافظين والأرثوذكسيين والتجديديين حتى ولو كفر أعضاء هذه الفرق بعضهم بعضا. ويستخدم المصطلح للإشارة إلى المستوطنين الصهاينة مع أن مسألة من هو اليهودي لا تزال دون إجابة داخل الدولة الصهيونية، أي أنها كلمة ذات مجال دلالي مختلط وغير محدد.

(4/93)


--------------------------------------------------------------------------------

ونحن نستخدم كلمة «عبراني» للإشارة إلى اليهود القدامى كتجمع إثني ذي خصائص متميزة. وكلمة «جماعة يسرائيل» تشير إلى المجموعة البشرية نفسها كتجمع ديني. وتستخدم كلمة «إسرائيل» للإشارة إلى المستوطن الصهيوني أما السكان، فهم «إسرائيليون». كما أننا نستخدم عبارة «أعضاء الجماعات اليهودية» للإشارة إلى يهود العالم بعد المرحلة البابلية، ولا نستخدم كلمة «يهود» أو «يهودي» إلا إذا تطلب السياق ذلك، كأن ننقل وجهة نظر أحد الباحثين أو إن كان الحديث عن اليهود كجماعة دينية. وبسبب اختلاط المجال الدلالي للكلمة، فإننا نضطر إلى استخدام كلمة «يهود» للإشارة إلى اليهود ممن لا يؤمنون بالتوراة أو الإله والذين يصنفون أنفسهم يهودا.
وغني عن البيان أن مصطلح «صهيوني» لا علاقة له بمصطلح «يهودي»، فليس كل اليهود صهاينة وليس كل الصهاينة يهودا، وهناك صهاينة مسلمون وصهاينة مسيحيون وصهاينة بوذيون وصهاينة لا دين لهم ولا ملة.
صهيوني Zionist
«الصهيوني» هو من يؤمن بالعقيدة الصهيونية (إما في شكلها الاستيطاني أو في صورتها التوطينية). ولذا، فإن هناك اختلافا عميقا بين الصهيوني واليهودي، وبينهما من جهة وبين الإسرائيلي من جهة أخرى. ويستطيع القارئ أن يعود للمجلد السادس من هذه الموسوعة والذي يتناول موضوع الصهيونية.
إسرائيلي Israeli
«الإسرائيلي» هو مواطن الدولة الصهيونية. وهو يختلف عن «اليسرائيلي» أو عضو «جماعة يسرائيل» وهم العبرانيون كجماعة دينية. وليس كل الإسرائيليين صهاينة، تماما كما أن كل الصهاينة ليسوا بالضرورة إسرائيليين. ولا يوجد أي ترادف بين «إسرائيلي» و« يهودي»، بل إن هناك إسرائيليين كثيرين يرفضون العقيدة اليهودية. ويستطيع القارئ أن يعود إلى المداخل المختلفة عن إسرائيل.

(4/94)


--------------------------------------------------------------------------------

الباب الخامس: إشكالية التعداد
أعداد الجماعات اليهودية وتوزعها في العالم حتى الوقت الحاضر
Worldwide Number and Distribution of the Jewish Communities to the Present
بلغ تعداد العبرانيين في عام 1000 ق.م، حسب بعض التقديرات التخمينية، نحو 1.800.000 نسمة، منهم 450 ألفا في المملكة الجنوبية ومليون وثلاثمائة وخمسون ألفا في المملكة الشمالية. ولكن ثمة رأيا يذهب إلى أن هذا العدد مبالغ فيه، حيث أن الإمكانات الطبيعية لفلسطين واقتصادها ما كان يمكن لهما في تلك المرحلة بمستوى التطور التكنولوجي السائد آنذاك أن يمدا مثل هذا العدد الضخم بأسباب الحياة، مع ملاحظة أن عدد سكان مصر كان نحو ستة ملايين بكل إمكاناتها ومعدل نموها.
وعلى أية حال، فقد تناقص التعداد بسبب تدهور الأحوال السياسية والاقتصادية في المملكتين، حتى بلغ خلال الفترة بين عامي 733 و701 ق.م نحو مليون ومائة ألف نسمة، منهم 300 ألف في المملكة الجنوبية و800 ألف في المملكة الشمالية. أما في عام 568 ق.م، بعد التهجير البابلي، فقد بلغ عدد اليهود 150 ألفا يعيشون جميعا في المملكة الجنوبية، ولم يبق أحد في المملكة الشمالية إذ أن اليهود الذين هجروا إلى آشور انصهروا وذابوا في سكانها، أما من تبقوا فقد انصهروا في السكان المحليين أو فقدوا هويتهم العبرانية من خلال آليات مختلفة، بعضها معلوم لدينا، وبعضها لا يزال مجهولا. ويبدو أن عدد سكان مقاطعة يهودا لم يتجاوز فيما بعد مرسوم قورش ما بين 60 و70 ألفا.
وتختلف الصورة السكانية لليهود مع نهاية القرن الأول قبل الميلاد. وقد وصل بعض الدارسين إلى أن عدد يهود العالم في تلك الفترة كان 8.000.000، عاش منهم ما بين 2.350.000 و2.500.000 فقط في فلسطين، وذلك قبل هدم الهيكل على يد تيتوس عام 70 ميلادية، 3.200.000 في سوريا وآسيا الصغرى وبابل (أكثر من 1.000.000 في كل منها)، وتوزع الباقون في أماكن أخرى مختلفة. ويقال إن الإسكندرية وحدها كانت تضم ما يتراوح بين نصف مليون ومليون يهودي، أي نحو 40% من كل سكانها وأكثر من سكان القدس من اليهود. ويبدو أن هذه الأعداد مبالغ فيها، إذ أن ثمة تقديرا تخمينيا آخر يرى أن عدد اليهود لم يزد على خمسة ملايين: ثلاثة ملايين في سوريا وفلسطين ومصر وآسيا الصغرى، ومليون في أماكن أخرى متفرقة من الإمبراطورية الرومانية، ومليون في بابل التي كانت تابعة للفرس ثم للفرثيين ومن بعدهم الساسانيين.
ويبدو أن ازدياد العدد يرجع إلى عدة أسباب من بينها قيام الدولة الحشمونية بتهويد بعض السكان غير اليهود داخل حدودها، مثل الإيطوريين وبعض الشعوب المجاورة مثل الأدوميين الذين حكمت أرضهم. وقد قام الفريسيون بحركة تبشير ضخمة لاقت نجاحا غير عادي بسبب أن الوثنية الرومانية بدأت تدخل مرحلة الأزمة التي أدت في نهاية الأمر إلى سقوطها وإلى تبني الرومان للمسيحية دينا رسميا. و قد انتشرت اليهودية بين أعداد كبيرة من الرومان، من بينهم بعض أعضاء النخبة الحاكمة، في الفجوة الزمنية التي تفصل بين بداية الضعف والاضمحلال وبين السقوط النهائي وتبني المسيحية من حيث هي دين وعقيدة تفسر الكون لأتباعها وتمنحهم الإجابات للأسئلة الكونية الكبرى التي تجابههم.





(4/95)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:23 AM
ويبدو أن ما يسمى «السلام الروماني» (باللاتينية: باكس رومانا pax (romana، الذي ساد المناطق التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعة اليهودية، قد وفر من الأمن والطمأنينة ما شجع اليهود على التزايد. وربما كانت بداية اشتغال اليهود بالأعمال التجارية تعني ارتفاع مستوى المعيشة والابتعاد عن المهام القتالية، وهو ما كان يعني تناقص نسبة الوفيات.
وأخيرا، يقال إنه بعد سقوط قرطاجة، انضمت الدياسبورا الفينيقية والقرطاجية إلى أعضاء الجماعات العبرانية اليهودية باعتبارهم جميعا ساميين ينتمون إلى التشكيل الحضاري نفسه وباعتبار أنهم يضطلعون بالوظيفة نفسها.

(4/97)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد بدأت الصورة تأخذ شكلا مغايرا مع بدايات العصور الوسطى في الغرب والعصر الإسلامي في الشرق، حيث اختفت أعداد كبيرة من اليهود من خلال عمليات الاندماج والانصهار. فمع ظهور المسيحية، تنصرت أعداد ضخمة من اليهود، كما حدث في الإسكندرية على سبيل المثال. ومع انتشار الإسلام، تبنت أعداد كبيرة منهم الدين الجديد، وتحولت الجماعات اليهودية إلى جماعات صغيرة متناثرة. وكان من الصعب تخمين عدد اليهود في العالم آنذاك إذ أن الإحصاءات كانت متناقضة للغاية، ففي العالم الإسلامي كانت الإحصاءات غير موثوق بها، وفي أوربا لم تكن هناك سجلات إحصائية. ومع هذا، ترى معظم المراجع أن عدد اليهود في العالم كان يتراوح بين مليون ومليونين، وأن أغلبهم (85 ـ 90%) قد تركز في العالم الإسلامي مع نهاية القرن الثاني عشر. ولكننا نفضل الأخذ بالرقم مليون، خصوصا في ضوء الأعداد اللاحقة، حيث أن عدد يهود أوربا لم يكن يزيد على نحو 100 - 350 ألفا (من مجموع سكان أوربا البالغ 53 مليونا) في حين وصل العدد إلى 450 ألفا في عام 1300 (300 ألف فقط عند روبين) من مجموع 53 مليونا كان معظمهم مركزا في إسبانيا. وقد بلغ تعداد يهود العالم في القرن الخامس عشر حسب أحد التخمينات الإحصائية نحو مليون وخمسمائة ألف.
وحتى ذلك التاريخ، كانت أغلبية يهود العالم من السفارد المستقرين في حوض البحر الأبيض المتوسط: روما ـ الإسكندرية ـ إسبانيا ـ المغرب (التابعة للدولة العثمانية) ـ سالونيكا ـ إيطاليا ـ فرنسا، ومن يهود العالم الإسلامي، ولم يكن الإشكناز من يهود أوربا سوى أقلية صغيرة. ثم تغيرت الصورة بالتدريج ابتداء من تلك الفترة حتى أصبح الإشكناز هم الأغلبية العظمى.

(4/98)


--------------------------------------------------------------------------------

ولتفسير ذلك الوضع، يجب الوقوف عند ظاهرة تزايد عدد أعضاء الجماعة اليهودية في بولندا وتحولها إلى أكبر الجيوب اليهودية في العالم. وتقول الإحصاءات إن عدد يهود بولندا (في عام 1500) كان يبلغ نحو 10 - 15 ألفا، ولكنه زاد فجأة إلى 150 ألفا بين عامي 1500 و1648. وتقول الموسوعة اليهودية إنهم أصبحوا بذلك أكبر تجمع يهودي في العالم إذ كان قد تم طرد يهود إسبانيا.
واستمرت الزيادة حتى بلغ عدد اليهود في العالم في أواخر القرن السابع عشر نحو مليونين، حسب رأي آرثر روبين، نصفهم سفارد ويهود من العالم الإسلامي والنصف الآخر إشكناز (في أوربا) إذ أن عدد يهود أوربا كان أساسا في بولندا وبلغ 500 ألف حسب هذه التقديرات. ولكن، مع العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر (عام 1770)، بلغ عدد يهود العالم مليونين و250 ألفا، غالبيتهم العظمى (1.75 مليون) في أوربا، منهم 1.2 مليون في بولندا وحدها، أي أن يهود أوربا أصبحوا يهود بولندا. وفي عام 1800، بلغ عدد يهود العالم وفقا لتقديرات روبين، مليونين ونصف المليون، منهم مليون وخمسمائة ألف في أوربا ومليون في الشرق.
وقد بين آرثر كوستلر في كتابه عن يهود الخزر أنه لا يمكن تفسير هذا الانقلاب السكاني إلا بما يسميه «الشتات الخزري»، أي انتقال يهود الخزر، بعد سقوط مملكتهم، إلى شرق أوربا وخصوصا بولندا. ولا يختلف المؤرخون الآن في أن أعدادا من يهود الخزر استقرت في بولندا، ولكنهم يختلفون حول حجم هذا العدد. ونحن، على أية حال، نميل إلى الأخذ برأي كوستلر لأنه، على الأقل، يفسر ظاهرة محيرة لا يمكن تفسيرها من خلال أية فرضية أخرى.
وقد صاحب زيادة يهود أوربا انخفاض تعداد يهود العالم الإسلامي الذين بلغ عددهم 600 ألف في عام 1800. ويذهب روبين إلى أن عددهم لم ينخفض وإنما ظل على ما كان عليه. ولذا، فهو يرى أن عددهم ظل يدور حول المليون.

(4/99)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد ظهرت في تلك المرحلة (القرن الثامن عشر) نواة الجماعة اليهودية في العالم الجديد، وتراوح عدد أعضائها بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفا.
ولكن، بعد انعقاد مؤتمر فيينا في عام 1815، بدأت مرحلة جديدة تماما إذ حدث انفجار سكاني بين اليهود. فإذا كان عدد اليهود في عام 1800 هو مليونان وخمسمائة ألف، فقد بلغ هذا العدد عشية الحرب العالمية الثانية نحو 16.724.000. ومعنى ذلك أنهم زادوا ستة أضعاف في أقل من 150 عاما. وفي الفترة من عام 1820 إلى عام 1825، كان عدد اليهود 3.280.000، وزاد إلى 10.602.500 مع عام 1900. وبهذا، فقد زادوا ثلاثة أضعاف خلال 75 عاما. ويلاحظ أن الزيادة كانت بين يهود العالم الغربي فقط، ذلك أن تعداد يهود الشرق لم يزد بل انكمش إلى 900 ألف عام 1840، وإلى 800 ألف عام 1860، ثم زاد إلى 950 ألفا بسبب هجرة بعض يهود اليديشية من الغرب عام 1900. ولكن هذا النمو لم يكن مقصورا على أعضاء الجماعات اليهودية، ففي الفترة نفسها تقريبا (من عام 1815 إلى عام 1914) زاد سكان أوربا من 190 مليونا إلى 400 مليون. وزاد سكان الولايات المتحدة من 7.240.000 عام 1810 إلى 91.972.000 عام 1910، وإن كانت الزيادة في الولايات المتحدة يمكن تفسيرها على أساس الهجرة، فهذا هو عصر الهجرة الأوربية الكبرى (اليهودية وغير اليهودية). وقد استوعبت الولايات المتحدة نحو 85% من المهاجرين، لكن الزيادة في أوربا لا يمكن تفسيرها إلا على أساس زيادة نسبة المواليد وقلة نسبة الوفيات. ومع هذا، يلاحظ أن نسبة زيادة أعضاء الجماعات اليهودية كانت أعلى من النسبة العامة في أوربا، ولعل هذا يعود إلى أن أعضاء هذه الجماعات كانوا يعيشون تحت الظروف نفسها التي أدت إلى زيادة سكان أوربا، وتحت ظروف أخرى خاصة بهم ساهمت في رفع النسبة عن النسبة العامة في أوربا. فيلاحظ أن تحسن الأحوال الصحية، نتيجة الثورة الصناعية في أوربا، قد ترك أثره

(4/100

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:32 AM
الإيجابي في أعضاء الجماعات اليهودية، ولكن يبدو أن المستوى الصحي داخل الأحياء اليهودية كان أعلى من المستوى الصحي العام بسبب الرقابة على اللحوم والأطعمة نظرا لتطبيق قوانين الطعام.
وفي شرق أوربا، حيث تركز معظم اليهود، كان دخل أعضاء الجماعة اليهودية أكثر ارتفاعا وكان أسلوب حياتهم أكثر راحة ووفرة من دخل وأسلوب حياة معظم الجماهير الفلاحية، كما كان أعضاء الجماعة يتمتعون بمستوى ثقافي أعلى. وقد انعكس هذا، بطبيعة الحال، على نوعية الطعام الذي يستهلكونه وأدى إلى اختفاء أو تناقص الأمراض المرتبطة بالفقر وسوء التغذية. وكانت الأسرة اليهودية تتمتع بدرجة عالية للغاية من التماسك، الناجم عن التمسك بالقيم الدينية والتقليدية، بقدر يفوق كثيرا تماسك الأسر غير اليهودية. ويظهر هذا في إحصاءات الأطفال غير الشرعيين، حيث كانت نسبتهم بين اليهود في كثير من الأحيان أقل بدرجة ملحوظة من نسبتهم بين غير اليهود. والعنصران السابقان يسهمان معا في خفض نسبة الوفيات بين الأطفال كما يشجعان على الإنجاب.

(4/101)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن أهم العناصر الأخرى التي ساعدت على هذا الانفجار زواج اليهود في سن مبكرة للغاية. فقد كان من الشائع أن يتزوج الشبان من سن 15 إلى 18 بفتيات من سن 14إلى 16. وكانت الحكومات المركزية القومية المطلقة في روسيا والنمسا تلجأ أحيانا إلى تحديد سن الزواج وعدد المسموح لهم بالزواج (نتيجة شيوع آراء مالتوس ولغير ذلك من الأسباب). وحينما كانت الشائعات تنطلق حول أحد القوانين وشيكة الصدور، كان اليهود يسرعون بتزويج كل صغار السن قبل صدوره. وفي إحدى الإحصاءات البولندية (في القرن الثامن عشر)، ورد ذكر لزوجة عمرها ثماني سنوات. وفي عام 1712، منعت السلطات في أمستردام زواج طفلين يهوديين تحت سن الثانية عشرة. ومن العناصر الأساسية التي ساهمت في تزايد عدد اليهود أن الفترة من عام 1800 إلى عام 1914 لم تشهد الأماكن التي يوجد فيها أغلبية يهود العالم أية حروب، بل إن معارك نابليون وقعت بعيدا عن مراكز التجمع اليهودي. وعلاوة على كل هذا، لم تكن هناك دول كثيرة تقوم بتجنيد اليهود، ففي روسيا القيصرية، لم يبدأ تجنيدهم إلا عام 1827، ولم يجندوا في بولندا حتى عام 1845، ولا في الدولة العثمانية حتى عام 108. وفيما يتصل بالمذابح التي تطنطن بها المراجع الصهيونية، فلم يقع ضحيتها سوى بضع مئات طيلة هذه الفترة.
لكل هذه الأسباب، حدثت الطفرة السكانية التي أشرنا إليها في الفترة من عام 1820 إلى عام 1825 حيث بلغ عدد يهود العالم 3.281.000 نسمة، منهم 2.730.000 في أوربا (1.600.000 في روسيا ومعها بولندا ـ 80 ألفا في رومانيا ـ 568 ألفا في الإمبراطورية النمساوية/المجرية - 223 ألفا في ألمانيا ـ 50 ألفا في فرنسا ـ 45 ألفا في هولندا). وكانت البقية موزعة على أنحاء العالم، فلم يكن يوجد سوى عشرة آلاف في الأمريكتين منهم ثمانية آلاف في الولايات المتحدة.

(4/102)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي عام 1850، بلغ عدد يهود العالم 4.750.000، منه 72% في شرق أوربا (2.350.000 في روسيا وبولندا) و14.5% في غرب أوربا، و1.5% في الولايات المتحدة، و12% فقط في الشرق الأوسط. وقد قفز هذا العدد قفزة كبيرة عام 1880 (تاريخ ظهور الصهيونية بين اليهود) إلى 7.500.000 موزعا على النحو التالي: أربعة ملايين في روسيا وبولندا (56.2%)، ومليون وخمسمائة ألف في الإمبراطورية النمساوية (20%)، وفي دول أوربا الأخرى مليون (13.3%)، ومائتان وخمسون ألفا في الولايات المتحدة (3.3%)، والبقية في آسيا وأفريقيا وغيرها من المناطق. ومما لا شك فيه أن زيادة حجم الكتلة البشرية اليهودية في العالم الغربي، في روسيا وبولندا على وجه التحديد، قد ساهم في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لأعضاء الجماعات اليهودية، وهو ما يطلق عليه «المسألة اليهودية». وإذا لاحظنا تناقص يهود العالم الإسلامي والسفارد، قياسا إلى تعداد اليهود في العالم، إلى أقل من 8%، يصبح من الدقة العلمية ألا نتحدث عن المسألة اليهودية بشكل مطلق وإنما عن المسألة اليهودية الأشكنازية في روسيا وشرق أوربا.
وقد قفز عدد اليهود إلى 10.602.000 عام 1900، ثم بلغ عشية الحرب العالمية الأولى 13 مليونا. وهذا يمثل، مرة أخرى، قفزة كبيرة. وكان هؤلاء موزعين على النحو التالي: 5.500.000 في روسيا (من نحو 127 مليون روسي) ويمثلون 42.3% من يهود العالم. وقد قفزت الولايات المتحدة إلى المرتبة الثانية نتيجة الهجرة اليهودية الضخمة إذ بلغ عدد اليهود فيها 2.500.000، أي 19.2.% من يهود العالم. ويلاحظ أن هذه الهجرة لم تسهم كثيرا في تخفيف حدة التوتر بالنسبة إلى يهود روسيا وبولندا، نظرا لأن أعدادهم كانت تتزايد بسرعة تفوق أعداد المهاجرين. أما بقية الجماعات اليهودية في العالم، فقد كان عدد أعضائها على النحو التالي:

(4/103)


--------------------------------------------------------------------------------

الإمبراطورية النمساوية: 2.500.000، أي 19.2% من يهود العالم. دول أوربا الأخرى: 1.700.000، أي 13.1%، موزعين على النحو التالي:
300.000رومانيا ـ وزاد العدد إلى 850 ألفا بعد أن ضمت رومانيا بعض المناطق التي تضم جماعات يهودية.
600.000 ألمانيا.
250.000 إنجلترا.
100.000 هولندا.
100.000 فرنسا.
47.000 إيطاليا.
750.000 في الشرق أي 5.8 %.
85.000 في فلسطين أي 0.1 %.
وتذكر الموسوعة اليهودية (جوديكا) أن تعداد يهود العالم عام 1939 بلغ 16.724.000، منهم .9.480.000 في أوربا (من مجموع تعداد السكان البالغ 512.849.000)، و2.825.000 في الاتحاد السوفيتي (من مجموع تعداد السكان البالغ 132.519.000)، وفي بولندا 3.250.000 (من مجموع السكان البالغ 32.183.000). ويلاحظ أن بولندا استقلت عن روسيا، وبالتالي أصبح اليهود يشكلون نسبة 10.1% من السكان، وهي أعلى النسب التي وصل إليها تعداد اليهود في أي بلد في التاريخ الإنساني.

(4/104)


--------------------------------------------------------------------------------

وبلغ عدد اليهود 850 ألفا في رومانيا (من مجموع عدد السكان البالغ 18.053.000) و254.560 في الجمهوريات البلطيقية: ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا (من مجموع عدد السكان البالغ 5.106.000). كما كان يوجد 357 ألف يهودي في تشيكوسلوفاكيا عام 1930، و445 ألف يهودي في المجر عام 1930، و504 آلاف يهودي في ألمانيا من مجموع عدد السكان البالغ عددهم 65.988.000. وكانت الولايات المتحدة تضم 4.975.000 يهودي، وبذلك أصبحت الولايات المتحدة مركزا لأكبر جماعة يهودية في العالم، إذ أن يهود اليديشية في شرق أوربا كانوا مقسمين بين عدة دول من أهمها روسيا السوفيتية وبولندا ورومانيا. وكان يوجد 155.700 في كندا، و275 ألفا في الأرجنتين. وكانت الأمريكتان تضمان 5.537.000. أما آسيا، فكانت تضم 1.047.000 بسبب تزايد حجم الجيب الاستيطاني الصهيوني الذي كان يضم 475.000. أما الباقون، فكانوا موزعين على النحو التالي: 90 ألفا في العراق و26 ألفا في سوريا ولبنان و50 ألفا في اليمن والجزيرة العربية و50 ألفا في إيران و24 ألفا في الهند و10 آلاف في الصين وألفان في اليابان وكان اليهود الموجودون في بلاد مثل الصين من يهود اليديشية في الغالب. وقد بلغ عدد اليهود في أفريقيا 627.500حيث كانت أكبر جماعة منهم في المغرب إذ بلغت 162 ألفا، تليها الجزائر التي كان بها 110 آلاف، وجنوب أفريقيا حيث كان بها 90 ألفا، فمصر 70 ألفا، ثم تونس وضمت 59 ألفا، وأخيرا إثيوبيا التي ضمت 51 ألفا. وبلغت الجماعة اليهودية في أستراليا 23.600. ويلاحظ أن حوالي 5.537.000 يهودي، أي نحو ثلث يهود العالم، يوجدون في دول استيطانية، هي: الولايات المتحدة، وكندا، وجنوب أفريقيا، وفلسطين، وأستراليا، ونيوزيلندا، وأمريكا اللاتينية. ويمكن أن نضيف إليهم كذلك المستوطنين اليهود في الجزائر، لأن اليهود الأصليين كانوا أقلية. ومن ثم يمكننا القول بأن الجماعات اليهودية في العالم

(4/105)


--------------------------------------------------------------------------------

أصبحت جزءا من التجربة الاستيطانية الغربية (والأنجلو ساكسونية على وجه التحديد). وقد أورد آرثر روبين الجدول السابق عن الأماكن التي استوطن فيها أعضاء الجماعات اليهودية وأعدادهم.
ومن الجدول السابق، يلاحظ أن الولايات المتحدة أصبحت تضم أكبر تجمع يهودي في العالم. كما يلاحظ أنه برغم استمرار الأعداد في التزايد إلى ما بعد الحرب العالمية الأولى، فإن العوامل التي أدت إلى هذا التزايد قد اختفت تماما، كما ظهرت عناصر لم يكن من شأنها تشجيع اليهود على الإنجاب، بل وأدت إلى تناقص أعدادهم، ومن أهم هذه الأسباب تصاعد معدلات العلمنة بين أعضاء الجماعات اليهودية. ففي بداية القرن التاسع عشر، كانت هذه الجماعات من أقل الجماعات علمنة، ولكن معدلات العلمنة تزايدت بالتدريج من خلال محاولات الحكومات الأوربية المختلفة دمجهم وإصلاحهم وتشجيعهم على الاندماج، بحيث كانت معدلات العلمنة بينهم مع نهاية القرن من أعلى المعدلات على الإطلاق. وقد كان 03% من السجناء السياسيين من اليهود، كما ازدادت نسبة الأطفال غير الشرعيين وأصبحت نسبة العاهرات اليهوديات والقوادين اليهود من أعلى النسب.
ويلاحظ أن هذه الفترة هي فترة الهجرة اليهودية الكبرى التي شملت 50% من يهود شرق أوربا، ومن المعروف أن الجماعات المهاجرة تحجم عادة عن الإنجاب بسبب تقلقل وضعها. والعناصر المهاجرة هي عادة العناصر الشابة، بل ويقال إن الهجرة اليهودية قضت تقريبا على اليهود في المرحلة العمرية 20 - 40 سنة وهي مرحلة الخصوبة التي تجعل أية جماعة قادرة على أن تعيد إنتاج نفسها. ويلاحظ كذلك أنه بعد اندماج اليهود في مجتمعاتهم، بدأت قطاعات منهم تحقق حراكا اجتماعيا وتحسنا في مستوى المعيشة، ومن المعروف أن تحسن مستوى المعيشة يؤدي إلى تبني سلوك حذر تجاه الإنجاب.

(4/106)


--------------------------------------------------------------------------------

وإلى جانب ذلك، فإن أغلبية يهود العالم بدأت تستقر في المدن الكبرى والعواصم. فقبل الحرب العالمية الثانية، كان ما يزيد على نصف يهود العالم، أي نحو 52% منهم، يعيشون في 42 مدينة في كل منها 50 ألف يهودي أو أكثر، وكان ما بين 35% و40% يتركزون في عشرين مدينة في كل منها ما يزيد على 100 ألف يهودي. وهذا يدل على أن معدل التركز في المدن كان آخذا في التزايد، حيث كانت النسبة في بداية القرن 18% في المجموعة الأولى و13% في المجموعة الثانية. وفي عام 1933، كان يعيش مليون يهودي روسي، أي ثلث يهود روسيا، في مدن سوفيتية لا تضم سوى 5% من أعضاء الأغلبية، ويعيش بقية اليهود في مدن صغيرة. أما في الولايات المتحدة (عام 1927)، فقد كان 84% من اليهود يعيشون في 18 مدينة كبيرة (وكانت نيويورك تضم نصف الجماعة اليهودية). وفي الثلاثينيات، كان يعيش في كوبنهاجن نحو 93% من يهود الدنمارك، وكان نحو 92% من يهود النمسا في فيينا، ونحو 70% من يهود فرنسا في باريس، ونحو 65% من يهود إنجلترا في لندن، وهكذا. ومن المعروف أن التركز في المدن لا يشجع على الإنجاب، وأن المدن لم يمكنها في الماضي (في روما واليونان القديمة) أن تحافظ على العدد المناسب من السكان من خلال التزايد الطبيعي.

(4/107)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد أسلفنا أن المنطقة التي تركز فيها اليهود، إبان القرن التاسع عشر، كانت منطقة لم تدر فيها أية معارك كبرى أو حروب حتى الحرب العالمية الأولى. ولكن، مع الحرب العالمية الأولى، تغير الموقف تماما حينما تحولت بولندا وجاليشيا وليتوانيا ورومانيا وسالونيكا إلى مسرح للعمليات العسكرية. ولم يتوقف الأمر مع نهاية الحرب، إذ أصبحت أوكرانيا مسرحا لعمليات عسكرية عديدة التحمت فيها القوات البلشفية مع قوات الروس البيض (حيث انضم الأوكرانيون إلى الفريق المعادي للثورة)، وتم الهجوم على أعضاء الجماعة اليهودية الذين كان ينظر إليهم باعتبارهم عملاء للبلاشفة، إذ أن هؤلاء كانوا قد وضعوهم تحت حمايتهم، كما كان ميراث يهود الأرندا جزءا من تجربة الأوكرانيين التاريخية. وكان تجنيد اليهود في القوات المسلحة يتم بصورة كاملة، بعدما أصبح عتق اليهود حقيقة مستقرة، فبلغ مجموع عدد المحاربين اليهود في الجيش الروسي والنمساوي والألماني وفي قوات الحلفاء نحو نصف مليون يهودي، وهو عدد ضخم في واقع الأمر. وقد سقط من اليهود العديد من الضحايا، فقتل نحو 12 ألف جندي ألماني يهودي. ولنا أن نتخيل نسبة القتلى بين المقاتلين اليهود في كل الأطراف، ولكن يجب أن نشير إلى أن هذا العنصر لا ينقص من عدد اليهود بصورة مباشرة فقط، أي من خلال الوفاة، فذلك يتم بصورة غير مباشرة أيضا من خلال العزوف عن الإنجاب. ففي مناطق وفترات الحروب والثورات، بكل ما تسببه من حركة وعدم طمأنينة، يجد البشر أن من السخف بمكان إنجاب طفل ليعيش في هذه الدنيا.

(4/108)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن الظواهر الأخرى التي أدت إلى تناقص أعداد اليهود الزيجات المختلطة. فبعد الحرب العالمية الأولى، كان نحو 50% من الزيجات اليهودية في ألمانيا (عام 1915) زيجات مختلطة زادت إلى 60% في عام 1932. وفي كوبنهاجن، وصلت نسبة الزيجات المختلطة إلى نحو 86% في الفترة بين عامي 1880 و1905. وفي أمستردام، وصلت النسبة إلى نحو 70% (1930). ومن المعروف أن معدلات الاندماج المرتفعة تؤدي إلى تزايد الزواج المختلط. وفي نهاية القرن التاسع عشر، كانت عملية الاندماج في أوربا تأخذ شكل التنصر. وكانت نسبة التنصر تتفاوت من بلد إلى آخر، ووصلت إلى حدها الأقصى في ألمانيا حيث حقق اليهود أعلى معدلات الاندماج، وهو ما أدى إلى انصهارهم. ولكن الانصهار يأخذ شكلا مغايرا تماما في العصر الحديث، ففي الماضي كان على اليهودي الذي يود الهرب من هويته أن يعتنق المسيحية، أما في المجتمعات العلمانية فيستطيع اليهودي أن ينكر هويته اليهودية ويتخلى عنها دون أن يضطر إلى تبني هوية دينية أخرى. وربما حدث شيء من هذا القبيل بين أعداد المهاجرين الروس إلى الولايات المتحدة وغيرها من البلاد. ونحن نعرف أن كثيرا من اليهود الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية بشهادات تعميد مزيفة أصدرها الفاتيكان لتسهيل عملية هربهم من الإرهاب النازي، قد آثروا الإبقاء على هويتهم المسيحية ولم يعيدوا تأكيد انتمائهم اليهودي حتى بعد زوال الخطر.

(4/109)


--------------------------------------------------------------------------------

لكل هذه الأسباب، تناقص تعداد اليهود وتناقص معدل الإنجاب بينهم. وقد بدأ هذا الاتجاه في منتصف القرن التاسع عشر بين يهود غرب أوربا الذين كانوا يشكلون أقلية، ثم انتقل إلى وسطها وشرقها مع نهاية القرن، وتزايد معدل التناقص واستمر حتى الوقت الحالي حيث وصل إلى معدلات عالية للغاية. أما في الجيب البولندي، حيث المناطق التي تركز فيها معظم يهود العالم وحكمت روسيا معظمها وحكمت النمسا جزءا آخر منها وحكمت ألمانيا الجزء الثالث، وهو الجيب الذي كان مركزا ليهود اليديشية وكان يسميه هتلر «البنية التحتية البيولوجية للشعب اليهودي»، فقد تناقصت نسبة المواليد بشكل مذهل. ففي منتصف القرن التاسع عشر، كان أعضاء الجماعة في روسيا القيصرية يتمتعون بواحدة من أعلى نسب الخصوبة والتكاثر بين شعوب الإمبراطورية، ولكن مع عام 1926 انخفضت النسبة إلى أقل النسب على الإطلاق إذ بلغت 24.8 في الألف بعد أن كانت 35.9. وقد ظلت نسبة التكاثر عالية بين الروس إذ وصلت 43.65 في الألف بفارق قدره 19.575 في الألف بين شعوب الدولة السوفيتية وأعضاء الجماعة. ويلاحظ أنه رغم وجود جماعات يهودية أخرى في الاتحاد السوفيتي، من بينها اليهود الجورجيون ويهود القوقاز وغيرهم ممن لم يمروا بالظروف نفسها التي مر بها يهود اليديشية، فإن هذه الجماعات كانت صغيرة وربما لا تتجاوز 5%، ومن ثم فإنها لم تؤثر بتاتا في الصورة العامة. وفي بولندا، نجد الاتجاه نفسه. فقد انخفضت نسبة المواليد في وارسو من 28.6 في الألف عام 1900 إلى 12.3 في الألف عام 1925. وفي لودز، انخفضت نسبة المواليد بين اليهود خلال سبعة أعوام إلى 11.6 في الألف. وفي جاليشيا، كانت الإحصاءات مثيرة، فبعد أن كانت نسبة المواليد بينهم من أعلى النسب في أوربا مع بداية القرن الحالي إذ وصلت إلى 38.16 في الألف (ولذا كان يهود النمسا يسمونها «فاجينا جودايوروم» أي «فرج اليهود»)، انخفضت النسبة فيها إلى

(4/110)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:33 AM
في الألف عام 1934، أي إلى نحو 50%. وكانت نسبة المواليد بين يهود المجر 19.33 في الألف في بداية القرن الحالي وانخفضت إلى 5.10 فقط، أي أنها انخفضت بنسبة 23.4، أي بنحو 66%. وكانت معدلات العلمنة بين يهود المجر من أعلى النسب في أوربا كلها، كما كانت نسبة عدد الأطفال غير الشرعيين في بودابست وكذلك نسبة الانتحار بين أعضاء الجماعة من أعلى النسب بين أعضاء الجماعات. وفي رومانيا، كانت نسبة المواليد بين اليهود عام 1900 نحو 32.6 في الألف، ولكنها انخفضت مع عام 1934 إلى 14.8في الألف. وبلغت نسبة المواليد 2 في الألف في لندن مع عام 1932.
وفيما يلي جدول بتغير نسبة المواليد بين يهود بروسيا، نقلا عن آرثر روبين، كمثل على تناقص نسبة اليهود.
السنة / النسبة في الالف
1832 / 35.5
1841 - 1866 / 34.7
1878 - 1882 / 30.7
1888- 1892 / 23.7
1898 - 1912 / 19.7
1913 / 15.0
1924 / 14.6
1926 / 12.0
1928 / 10.5
1929 / 9.1
ومعنى ذلك أن نسبة المواليد عام 1929 كانت أقل من ثلث نسبتهم منذ خمسين عاما.
ويلاحظ آرثر روبين أنه خلال خمسة وعشرين عاما (بين عامي 1905 و1930) هبطت نسبة الزيادة من 18 إلى 8 في الألف، كما يلاحظ أن التقدم الذي أحرزه اليهود خلال 150عاما (من عام 1750 إلى عام 1905) فقد خلال 25 عاما!
وقد لاحظ يوريا إنجلمان في كتابه ظهور اليهود في العالم الغربي (1944) أن نسبة المواليد لا تعوض نسبة الوفيات، وأن معدلات المواليد بين اليهود في شرق أوربا وجنوب شرق أوربا (دول البلقان وربما النمسا) وصلت إلى نقطة الخطر (قبيل العدوان النازي). وقد حذر ثايلهابر في دراسته اختفاء اليهود الألمان (1908) مما سماه «الضعف السكاني» حيث بين أنه، إذا لم يوقف هذا الاتجاه، فسيختفي يهود ألمانيا تماما.

(4/111)


--------------------------------------------------------------------------------

وبالفعل، نجد أن الوفيات بين يهود بودابست عام 1931، حيث كان يعيش نصف يهود المجر، قد زادت عن المواليد بنحو 1507 ثم هبطت إلى 1469 عام 1932، واستمر هذا النمط حتى الحرب العالمية الثانية. وقد حدث الشيء نفسه في بروسيا حيث فاق عدد الوفيات عدد المواليد بمقدار 29.2 عام 1931، ثم زاد إلى 2399 عام 1932 وإلى 3480 عام 1935. وفي عام 1916، سجلت الجماعة اليهودية في برلين 494 مولودا مقابل2483 حالة وفاة، أي أن الوفيات كانت خمسة أضعاف المواليد. وفي عام 1939، كانت المسألة مخيفة، فمن مجموع سكان برلين البالغ عددهم 90 ألفا سجل ستة مواليد فقط طيلة العام في مقابل 1944 حالة وفاة، أي مولود واحد مقابل كل 324 حالة وفاة. ولم يكن الأمر مختلفا في فيينا حيث كان يعيش 92.9% من يهود النمسا، فقد ظل معدل المواليد في انخفاض مستمر لمدة عشرة أعوام. وفي عام 1936، سجل في فيينا 673 مولودا يهوديا مقابل 2061 حالة وفاة. ويقول يوريا إنجلمان تعليقا على الإحصاءات السابقة: إذا لم توقف العملية ذات الأبعاد الثلاثة [تناقص المواليد وتزايد الوفيات وتزايد معدلات الاندماج] فسوف يؤدي ذلك في النهاية إلى تفسخ السكان اليهود الكامل، وأكبر دليل على أن هذا ليس مجرد افتراض وإنما هو تجربة السكان اليهود في فيينا وبودابست وبرلين وهامبورج وباريس ولندن وبادوا وتريسته ومدن أخرى.

(4/112)


--------------------------------------------------------------------------------

وأثناء فترة الحرب العالمية الثانية، وصلت هذه الاتجاهات إلى ذروتها، إذ زادت حركة أعضاء الجماعات اليهودي واضطر كثير منهم إلى إخفاء انتمائه اليهودي، كما أن ظروف الحرب لم تشجع كثيرا على القيام بالأفعال الإنسانية العادية مثل الزواج والإنجاب. بالإضافة إلى أن عددا كبيرا من اليهود لقوا حتفهم بسبب الجوع والمرض. ففي عام 1941، توفي نحو 10% من يهود وارسو بسبب الجوع والمرض، ثم زادت النسبة إلى 15 %. وقد تفشت بعض الأوبئة بعد عام 1942 حسب تقرير البوند، وتوفي الكثيرون بسبب عمليات الحرب. ويقدر عدد الذين لقوا مصرعهم حتى عام 1941 بنحو 250 ألفا. وهرب الألوف إلى الاتحاد السوفيتي وهلك بعضهم أثناء هروبهم. وكما جاء في الموسوعة اليهودية العالمية، فإن كثيرين ممن وصلوا لم يكترثوا كثيرا بإعلان هويتهم اليهودية.
والبيانات السابقة تجعلنا نعيد النظر في قضية الستة ملايين يهودي (ضحايا الإبادة النازية) إذ من الممكن أن تكون هناك نسبة كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية قد اختفت لا من خلال الإبادة وإنما من خلال التناقص الطبيعي. ونحن نذكر هذا لا من قبيل التقليل من حجم الجريمة النازية الأوربية ضد يهود أوربا وغيرهم من الجماعات الإثنية والدينية، وإنما من قبيل تقديم صورة دقيقة لأعداد اليهود في العالم، وحتى لا يحتكر أحد لنفسه لقب «الضحية الوحيدة» ثم يؤسس على هذا نظرية في الحقوق اليهودية المطلقة في بقعة من الشرق. فالجريمة النازية ضد الجماعات اليهودية والسلاف والغجر وغيرهم تعد من أبشع الجرائم التي ارتكبتها الحضارة الغربية الحديثة ضد بعض الأقليات والجماعات البشرية التي تعيش في كنفها. وقد ارتكبت هذه الحضارة الكثير من البشاعات ضد الشعوب الأفريقية والآسيوية، ولكن الفضيحة اتضحت هذه المرة لأن ضحايا الجريمة كانوا من الجنس الأبيض.

(4/113)


--------------------------------------------------------------------------------

أما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد ظهرت الصورة السكانية التي لا تزال سائدة حتى الآن، حيث أصبحت الولايات المتحدة هي وطن اليهود بلا منازع، إذ بلغ عددهم 5000.000 عام 1948، و5.870.000 عام 1967 من مجموع يهود العالم البالغ عددهم 11.373.000 عام 1948، و13.837.500 عام 1967، أي أن نصف يهود العالم تقريبا موجود في الولايات المتحدة. ولكن عدد اليهود في البلاد الاستيطانية هو 9.583.000، فيوجد 6.925.000 في الأمريكتين و2.436.000 في إسرائيل و115 ألفا في جنوب أفريقيا و5.500 في روديسيا و75 ألفا في أستراليا ونيوزيلندا. ومعنى هذا أن أعضاء الجماعات اليهودية انتقلوا من أوربا، حيث كانوا متركزين حتى أواخر القرن التاسع عشر، إلى الدول الاستيطانية، خصوصا الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التسليم بأن الولايات المتحدة تحتل مركز الصدارة. وقد انكمش يهود اليديشية، الذين كانوا قد فقدوا شخصيتهم اليديشية (وأطلق عليهم بسبب ذلك مصطلح «يهود الاتحاد السوفيتي»)، فلم يبق منهم في الاتحاد السوفيتي سوى مليونين في عام 1948، لكن عددهم زاد إلى 2.650.000 عام 1959. وهم، بذلك، يكونون أكثر من نصف يهود أوربا في ذلك الوقت. ولا توجد جماعات يهودية كبيرة في إنجلترا أو فرنسا. وقد أورد الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (1983) الإحصائية التالية لأكبر الجماعات اليهودية في العالم (لعام 1930) وبجوارها الإحصاءات الخاصة لعام 1983 وقد عدلناها حسب إحصاء 1989 .
السنة / 1930 / 1989
المجموع العالمي / 15مليون / 12210700
الولايات المتحدة / 4228000 / 5515000
الاتحاد السوفيتي (سابقا) / 2927000 / 1370000
بولندا / 2845000 / 4100
رومانيا / 900000 / 19000
ألمانيا / 564000 / 35000
المجر / 477000 / 58000
تشيكوسلوفاكيا / 354000 / 7900
بريطانيا / 300000 / 320000
النمسا / 250000 / 6300
فرنسا / 220000 / 530000
الأرجنتين / 200000 / 218000

(4/114)


--------------------------------------------------------------------------------

فلسطين / إسرائيل / 161000/ 3717000
كندا / 126000 / 310000
جنوب أفريقيا / 72000/ 114000
البرازيل / 30000 / 100000
أستراليا / 22000 / 85000
ويلاحظ أن الكتلة البشرية اليديشية في كل من الاتحاد السوفيتي وبولندا ورومانيا والنمسا والمجر قد صفيت تقريبا ولم يبق في عام 1983 سوى 1.630.000 في الاتحاد السوفيتي، ولكنهم على أية حال لم يعودوا يتحدثون اليديشية. وقد انخفض هذا العدد إلى1.370.000 في عام 1989، وازداد انخفاضا بعد هجرة اليهود السوفييت الأخيرة وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي. ولأول مرة في التاريخ الحديث، أصبح عدد أعضاء الجماعات اليهودية في غرب أوربا يفوق عددهم في شرقها. ولا تزال الولايات المتحدة تتصدر القائمة منذ عام 1930 وإن كانت أهميتها ازدادت بشكل حاد بسبب تناقص أعداد الجماعات اليهودية في بقية أنحاء العالم. وشهدت هذه الفترة ظهور التجمع الصهيوني في فلسطين كنواة كبيرة بلغت نحو 750 ألفا، أي 8% تقريبا من يهود العالم. وقد أخذت هذه الخلية في التضخم فأصبحت تضم 2.436.000 عام 1967 في حين كان الجسد الأكبر آخذا في الانكماش.
أعداد الجماعات اليهودية في العالم: بعض الإشكاليات
(Worldwide Number of the Jewish Communities (Some Problematics
ثمة مشاكل عديدة تحيط بمحاولة تناول موضوع تعداد الجماعات اليهودية عبر التاريخ.
1 ـ يلاحظ أن معظم الأرقام المستخدمة (حتى عام 1800) تخمينية إلى حد كبير، وتقريبية حتى عام 1900 (وهذه مشكلة عامة بالنسبة لأي تعداد).

(4/115)


--------------------------------------------------------------------------------

2 ـ ثمة تحيزات عقائدية عميقة تجعل كثيرا من الدارسين يفرضون عليها دلالات لا تحتملها. ومن أكبر الأمثلة على التحيز المذهبي في المراجع الصهيونية عدم تعرضها لقضية يهود الخزر وهجرتهم إلى بولندا، إذ تدل بعض الدراسات على أن التفسير الوحيد المقبول للتزايد الفجائي لتعداد يهود بولندا ابتداء من القرن الرابع عشر (حتى أصبحوا أكبر جماعة يهودية في العالم) هو هجرة بقايا يهود الخزر إلى شرق أوربا. فمناقشة مثل هذه القضية، أو حتى مجرد ذكرها، يفتح الباب على مصراعيه لقضية أكثر أهمية وهي مدى انتماء يهود أوربا للعرق السامي وللحضارة السامية وحقيقة هويتهم العرقية أو الإثنية وحقوقهم الأزلية المفترضة.
3 ـ من الأمثلة المهمة الأخرى، مسألة «الستة ملايين» يهودي الذين يفترض أن النازيين قاموا بإبادتهم، إذ يتحول هذا الرقم إلى رقم سحري، وإلى أيقونة عقائدية ترمز إلى الشعب الشاهد الذي أصبح الشعب الشهيد. وإذا ناقش أحد مصداقية هذا الرقم، فإنه يتهم فورا بانتهاك الحرمات وإنكار الهولوكوست! ورغم أن رقم «الستة ملايين» حالة متطرفة من التحيز، إلا أنها الاستثناء الذي يثبت القاعدة.
4 ـ لعل من أهم المشاكل التي تقابل دارس تعداد أعضاء الجماعات اليهودية في العالم مفهوم «اليهودي»: هل اليهودي من يتبع تعاليم دينه أم أنه من يرى نفسه يهوديا أم هو من يراه الآخرون كذلك؟ وفي هذا العالم الذي تزايدت فيه معدلات العلمنة، يسود التعريف العلماني للهوية اليهودية (اليهودي هو من يرى نفسه كذلك). ولا توجد مؤسسة دينية مركزية تقوم بعملية التعريف والفرز، فتتداخل الحدود ويصعب تحديد من هو اليهودي. ولذا، نجد أن بعضا من غير اليهود قد يغيرون قناعاتهم فجأة ويقررون أنهم يهود، والعكس أيضا ممكن (انظر: «ادعاء اليهودية»).
ولإيضاح المشكلة التي يجابهها دارسو تعداد الجماعات اليهودية، يمكن أن نشير إلى بعض الأمثلة:

(4/116

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:35 AM
ـ الولايات المتحدة الأمريكية:
أ) يضم الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (1991) دراسة عن تعداد يهود العالم. وقد رأى كاتب المقال أن يتناول موضوعه من خلال ثلاثة تعريفات أو مستويات:
ü القطاع الأساسي من السكان اليهود (بالإنجليزية: كور جويش بوبيوليشن core Jewish population) ويضم كل يهودي يعلن أنه يهودي، بغض النظر عن كون مضمون يهوديته حقيقيا أو وهميا، دينيا أو إثنيا، قويا أو ضعيفا. وعادة ما توضع هذه المجموعة مقابل القطاع الهامشي من السكان اليهود (بالإنجليزية: بريفيرال جويش بوبيوليشان (peripheral Jewish population، وهي تضم القطاعين التاليين:
ü القطاع الموسع من السكان اليهود (بالإنجليزية: إكستندد جويش بوبيوليشن extended Jewish population) ويضم القطاع الأساسي إلى جانب اليهود الذين تخلوا عن دينهم (وتبنوا أو لم يتبنوا دينا آخر) ولكنهم من أصل يهودي.
üü القطاع الممتد من السكان اليهود (بالإنجليزية: إنلارجد جويش بوبيوليشن enlarged Jewish population) وتضم إلى جانب القطاعين السابقين كل من يعيش في بيت يهودي (سواء أكان يهوديا أم غير يهودي).
وبطبيعة الحال، تتزايد الأعداد وتتناقص حسب المعيار المستخدم. وفي عصر وصلت فيه نسبة الزواج المختلط إلى ما يزيد على 50%، فإن القطاع الثالث يضم عددا كبيرا للغاية، مع أن تضخم هذا القطاع هو في واقع الأمر دليل على تزايد اندماج اليهود واختفائهم. وقد بلغت الحيرة بأحد المراجع حدا جعله يستخدم اصطلاح «يهودي بشكل أو آخر» «يهودي بشكل ما» (بالإنجليزية: جويش إن سم ويي Jewish in some way) لحل مشكلة التعريف.

(4/117)


--------------------------------------------------------------------------------

ب) نشرت مؤخرا دراسة ذكرت أن عدد يهود الولايات المتحدة هو 6.8 مليون. ثم أضافت الدراسة أن 1.2 مليون منهم يهود لا يؤمنون باليهودية ويندمجون في مجتمعهم بسرعة (ومن المؤكد أن أعدادا كبيرة منهم ينضمون للعبادات الجديدة مثل البهائية وهاري كريشنا). ومنهم 2.3مليون يمارسون عقيدة أخرى هي المسيحية، أي أنه بين 6.8 مليون يهودي يوجد 2.5 مليون يمارسون عبادات أخرى. وورد في دراسة ثانية أن عدد يهود الولايات المتحدة 8.400.000 وهو رقم أعلى بكثير من الرقم السابق. ولكن الدراسة تضيف أن من بينهم 2.70.000 من "أصول يهودية" ولا يعتبرون أنفسهم يهودا (أي أن العدد هو 5.700.000). والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إن كان هؤلاء ليسوا يهودا من منظور الشريعة اليهودية، ولا من منظور الإثنية اليهودية، ولا من منظور أنفسهم أو جيرانهم، فلماذا تضمنهم التعداد أساسا؟ وهل الهدف هو خلق إشكاليات حيث لا إشكاليات؟
جـ) من المشاكل الكبرى التي تواجه دارسي تعداد اليهود في العالم، بخاصة في الولايات المتحدة، أعضاء الزيجات المختلطة وأبناؤهم. فأحيانا، يدخل يهودي في علاقة زوجية مع طرف غير يهودي، ثم يتهود الطرف الآخر بشكل صوري، ويعتبر نفسه يهوديا إرضاء للطرف اليهودي أو لعائلته. ثم قد يصر الطرف اليهودي على أن يكون الأطفال يهودا، فيوافق الطرف غير اليهودي. ولكن ما يحدث في معظم الأحيان أن الأطفال ينشأون يهودا اسما دون أن يكونوا يهودا فعلا. ولأن اليهودية الأرثوذكسية لا تعترف بأبناء الزيجات المختلطة، أو بالمتهودين على يد حاخام إصلاحي أو محافظ، أو بمن ولد لأب يهودي، فإن هناك عددا كبيرا من اليهود في الولايات المتحدة يهود اسما وحسب، أو يهود من وجهة نظر إصلاحية أو محافظة أو إثنية، ولكنهم غير يهود من وجهة نظر أرثوذكسية.
2 ـ الاتحاد السوفيتي:
ثمة مشاكل عديدة تواجه محاولة إحصاء تعداد يهود الاتحاد السوفيتي (سابقا):

(4/118)


--------------------------------------------------------------------------------

أ) كان القانون السوفيتي يعطي أعضاء الجماعات اليهودية الحق في أن يصنفوا أنفسهم كما يشاءون، فكان بوسع اليهودي من أوكرانيا أن يصنف نفسه «يهوديا» أو «أوكرانيا»، وهذا يعني أن هناك عددا كبيرا من المواطنين السوفييت كانوا من أصل يهودي ولكنهم لم يصنفوا يهودا. وقد أدى هذا إلى ظهور ما يسمى «اليهود المتخفين»، وهم المواطنون السوفييت من أصل يهودي الذين يخفون أصولهم اليهودية.
ب ) حينما فتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل بما كانت تتيحه من فرص للحراك الاجتماعي والطبقي ومكافأة مادية مباشرة، ومع تزايد تفكك النظام السوفيتي، أظهر كثير من هؤلاء اليهود المتخفين أصولهم اليهودية. كما أن أعدادا كبيرة من غير اليهود ممن لهم أصول يهودية قديمة للغاية (جد مدفون في موسكو، على حد قول أحد الحاخامات)، أو حتى ممن ليست لهم أصول يهودية على الإطلاق، ادعوا أنهم «يهود» حتى يستفيدوا من الفرص الاقتصادية المتاحة
3 ـ ألمانيا:
أ) بلغ عدد يهود ألمانيا 28.202 حسب تعداد عام 1983.
ب) بدأت بعد ذلك التاريخ حركة هجرة من الاتحاد السوفيتي، ولم تتمكن المصادر اليهودية من الحصول على أرقام محددة، ولذا تم اللجوء للتخمين. وقدر عدد المهاجرين في هذه الفترة، أو مقدار الزيادة على وجه العموم، بحوالي 11 ألفا وهذا يعني أن عدد اليهود بلغ حوالي 04 ألف يهودي.
جـ) كان يوجد 500 يهودي مسجلون في ألمانيا الشرقية.
د) ولكن كان يوجد 3500 شخص يأخذون تعويضات باعتبارهم ضحايا للاضطهاد النازي دون أن يعلنوا عن انتمائهم الديني والإثني، ولكن من المرجح أنهم من اليهود. هذا يعني في واقع الأمر أن هناك 4000 يهودي.
هـ) يضيف بعض الإحصائيين القطاع الهامشي من السكان اليهود، ويبلغ عددهم 55 ألفا، وبذا يكون مجموع أعضاء الجماعة اليهودية في واقع الأمر 100 ألف يهودي، أي أربعة أضعاف عدد اليهود في عام 1983.
4 ـ كندا:

(4/119)


--------------------------------------------------------------------------------

بلغ عدد اليهود في كندا عام 1981 حوالي 296.445. ولكن إحصاء عام 1986 لم يدخل في الاعتبار إلا الانتماء الإثني، مهملا الانتماء الديني. وبلغ عدد الذين صرحوا بأن أصلهم الإثني يهودي نحو 245.855، بينما ذكر 97.655 أن أحد أصولهم الإثنية يهودية، فكأن هناك 343.510 من «اليهود بشكل أو آخر». وقد عبر كاتب الدراسة عن شعوره بأن الرقم الذي توصل إليه والذي يضم اليهود من فئة «يهود بشكل أو آخر» غير مقنع.
5 ـ جنوب أفريقيا:
كان عدد يهود جنوب أفريقيا عام 1990 هو 114 ألفا، ولكن الإحصاء الذي أجري بعد ذلك جعل تحديد الديانة مسألة اختيارية. ولأن خمس السكان البيض لم يحددوا انتماءهم الديني، فقد انخفض تعداد اليهود إلى 59 ألفا. وحسب التقديرات الإحصائية، فإن العدد الحقيقي يتراوح بين 104.500 و 107 آلاف.
أعداد الجماعات اليهودية وتوزعها في العالم، وبعض معالمها السكانية في الوقت الحاضر (1992)
Recent (1992) Worldwide Number and Distribution of the Jewish Communities and Some of Their Demographic Features
يقدر عدد سكان العالم من اليهود طبقا لإحصاءات عام 1987 بنحو 13 مليونا (12.934.600) وصل إلى 12.936.300 عام 1992 (حسبما ورد في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1994). وهو يقل قليلا عن عددهم عام 1982 والبالغ 12.988.600 أو عددهم عام 1984 وهو 12.936.300(وهو ما يدل على أن يهود العالم قد وصلوا إلى نقطة الصفر في النمو). وقد تناقص هذا العدد عن عددهم في عام 1967 حيث كان 13.837.500، أي أن عدد اليهود نقص بنحو المليون في الفترة من عام 1967 حتى عام 182 دون إبادة ومن خلال تناقص طبيعي. والجماعات اليهودية موزعة في الوقت الحاضر من الناحية الجغرافية في كل أرجاء العالم على النحو التالي:
أوربا (بما في ذلك روسيا الأسيوية والبلقان وتركيا) : 1.924.200
آسيا (فلسطين المحتلة أساسا) : 4.378.600

(4/120)


--------------------------------------------------------------------------------

أفريقيا (جنوب أفريقيا أساسا) : 106.700
أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية (الولايات المتحدة أساسا) : 6.409.700
أستراليا ونيوزيلندا : 94.600
المجموع : 12.913.800
وأكبر تسع جماعات يهودية هي:
الدولة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية/ نسبتهم إلى يهود العالم
الولايات المتحدة / 5.620.000 / 43.5%
إسرائيل / 4.242.500 / 32.8%
فرنسا / 530.000 / 4.1%
روسيا / 415.500 / 3.2%
كندا / 356.000 / 2.8%
بريطانيا العظمى / 298.000 / 2.3%
أوكرانيا / 276.000 / 2.1%
الأرجنتين / 211.000 / 1.6%
جنوب أفريقيا / 100.000 / 0.8%

(4/121)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا نظرنا إلى توزع أعضاء الجماعات اليهودية من منظور التشكيلات الحضارية والسياسية، فإن الصورة سوف تختلف تماما. فلو استبعدنا سكان المستوطن الصهيوني، فإن أعضاء الجماعات اليهودية يتركزون أساسا في أمريكا الشمالية حيث توجد أغلبيتهم الساحقة التي تبلغ 46.24%، وفي أوربا الغربية حيث تبلغ 14.9%، وروسيا وأوكرانيا حيث نسبتهم 5.3%، أي أن 69.8% من يهود العالم يوجدون في أمريكا الشمالية وأوربا، ويعيش معظمهم في الوقت الحالي في البلدان الناطقة بالإنجليزية (الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا). ولذا، فيمكننا أن نقول إن اللغة التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية هي الإنجليزية وليست العبرية أو اليديشية. ومن الملاحظ أن الجماعات اليهودية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي وأوربا آخذة في الذوبان، وأن عددهم في أمريكا اللاتينية آخذ في التناقص السريع. ولذا يمكننا التنبؤ بأن يهود العالم أو ما يقال له «الشعب اليهودي» سيصبح جزءا لا يتجزأ من الشعب الأمريكي بعد أن كان جزءا لا يتجزأ من التشكيل الاستيطاني الغربي ومن شعوب شرق أوربا. ونلاحظ في الجدول السابق، الذي يبين أكبر تسع جماعات يهودية في العالم، أن 93.2% من يهود العالم يعيشون في تسعة مراكز رئيسية ومنها الدولة الصهيونية، وأن 76.3% يعيشون في دولتين اثنتين (الولايات المتحدة وإسرائيل). ونلاحظ أن البلاد التي يوجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية تتمتع بمستوى معيشي مرتفع ودخول مرتفعة، كما أنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالتشكيل العرقي الأبيض، ففي الأرجنتين، حيث توجد أعلى نسبة من البيض في أمريكا اللاتينية، توجد أيضا أعلى نسبة من اليهود.

(4/122)


--------------------------------------------------------------------------------

وهناك عنصر آخر يرتبط بالعنصر السابق وهو أن نسبة 15% من يهود العالم توجد في أوربا. وتوجد الأغلبية العظمى في دول استيطانية: الولايات المتحدة وكندا اللتين تضمان 5.976.000 (46.27% من يهود العالم). وإسرائيل التي تضم 4.242.500(32.85% من يهود العالم). وجنوب أفريقيا التي تضم 100.000 (0.8%)والبرازيل والأرجنتين وبقية دول أمريكا اللاتينية 382.000 (2.9%). ويمكن أن نضيف كذلك أستراليا ونيوزيلندا التي تضم 94.600(0.7%). أي أن الجماعات اليهودية مرتبطة بأوربا وبتجربتها الاستيطانية جغرافيا وتاريخيا. إذ يوجد في هذه البلاد 91% من يهود العالم. وكذلك فإن الدياسبورا اليهودية، أي انتشار أعضاء الجماعات في أنحاء العالم، ليست انتشارا عشوائيا وإنما هو انتشار يصاحب انتشار التشكيل الاستعماري الغربي، خصوصا في جانبه الاستيطاني. وبالتالي، فإن إسرائيل لا تشكل استثناء من القاعدة بل هي جزء من نمط غربي عالمي. وارتفاع الدخول ليس منفصلا تماما عن العنصر الاستيطاني إذ أن التجربة الغربية الاستيطانية كانت تهدف أساسا إلى حل المشاكل الاقتصادية للمجتمعات الغازية وكانت إحدى أهم المشاكل هي الفائض البشري. وقد كان المجتمع الغربي ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية استيطانية نافعة فتحركوا أو تم تحريكهم داخل هذا الإطار.
وفيما يلي توزع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في الوقت الحاضر حسب إحصاءات 1992:
الأمريكتان:
- الشمالية :
الدولة / عدد السكان / عدد اليهود / نسبة اليهود إلى نسبة السكان في الألف
كندا / 27.755.000 / 356.000 / 12.8
الولايات المتحدة/ 257.740.000 / 5.620.000 / 21.8
المجموع / 285.595.000 / 5.976.000 / 20.9
ـ الوسطى:
الأنتليز الهولندية / 175000 400 / 2.3
بنما / 2563000 / 5000 / 2.0
بورتوريكو / 3626000 / 1500 / 0.4
جامايكا / 2495000 / 300 / 0.1
جزر البهاما / 268000 / 300 / 1.1

(4/123)


--------------------------------------------------------------------------------

جواتيمالا / 100298000 / 800 / 0.1
الدومينكان / 7621000 / 100 / --
فيرجن أيلاند / 107000 / 300 / 2.8
كوبا / 10907000 / 700 / 0.1
كوستاريكا / 3270000 / 2000 / 0.6
المكسيك / 89998000 / 40000 / 0.4
بلاد أخرى / 25330000 / 300 / --
المجموع / 156.389.000 / 51.700 / 0.3
- الجنوبية:
الأرجنتين / 33487000 / 211000 / 6.3
إكوادور / 11310000 / 900 / 0.1
أوروجواي / 3149000 23800 / 7.6
باراجواي / 4643000 / 900 / 0.2
البرازيل / 156578000 / 100000 / 0.6
بوليفيا / 7705000 / 700 / 0.1
بيرو / 22913000 / 3000 / 0.1
سورينام / 446000 / 200 / 0.4
شيلي / 13813000 / 15000 / 1.1
فنزويلا / 20618000 / 20000 / 1.0
كولومبيا / 33985000 / 6500 / 0.2
المجموع /308674000 / 382000 / 1.2
مجموع الامريكتين /750631 / 6409700 / 8.53
أستراليا ونيوزيلاندا:
أستراليا / 17843000/ 90000 / 5.0
نيوزيلندا / 3487000 / 4500 / 1.3
بلاد أخرى / 6617000 / 100 / --
المجموع /27947000 / 94600/ 3.4
آسيا:
اسرائيل / 5195900 / 4242500 / 816.5
الدول الآسيوية في الاتحاد السوفيتي (سابقا):
أذربيجان / 7200000 / 21000 / 2.9
أرمينيا / 3500000 / 300 / 0.1
أوزبكستان / 21600000 / 45200 / 2.1
تركمانيا / 4000000 / 1900 / 0.5
جورجيا / 5500000 / 18000 / 3.3
طاجكستان 5700000 / 5000 / 0.9
كازاخستان / 17200000 / 14500 / 0.8
قرغيزيا / 4600000 / 3700 / 0.8
المجموع / 69300000 / 109600 / 1.6
بلاد آسيوية أخرى:
إيران / 63180000 / 16000 / 0.3
تايلاند / 56868000 / 200 / --
سنغافورة / 2798000 / 300 / 0.1
سوريا / 13762000 / 1200 / 0.1
العراق / 19918000 / 200 / --
الفلبين / 66543000 / 100 / --
كوريا الجنوبية / 44508000 / 100 / --
الهند / 896567000 / 4500 / --
هونج كونج / 5845000 / 1000 / 0.2
اليابان / 124959000 / 1000 / --
اليمن // 12977000 / 1600 / 0.1

(4/124)


--------------------------------------------------------------------------------

بلاد أخرى / 1918506100 / 300 / --
المجموع / 3226431100 / 26500 / --
المجموع للبلاد الاسيوية /3300927000 / 4378600 / 1.3
أفريقيا:
إثيوبيا / 54628000 / 1500 / --
تونس / 8579000 / 2000 / 0.2
الجزائر / 19590000 / 300 / --
جنوب أفريقيا / 40774000 / 100000 / 2.5
زائير / 41166000 / 400 / --
زامبيا / 8885000 / 300 / --
زمبابوي / 10898000 / 1000 / 0.1
كينيا / 26090000 / 400 / --
مصر / 56060000 / 200 / --
بلاد أخرى / 427990000 / 1000 / --
المجموع / 66857000 / 106700 / 1.6
أوربا:
الجماعة الأوربية:
إسبانيا / 39153000 / 12000 / 0.3
ألمانيا / 80606000 / 50000 / 0.6
أيرلندا / 3481000 / 1800 / 0.5
إيطاليا / 57826000 / 31000 / 0.5
البرتغال / 9870000 / 300 / --
بلجيكا / 10010000 / 31800 / 3.2
الدنمارك / 5169000 / 6400 / 1.2
فرنسا / 57379000 / 530000 / 9.2
لكسمبورج / 380000 / 600 / 1.6
المملكة المتحدة /58039000 / 298000 / 5.1
هولندا / 15270000 / 25600 / 1.7
اليونان / 10208000 / 4800 / 0.5
المجموع / 347391000 / 992300 / 2.9
باقي دول أوربا الغربية:
جبل طارق / 31000 / 600 / 19.4
السويد / 8692000 / 15000 / 1.7
سويسرا / 6862000 / 19000 / 2.8
فنلندا / 5020000 / 1300 / 0.3
النرويج / 4310000 / 1000 / 0.2
النمسا / 7805000 / 7000 / 0.9
بلاد أخرى / 771000 / 100 / 0.1
المجموع 33491000 / 44000 / 1.3
الدول الأوربية في الاتحاد السوفيتي (سابقا):
إستونيا / 1600000 / 3400 / 2.1
أوكرانيا / 51900000 / 276000 / 5.3
روسيا / 149000000 / 415000 / 2.8
روسيا البيضاء / 10300000 / 46000 / 4.5
لاتفيا / 2600000 / 13500 / 5.2
ليتوانيا / 3800000 / 65000 / 1.7
مولدافيا / 4400000 / 19400 / 4.4
المجموع / 223600000 / 779800 / 3.5
أوربا الشرقية:
بلغاريا / 8926000 / 1900 / 0.2
البوسنة والهرسك/ 4000000 / 300 / 0.1

(4/125)


--------------------------------------------------------------------------------

بولندا / 38518000 / 3600 / 0.1
تركيا / 59577000 / 19500 / 0.3) بما فى ذلك المناطق الآسيوية(
تشيك / 10300000 / 3.800 / 0.4
رومانيا / 23377000 / 16000 / 0.7
سلوفاكيا / 5300000 / 3800 / 0.7
سلوفينيا / 2000000 / 100 / --
كرواتيا / 4400000 / 1400 / 0.3
المجر / 10493000 / 56000 / 5.3
يوغوسلافيا / 9800000 / 1700 / 0.2
المجموع / 176691000 / 108100 / 0.6
المجموع الكلي لاوربا /781173000 / 1924200 / 2.5
ويلاحظ أنه توجد دولتان اثنتان (الولايات المتحدة وإسرائيل) تضمان الغالبية الساحقة من يهود العالم (75%). ولا يزيد عدد اليهود عن نصف مليون إلا في دولة واحدة (فرنسا). وينقص عن النصف مليون في دولة أخرى (روسيا)، وتوجد دولتان (جنوب أفريقيا والبرازيل) يزيد عدد اليهود في كل منهما على مائة ألف. وباستثناء المجر وفيها 56 ألفا، والمكسيك ويوجد فيها 40 ألفا، لا توجد دولة واحدة أخرى يزيد فيها عدد اليهود على 35 ألفا. ففي بلجيكا يوجد 31.800، وفي إيطاليا 31.000، وفي أوروجواي 23.800، وفي رومانيا 16.000.
ويلاحظ أن جميع الدول السابقة تنتمي أيضا إلى التشكيل العرقي الأبيض أو التشكيل الاستيطاني ذي الجذور الغربية البيضاء. والواقع أن كل هذا يدعم رأينا الخاص بأن اليهود لا يوجدون في العالم بأسره وإنما ضمن تشكيل محدد، وأن وجودهم في بعض الدول أقرب إلى الغياب ولا يمكن أخذه في الاعتبار من الناحية الإحصائية، فلا يمكن أن نتحدث عن الوجود اليهودي في الهند حيث لا يوجد بها إلا نحو 4.500 يهودي، أو الوجود اليهودي في اليونان حيث يوجد 4.800 يهودي، أو بولندا وفيها 3.600 يهودي، أو النرويج التي يوجد فيها ألف يهودي، أو زائير التي يوجد فيها 400 يهودي، أو الفلبين وفيها 100 يهودي، أو بورما حيث يوجد عشرون يهوديا وحسب.

(4/126)


--------------------------------------------------------------------------------

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:36 AM
ـ الولايات المتحدة الأمريكية:
أ) يضم الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (1991) دراسة عن تعداد يهود العالم. وقد رأى كاتب المقال أن يتناول موضوعه من خلال ثلاثة تعريفات أو مستويات:
ü القطاع الأساسي من السكان اليهود (بالإنجليزية: كور جويش بوبيوليشن core Jewish population) ويضم كل يهودي يعلن أنه يهودي، بغض النظر عن كون مضمون يهوديته حقيقيا أو وهميا، دينيا أو إثنيا، قويا أو ضعيفا. وعادة ما توضع هذه المجموعة مقابل القطاع الهامشي من السكان اليهود (بالإنجليزية: بريفيرال جويش بوبيوليشان (peripheral Jewish population، وهي تضم القطاعين التاليين:
ü القطاع الموسع من السكان اليهود (بالإنجليزية: إكستندد جويش بوبيوليشن extended Jewish population) ويضم القطاع الأساسي إلى جانب اليهود الذين تخلوا عن دينهم (وتبنوا أو لم يتبنوا دينا آخر) ولكنهم من أصل يهودي.
üü القطاع الممتد من السكان اليهود (بالإنجليزية: إنلارجد جويش بوبيوليشن enlarged Jewish population) وتضم إلى جانب القطاعين السابقين كل من يعيش في بيت يهودي (سواء أكان يهوديا أم غير يهودي).
وبطبيعة الحال، تتزايد الأعداد وتتناقص حسب المعيار المستخدم. وفي عصر وصلت فيه نسبة الزواج المختلط إلى ما يزيد على 50%، فإن القطاع الثالث يضم عددا كبيرا للغاية، مع أن تضخم هذا القطاع هو في واقع الأمر دليل على تزايد اندماج اليهود واختفائهم. وقد بلغت الحيرة بأحد المراجع حدا جعله يستخدم اصطلاح «يهودي بشكل أو آخر» «يهودي بشكل ما» (بالإنجليزية: جويش إن سم ويي Jewish in some way) لحل مشكلة التعريف.

(4/117)


--------------------------------------------------------------------------------

ب) نشرت مؤخرا دراسة ذكرت أن عدد يهود الولايات المتحدة هو 6.8 مليون. ثم أضافت الدراسة أن 1.2 مليون منهم يهود لا يؤمنون باليهودية ويندمجون في مجتمعهم بسرعة (ومن المؤكد أن أعدادا كبيرة منهم ينضمون للعبادات الجديدة مثل البهائية وهاري كريشنا). ومنهم 2.3مليون يمارسون عقيدة أخرى هي المسيحية، أي أنه بين 6.8 مليون يهودي يوجد 2.5 مليون يمارسون عبادات أخرى. وورد في دراسة ثانية أن عدد يهود الولايات المتحدة 8.400.000 وهو رقم أعلى بكثير من الرقم السابق. ولكن الدراسة تضيف أن من بينهم 2.70.000 من "أصول يهودية" ولا يعتبرون أنفسهم يهودا (أي أن العدد هو 5.700.000). والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إن كان هؤلاء ليسوا يهودا من منظور الشريعة اليهودية، ولا من منظور الإثنية اليهودية، ولا من منظور أنفسهم أو جيرانهم، فلماذا تضمنهم التعداد أساسا؟ وهل الهدف هو خلق إشكاليات حيث لا إشكاليات؟
جـ) من المشاكل الكبرى التي تواجه دارسي تعداد اليهود في العالم، بخاصة في الولايات المتحدة، أعضاء الزيجات المختلطة وأبناؤهم. فأحيانا، يدخل يهودي في علاقة زوجية مع طرف غير يهودي، ثم يتهود الطرف الآخر بشكل صوري، ويعتبر نفسه يهوديا إرضاء للطرف اليهودي أو لعائلته. ثم قد يصر الطرف اليهودي على أن يكون الأطفال يهودا، فيوافق الطرف غير اليهودي. ولكن ما يحدث في معظم الأحيان أن الأطفال ينشأون يهودا اسما دون أن يكونوا يهودا فعلا. ولأن اليهودية الأرثوذكسية لا تعترف بأبناء الزيجات المختلطة، أو بالمتهودين على يد حاخام إصلاحي أو محافظ، أو بمن ولد لأب يهودي، فإن هناك عددا كبيرا من اليهود في الولايات المتحدة يهود اسما وحسب، أو يهود من وجهة نظر إصلاحية أو محافظة أو إثنية، ولكنهم غير يهود من وجهة نظر أرثوذكسية.
2 ـ الاتحاد السوفيتي:
ثمة مشاكل عديدة تواجه محاولة إحصاء تعداد يهود الاتحاد السوفيتي (سابقا):

(4/118)


--------------------------------------------------------------------------------

أ) كان القانون السوفيتي يعطي أعضاء الجماعات اليهودية الحق في أن يصنفوا أنفسهم كما يشاءون، فكان بوسع اليهودي من أوكرانيا أن يصنف نفسه «يهوديا» أو «أوكرانيا»، وهذا يعني أن هناك عددا كبيرا من المواطنين السوفييت كانوا من أصل يهودي ولكنهم لم يصنفوا يهودا. وقد أدى هذا إلى ظهور ما يسمى «اليهود المتخفين»، وهم المواطنون السوفييت من أصل يهودي الذين يخفون أصولهم اليهودية.
ب ) حينما فتحت أبواب الهجرة إلى إسرائيل بما كانت تتيحه من فرص للحراك الاجتماعي والطبقي ومكافأة مادية مباشرة، ومع تزايد تفكك النظام السوفيتي، أظهر كثير من هؤلاء اليهود المتخفين أصولهم اليهودية. كما أن أعدادا كبيرة من غير اليهود ممن لهم أصول يهودية قديمة للغاية (جد مدفون في موسكو، على حد قول أحد الحاخامات)، أو حتى ممن ليست لهم أصول يهودية على الإطلاق، ادعوا أنهم «يهود» حتى يستفيدوا من الفرص الاقتصادية المتاحة
3 ـ ألمانيا:
أ) بلغ عدد يهود ألمانيا 28.202 حسب تعداد عام 1983.
ب) بدأت بعد ذلك التاريخ حركة هجرة من الاتحاد السوفيتي، ولم تتمكن المصادر اليهودية من الحصول على أرقام محددة، ولذا تم اللجوء للتخمين. وقدر عدد المهاجرين في هذه الفترة، أو مقدار الزيادة على وجه العموم، بحوالي 11 ألفا وهذا يعني أن عدد اليهود بلغ حوالي 04 ألف يهودي.
جـ) كان يوجد 500 يهودي مسجلون في ألمانيا الشرقية.
د) ولكن كان يوجد 3500 شخص يأخذون تعويضات باعتبارهم ضحايا للاضطهاد النازي دون أن يعلنوا عن انتمائهم الديني والإثني، ولكن من المرجح أنهم من اليهود. هذا يعني في واقع الأمر أن هناك 4000 يهودي.
هـ) يضيف بعض الإحصائيين القطاع الهامشي من السكان اليهود، ويبلغ عددهم 55 ألفا، وبذا يكون مجموع أعضاء الجماعة اليهودية في واقع الأمر 100 ألف يهودي، أي أربعة أضعاف عدد اليهود في عام 1983.
4 ـ كندا:

(4/119)


--------------------------------------------------------------------------------

بلغ عدد اليهود في كندا عام 1981 حوالي 296.445. ولكن إحصاء عام 1986 لم يدخل في الاعتبار إلا الانتماء الإثني، مهملا الانتماء الديني. وبلغ عدد الذين صرحوا بأن أصلهم الإثني يهودي نحو 245.855، بينما ذكر 97.655 أن أحد أصولهم الإثنية يهودية، فكأن هناك 343.510 من «اليهود بشكل أو آخر». وقد عبر كاتب الدراسة عن شعوره بأن الرقم الذي توصل إليه والذي يضم اليهود من فئة «يهود بشكل أو آخر» غير مقنع.
5 ـ جنوب أفريقيا:
كان عدد يهود جنوب أفريقيا عام 1990 هو 114 ألفا، ولكن الإحصاء الذي أجري بعد ذلك جعل تحديد الديانة مسألة اختيارية. ولأن خمس السكان البيض لم يحددوا انتماءهم الديني، فقد انخفض تعداد اليهود إلى 59 ألفا. وحسب التقديرات الإحصائية، فإن العدد الحقيقي يتراوح بين 104.500 و 107 آلاف.
أعداد الجماعات اليهودية وتوزعها في العالم، وبعض معالمها السكانية في الوقت الحاضر (1992)
Recent (1992) Worldwide Number and Distribution of the Jewish Communities and Some of Their Demographic Features
يقدر عدد سكان العالم من اليهود طبقا لإحصاءات عام 1987 بنحو 13 مليونا (12.934.600) وصل إلى 12.936.300 عام 1992 (حسبما ورد في الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي لعام 1994). وهو يقل قليلا عن عددهم عام 1982 والبالغ 12.988.600 أو عددهم عام 1984 وهو 12.936.300(وهو ما يدل على أن يهود العالم قد وصلوا إلى نقطة الصفر في النمو). وقد تناقص هذا العدد عن عددهم في عام 1967 حيث كان 13.837.500، أي أن عدد اليهود نقص بنحو المليون في الفترة من عام 1967 حتى عام 182 دون إبادة ومن خلال تناقص طبيعي. والجماعات اليهودية موزعة في الوقت الحاضر من الناحية الجغرافية في كل أرجاء العالم على النحو التالي:
أوربا (بما في ذلك روسيا الأسيوية والبلقان وتركيا) : 1.924.200
آسيا (فلسطين المحتلة أساسا) : 4.378.600

(4/120)


--------------------------------------------------------------------------------

أفريقيا (جنوب أفريقيا أساسا) : 106.700
أمريكا الشمالية والوسطى والجنوبية (الولايات المتحدة أساسا) : 6.409.700
أستراليا ونيوزيلندا : 94.600
المجموع : 12.913.800
وأكبر تسع جماعات يهودية هي:
الدولة / عدد أعضاء الجماعة اليهودية/ نسبتهم إلى يهود العالم
الولايات المتحدة / 5.620.000 / 43.5%
إسرائيل / 4.242.500 / 32.8%
فرنسا / 530.000 / 4.1%
روسيا / 415.500 / 3.2%
كندا / 356.000 / 2.8%
بريطانيا العظمى / 298.000 / 2.3%
أوكرانيا / 276.000 / 2.1%
الأرجنتين / 211.000 / 1.6%
جنوب أفريقيا / 100.000 / 0.8%

(4/121)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا نظرنا إلى توزع أعضاء الجماعات اليهودية من منظور التشكيلات الحضارية والسياسية، فإن الصورة سوف تختلف تماما. فلو استبعدنا سكان المستوطن الصهيوني، فإن أعضاء الجماعات اليهودية يتركزون أساسا في أمريكا الشمالية حيث توجد أغلبيتهم الساحقة التي تبلغ 46.24%، وفي أوربا الغربية حيث تبلغ 14.9%، وروسيا وأوكرانيا حيث نسبتهم 5.3%، أي أن 69.8% من يهود العالم يوجدون في أمريكا الشمالية وأوربا، ويعيش معظمهم في الوقت الحالي في البلدان الناطقة بالإنجليزية (الولايات المتحدة وكندا وإنجلترا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا). ولذا، فيمكننا أن نقول إن اللغة التي يتحدث بها أعضاء الجماعات اليهودية هي الإنجليزية وليست العبرية أو اليديشية. ومن الملاحظ أن الجماعات اليهودية في أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي وأوربا آخذة في الذوبان، وأن عددهم في أمريكا اللاتينية آخذ في التناقص السريع. ولذا يمكننا التنبؤ بأن يهود العالم أو ما يقال له «الشعب اليهودي» سيصبح جزءا لا يتجزأ من الشعب الأمريكي بعد أن كان جزءا لا يتجزأ من التشكيل الاستيطاني الغربي ومن شعوب شرق أوربا. ونلاحظ في الجدول السابق، الذي يبين أكبر تسع جماعات يهودية في العالم، أن 93.2% من يهود العالم يعيشون في تسعة مراكز رئيسية ومنها الدولة الصهيونية، وأن 76.3% يعيشون في دولتين اثنتين (الولايات المتحدة وإسرائيل). ونلاحظ أن البلاد التي يوجد فيها أعضاء الجماعات اليهودية تتمتع بمستوى معيشي مرتفع ودخول مرتفعة، كما أنها تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالتشكيل العرقي الأبيض، ففي الأرجنتين، حيث توجد أعلى نسبة من البيض في أمريكا اللاتينية، توجد أيضا أعلى نسبة من اليهود.

(4/122)


--------------------------------------------------------------------------------

وهناك عنصر آخر يرتبط بالعنصر السابق وهو أن نسبة 15% من يهود العالم توجد في أوربا. وتوجد الأغلبية العظمى في دول استيطانية: الولايات المتحدة وكندا اللتين تضمان 5.976.000 (46.27% من يهود العالم). وإسرائيل التي تضم 4.242.500(32.85% من يهود العالم). وجنوب أفريقيا التي تضم 100.000 (0.8%)والبرازيل والأرجنتين وبقية دول أمريكا اللاتينية 382.000 (2.9%). ويمكن أن نضيف كذلك أستراليا ونيوزيلندا التي تضم 94.600(0.7%). أي أن الجماعات اليهودية مرتبطة بأوربا وبتجربتها الاستيطانية جغرافيا وتاريخيا. إذ يوجد في هذه البلاد 91% من يهود العالم. وكذلك فإن الدياسبورا اليهودية، أي انتشار أعضاء الجماعات في أنحاء العالم، ليست انتشارا عشوائيا وإنما هو انتشار يصاحب انتشار التشكيل الاستعماري الغربي، خصوصا في جانبه الاستيطاني. وبالتالي، فإن إسرائيل لا تشكل استثناء من القاعدة بل هي جزء من نمط غربي عالمي. وارتفاع الدخول ليس منفصلا تماما عن العنصر الاستيطاني إذ أن التجربة الغربية الاستيطانية كانت تهدف أساسا إلى حل المشاكل الاقتصادية للمجتمعات الغازية وكانت إحدى أهم المشاكل هي الفائض البشري. وقد كان المجتمع الغربي ينظر إلى اليهود باعتبارهم مادة بشرية استيطانية نافعة فتحركوا أو تم تحريكهم داخل هذا الإطار.
وفيما يلي توزع أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في الوقت الحاضر حسب إحصاءات 1992:
الأمريكتان:
- الشمالية :
الدولة / عدد السكان / عدد اليهود / نسبة اليهود إلى نسبة السكان في الألف
كندا / 27.755.000 / 356.000 / 12.8
الولايات المتحدة/ 257.740.000 / 5.620.000 / 21.8
المجموع / 285.595.000 / 5.976.000 / 20.9
ـ الوسطى:
الأنتليز الهولندية / 175000 400 / 2.3
بنما / 2563000 / 5000 / 2.0
بورتوريكو / 3626000 / 1500 / 0.4
جامايكا / 2495000 / 300 / 0.1
جزر البهاما / 268000 / 300 / 1.1

(4/123)


--------------------------------------------------------------------------------

جواتيمالا / 100298000 / 800 / 0.1
الدومينكان / 7621000 / 100 / --
فيرجن أيلاند / 107000 / 300 / 2.8
كوبا / 10907000 / 700 / 0.1
كوستاريكا / 3270000 / 2000 / 0.6
المكسيك / 89998000 / 40000 / 0.4
بلاد أخرى / 25330000 / 300 / --
المجموع / 156.389.000 / 51.700 / 0.3
- الجنوبية:
الأرجنتين / 33487000 / 211000 / 6.3
إكوادور / 11310000 / 900 / 0.1
أوروجواي / 3149000 23800 / 7.6
باراجواي / 4643000 / 900 / 0.2
البرازيل / 156578000 / 100000 / 0.6
بوليفيا / 7705000 / 700 / 0.1
بيرو / 22913000 / 3000 / 0.1
سورينام / 446000 / 200 / 0.4
شيلي / 13813000 / 15000 / 1.1
فنزويلا / 20618000 / 20000 / 1.0
كولومبيا / 33985000 / 6500 / 0.2
المجموع /308674000 / 382000 / 1.2
مجموع الامريكتين /750631 / 6409700 / 8.53
أستراليا ونيوزيلاندا:
أستراليا / 17843000/ 90000 / 5.0
نيوزيلندا / 3487000 / 4500 / 1.3
بلاد أخرى / 6617000 / 100 / --
المجموع /27947000 / 94600/ 3.4
آسيا:
اسرائيل / 5195900 / 4242500 / 816.5
الدول الآسيوية في الاتحاد السوفيتي (سابقا):
أذربيجان / 7200000 / 21000 / 2.9
أرمينيا / 3500000 / 300 / 0.1
أوزبكستان / 21600000 / 45200 / 2.1
تركمانيا / 4000000 / 1900 / 0.5
جورجيا / 5500000 / 18000 / 3.3
طاجكستان 5700000 / 5000 / 0.9
كازاخستان / 17200000 / 14500 / 0.8
قرغيزيا / 4600000 / 3700 / 0.8
المجموع / 69300000 / 109600 / 1.6
بلاد آسيوية أخرى:
إيران / 63180000 / 16000 / 0.3
تايلاند / 56868000 / 200 / --
سنغافورة / 2798000 / 300 / 0.1
سوريا / 13762000 / 1200 / 0.1
العراق / 19918000 / 200 / --
الفلبين / 66543000 / 100 / --
كوريا الجنوبية / 44508000 / 100 / --
الهند / 896567000 / 4500 / --
هونج كونج / 5845000 / 1000 / 0.2
اليابان / 124959000 / 1000 / --
اليمن // 12977000 / 1600 / 0.1

(4/124)


--------------------------------------------------------------------------------

بلاد أخرى / 1918506100 / 300 / --
المجموع / 3226431100 / 26500 / --
المجموع للبلاد الاسيوية /3300927000 / 4378600 / 1.3
أفريقيا:
إثيوبيا / 54628000 / 1500 / --
تونس / 8579000 / 2000 / 0.2
الجزائر / 19590000 / 300 / --
جنوب أفريقيا / 40774000 / 100000 / 2.5
زائير / 41166000 / 400 / --
زامبيا / 8885000 / 300 / --
زمبابوي / 10898000 / 1000 / 0.1
كينيا / 26090000 / 400 / --
مصر / 56060000 / 200 / --
بلاد أخرى / 427990000 / 1000 / --
المجموع / 66857000 / 106700 / 1.6
أوربا:
الجماعة الأوربية:
إسبانيا / 39153000 / 12000 / 0.3
ألمانيا / 80606000 / 50000 / 0.6
أيرلندا / 3481000 / 1800 / 0.5
إيطاليا / 57826000 / 31000 / 0.5
البرتغال / 9870000 / 300 / --
بلجيكا / 10010000 / 31800 / 3.2
الدنمارك / 5169000 / 6400 / 1.2
فرنسا / 57379000 / 530000 / 9.2
لكسمبورج / 380000 / 600 / 1.6
المملكة المتحدة /58039000 / 298000 / 5.1
هولندا / 15270000 / 25600 / 1.7
اليونان / 10208000 / 4800 / 0.5
المجموع / 347391000 / 992300 / 2.9
باقي دول أوربا الغربية:
جبل طارق / 31000 / 600 / 19.4
السويد / 8692000 / 15000 / 1.7
سويسرا / 6862000 / 19000 / 2.8
فنلندا / 5020000 / 1300 / 0.3
النرويج / 4310000 / 1000 / 0.2
النمسا / 7805000 / 7000 / 0.9
بلاد أخرى / 771000 / 100 / 0.1
المجموع 33491000 / 44000 / 1.3
الدول الأوربية في الاتحاد السوفيتي (سابقا):
إستونيا / 1600000 / 3400 / 2.1
أوكرانيا / 51900000 / 276000 / 5.3
روسيا / 149000000 / 415000 / 2.8
روسيا البيضاء / 10300000 / 46000 / 4.5
لاتفيا / 2600000 / 13500 / 5.2
ليتوانيا / 3800000 / 65000 / 1.7
مولدافيا / 4400000 / 19400 / 4.4
المجموع / 223600000 / 779800 / 3.5
أوربا الشرقية:
بلغاريا / 8926000 / 1900 / 0.2
البوسنة والهرسك/ 4000000 / 300 / 0.1

(4/125)


--------------------------------------------------------------------------------

بولندا / 38518000 / 3600 / 0.1
تركيا / 59577000 / 19500 / 0.3) بما فى ذلك المناطق الآسيوية(
تشيك / 10300000 / 3.800 / 0.4
رومانيا / 23377000 / 16000 / 0.7
سلوفاكيا / 5300000 / 3800 / 0.7
سلوفينيا / 2000000 / 100 / --
كرواتيا / 4400000 / 1400 / 0.3
المجر / 10493000 / 56000 / 5.3
يوغوسلافيا / 9800000 / 1700 / 0.2
المجموع / 176691000 / 108100 / 0.6
المجموع الكلي لاوربا /781173000 / 1924200 / 2.5
ويلاحظ أنه توجد دولتان اثنتان (الولايات المتحدة وإسرائيل) تضمان الغالبية الساحقة من يهود العالم (75%). ولا يزيد عدد اليهود عن نصف مليون إلا في دولة واحدة (فرنسا). وينقص عن النصف مليون في دولة أخرى (روسيا)، وتوجد دولتان (جنوب أفريقيا والبرازيل) يزيد عدد اليهود في كل منهما على مائة ألف. وباستثناء المجر وفيها 56 ألفا، والمكسيك ويوجد فيها 40 ألفا، لا توجد دولة واحدة أخرى يزيد فيها عدد اليهود على 35 ألفا. ففي بلجيكا يوجد 31.800، وفي إيطاليا 31.000، وفي أوروجواي 23.800، وفي رومانيا 16.000.
ويلاحظ أن جميع الدول السابقة تنتمي أيضا إلى التشكيل العرقي الأبيض أو التشكيل الاستيطاني ذي الجذور الغربية البيضاء. والواقع أن كل هذا يدعم رأينا الخاص بأن اليهود لا يوجدون في العالم بأسره وإنما ضمن تشكيل محدد، وأن وجودهم في بعض الدول أقرب إلى الغياب ولا يمكن أخذه في الاعتبار من الناحية الإحصائية، فلا يمكن أن نتحدث عن الوجود اليهودي في الهند حيث لا يوجد بها إلا نحو 4.500 يهودي، أو الوجود اليهودي في اليونان حيث يوجد 4.800 يهودي، أو بولندا وفيها 3.600 يهودي، أو النرويج التي يوجد فيها ألف يهودي، أو زائير التي يوجد فيها 400 يهودي، أو الفلبين وفيها 100 يهودي، أو بورما حيث يوجد عشرون يهوديا وحسب.

(4/126)


--------------------------------------------------------------------------------

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:38 AM
وتشكل الجماعات اليهودية قلة سكانية بالنسبة إلى سكان العالم، وهم كذلك أقلية صغيرة قياسا إلى حجم السكان في الدول التي يوجدون فيها. فأكبر تجمع يهودي في العالم في الولايات المتحدة لا يشكل سوى 2.18% من مجموع السكان البالغ عددهم 257.840.000 حسب إحصاءات عام 1992. وثاني تجمع يهودي في العالم كان يتركز في الاتحاد السوفيتي (سابقا)، وهو بدوره لا يشكل سوى 1.07% من مجموع السكان البالغ عددهم 267.516.000. أما في كندا، فإن النسبة هي 1.28% من مجموع السكان البالغ عددهم 26.755.000. وتقل النسبة في البلاد الأوربية الأخرى، فهم في فرنسا مثلا لا يشكلون سوى 0.92 % من مجموع السكان البالغ عددهم 57.379. أما في إنجلترا فإنها 0.51% من مجموع السكان البالغ عددهم 58.039.000، وفي روسيا 0.28% من مجموع 149.000.000، وفي أوكرانيا 0.53% من مجموع 51.900.000.
ولا يشكل اليهود أغلبية إلا في إسرائيل وحدها، ومع هذا فإنهم يحسون بإحساس الأقلية نظرا لوجودهم في صورة مجتمع استيطاني منعزل داخل الكثافة السكانية العربية، ولخوفهم الدائم من العرب الموجودون في فلسطين. وبعد ضم الضفة الغربية وقطاع غزة، وتكاثر العرب مقابل تناقص الهجرة، وتزايد النزوح بين المستوطنين، وعقم الأنثى اليهودية في إسرائيل، فإن العرب سيصبحون هم الأغلبية العددية لا النفسية وحسب، وهذا ما يسمى «مشكلة إسرائيل السكانية».

(4/127)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن الظواهر التي تستحق الإشارة، تركز اليهود في العواصم والمدن الكبرى. فالواقع أن حوالي نصف مجموع يهود أمريكا اللاتينية (200 ألف) يوجدون في بوينس أيريس، وأكثر من نصف يهود جنوب أفريقيا (63 ألفا) يوجدون في جوهانسبرج، وأكثر من نصف يهود فرنسا (350 ألفا) في باريس، وأكثر من نصف يهود إنجلترا (200 ألف) يوجدون في منطقة لندن الكبرى، وأكثر من نصف يهود هولندا (15 ألفا) في أمستردام، وأكثر من نصف يهود كندا في مونتريال (100 ألف) وتورنتو (175 ألفا)، وثلث يهود روسيا (200 ألف) يوجد في موسكو. أما في الولايات المتحدة، فهناك خمس مدن تضم أكثر من نصف يهود الولايات المتحدة إذ تضم نيويورك (الكبرى) 1.450.000 ولوس أنجلوس 490.000 وفيلادلفيا 254.000 وشيكاغو (الكبرى) 248.000 وبوسطن 208.000 وواشنطن (الكبرى) 165.000وميامي 199.000. والواقع أن توزعهم على كل هذه المدن، بدلا من تركزهم في العاصمة، هو انعكاس للتركيبة الفيدرالية للولايات المتحدة. وإذا كان نصف الجماعات اليهودية يتركز في كثير من البلاد في العاصمة، فإن النصف الثاني يوجد موزعا على مدن كبرى أخرى، أي أن الأغلبية العظمى من الجماعات اليهودية توجد في مراكز حضرية. وهذا أمر متوقع باعتبار أنهم عملوا كجماعة وظيفية وسيطة في الحضارة الغربية كما أنهم مهاجرون إلى البلاد التي يوجدون فيها. والمهاجرون يتركزون عادة في المدن حيث توجد فرص أكبر للعمل، وحيث توجد مراكز التجارة والمال. ولم يكن الحال مختلفا في العالم العربي، فقد تركزت أغلبية يهود لبنان في بيروت كما تركز يهود مصر في القاهرة بحي المعادي وحي الظاهر. وتتركز المعابد اليهودية بشكل ملحوظ في العواصم، فمثلا يوجد في القاهرة والإسكندرية عدة معابد، ويقع أحد معابد القاهرة في شارع عدلي على مقربة من البنوك ومراكز التجارة. كما يوجد معبد يهودي في الإسكندرية في شارع النبي دانيال على مقربة

(4/128)


--------------------------------------------------------------------------------

أيضا من بنوك الإسكندرية وعلى بعد خطوات من الغرفة التجارية. ومن المعروف أن 98% من العاملين بالبورصة في مصر كانوا من أعضاء الجماعة اليهودية. وفي تصورنا أن هذا الوضع هو نتيجة الاستعمار الغربي والهجرة الإشكنازية إلى العالم العربي في أواخر القرن الماضي والتي وسمت معظم الجماعات اليهودية العربية في بلاد المتوسط (مصر والجزائر والمغرب ولبنان وسوريا) بميسمها بحيث تحول أعضاء الجماعات إلى جماعات وسيطة للاستعمار الغربي. كما يلاحظ (مثلا) أن يهود اليمن الذين ظلوا بمنأى عن الهجرة الإشكنازية، ظلوا محتفظين ببنائهم الطبقي القبلي وبوجودهم في الجبال. أما في العراق، فإن يهود كردستان الذين ظلوا بمنأى عن هذه التحولات، لم يستقروا في المدن على خلاف بقية أعضاء الجماعة الذين تحولوا إلى جماعة وظيفية وسيطة وتركزوا في العاصمة وفي أعمال التجارة والمال بالذات.
ولم يشذ سكان التجمع الاستيطاني الصهيوني عن هذا الاتجاه. ففي إسرائيل، يتكدس 75% من المواطنين في المدن. ويلاحظ أن عدد أعضاء الجماعات اليهودية لا يزال آخذا في التناقص، وهو ما يطلق عليه ظاهرة موت الشعب اليهودي.
أعداد الجماعات اليهودية وتوزعها في العالم عام 1995
Current (1995) Worldwide Number and Distribution of Jewish Communities
وصلت الإحصاءات الخاصة بتعداد اليهود في العالم عام 1995 والموسوعة ماثلة للطبع (المصدر: المسح الديموجرافي وتقارير الجماعات اليهودية إلى المؤتمر اليهودي العالمي)، وقد وجدنا أن الصورة العامة لم تختلف كثيرا عما كانت عليه عام 1992.
وفيما يلي بعض التغيرات الأساسية:
الدولة / عام 1992 / عام 1995
الولايات المتحدة / 5620000 / 5800000
إسرائيل / 4242000 / 4420000
فرنسا / 530000 / 600000
روسيا / 415000 / 600000
أوكرانيا / 276000 / 446000
الأرجنتين / 211000 / 250000
جنوب أفريقيا / 100000 / 114000
المجر / 56000 / 80000

(4/129)


--------------------------------------------------------------------------------

مولدافيا / 19400 / 40000
روسيا البيضاء / 46000 / 34000
أوروجواى / 23800 / 30000
إيران / 16000 / 25000
أذربيجان / 21000 / 25000
ويمكن القول بأن التغيرات في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا يعتد بها، ولكن الزيادات في البلاد الأخرى تحتاج إلى وقفة. فزيادة 07 ألفا في فرنسا (أي بنسبة 13.2%) و39 ألفا في الأرجنتين (بنسبة 18.48%) و24 ألفا في المجر (بنسبة 42.8%) و6 آلاف في جنوب أفريقيا (بنسبة 60%) وتسعة آلاف في إيران (بنسبة 56%) ليس لها سبب واضح، فالاتجاه العام في هذه البلاد في السنين السابقة كان نحو النقصان لا الزيادة، ولعل الزيادات هنا راجعة لاختلاف النماذج الإحصائية بين المصدر الذي استخدمه الكتاب السنوي الأمريكي اليهودي (وهو من إصدار البعثة اليهودية الأمريكية) ومصدر تعداد عام 1996 وهو تقرير أصدره المؤتمر اليهودي العالمي.
ولا ندري هل ينطبق التفسير نفسه على الزيادة الملحوظة في دول الاتحاد السوفيتي سابقا (دول الكومنولث المستقلة وغيرها من الدول)، إذ نلاحظ أن يهود روسيا زادوا 135 ألفا (حوالي 32.5%) وزاد يهود أوكرانيا 124 ألفا (حوالي 44.9%) وزاد يهود مولدوفا 10.6 آلاف (أكثر من 54.6%) بينما زاد يهود روسيا البيضاء 14 ألفا (أي بنسبة 30.4%).
ومن المحتمل أن تكون حركة عودة قد بدأت من الدولة الصهيونية، كما أن أعدادا كبيرة من يهود لاتفيا واستوانيا وليتوانيا والجمهوريات الإسلامية السابقة وطنوا فيها باعتبارهم عنصرا روسيا استيطانيا، ولعل أعدادا منهم بدأت هي الأخرى في العودة، وهناك بطبيعة الحال مشكلة تعريف اليهودي ومن يضم إلى التعداد ومن يستبعد.
وعلى كل فإن هذه القضايا ليست جوهرية ولا تغير الأنماط العامة التي درسناها. كما يلاحظ أن أعداد اليهود فى عامى 1996و 1997 لم تتغير عنه فى عام 1995.
موت الشعب اليهودي
Death of the Jewish People

(4/130)


--------------------------------------------------------------------------------

«موت الشعب اليهودي» عبارة وضعها عالم الاجتماع الفرنسي (اليهودي) جورج فريدمان. وهي تشير إلى ظاهرة تناقص أعضاء الجماعات اليهودية في العالم إلى درجة اختفاء بعض هذه الجماعات وتحول بقيتها إلى جماعات صغيرة لا أهمية لها من الناحية الإحصائية. وهذه الظاهرة ليست غريبة على أعضاء الجماعات، فعدد العبرانيين القدامى انخفض من 1.800.000 عام ألف قبل الميلاد إلى 1.100.000 خلال الفترة من عام 733 إلى عام 701 ق.م، وذلك قبل التهجير الآشوري والبابلي. وبعد التهجير البابلي، بلغ عددهم 150 ألفا.وبعد مرسوم قورش، تراوح العدد في مقاطعة يهودا بين 60 و70 ألفا.
وقد حدث انفجار سكاني في الفترة من عام 100 ق.م إلى عام 100 ميلادية حتى بلغ عدد اليهود ما بين خمسة وثمانية ملايين حسب رأي بعض المؤرخين، وإن كان هناك مؤرخون يعتقدون أن هذا العدد مبالغ فيه. ومع نهاية القرن الثاني عشر، كان عدد يهود العالم ما بين المليون والمليونين. ثم حدث في العصر الحديث الانفجار السكاني في القرن التاسع عشر حيث أدى ـ حسب بعض الإحصاءات ـ إلى تزايد عدد اليهود من 2.500.000 في أوائل القرن التاسع عشر إلى 16.724.000عشية الحرب العالمية الثانية.
ومن الواضح أن الجماعات اليهودية في العالم تمر بمرحلة بدأت في نهاية القرن التاسع عشر وتتسم بتناقص أعدادهم بسبب اختفاء العوامل التي أدت إلى تزايدهم (مثل وجود أعضاء الجماعات اليهودية في مناطق لم تنشب فيها معارك حربية، وعدم تجنيد اليهود في القوات المسلحة). وعلى العكس من ذلك ظهرت عناصر تؤدي إلى تناقص اليهود إما من خلال اختفاء أعداد منهم ممن ولدوا يهودا بالفعل أو من خلال انخفاض نسبة المواليد. ويمكن أن نورد الأسباب التالية التي تؤدي إلى اختفاء اليهود (دون حدوث مذابح أو انتشار أوبئة):

(4/131)


--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ تزايد معدلات الاندماج. فكثير من اليهود الذين يندمجون يخفون هويتهم اليهودية وانتماءهم اليهودي ويسجلون أنفسهم على أنهم غير يهود. ويبلغ عدد اليهود الذين أخفوا هويتهم في الاتحاد السوفيتي (سابقا) نحو مليون ونصف، كما يوجد الألوف من اليهود الذين هاجروا إلى أمريكا اللاتينية بشهادات تعميد مزيفة أصدرها لهم الفاتيكان أثناء الإرهاب النازي ثم آثروا أن يحتفظوا بهويتهم الجديدة.
2 ـ يلاحظ أن هناك أعدادا لا بأس بها من أعضاء الجماعات اليهودية يتنصرون أو ينخرطون في سلك العبادات الجديدة، ومن ثم يسقطون عن أنفسهم تسمية «يهودي».
3 ـ من أهم أسباب اختفاء اليهود الزواج المختلط، والذي وصل إلى درجة لم يشهدها يهود العالم من قبل. وقد بلغت معدلات الزواج المختلط ما يزيد على 50% في الولايات المتحدة والعالم الغربي على وجه العموم (بما في ذلك روسيا وأوكرانيا). بل وتصل النسبة أحيانا في روسيا وأوكرانيا إلى 80%، خصوصا في الأماكن التي توجد فيها أقليات يهودية صغيرة بعيدة عن مراكز التجمعات اليهودية الكبرى. وفي كثير من الأحيان، يسقط الزوج اليهودي في الزيجة المختلطة هويته حتى لا يسبب الحرج لزوجته، ولا شك في أن هناك من يتهود من أجل الزواج. ولكن عدد المتهودين من أجل الزواج لا يعوض عدد المتنصرين للسبب نفسه.
4 ـ يلاحظ، بتأثير حركة التمركز حول الأنثى، أن الأنثى اليهودية التي كانت تعد العمود الفقري للهويات اليهودية في الماضي، بدأت هي الأخرى تندمج في المجتمع الذي تعيش في كنفه، وذلك بمعدلات عالية تقترب من معدلات الذكور، وهي تقبل الآن على الزواج المختلط بعد أن كان ذلك مقصورا تقريبا على الذكور وحدهم. ويلاحظ أن أبناء الزواج المختلط يكونون عادة إما غير يهود أو غير مكترثين باليهودية.

(4/132)


--------------------------------------------------------------------------------

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:39 AM
ويمكننا الآن أن نتناول العوامل التي تؤدي إلى انخفاض نسبة المواليد بين أعضاء الجماعات اليهودية، مع ملاحظة أن بعض هذه الأسباب ليس مقصورا على أعضاء الجماعات اليهودية، فهي ظاهرة عامة في المجتمعات الغربية التي يقال لها «متقدمة»:
1 ـ تفشي قيم المنفعة واللذة والفردية والأنانية في المجتمعات الغربية التي يقال لها « متقدمة »، وهي قيم تتناقض مع فكرة الأسرة والزواج وإنجاب الأطفال وتنشئتهم بكل ما يتضمن ذلك من قيد على الحرية وتخل عن المتعة الحسية المباشرة.
2 ـ الزواج المتأخر. وهي ظاهرة عامة في المجتمعات الغربية التي يقال لها « متقدمة » تنجم عن تصدع مؤسسة الأسرة وامتداد الوقت الذي تستغرقه العملية التعليمية وتأخر الاستقلال الاقتصادي للأبناء.
3 ـ تزايد عدد الشواذ جنسيا في المجتمعات الغربية التي يقال لها «متقدمة » (بنسبة تصل في بعض المدن في الغرب إلى 30%)، وتوجد بينهم نسبة عالية من اليهود. ومعظم الشواذ ينتمون إلى المرحلة العمرية النشطة جنسيا، وهذا يعني أن عددا كبيرا من الذكور والإناث ينسحبون من عملية الإنجاب.
4 ـ انسحاب كثير من النساء من عملية الإنجاب في المجتمعات الغربية التي يقال لها « متقدمة » بتأثير حركة التمركز حول الأنثى التي تجعل أي نشاط أنثوي خاص (مثل الإنجاب) أمرا سلبيا أو معوقا لنشاط المرأة في الحياة العامة. ومن المعروف أن معظم قيادات هذه الحركة من اليهوديات، وأن نسبة اليهوديات المنخرطات فيها يفوق المعدل القومي.
5 ـ تفسخ الأسرة اليهودية وتزايد نسبة الطلاق، وهو ما يزيد من الإحجام عن الإنجاب.
6 ـ تركز اليهود في المدن. ومن المعروف أن المدن لم يمكنها عبر التاريخ أن تحتفظ بكثافتها السكانية من خلال التزايد الطبيعي.

(4/133)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد أدى كل هذا إلى تناقص نسبة المواليد بين أعضاء الجماعات اليهودية، وأصبحت واحدة من أقل النسب في العالم. ومن المعروف أن المطلوب هو أن تنجب الأنثى 2.1 طفل في المتوسط حتى يتسنى لأي جماعة إنسانية إعادة إنتاج نفسها بيولوجيا. والمرأة اليهودية في إسرائيل تقترب من هذا المعدل بالكاد، فهي تنجب 2.91 (وهو أقل معدل منذ تأسيس الدولة إذ وصل إلى مستواه الحالي عام 1991). لكن المرأة اليهودية في الولايات المتحدة قد تكون أقل الإناث خصوبة في العالم، فالإناث في المرحلة العمرية 35 ـ 44 ينجبن 1.57، أما في المرحلة العمرية 25 ـ 34 فإن المتوسط هو 0.87أي أقل من طفل واحد.
كما أن مستوى العناية الصحية آخذ في التحسن الأمر الذي يؤدي إلى زيادة معدلات العمر وإلى زيادة نسبة كبار السن وهي شريحة غير خصبة من السكان. ويلاحظ أن 16% من أعضاء الجماعات اليهودية تتجاوز أعمارهم 65 عاما، والنسبة السائدة في مجتمعاتهم هي 12%. ويصل عدد المسنين إلى 29% أحيانا. أما الأطفال حتى سن 14 عاما، فلا يشكلون سوى 15%، وستصل النسبة في عام 2025 إلى 10% فقط. وفي عام 1989، كان يهودي واحد من بين كل ستة يهود فوق سن الخامسة والستين. وبعد عشرة أعوام، سيكون هناك 720 ألف يهودي تتجاوز أعمارهم الخامسة والسبعين. والواقع أن هذه السمات ليست مقصورة على الجماعات اليهودية وإنما هي سمة عامة تسم المجتمعات الغربية التي يقال لها «متقدمة» والتي تتزايد فيها معدلات العلمنة. وعلى كل، فإن الأغلبية العظمى من يهود العالم متركزة في هذا العالم الغربي، كما أن نسبة الخصوبة بين يهود الشرق والبلاد العربية لا تختلف كثيرا عن الخصوبة في مجتمعاتهم. ومع هذا، فإن هذه الظواهر تأخذ شكلا أكثر حدة بين أعضاء الجماعات اليهودية،ربما بسبب تزايد معدلات العلمنة بينهم عن معدلها في المجتمع وكذلك لارتفاع مستواهم المعيشي.

(4/134)


--------------------------------------------------------------------------------

لكل هذا، يتنبأ الديموجرافيون بأن تعداد يهود العالم سينخفض إلى ثمانية ملايين نسمة عام 2000 في أحسن الأحوال، وإلى سبعة ملايين ونصف المليون في أسوئها، وقد يصل في عام 2025 إلى ما بين خمسة أو ستة ملايين.
ولا يمكن فصل إشكالية موت الشعب اليهودي عن التركيب السكاني لإسرائيل، فحسب آخر إحصاءات يبلغ عدد سكان إسرائيل 4.242.000 مليون(وهو رقم مبالغ فيه قليلا). كما أن هذا الرقم يضم عدد المرتدين (أي الإسرائيليين المقيمين بشكل دائم خارج إسرائيل) الذي يبلغ 600 ألف حسب التقديرات المحافظة (ومليون حسب العديد من التقديرات). أما بالنسبة للفلسطينيين فعددهم هو 3.3 مليون، وهذا يضم 900.000 فلسطيني في فلسطين التي احتلت قبل عام 1948 و2.400.000 مليون فلسطيني في الضفة والقطاع. وقد ذكرنا من قبل أن معدل خصوبة المرأة اليهودية في إسرائيل هو 2.9. أما معدل خصوبة المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية فهو 5.7، وهو في القطاع 7.9 (وتكاد تكون أعلى نسبة في العالم، وقد قال أحد المعلقين إن هذه النسبة هي أقرب إلى البيان السياسي). وهذا يعني أن عدد الفلسطينيين سيتجاوز عدد الإسرائيليين من اليهود خلال بضعة أعوام. ولا يمكن تجاوز هذا الموقف الآن خلال هجرة يهودية مكثفة وهو أمر غير متوقع، فالهجرة السوفيتية الأخيرة قد أفرغت آخر مصدر من مصادر المادة البشرية اليهودية. ولا تزال الولايات المتحدة تشكل مركز الجذب الأكبر ليهود العالم وكذلك للإسرائيليين، ومن المتوقع أن تتزايد الهجرة المضادة من إسرائيل للولايات المتحدة.

(4/135)


--------------------------------------------------------------------------------

أما بالنسبة لعلاقة يهود إسرائيل بيهود العالم، فمن المتوقع أن يرتفع عدد سكان إسرائيل من اليهود إلى أربعة ملايين ونصف المليون، أي أن 37% من يهود العالم سيكونون في الدولة الصهيونية عما قريب (كان يهود إسرائيل يشكلون 6% من يهود العالم عام 1948، و13% في عام 1955، و25% عام 1980، و27% عام 1984). ويقال إنه إذا استمر الوضع الديموجرافي الحالي (وهو أمر ليس من الصعب تصوره) فإن تعداد اليهود في إسرائيل سيكون 6.5 مليون يهودي بينما سيكون عددهم في بقية أنحاء العالم 5.5 مليون مع منتصف القرن الحادي والعشرين، أي أن معظم يهود العالم سيكونون في إسرائيل، لا بسبب الهجرة وإنما بسبب تقلص أعداد الجماعات اليهودية في الخارج.
ويتناقص تعداد اليهود لا قياسا إلى مجموع سكان دول العالم وإنما بفقدان وزنهم النسبي إلى التعداد العام في كل بلدة على حدة. ففي الفترة بين عامي 1930 و1980، ازداد مجموع سكان الولايات المتحدة بأكثر من ثلاثة أرباع في حين لم يزد عدد اليهود فيها أكثر من الثلث خلال الفترة الزمنية نفسها. وفي عام 1937، كان اليهود يشكلون 3.6% من مجموع السكان، أما في عام 1979 فقد انخفضت هذه النسبة إلى 2.7%. وإذا أضفنا إلى ذلك أن عدد الوفيات بين يهود أمريكا تزيد على عدد المواليد، وأنهم يحافظون على تحديد النسل ويكثرون من الزواج المختلط وتزداد بينهم معدلات الطلاق والانفصال، لاتضح لنا أن معدل التناقص سيأخذ في الارتفاع. والشيء نفسه ينطبق على يهود الاتحاد السوفيتي (سابقا) الذين كان تعدادهم في عام 1959 نحو مليونين و 268 ألفا وبلغ عددهم عام 1989 مليونا و400 ألف. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي، هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى إسرائيل والعالم الغربي ويتوقع هجرتهم أو تفتيتهم في محيطهم الحضاري. ولذا، يمكننا القول بأن يهود العالم ينقسمون إلى قسمين أساسيين:

(4/136)


--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ جماعة تتحدث العبرية في إسرائيل ليس لها سوى علاقة واهية بالعقيدة اليهودية أو التاريخ اليهودي (أي تواريخ الجماعات اليهودية) تعتمد في وجودها على حكومة الولايات المتحدة وتوجهها الحضاري الاستهلاكي المتأمرك. ويمكن أن نستخدم هنا اصطلاح جورج فريدمان للإشارة إلى الإسرائيليين باعتبارهم «أغيارا يتحدثون العبرية».
2 ـ جماعة يهودية في الولايات المتحدة تنقسم بدورها إلى قسمين:
أ) قلة صغيرة متمسكة بتعاليم الدين اليهودي وتحاول قدر استطاعاتها أن تنفذ تعاليمه وتفهم شعائره.
ب) أغلبية باهتة الهوية لا تمارس الشعائر الدينية وإنما تقيم بعضها باعتبارها شكلا من أشكال الفلكلور والهوية الإثنية، وهي تحاول رغم تزايد معدلات أمركتها أن تحافظ على بقايا الموروث الثقافي اليهودي الذي يعود بجذوره إلى شرق أوربا.
وهذا يعني أن الدياسبورا ستصبح أساسا الدياسبورا الأمريكية أو الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة، أي أن أعضاء الجماعات اليهودية سيصبحون جزءا لا يتجزأ من الشعب الأمريكي بعد أن كانوا جزءا لا يتجزأ من التشكيل الاستيطاني الغربي. وإذا ما أخذنا في الاعتبار اعتماد إسرائيل شبه الكامل على الولايات المتحدة، فيمكننا القول بأن يهود العالم في القرن القادم سيعيشون داخل الولايات المتحدة أو سيدورون في فلكها الحضاري والاقتصادي والسياسي.

(4/137)


--------------------------------------------------------------------------------

الجزء الثالث: يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟
الباب الأول: الجماعات الوظيفية اليهودية
يهود أم جماعات وظيفية يهودية؟
Jews or Jewish Functional Groups?
تميل معظم الدراسات التي تتناول أعضاء الجماعات اليهودية إلى النظر إليهم باعتبارهم كيانا واحدا متجانسا مستقلا، له آلياته وحركياته وأنماط تطوره الخاصة به والمقصورة عليه، والتي يمكن فهمها من خلال إدراك ما يسمى «الخصوصية اليهودية» ومن خلال دراسة ما يسمى «التاريخ اليهودي». ولكننا نرى أن كثيرا من جوانب حياة أعضاء الجماعات اليهودية لا يمكن تفسيرها إلا من خلال دراسة سياقهم التاريخي والإنساني العام، ومقارنتهم بأعضاء الأقليات (الدينية والإثنية) الأخرى.
أي أنه لفهم أعضاء الجماعات اليهودية، لابد من العودة إلى أطر ومرجعيات إنسانية عامة. ونحن نذهب إلى أن خصوصية الجماعات اليهودية هي، في واقع الأمر، خصوصيات مستمدة من المجتمعات التي تعيش أعضاء هذه الجماعات بينها، ومن ثم فهي لا تختلف عن الخصوصيات التي يتسم بها أعضاء الأقليات، كل حسب سياقه، وأنه لا توجد خصوصية يهودية (واحدة) أو جوهر يهودي أو عبقرية يهودية أو جريمة يهودية.
ولتوضيح هذا الجانب استخدمنا مجموعة من النماذج التفسيرية المتداخلة: الحلولية الكمونية ـ العلمانية (الشاملة) والإمبريالية ـ اليهودية والهوية اليهودية كتركيب أيديولوجي ـ الجماعات الوظيفية. وفي هذا المجلد من الموسوعة سنستخدم كل هذه النماذج مع التركيز على نموذج الجماعات الوظيفية.

(4/138)


--------------------------------------------------------------------------------

الجماعات اليهودية والانتماء الطبقي
Jewish Communities and Class Affiliation
كلمة «طبقة» هي المقابل العربي لكلمة «كلاس class»الإنجليزية وهي من الكلمة اللاتينية «كلاسيس classis» التي كانت تطلق على كل قسم من سكان روما حسب ملكيتهم. وقد عرفت الطبقة بأنها فئة في المجتمع تتميز عن الفئات الأخرى وفقا للتشابه في عوامل مادية ومعنوية مثل مستوى الدخل ومصادره وطبيعة المهنة ونصيب أفراده في ثروة المجتمع والقوة والسلطة الاقتصادية والمهنية. وفي المصطلح الماركسي، تعبر كلمة «طبقة» عن الأشكال الأساسية للعلاقات ذات الصلة بوسائل الإنتاج، فالطبقة الرأسمالية هي التي تتحكم في أدوات الإنتاج أما الطبقة العاملة فهي التي لا تملك شيئا سوى قوة أذرعها.
ويفرق ماكس فيبر بين الطبقة من حيث إنها تشير إلى الوضع الاقتصادي والطبقة الاجتماعية من حيث إنها تؤكد معاني النفوذ وأسلوب الحياة والتداخل الوثيق بين عناصرها، كما يميز أيضا بين الطبقة والمكانة أو ما يسمى «طبقة المكانة»، أي الطبقة التي تتكون من أشخاص على مستوى متشابه من رموز الهيبة المشتقة من طريقة الحياة أو نموذج المهنة أو الأنشطة الاجتماعية أو السلالة أو الأسرة أو أية عوامل أخرى تعتبر ذات أهمية خاصة في المجتمع.

(4/139)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا ما حاولنا تحديد الطبقة أو الطبقات التي ينتمي إليها أعضاء الجماعات اليهودية عادة، فسنجد أن هذا أمر مستحيل بطبيعة الحال، لأنهم ينتمون إلى مجتمعات مختلفة تمر بمراحل تطور مختلفة، مما يعني قدرا عاليا من عدم التجانس. وقد يمكن التوصل إلى تعميمات ما، ولكنها ستكون ذات طابع مجرد للغاية بحيث تصبح بلا قيمة تفسيرية. ولعل التعميم الوحيد الممكن هو أن أعضاء الجماعات اليهودية خاضعون للحركيات المختلفة للمجتمعات التي ينتمون إليها. ولذا، فإن العبرانيين القدامى كانوا، حتى عصر القضاة، رعاة رحلا. وبعد الاستقرار في عصر الملكية، انقسم المجتمع العبراني إلى طبقة حاكمة تضم الملك وكبار الملاك والنخبة العسكرية، وطبقات أخرى مثل الحرفيين والأرقاء. وبعد سقوط الدولة، كان منهم الفلاحون والحرفيون والجنود المرتزقة وكبار ملاك الأراضي والكهنة. وفي الصين، انضمت قيادتهم بأعداد متزايدة لطبقة الماندرين (نخبة المثقفين والعلماء التي حكمت الصين). وفي إنجلترا، في بداية القرن العشرين، كان منهم كبار الرأسماليين والبروليتاريا في آن واحد.

(4/140)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:40 AM
وأعضاء الجماعات اليهودية جزء لا يتجزأ من مجتمعاتهم، فالجماعات اليهودية تعرف الصراع الطبقي فيما بين أعضائها والذي قد يصل إلى حد التطاحن والقتال كما حدث في فلسطين إبان التمردات المختلفة ضد الحشمونيين والرومان، إذ أن أثرياء اليهود كانوا جزءا من المؤسسة اليونانية (السلوقية) أو الرومانية، ولهذا كانت الثورات تندلع ضدهم. كما أن مختلف مؤسسات الإدارة الذاتية، مثل القهال، كان يدور داخلها الصراع الطبقي وبحدة. وفي منطقة الاستيطان، كان العمال من أعضاء الجماعات اليهودية ينظمون إضرابات ضد الرأسماليين اليهود الذين كانوا يستغلونهم. كما أن الرأسماليين من أعضاء الجماعات اليهودية بدورهم كانوا يرفضون استئجار العمال اليهود حتى لا يخضعوا للضغوط الاجتماعية. وفي الولايات المتحدة قام الرأسماليون اليهود من أصول ألمانية باستغلال المهاجرين من يهود اليديشية.

(4/141)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن من الممكن الوصول إلى تعميمات ذات مقدرة تفسيرية معقولة لو تخلينا عن الرؤية البانورامية العالمية الواسعة ومفهوم الطبقة وخفضنا مستوى التعميم واقتصرنا على الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية. ويلاحظ أن انتماءات اليهود الطبقية داخل هذه الحضارة مركبة إلى أقصى حد، ومع هذا يمكن القول بأن أحد أهم الأنماط المتكررة هو نمط الجماعة الوظيفية المالية والحرفية. والجماعة الوظيفية ليست لها علاقة مباشرة بالبناء الطبقي والاجتماعي للمجتمع، إذ تقف على هامشه وتتحدد علاقتها بالدور الذي تلعبه والوظيفة التي تضطلع بها. واليهود، كجماعة وظيفية (أقنان بلاط ـ يهود بلاط ـ يهود أرندا)، كانوا هم أنفسهم أداة إنتاج في يد الحاكم، وكانت المواثيق التي يمنحها لهم تنص على أنهم ملكية خاصة له. وبهذا، لم يدخل أعضاء الجماعة اليهودية في علاقات إنتاج وإنما كانوا أداة تتحدد من خلالها علاقات الإنتاج؛ أداة لجمع الضرائب ولزيادة الفوائد على الربا. وقد كان وجود أعضاء الجماعة اليهودية داخل الجيتو، بمعزل عن بقية طبقات المجتمع، تعبيرا عن هذا الوضع الذي يتحدد من خلال الوظيفة خارج السلم الطبقي. وكان المجتمع ككل ينظر إلى أعضاء الجماعة اليهودية لا باعتبارهم أثرياء أو فقراء أو فلاحين أو نبلاء وإنما باعتبارهم مادة بشرية تضطلع بوظيفة التجارة والربا وغير ذلك من الوظائف المتميزة أو المشينة. وكان أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية، بسبب طبيعة وضعهم، يضطرون إلى التلاحم فيما بينهم، الأمر الذي كان يقلل من حدة الصراع الطبقي بين أعضاء الجماعة.

(4/142)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع ظهور الدولة الحديثة، اختفى هذا الوضع إلى حد كبير، وتم استيعاب أعضاء الجماعة داخل البناء الطبقي والاجتماعي للمجتمعات الغربية، ولم يبق سوى صدى خافت لوضعهم السابق كأعضاء في جماعة وظيفية، ويتجلى ذلك في تركزهم في صناعات ومهن بعينها دون غيرها، وفي كثير من القطاعات التي تعد هامشية مثل الإعلام والإعلان والسينما، وفي غيابهم عن قطاعات أولية مثل التعدين والزراعة.
ويمكن القول بأن عدم انتماء أعضاء الجماعات اليهودية إلى طبقة محددة، وتحولهم إلى جماعة وظيفية، هو الذي يفسر سبب عدم مساهمتهم في بناء الرأسمالية الغربية الرشيدة وسبب عدم ظهورهم حركة استعمارية يهودية مستقلة، ويفسر أيضا لماذا تعين على الاستعمار الاستيطاني الإحلالي الصهيوني أن يكون استعمارا عميلا، امتدادا للجماعة الوظيفية العميلة.
أسباب تحول بعض الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية
Reasons for the Transformation of Some Jewish Communities into Functional Groups

(4/143)


--------------------------------------------------------------------------------

يمكن تفسير ظاهرة تحول كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية بمركب من الأسباب، تاريخي واجتماعي وديني. ويمكننا أن نبدأ بالعودة إلى الدولة العبرانية القديمة، وهي دولة لم تكن تتمتع بمستوى تكنولوجي أو حضاري متقدم، ولهذا كانت غير قادرة على تشغيل كل سكانها. كما أنها كانت دولة ضعيفة غير قادرة على حمايتهم الأمر الذي أسفر عن أسر عشرات وربما مئات الألوف منهم، حيث هجروا إلى بابل وآشور فتحولوا إلى جماعات بشرية غريبة يمكن تجنيدها كمرتزقة أو مستوطنين، كما أنهم تخصصوا هناك في وظائف بعينها دون غيرها. ومما عمق هذا الاتجاه، وجود كثير من الجماعات اليهودية في الشرق الأوسط وفي حوض البحر المتوسط، وهي منطقة سيطرت عليها عديد من الإمبراطوريات، الواحدة تلو الأخرى، وكانت القوى الإمبراطورية الصاعدة تتحالف مع أعضاء الجماعات اليهودية نظرا لعدم خشيتها منهم وتجندهم في صفوفها كمرتزقة أو مستوطنين أو حتى جواسيس. وكانت فكرة الوطن الأصلي، مركز اهتمامهم الديني، تساعد على إضعاف علاقتهم بوطنهم الجديد، وعلى عزلتهم عن مجتمعاتهم، وعلى انغلاقهم على أنفسهم. وكان من الممكن أن تختفي هذه الجماعات تماما بسقوط الهيكل، ولكن الذي حدث أن فكرة الوطن الأصلي (الحنين إلى صهيون) حلت محل الوطن الأصلي ذاته، وهو ما أعطى أعضاء الجماعات اليهودية تماسكا إثنيا - ولكنه تماسك وهمي لأنه لم يعد هناك مركز قومي فعلي يحدد المعايير الدينية أو القومية. وبينما كانت الهويات اليهودية تتشكل في الواقع من خلال تشكيلات حضارية مختلفة، كان أعضاء الجماعات اليهودية يدورون في إطار فكرة الهوية اليهودية الإثنية الدينية الواحدة. وهذه التركيبة مناسبة إلى أقصى درجة للجماعات الوظيفية، ففكرة الوطن تضمن تماسكهم وعزلتهم وتجردهم اللازم للاضطلاع بوظائفهم المختلفة، بينما يساعد تكيفهم الفعلي على زيادة كفاءتهم وعلى أن يصبحوا في المجتمع دون أن

(4/144)


--------------------------------------------------------------------------------

يكونوا منه. وقد دعم تدوين التلمود هذه الازدواجية: الاستقلالية الإثنية النفسية من ناحية، والتكيف والاندماج الفعلي من ناحية أخرى. فالتلمود يضم التفاصيل الخاصة بشعائر الصلوات في الهيكل وكل التفاصيل الخاصة برداء الكاهن الأعظم والشعائر الخاصة بسنة اليوبيل والسنة السبتية، كما يضم أدق التفاصيل الخاصة بما سيحدث بعد عودة الماشيح إلى صهيون وكل الشعائر الخاصة بحياة اليهودي خارج مجتمع الأغيار، أي أن التلمود كرس عزلة أعضاء الجماعة وقننها وزود فكرة الهوية اليهودية بإطار واضح وتحول هو ذاته إلى « وطن اليهود [الوهمي] المتنقل » الذي يشكل نقطة مرجعية نفسية دون أن يكون مأوى حقيقيا لهم.

(4/145)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن أهم العوامل التي أدت إلى تحول كثير من الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، هو طبيعة المجتمع الإقطاعي في الغرب. وقد أشرنا إلى أن ظهور مثل هذه الجماعات يعود عادة إلى وجود ثغرة في المجتمع بين رغباته و حاجاته من جهة، ومقدرته على الوفاء بها من جهة أخرى. وقد كانت مثل هذه الثغرة قائمة في المجتمع الإقطاعي الغربي، حيث كان يوجد نبلاء وفرسان من ناحية وفلاحون من ناحية أخرى. وكان النشاطان الأساسيان هما القتال والزراعة، أما القتال فكان مغلقا تماما بالنسبة لأعضاء الجماعات اليهودية لأنها وظيفة كانت مرتبطة تمام الارتباط بطبيعة المجتمع الاقطاعي الغربي المسيحية. ورغم أن الزراعة كانت بديلا مفتوحا أماما أعضاء الجماعات اليهودية إلا أنه تم استبعادهم منها تدريجيا لأسباب سنبينها في مدخل آخر (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة»). أما بخصوص النشاطات التجارية والمالية وبعض الحرف فكانت نشاطات هامشية وأحيانا وضيعة تحتاج لعنصر محايد غريب للاضطلاع بها. وقد قامت كل من المدن المختلفة وأعضاء الجماعات اليهودية بسد هذه الثغرة. لكن بينما كان اندماج المدن في الاقتصاد القومي يتزايد على مر الأيام، حتى أصبحت جزءا عضويا منه وقامت بتغييره وقيادته في نهاية الأمر، كانت غربة أعضاء الجماعات اليهودية وعزلتهم وانفصالهم تتزايد، وكان وضعهم كجماعة وظيفية غير ملتحمة بالاقتصاد الوطني يتعمق. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون، في كثير من الأحيان، الأقلية الوحيدة. وقد ساهمت عمليات الطرد المختلفة (التي استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر ووصلت إلى ذروتها مع وعد بلفور) في تدعيم هوياتهم كجماعات وظيفية لا تضرب بجذورها في أية رقعة جغرافية. ثم ظهرت الإمبريالية الغربية والاستعمار الاستيطاني، وكان أعضاء الجماعات اليهودية من أهم العناصر المهاجرة، فانتقلت كتلتهم البشرية من شرق أوربا إلى الولايات المتحدة وبعض

(4/146)


--------------------------------------------------------------------------------

الدول الاستيطانية الأخرى. وعادة ما تتحول جماعات المهاجرين إلى جماعات وظيفية.
علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة
Relationship between Jewish Communities and Agriculture
من أهم أسباب تحول الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية علاقتهم بالزراعة وملكية الأرض الزراعية، ومن ثم فإن العرض التاريخي لتطور هذه العلاقة يلقي الضوء على آليات تكون الجماعة الوظيفية. كان العبرانيون، في الأساس، شعبا من البدو الرعاة. ولكن، بعد استقرارهم في كنعان، تحولت أعداد منهم من الرعي إلى العمل بالزراعة. ويبدو أن عبارة «أرض اللبن والعسل» هي إشارة إلى اختلاط وظائفهم: فاللبن هو إشارة إلى مهنة الرعي. أما العسل، الذي يتطلب إنتاجه الاستقرار ومعرفة عالم الحيوان والنبات، فهو يرمز إلى الزراعة. وقد جاء في كل من التوراة والتلمود تعليمات كثيرة بشأن زراعة الأرض وتقديم القرابين في مواسم الحصاد.

(4/147)


--------------------------------------------------------------------------------

وكانت الزراعة، في بادئ الأمر، بدائية تعتمد على مياه الأمطار والينابيع. ولكن العبرانيين أخذوا يتعلمون مهنة الزراعة بالتدريج من الكنعانيين. ولعل هذا هو الذي أدى إلى الابتعاد عن يهوه (إله الصحراء والرعي) والاقتراب من بعل (إله الزراعة والخصب)، بحيث أصبحت عقيدتهم خليطا من التوحيد اليهودي والتعددية البعلية. وكانت ملكية الأرض محدودة، ولم تظهر إقطاعيات زراعية ضخمة في بادئ الأمر. ولهذا، نجد أن الملاك الزراعيين كانوا يعملون هم أنفسهم بالزراعة لصغر ملكياتهم. ثم ظهرت بالتدريج طبقة صغيرة من كبار (الملاك) الزراعيين، وطبقة كبيرة من الفلاحين المعدمين. وبدلا من الزراعة العائلية، ظهرت الضياع الكبيرة التي يعمل فيها هؤلاء المعدمون. ولعل ظهور مؤسسة الملكية كان تعبيرا عن هذا الوضع وتكريسا له، فهي مؤسسة كان لها بيروقراطيتها الكهنوتية والعسكرية والمهنية، وكان القائمون عليها يستولون على ريع الأراضي وعلى المحاصيل فيزدادون ثراء وتتركز الملكية الزراعية في أيديهم، وقد انتهت هذه المرحلة بهدم الهيكل على يد نبوختنصر.
وعند عودة المهجرين من بابل، وجدوا أن الأرض الزراعية قد أقفرت. ومن ثم أصبح النمط السائد هو الزراعة العائلية، ولكن بدأت تظهر مرة أخرى طبقتان: أقلية من كبار ملاك الأراضي، وأغلبية ساحقة من الفلاحين المعدمين. إلا أنه يلاحظ هذه المرة بداية التشققات الحضارية التي ساهمت في القضاء على الوجود العبراني في فلسطين، إذ أن كبار ملاك الأراضي كانوا يتبنون ثقافة الإمبراطورية الحاكمة فتأغرقوا في العصر الهيليني وتحولوا إلى جماعة وظيفية تجمع الضرائب من الفلاحين لصالح الدولة الحاكمة وتشتغل بالتجارة المحلية والدولية ليصبحوا مستوعبين تماما في البنية الإدارية والثقافية للإمبراطورية، بينما ظل الريف زراعيا ساميا آراميا.

(4/148)


--------------------------------------------------------------------------------

وهذا يعني، في الواقع، أن غالبية اليهود في فلسطين كانوا يعملون بالزراعة، وذلك على عكس يهود الإسكندرية وبرقة، الذين كانوا جماعات وظيفية استيطانية أو قتالية أو مالية. وقد أدى الاستقطاب الطبقي والثقافي في فلسطين إلى التمرد الحشموني ثم التمردين الأول والثاني ضد الرومان. وقد أخمدت كل هذه التمردات مما عجل بانتشار اليهود على هيئة جماعات وظيفية.
وفي العصور الوسطى في الغرب، على عكس ما هو شائع، كان من حق اليهود في كثير من بقاع أوربا امتلاك الأراضي الزراعية. ولكن بدءا من القرن الثالي عشر الميلادي، ضاقت الرقعة الزراعية في أوربا وظهرت قوانين تمنع اليهود (والأديرة والكنائس) من ملكية الأرض. وربما شكل اليهود بالذات خطرا على الرقعة الزراعية لأنهم عنصر تجاري متحرك، ولذا ظهر الخوف من أن يحوز اليهودي أرضا زراعية وهو غريب متنقل، فتنتقل ملكيتها إلى غرباء ويصب ريعها خارج الإمارة التي توجد فيها الأرض.
وكان محرما على أعضاء الجماعات اليهودية استئجار أرقاء مسيحيين لزراعة الأرض. وفي الوقت نفسه، حرمت عليهم الشريعة اليهودية استئجار أرقاء يهود، الأمر الذي جعل الملكية الزراعية شيئا غير مثمر بالنسبة لليهودي. كما أن تحريم العمل على اليهودي في يوم السبت وتحريمه على المسيحيين يوم الأحد، جعل من المستحيل التعاون بينهما لأن هذا يعني إجازة أسبوعية مدتها يومان، مما جعل النشاط الزراعي غيرمربح، بل مستحيلا، في بعض الأحيان. ويبدو أن الطبيعة الطائفية للجماعة اليهودية، وضرورة القيام بالشعائر الدينية، جعلت من الأفضل لليهود الإبقاء على الصلات الدائمة فيما بينهم للقيام بالشعائر التي لا يسهل القيام بها في ظروف الوحدات الريفية المتباعدة. وقد أوجد هذا البنيان المتميز اتجاها بين القادمين الجدد للبقاء في التجمعات التي أقامها أبناء ملتهم.

(4/149)


--------------------------------------------------------------------------------

كل هذه الأوضاع اضطرت أعضاء الجماعات اليهودية لبيع أراضيهم الزراعية، وصدرت التشريعات التي تحرم عليهم امتلاكها فزاد تركزهم في التجارة وتبلور وضعهم كجماعة وظيفية تجارية أو مالية.
ومع حلول القرن الثالث عشر الميلادي، أصبح ذلك هو الوضع القانوني والاقتصادي لمعظم الجماعات اليهودية في أوربا الإقطاعية. لكن هذا لم يكن يعني عدم وجود فلاحين يهود يعملون بالزراعة، فقد كان يوجد، في البلقان وبلاد الخزر والصين وبولندا وإسبانيا المسيحية، يهود يعملون بهذه المهنة.
أما العالم الإسلامي، فلم يحدث فيه، في تلك الفترة، تمايز وظيفي أو اقتصادي كبير لأعضاء الجماعة اليهودية عن بقية السكان، وإن كان يلاحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية فيه لم يعملوا بأعداد كبيرة في الزراعة. والجدير بالملاحظة أن كثيرا من التجار والممولين اليهود كانت لهم علاقة بالقطاع الزراعي، لا كمزارعين وإنما كتجار وجامعي ضرائب. فنظام الأرندا هو في جوهره نظام لتأجير الأراضي الزراعية. كما أن ارتباط اليهود ببيع الخمور هو نتيجة علاقتهم بالقطاع الزراعي. فضلا عن أن كثيرا من التجار اليهود كانوا يتاجرون في المحاصيل الزراعية.
وثمة نظرية تذهب إلى أن بقاء اليهود واستمرارهم هو نتيجة عدم اشتغالهم بالزراعة. فحينما يبتعد أعضاء الجماعات اليهودية عن الزراعة فإنهم يتحولون عادة إلى جماعة وظيفية يتم عزلها ثقافيا وفعليا عن المجتمع، ومن ثم تتطور لها هوية مستقلة الأمر الذي يضمن استمرارها. هذا على عكس وضع أعضاء الجماعات اليهودية حينما يعملون بالزراعة، فهم يختلطون بالسكان ويكتسبون ملامحهم وخطابهم الحضاري ويذوبون فيهم، ومن ثم فإن الفارق بين القبائل العبرانية التي هجرت إلى أشور وانصهرت واختفت وتلك التي هجرت إلى بابل وبقيت هو أن الأولى عملت بالزراعة فذابت واختفت أما الثانية فقد اشتغل بعض أعضائها بالتجارة فتم عزلهم وتحقق استمرارهم.

(4/150)


--------------------------------------------------------------------------------

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:41 AM
ولم تنقطع صلة الممولين اليهود بالقطاع الزراعي في العصر الحديث، فكثير منهم استثمروا أموالهم باعتبارهم جزءا من الرأسمالية الغربية الناشئة. وكان كثير من أصحاب الضياع الكبيرة في جزر الهند الغربية من اليهود، وهي ضياع كانت جزءا من الاقتصاد الرأسمالي الاستعماري والاستيطاني، تخصصت في زراعة السكر وتصديره، ومن ثم كانت جزءا من المثلث اللعين الذي تشكل تجارة الرقيق أحد أهم أضلاعه. وكان هناك عدد من الممولين اليهود (في ألمانيا وروسيا) تركزوا في صناعة الأخشاب والصناعات المرتبطة بالقطاع الزراعي.
ويلاحظ أن هذه النشاطات هي نشاطات تجارية في القطاع الزراعي، ومن ثم فهي تعني أن أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب كانوا لا يعملون بالزراعة. وقد ظهر منذ عصر الاستنارة في الغرب نقد للشخصية اليهودية باعتبارها شخصية طفيلية هامشية تعيش على رزق الآخرين وكدهم ولا تبذل جهدا ولا تنتج شيئا. وكان عدم اشتغال اليهود بالزراعة يعد شاهدا على ذلك. ومن ثم، حاولت الدولة الحديثة التي اضطلعت بمعظم مهام الجماعات الوظيفية تشجيع أعضاء الجماعات اليهودية على الاشتغال بالزراعة والابتعاد عن التجارة والربا. وكان ينظر إلى هذه العملية باعتبارها عملية تطبيع لليهود (أي تحويلهم من أعضاء في جماعات وظيفية يرتبط نشاطها الاقتصادي بإثنيتها وعزلتها إلى شخصيات طبيعية سوية حديثة يمكن دمجها في المجتمع). كما كانت هذه العملية تسمى تحويل اليهود إلى قطاع منتج، ولذا صدرت تشريعات عديدة في فرنسا بعد الثورة لتحقيق هذا الهدف ولفتح المجال الزراعي أمامهم.

(4/151)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد كان شرق أوربا هو المسرح الأساسي لهذه العملية التاريخية. فالتحديث الفجائي وظهور الدولة المركزية التي اضطلعت بكثير من أعمال الجماعات الوظيفية، ثم الانفجار السكاني بين يهود اليديشية، خلقا معا فائضا بشريا يهوديا، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما يسمى «المسألة اليهودية». وقد طرح العمل بالزراعة باعتباره أحد الحلول، وخصوصا أن روسيا كانت تضم أراضي زراعية كثيرة خالية من السكان يمكن توطين أعضاء الجماعات اليهودية فيها. كما ساهمت عقيدة النارودنيك (الشعبويين) في إضفاء غلالة من الرومانتيكية على مهنة الزراعة التي كانوا يعدونها أشرف المهن انطلاقا من أن روح روسيا توجد بين الفلاحين لا بين سكان المدن. وقد أدى تعثر التحديث في روسيا إلى فشل كثير من هذه المحاولات، خصوصا أن جهاز الدولة القيصرية لم يكن كفئا ولا أهلا للاضطلاع بالمسئولية.
وبعد الثورة البلشفية، قامت عدة محاولات لتحويل اليهود إلى القطاع الزراعي في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، ولكن أهم المحاولات كانت تجربة بيروبيجان.

(4/152)


--------------------------------------------------------------------------------

ويتمثل أحد أهداف الحركة الصهيونية في تشجيع اليهود على الاشتغال بالزراعة لتطبيعهم. ولكن الزراعة الصهيونية كانت ذات طابع شبه عسكري لأنها توطن اليهود على أرض يشغلها شعب آخر، فالزراعة (هنا) هي إحدى آليات الاستيطان الإحلالي والتي تتجسد في بناء المزارع الجماعية والكيبوتسات التعاونية والموشافات، وفي طريقة تحديد مواقعها، أي أن الزراعة في الإطار الصهيوني لم تعد الآلية المستخدمة في تحويل أعضاء الجماعات اليهودية من جماعات وظيفية إلى أعضاء في مجتمع، وإنما هي آلية تحويلهم من جماعة وظيفية مالية إلى جماعة وظيفية استيطانية قتالية. ورغم كل الادعاءات الصهيونية بشأن نجاح الصهاينة في تطبيع اليهود، فإن نسبة عدد اليهود العاملين بالزراعة في الوقت الحالي لا تختلف كثيرا عن عدد من كان يعمل منهم بالزراعة في روسيا في عام 1882، أي قبل الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وهو عدد، على أية حال، آخذ في التناقص، مع تغلغل العمالة العربية في القطاع الزراعي من الاقتصاد الإسرائيلي. ومع هذا، كان عدد اليهود الذين يعملون بالزراعة في العالم عام 1935، حسب تقديرات روبين، حوالي 600.000، أي 3.6% من مجموع يهود العالم البالغ عددهم نحو ستة عشر مليونا، أكثر من نصفهم من يهود روسيا وبولندا (250 ألفا في روسيا و100 ألف في بولندا). كما ظهرت تجربة استيطانية زراعية يهودية في الأرجنتين برعاية البارون هيرش، وقد نتج عن ذلك وجود أعلى نسبة من اليهود العاملين في الزراعة في الأرجنتين عام 1935 (4.3% من يهود بولندا، و4.2% من يهود روسيا، و2.2% من يهود الولايات المتحدة، بالمقارنة مع 5.8% من يهود الأرجنتين). ولكن، مع حلول عام 1960، هبطت نسبة العاملين بالزراعة بين أعضاء الجماعات اليهودية إلى 2%، وهذا العدد يضم العاملين في القطاع الإداري في الريف.
الجماعات الوظيفية اليهودية في العالم الغربي
Jewish Functional Groups in the Western World

(4/153)


--------------------------------------------------------------------------------

عرفت جميع المجتمعات البشرية تقريبا ظاهرة الجماعات الوظيفية (فهي تعبير عن شيء أساسي في النفس البشرية)، ومع هذا نميل إلى القول بأنها ظاهرة أخذت شكلا أكثر حدة في الحضارة الغربية منها في الحضارة الإسلامية. وإذا نظرنا إلى وضع الجماعات اليهودية في الحضارة الإسلامية، بالمقارنة بالحضارة المسيحية الغربية، فإننا نجد أن عملية الحوسلة بالنسبة لهم لم تتم على نفس المستوى ولا بنفس الحدة، وأن تركيبتهم الطبقية والمهنية لم تكن تختلف كثيرا عن تركيبة بقية أعضاء المجتمع. كما يمكن أن نضرب مثلا بأقباط مصر، فرغم أنهم يشكلون الأقلية العددية الهامة الوحيدة في المجتمع المصري (فالنوبيون وسكان الصحراء لا يشكلون قوى اجتماعية أو بشرية مهمة) إلا أننا نجد أن خطابهم الحضاري لا يختلف عن الخطاب الحضاري للمسلمين، كما أنهم لا يختلفون عنهم لا في الزي ولا في اللغة ولا في العادات أو التقاليد ولا في الانتماءات الطبقية أو في التوزع الوظيفي أو السكاني. ومما لا شك فيه أن بعض قطاعات من أقباط مصر تمت حوسلتها في وظائف بعينها (مثل الربا في بعض قرى مصر، أو جمع القمامة لارتباط ذلك بتربية الخنازير)، إلا أن الحوسلة لم تكن كاملة أو جوهرية بل ظلت هامشية،وظل أقباط مصر جزءا لا يتجزأ من مجتمعهم لا يمكن التعرف عليهم إلا من خلال أسمائهم المتميزة في بعض الأحيان.

(4/154)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد قام المجتمع الغربي بحوسلة اليهود داخله تماما على هيئة جماعة وظيفية مالية حتى ارتبط اسم اليهود بدور المرابي والتاجر الطفيلي والذي اضطلع به اليهود وحدهم تقريبا. وقد أصبحت كلمة «تاجر» أو كلمة «مرابي» مرادفة لكلمة «يهودي»، وأصبح يطلق على هذه الوظائف اسم «الوظائف اليهودية» حتى أن الصينيون حينما يضطلعون بدور التاجر والمرابي في جنوب شرق آسيا يطلق عليهم «يهود جنوب شرق آسيا»، وحينما يضطلع الهنود بنفس الدور في أفريقيا (ومن بينهم مسلمون) يسمون «يهود أفريقيا»، فكأن هناك مفهوما كامنا لفكرة «اليهودي الوظيفي» أي الإنسان الوظيفي الذي يضطلع بالوظائف التي يقال لها يهودية، وكل من يضطلع بها يصبح يهوديا (بالمعنى الوظيفي).
ومع هذا، ينبغي الإشارة إلى أن هناك جماعات من اليونانيين والأرمن كانت تقوم بهذه الوظائف في بعض الدول الغربية (في بولندا وفي بعض دول أوربا الشرقية الأخرى). كما أنهم لعبوا نفس الدور في الدولة العثمانية. ولذا، كانت تطلق كلمة «يوناني» أو «أرمني» على كل من يعمل في هذه الوظائف، سواء كان يونانيا أو أرمنيا أو لم يكن.
ويبدو أن نموذج اليهود كجماعة وظيفية متجذر تماما في الوجدان الغربي، ولذا حينما طرحت المسألة اليهودية في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر كان الحل هو تأسيس الدولة الصهيونية الوظيفية، وهو إعادة إنتاج الجماعات اليهودية على هيئة دولة وظيفية بدلا من جماعات وظيفية، كما أن النظام العالمي الجديد، وهو ثمرة من ثمرات الحضارة الغربية، يميل إلى تحويل كل البشر إلى عناصر وظيفية.
علاقة الجماعات اليهودية بالصناعة
Relationship between Jewish Communities and Industry

(4/155)


--------------------------------------------------------------------------------

يستطيع القارئ أن يرجع للباب المعنون «التحديث والمسألة اليهودية» (المجلد الثالث)، وذلك للإحاطة بجذور علاقة أعضاء الجماعات اليهودية (كجماعات وظيفية) بالصناعة في الحضارة الغربية. وتتناول المداخل الخاصة بالتراث اليهودي (الموروث الاقتصادي) في الباب المعنون «ثقافات أعضاء الجماعات اليهودية» (المجلد الثالث) والمداخل الخاصة بتاريخ الجماعات اليهودية في الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة (المجلد الرابع) تطور علاقة أعضاء الجماعة اليهودية بالصناعة وأثر الميراث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية على وضعهم الاقتصادي والمهني في الوقت الحالي.
الرأسمالية والاشتراكية والجماعات اليهودية
Capitalism, Socialism, and Jewish Communities
يستطيع القارئ أن يعود للباب المعنون «الرأسمالية والجماعات اليهودية» و«الاشتراكية والجماعات اليهودية» (المجلد الثالث) ليدرس كيف أثر تحول أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية على علاقتهم بالرأسمالية وتطورها والاشتراكية وتطورها وفي موقف المفكرين الرأسماليين والاشتراكيين منهم.
تحول أعضاء الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية: تاريخ
Transformation of Jewish Communities into Functional Groups: History

(4/156)


--------------------------------------------------------------------------------

يبدو أن العبرانيين،منذ بداية ظهورهم في التاريخ، كانوا يشكلون جماعة وظيفية. فقد كانوا بدوا رحلا تجندهم المجتمعات المختلفة للاضطلاع ببعض الوظائف التي يأنف أعضاء الأغلبية عن القيام بها. وكلمة «خابيرو»، التي يقال إنها أصل كلمة «عبري»، تعني العبد الذي أصبح كذلك بمحض اختياره (أي مرتزق). ثم أخذ العبرانيون يستقرون تدريجيا منذ عصر القضاة وحتى عصر المملكة العبرانية المتحدة، حيث أصبحوا شعبا رعويا تشتغل بعض قطاعاته في الزراعة والحرف البدائية، ولم يعملوا بالتجارة على نطاق واسع. وفي هذه الفترة بدأ يعمل بعض العبرانيين جنودا مرتزقة. وقد استمر العبرانيون في العمل بالزراعة بعد التهجير البابلي، وإن بدأت تظهر بينهم قطاعات من الأثرياء الذين بدأوا يعملون في التجارة وأعمال الصيرفة، كما تزايد عدد اليهود المرتزقة وبدأت بعض الجماعات اليهودية تتحول إلى جماعات وظيفية استيطانية وقتالية وتجارية. ومع ظهور التجمعات اليهودية المختلفة خارج فلسطين، بدأ أعضاء الجماعات اليهودية يبتعدون عن الزراعة ويعملون في التجارة والحرف المختلفة. ويمكن القول بأن أول دياسبورا يهودية حقيقية هي الجماعة العبرانية الاستيطانية القتالية التي وطنها فراعنة مصر في جزيرة إلفنتاين، لحماية حدود مصر الجنوبية، وهو تقليد استمر بعد ذلك في مصر البطلمية وفي سوريا السلوقية.

(4/157)


--------------------------------------------------------------------------------

ويلاحظ أن الجماعات اليهودية بدأت تتحول بالتدريج إلى جماعات وظيفية. ولكن، مع حلول العصور الوسطى في العالم الغربي، ابتداء من القرن التاسع الميلادي على وجه الخصوص، تسارعت هذه العملية وتبلورت حيث ملأ اليهود الفراغات بين طبقة النبلاء وطبقة الفلاحين وأصبحوا أقنان بلاط، أي جماعة وظيفية مالية تابعة للبلاط الملكي تضطلع بدور التجارة والربا وجمع الضرائب، وكلها مسميات مختلفة للجماعة الوظيفية التي تستخدم كأداة نافعة. ونظرا لوجود جماعات يهودية في العالمين الإسلامي والمسيحي، فقد استفاد أعضاؤها من شبكة الاتصالات الدولية وأصبحوا يشكلون ما يشبه الجماعة الوظيفية المالية على المستوى الدولي، واشتغلوا بالتجارة الدولية (مثل تجارة الفراء والمنسوجات والتوابل والرقيق) وأعمال الصيرفة. وبدأ تركزهم في الحرف التي تتطلب مهارة فنية فائقة مثل صناعة الزجاج والصباغة أو ترتبط بسلع معينة مثل الذهب ودبغ الجلود والخمور (وهي عادة سلع نادرة أو نفيسة أو غير عادية وذات طابع استهلاكي) أو بالحرف التي يمكن لصاحبها أن يحمل أدواته ورأسماله معه (السجاد - الجواهر - أدوات إنتاج خاصة).

(4/158)


--------------------------------------------------------------------------------

ويلاحظ أن ظاهرة تحول اليهود إلى جماعة وظيفية لم تكن مقصورة على العالم الغربي وإنما امتدت لتشمل العالم الإسلامي، ولكن لم يكن اليهود هم الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة فيه. كما كان ثمة تنوع في حرف ووظائف أعضاء الجماعات اليهودية ونشاطهم الاقتصادي في العالم الإسلامي، حتى أن هرمهم الاقتصادي والحرفي كان لا يختلف أحيانا عن الهرم الاقتصادي والحرفي في المجتمع ككل. ومن جهة أخرى، كان لأوضاع أعضاء الجماعات اليهودية، في الصين والهند وإثيوبيا، خصوصيتها المختلفة النابعة من الخصوصيات والحركيات المختلفة للمجتمعات التي يوجدون فيها. ولذا، فنحن لا نقترح نمطا يهوديا عاما وعالميا، وإنما نقترح نمطا خاصا مقصورا على أعضاء الجماعات اليهودية داخل الحضارة الغربية.

(4/159)


--------------------------------------------------------------------------------

لقد بدأ انسحاب أعضاء الجماعات اليهودية التدريجي من التجارة (الدولية والمحلية) في الغرب، حتى تخصصوا في الإقراض الربوي في الفترة بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر الميلاديين. وبدأوا يعملون أيضا ملتزمي ضرائب في أوربا الشرقية، حتى أصبحت هذه هي إحدى الوظائف الأساسية ليهود بولندا وليتوانيا، خصوصا في أوكرانيا في القرن السادس عشر الميلادي (يهود الأرندا)، إذ قاموا بتمثيل النبلاء في إقطاعياتهم داخل إطار نظام الأرندا والإقطاع الاستيطاني. ولكن هذا النظام نفسه فتح لهم مجالات جديدة في الاستثمار والعمل، فظهرت طائفة من الحرفيين اليهود يعملون في قطع الأخشاب وتقطير الخمور والصباغة ودبغ الجلود. وبرز في وسط أوربا يهود البلاط الذين كانوا عادة من كبار الممولين وذوي الخبرة الإدارية والاتصالات الدولية والمعرفة بالشئون الاقتصادية، ولذا كانوا في منزلة وزراء اقتصاد وخارجية ومخابرات لأمراء الإمارات الألمانية وغيرها من دول وسط أوربا التي كانت ترغب في تنمية نفسها اقتصاديا. ويلاحظ أن الإقراض الربوي الذي كان يقوم به أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية قد تدهور، فبدلا من إقراض كبار النبلاء والكنيسة، أصبح إقراض الفلاحين والحرفيين نظير رهن أشياء مثل الملابس المستعملة والمجوهرات. ومن هنا، بدأ الحرفيون يعملون في حرف رتق الملابس والخياطة والصباغة. ومع القرن الثامن عشر الميلادي، صار معظم أعضاء الجماعات اليهودية في شرقي أوربا بورجوازيين صغارا: بقالين وباعة جوالين وبائعي ثياب قديمة وخياطين. كما كان من الوظائف الأخرى المهمة لأعضاء الجماعات اليهودية قيامهم بعمليات الاستيطان والريادة. ولكن الاضطلاع بهذه الوظيفة كان يعني، ابتداء من القرن السابع عشر، الخروج من المجتمع الغربي والاستقرار في مجتمعات جديدة في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي.

(4/160)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:42 AM
ويلاحظ أن أعضاء الجماعات اليهودية، بوظائفهم هذه، كانوا دائما أصحاب أعمال مستقلين، وكان مستواهم المعيشي أحسن حالا من الفلاحين والأرقاء المسيحيين. وكان أعضاء الجماعات اليهودية بمهنهم المختلفة (بوصفهم تجارا دوليين ومرابين) يعملون في مهن غير منتجة، فهي مهن لا تهدف إلى إعادة صياغة المادة وإنما هي وظائف إدارية وعملها شكل من أشكال المضاربات، ومن هنا يجري وصف أعضاء الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي بالهامشية والطفيلية.
وقد بدأ هذا الوضع في التغير بعد الثورة التجارية وظهور المركنتالية ونظام الاتجار والإقراض اللذين يشكلان قلب النظام الاقتصادي الجديد. وداخل هذا الإطار الجديد، تغير البناء الوظيفي لأعضاء الجماعات اليهودية. وحينما دخل يهود المارانو الاقتصاد الغربي في القرن السابع عشر الميلادي، لم يكونوا التجار أو الممولين الوحيدين، كما لم يقفوا على هامشه، وإنما أصبحوا ممولين داخل اقتصاد تجاري مالي نشط له مشروع استعماري استيطاني عالمي، فأصبحوا جزءا منه واستثمروا في شركاته الاستيطانية المختلفة. وظهر يهود البلاط الذين أداروا ميزانيات كثير من الدول الملكية والإمارات المطلقة، خصوصا في وسط أوربا، وساهموا في تحديثها. ومع القرن التاسع عشر الميلادي وتصاعد الثورة الصناعية، بدأ تحديث البناء الوظيفي لليهود في أرجاء العالم الغربي غربه ووسطه وشرقه. وقد تم دمج أعضاء الجماعات اليهودية مهنيا ووظيفيا في غرب أوربا بسرعة. ولكن عملية الدمج في شرق أوربا ووسطها استغرقت وقتا أطول بسبب تعثر التحديث، ولأن محاولة تحديث البناء الوظيفي كانت تتم بقرارات قانونية ودون إتاحة فرص أخرى حقيقية للعمل. وفي إحصاء عام 1897 في روسيا، حيث كان يعيش أغلبية يهود العالم، نجد أن اليهود كانوا موزعين وظيفيا علي النحو التالي:
3.55% - يعملون بالزراعة.
38.65% - في التجارة.

(4/161)


--------------------------------------------------------------------------------

33.45% - في الصناعة و الصناعات اليهودية.
3.98% - في النقل.
11.76% - في الأشغال العامة والمهن الحرة.
6.61% - في الأعمال المنزلية.
لقد كان أعضاء الجماعات اليهودية في الأساس جماعة الوسطاء والحرفيين ولم يكن بينهم عمال أو فلاحون، وهذا ما أسماه بوروخوف الهرم الوظيفي المقلوب. ولم يكن الوضع مختلفا في الإمبراطورية النمساوية التي كانت تضم جماعة يهودية كبيرة.
وبالنسبة لروسيا السوفيتية، ونظرا لتأميم التجارة، فقد تغير الوضع الوظيفي عام 1930 كلية، فنجد أن 42% من اليهود كانوا يعملون في مهن إنتاجية: في الصناعة 21.5%، وفي الحرف اليدوية 14.3% وفي الزراعة 7.1%. ومع هذا، تركز عدد كبير منهم (نحو 37.2%) في الأعمال الكتابية، ونحو 12.1% في المهن الحرة. ولعد أن هاجر اليهود إلى العالم الجديد، خصوصا الولايات المتحدة، تغير وضعهم. فنجد أنه ـ حسب إحصاء عام 1900 ـ كان 59.6% منهم عمالا وفي صناعة الملابس على وجه الخصوص. ولم يكن يعمل في التجارة سوى 20.6% حسب الإحصاء نفسه. وقد تحول كثير من يهود الولايات المتحدة في الثلاثينيات إلى التجارة فبلغت نسبة العاملين بها نحو 50%، في حين بلغت نسبتهم في الصناعة نحو 28%، وفي المهن الحرة نحو 10%. ومع السبعينيات، تركز معظم اليهود في المهن الحرة.
ويمكن القول بأن النمط الأساسي للحراك الوظيفي للمهاجرين اليهود كان يأخذ الشكل التالي: يصل المهاجر فيصبح عاملا أو رأسماليا صغيرا. ولكن العمال بوسعهم (بسبب خلفيتهم الثقافية والاجتماعية) الانسلاخ عن الطبقة العاملة أو مساعدة أولادهم على تلقي التعليم، وهو ما يجعلهم يحققون حراكا اجتماعيا وينسلخون عن الطبقة العاملة ويتحولون إلى مهنيين. أما الرأسمالي الصغير، فيتحول إما إلى رأسمالي كبير أو إلى مهني. ومن ثم، نجد أن غالبية يهود الولايات المتحدة (وغيرها من الدول الاستيطانية) من المهنيين.

(4/162)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع هذا، ترك ميراث اليهود الاقتصادي، كجماعات وظيفية وسيطة وكمهاجرين، وكذلك الكفاءات التي اكتسبوها عبر تواريخهم بسبب وظيفيتهم هذه، أثرها في التركيب الوظيفي ليهود أمريكا، إذ أن هذه الخبرة التي حملوها معهم أينما هاجروا استمرت في تحديد نشاطاتهم الاقتصادية حتى بعد أن زالت الوظيفة. فيلاحظ مثلا أن اشتغال يهود العالم الغربي بالربا وأعمال الرهونات، جعلهم يتخصصون في حياكة الملابس، ذلك لأن كثيرا من الأشياء المرهونة كانت ملابس قديمة. ولذا، يلاحظ أن يهود العالم الغربي يتخصصون في صناعة النسيج والملابس الجاهزة. وقد أدى بهم هذا إلى أن يحققوا ثروات أثناء الحروب، لأن القوات المحاربة، خصوصا في العصر الحديث، تحتاج إلى زي رسمي. وقد حدث هذا في حروب عديدة من بينها الحرب الأمريكية الأهلية حيث حقق أثرياء اليهود أرباحا هائلة بسبب تركزهم في صناعات النسيج.

(4/163)


--------------------------------------------------------------------------------

وكذلك، فإن الميراث الاقتصادي لأعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (باعتبارهم جماعات وظيفية وسيطة تقف دائما على الهامش) يجعلهم يتخصصون في الصناعات القريبة من المستهلك ويبتعدون عن الصناعات الثقيلة، إذ أن عضو الجماعة الوظيفية الوسيطة لا يحب الاستثمار في المنقولات الثابتة (مثل الأرض والصناعات الثقيلة) أو قد لا تتاح له الفرصة أساسا في أحيان كثيرة. ولذا يفضل الاستثمار في الصناعات الخفيفة وفي المشاريع التجارية التي تتطلب قدرا عاليا من المهارة الإدارية، ومن هنا كان تخصصهم في التجارة وصناعة الأثاث والأحذية وقطاع الخدمات والطباق والكحول والسينما، وهي كلها صناعات قريبة من المستهلك، بعيدة عن الزراعة وعن الصناعات الثقيلة مثل المناجم (وجميعها صناعات مرتبطة بالأرض). كما يلاحظ أنهم يتركزون في تجارة التجزئة والأعمال العقارية ويعملون وكلاء مستشارين ووسطاء. كما أن تركزهم في المهن والمصارف هو أيضا نتيجة هذا الميراث الاقتصادي. ويقال إن هذا أيضا يرجع إلى أن يهود العالم الغربي عنصر مهاجر، والعناصر المهاجرة تشغل دائما المراحل العليا من الهرم الإنتاجي ولا تشغل قاعدته. ومن ثم، لا يوجد عمال أو فلاحون يهود، ونتج عن ذلك هامشية اليهود، أي أن نشاطاتهم الاقتصادية ليست في قلب العملية الإنتاجية. ولا يزال العدد الأكبر من يهود أمريكا اللاتينية يشتغلون بالأعمال التجارية.
ويمكن القول بأن الحل الاستعماري للمسألة اليهودية (والذي يقبله الصهاينة) ينبع من تعريف العالم الغربي للجماعة اليهودية كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. فهي إذن مجموعة بشرية تعرف من خلال وظيفتها، وهي مجموعة نبذتها الحضارة الغربية، ولكنها ستحل مسألتها عن طريق الاضطلاع بوظيفة الدفاع عن مصالح الحضارة الغربية بحيث يصبح الاستيطان والقتال هما وظيفة اليهود الأساسية.

(4/164)


--------------------------------------------------------------------------------

ويلاحظ أمنون روبنشتاين أنه، في عام 1945، كان نحو 24% فقط من اليهود المهاجرين إلى فلسطين يعملون في وظائف إنتاجية مثل الزراعة والصناعة والبناء والنقل، وهو ما يعكس هامشيتهم الاقتصادية وطفيليتهم. وبعد استيطانهم في فلسطين، أصبح 69% منهم يعمل في مجال الأعمال الإنتاجية. ولكن، بحلول عام 1975، انخفضت نسبة العاملين في القطاعات الإنتاجية إلى 23%، أي أن الدولة الصهيونية لم تنجح في تحقيق أحد أهدافها الأساسية المعلنة وهو تطبيع اليهود وتحويلهم إلى قطاع اقتصادي منتج. وقد أدى دخول العمالة العربية في الاقتصاد الإسرائيلي إلى حدوث نوع من المفارقة، إذ يقوم العرب بشغل قاعدة الهرم الإنتاجية تاركين قمته الإدارية لليهود. وقد ظهرت هامشية المستوطن الصهيوني مع اندلاع الانتفاضة وانسحاب العمالة العربية من قاعدة الهرم، الأمر الذي ترك أعمق الأثر في الاقتصاد الصهيوني.
السمات الأساسية للجماعات اليهودية كجماعات وظيفية
Main Traits of Jewish Communities as Functional Groups
يمكننا القول بأن السمات الأساسية للجماعات الوظيفية وطبيعة علاقتها بالمجتمع المضيف تتضح بشكل متبلور في الجماعات اليهودية في العالم الغربي وفي طبيعة علاقتها به:
1 ـ التعاقدية (النفعية والحياد والترشيد والحوسلة):

(4/165)


--------------------------------------------------------------------------------

تتسم علاقة الجماعات اليهودية بالمجتمع الغربي بأنها علاقة نفعية تعاقدية لا تتسم بالتراحم. فقد نظر العالم الغربي إلى أعضاء الجماعات اليهودية منذ البداية باعتبارهم وظيفة تؤدى ودورا يلعب وعنصرا موضوعيا مجردا ومحايدا، مجرد مادة بشرية، فكانوا يستجلبون ليؤدوا وظيفة التاجر والمرابي. وكان أعضاء الجماعة اليهودية عادة من الغرباء، ولذا كانوا يعدون ملكية خاصة للملك (أقنان بلاط) الذي كان له حق امتلاك اليهود (باللاتينية: «جودايوس هابيري judaeos habere»»)، أو حق الاحتفاظ باليهود (باللاتينية: «جودايوس تنيري judaeos tenere».»)وكان من حقه بيعهم كما تبيع أية مدينة حق استعمال مناجمها أو طرقها العامة. ولذا، كان اليهود أقرب ما يكونون إلى ممتلكات تفرض علىها ضرائب أو أدوات إنتاج، فكان يشار إليهم بوصفهم عبيدا أو ملكا منقولا كالأثاث (بالإنجليزية: «تشاتيل chattel»)، وكانت كثير من المواثيق تشير إليهم باعتبار أنهم يخضعون للملك وملك له، يرثهم من يرث العرش! ولعل السبب في وقوع قدر كبير من الخلل التحليلي هو أن كثيرا من الدارسين لم يدركوا طبيعة وضع الجماعات اليهودية داخل التشكيل الحضاري الغربي من حيث هي وظيفة تؤدى، واستمروا في اعتبارها طبقة أو أعضاء في طبقة. وكان أعضاء الجماعات اليهودية يعطون حقوقا ومزايا تضمنها مواثيق يشترونها من الحاكم. ولكن المواثيق التي كانت تمنح لهم لم تكن قط نهائية وإنما كانت تجدد دائما. وكان يتعين عليهم أحيانا دفع مبلغ للإمبراطور كل عام لتأكيد حقه في أنهم ملك له (وهو استمرار للفيسكوس جواديكوس أو ضريبة اليهود التي فرضت عليهم بعد سقوط الهيكل). ولعل حدة هذا الوضع قد خفتت قليلا عبر القرون والسنين ولكنها ظلت قائمة حتى أوائل القرن التاسع عشر في كثير من أنحاء أوربا (وقد تعين على الفيلسوف الألماني اليهودي موسى مندلسون أن يدفع ضريبة انتقال،

(4/166)


--------------------------------------------------------------------------------

حينما كان ينتقل من مدينة ألمانية إلى أخرى، تساوي ما كان يدفع لانتقال ثور). وقد نوقشت المسألة اليهودية في الحضارة الغربية في إطار مدى نفع اليهود، وهو مفهوم استمر حتى الوقت الحاضر، ويتجلى في الحديث عن إسرائيل باعتبارها كنزا إستراتيجيا! ويجب ملاحظة أن العلاقة بين الطرفين (الجماعات اليهودية والعالم الغربي) علاقة نفعية، فكلاهما يحاول الاستفادة قدر المستطاع من الطرف الآخر، وكلاهما يحوسل الآخر، ولا يمكن الحديث في مثل هذه العلاقة المركبة عن مستغل ومستغل.
2 ـ العزلة والغربة والعجز:
حينما استجلب المجتمع الغربي بعض أعضاء الجماعات اليهودية ليضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية ضرب عليهم العزلة، فكان أعضاء الجماعة اليهودية يعيشون في جيتو خاص بهم يرتدون أزياء خاصة مقصورة عليهم ويؤمنون بعقيدة مختلفة عن عقيدة مجتمع الأغلبية. بل كانوا، في حالة يهود اليديشية، يتحدثون لغة مختلفة عن لغة المجتمع المضيف. وقد انغلقت الجماعات اليهودية على نفسها فكونت شبكة عالمية واسعة مهمتها ضمان انتقال السلع والعملات والمعلومات بكفاءة عبر البلاد والقارات، وهذا هو سبب معرفة أعضاء الجماعة اليهودية بعديد من اللغات، وهو تعبير عن الغربة والحركية في ذات الوقت. وقد سيطرت القيادات الدينية والدنيوية، التي كانت تتمتع بدعم النخبة الحاكمة، على هذه الشبكة المغلقة التي كانت بمثابة الوسيط بين الجماعة اليهودية والمجتمع المضيف. كما تزايد اعتماد أعضاء الجماعات اليهودية على النخبة الحاكمة حتى أصبحوا في بعض الأحيان جماعات وظيفية عميلة، كما هو الحال مع المرابين، وأداة قمع في يد الحاكم لقمع الجماهير واستغلالهم.

(4/167)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد أدى هذا إلى تزايد ابتعاد أعضاء الجماعات اليهودية عن جماهير المجتمع المضيف، أي أن أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية لم يكونوا مشاركين في السلطة (فهم مجرد أداة) يعيشون في عزلة عن الشعب (في مسام المجتمع لا في صميمه)، وهم موضع كرهه وسخطه. وهذا ما يسمى «إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة». لكل هذا أصبح أعضاء الجماعات الوظيفية عرضة للهجمات الشعبية لأنهم أداة الاستغلال الواضحة والمباشرة. ومن ثم، فإن اضطلاع أعضاء الجماعة اليهودية بدور الجماعة الوظيفية هو الذي يفسر الهجمات الشعبية عليهم، كما يفسر كثيرا من اتهامات أعداء اليهود بأنهم مصاصو دماء (ومن هنا تهمة الدم) أو أنهم يقومون بتسميم الآبار. فهذه جميعا صور مجازية حاول عن طريقها الإنسان العادي في الغرب فهم طبيعة العلاقة بينه وبين اليهود كجماعة وظيفية، إذ أن أداة القمع الماثلة أمامه تقوم بامتصاص دمه وتسميم مصدر حياته. ويمكن القول بأن الهجوم على اليهود كان يشبه الانتفاضة الشعبية حينما يقوم الثائرون بتدمير أدوات القمع والاستغلال (ولعل هذا ما دفع بأحد المفكرين إلى تسمية معاداة اليهود «اشتراكية المغفلين»، أي اشتراكية من لا يفهم الآليات الاقتصادية المركبة). كما أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية هو الذي يفسر اتهام الجماعات الشعبية لهم بأنهم سحرة. ففي المجتمع الإقطاعي مثلا، كان أعضاء المجتمع ينتجون من الأرض بصورة مباشرة، أما أعضاء الجماعة الوظيفية المالية (التجارية أو الربوية) فكانوا يحققون الثراء من خلال تحريك السلع وحسب في حالة التجار. بينما كان الأمر أسوأ بكثير في حالة المرابين، إذ كانوا يحققون الثراء من خلال تحريك الأموال وحسب.

(4/168)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد أدت هذه العزلة إلى ما نسميه «حدودية» أعضاء الجماعات اليهودية، أي وجودهم على حدود المجتمعات أو على هامشها، وفي الشقوق والثغرات. ولعل إحساس أعضاء الجماعات اليهودية بعدم الأمن (رغم النجاح الذي يحققونه) هو جزء من ميراث الجماعة الوظيفية، التي تعد حركيتها مصدر أمن أساسيا لها. وقد أدى إحساسهم بعدم الأمن وعدم الانتماء إلى زيادة الرغبة في مراكمة الثروة لأنها الوسيلة الوحيدة لشراء الحماية من الحاكم. ولكن يلاحظ أنه رغم تزايد ثروات كثير من أعضاء الجماعات اليهودية إلا أنهم ظلوا بعيدين عن السلطة وعن مؤسسات صنع القرار. ولهذا السبب كانت هذه الثروات معرضة دائما للتصفية.
ويقابل عملية العزل البرانية من قبل المجتمع إحساس عميق جواني بالغربة لدى أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية، فيظهر لديهم إحساس بقداستهم (مركب الشعب المختار). ثم يحتفظون بهذه الغربة من خلال عقائدهم وشعائرهم الدينية ومن خلال ارتباطهم الوهمي بالوطن الأصلي الذي لم يعد له وجود والذي سيعودون إليه في نهاية التاريخ.
3 ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية (الوهمية(
يشعر أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية بالانتماء إلى وطن أصلي (صهيون/فلسطين) سيعودون إليه في آخر الأيام. وقد ترجم هذا نفسه إلى العقيدة المشيحانية التي أضعفت أواصر ارتباط أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية بالمكان الحالي (أوطانهم وتاريخها) باسم المكان السابق الذي نفوا منه، وهو أيضا المكان الذي سيعودون إليه في المستقبل.

(4/169)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:48 AM
ويقابل الإحساس العميق بالغربة والعزلة والعجز والانفصال عن المكان تعمق إحساس عضو الجماعة الوظيفية اليهودية بهويته، فهي إحدى آليات العزل غير الواعية. ومع هذا، فإن الهوية هنا حالة عقلية إذ أن هوية عضو الجماعة الوظيفية اليهودية تتشكل داخل حدود المجتمع الذي يعيش فيه لا خارجه، ومن خلال تفاعله اليومي المتعين مع الخطاب الحضاري لمجتمعه لا رغما عنه. ولذا فرغم ادعاءات أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية عن تميزهم، إلا أنهم في واقع الأمر يندمجون في مجتمعاتهم. وثنائية ادعاء التميز وواقع الاندماج والذوبان مسألة أساسية لعضو الجماعة الوظيفية اليهودية حتى يتسنى له أن يلعب دوره الوظيفي، وحتى يظل « في المجتمع دون أن يكون منه »، يتعامل مع أعضاء المجتمع بكفاءة عالية لا يمكنه أن يحققها إلا بمعرفة المجتمع وتملك ناصية خطابه الحضاري، ولكنه في الوقت نفسه لا يتعاطف معهم ويحتفظ بمسافة عقلية وعاطفية كبيرة بينه وبينهم بسبب هويته الوهمية.
4 ـ ازدواجية المعايير:
تظهر ازدواجية المعايير بشكل حاد في حالة أعضاء الجماعات اليهودية، فقد قسمت العقيدة اليهودية العالم في كثير من الأحيان إلى اليهود من جهة والأغيار من جهة أخرى. وكان بإمكان اليهودي أن يقرض الأغيار بالربا، ولكنه يحرم على نفسه أن يفعل ذلك مع اليهود. وكان اليهود يعتبرون أنفسهم شعبا مقدسا (وهذا يعني أن أعضاء المجتمع مباحون). ولعل هذا يفسر وجود أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في جرائم انتهاك الحرمات مثل البغاء ونشر المجلات الإباحية وغير ذلك. وحتى لا يتم استخلاص أية تعميمات عنصرية من ذلك، لابد أن نشير إلى أن أعضاء الجماعة الوظيفية يتسمون أيضا بالأمانة الشديدة نظرا لحيادهم وخوفهم من النخبة والجماهير على حد سواء.
5 ـ الحركية:

(4/170)


--------------------------------------------------------------------------------

كان أعضاء الجماعات اليهودية من أكثر الجماعات حركية داخل التشكيل الحضاري الغربي، فهم لم يكونوا مرتبطين بالأرض مثل الفلاحين أو النبلاء، ولا حتى بالمدن مثل سكانها، وإنما كانوا يتنقلون بحرية كبيرة في المجتمع الوسيط تحت حماية الملك الذي يمنحهم المواثيق. وقد ساعدت عمليات الطرد المستمرة، ثم الهجرة، على تعميق هذه الحركية. وقد تركز أعضاء الجماعات اليهودية في قمة الهرم الاجتماعي وابتعدوا عن قاعدته (وهذا هو أهم أسباب المسألة اليهودية(.
6 ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع ( الحلولية(
مركب الشعب المختار هو تعبير عن التمركز المتطرف حول الذات والذي ييسر لأعضاء الجماعات اليهودية الوظيفية أن يقوموا باستغلال الآخر وحوسلته وأن يقوموا كذلك بعزل أنفسهم كما يبرر غربتهم. ولكن عضو الجماعة الوظيفية اليهودية يتمركز أيضا حول وظيفته الموضوعية ويقبل أن يكون أداة متحوسلة تضطلع بوظائف محددة توكل له.
ويعبر هذا التمركز حول الذات وحول الموضوع عن نفسه من خلال الإحساس المتطرف بالحرية الكاملة والحتمية الكاملة، ومن خلال مفهوم الاختيار والنفي والعودة، وهي مفاهيم تجسد هذه الازدواجية المتطرفة المتبلورة: فاليهودي حر تماما لأنه منفي عن أرضه لا جذور له، وهو يتمتع بمزايا عديدة لأنه مختار من قبل الإله، إرادته من إرادة الإله. ولكنه في الوقت نفسه لا حرية له لأنه منفي من أرضه التي لا يقدر على تحقيق ذاته إلا فيها وحدها. كما أن الاختيار يعني التكليف أيضا ومن ثم عدم القدرة على الحركة.
وتتضح علاقة الجماعات الوظيفية اليهودية بالحلولية الكمونية في تصاعد معدلات الحلولية الكمونية داخل اليهودية إلى أن سيطرت عليها تماما.

(4/171)


--------------------------------------------------------------------------------

وعلاقة الجماعات اليهودية بالتحديث والعلمانية علاقة مركبة وعميقة، ذلك أن مسار الهجرة اليهودية قد تأثر بشكل عميق بالتحديث. فالجماعات اليهودية كانت جماعات وظيفية تتحرك أفقيا من مجتمع إلى آخر، لا رأسيا داخل المجتمع الواحد نفسه. فكانوا في البداية يستجلبون إلى المجتمعات المتخلفة كعنصر تحديثي أو استيطاني، ومن هنا كانت الهجرة اليهودية تتم دائما من البلاد الأقل تخلفا إلى البلاد الأكثر تخلفا، من البحر الأبيض المتوسط إلى وسط أوربا ومنها إلى شرق أوربا. ولكن ابتداء من القرن السادس عشر وبداية ظهور الرأسمالية والحركة الاستعمارية الغربية وبدايات التحديث في الغرب، نجد أن الهجرة تأخذ شكلا مغايرا، فهي تنطلق من البلاد المتخلفة إلى البلاد الأكثر تقدما. وقد اشترك اليهود في حركات الهجرة الاستيطانية وغير الاستيطانية.
ورغم أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا من حملة الفكر التحديثي والعلماني، إلا أنهم سقطوا ضحية عمليات التحديث والعلمنة. فهويتهم وإثنيتهم كانت مرتبطة تماما بعزلتهم كجماعة وظيفية. ولكن، مع تصاعد معدلات التحديث، وظهور نخب محلية تتولى زمام الأمور، وكذلك ظهور الدولة القومية العلمانية المركزية، لم تعد هناك وظيفة لهم، وبدأت التحولات الوظيفية والطبقية العميقة تدخل على الجماعات اليهودية، فتحولوا إلى بروليتاريا وشحاذين وأصحاب مصانع وبورجوازية كبيرة وصغيرة، وفقدوا تماسكهم الإثني وعقيدتهم اليهودية. وتساقطت كل رموز العزلة، وتساقطت أسوار الجيتو، وتم تحديث أزيائهم ولغتهم، وبدأ التعلىم بين أعضاء الجماعات اليهودية يتحول من أداة لنقل الخبرات الخاصة وأسرار المهنة والحفاظ على الهوية والعزلة في المجتمع إلى وسيلة من وسائل تصفية الهوية شبه القومية ودمجهم في المجتمع وتدريبهم على الحراك الاجتماعي داخل طبقات المجتمع.

(4/172)


--------------------------------------------------------------------------------

ورغم أن أعضاء الجماعات اليهودية كانوا يشكلون العمود الفقري للقطاع المالي والتجاري للمجتمع الغربي الوسيط، كما كانوا يشكلون جزءا مهما منه منذ عصر النهضة، إلا أنهم لم يساهموا في بناء الرأسمالية الحديثة الرشيدة، فقد نشأت هذه الرأسمالية داخل المدينة الغربية. أما رأسمالية أعضاء الجماعات اليهودية فكانت رأسمالية الجماعة الوظيفية المرتبطة بالمجتمع التقليدي، وقد سماها فيبر الرأسمالية المنبوذة (مقابل الرأسمالية الرشيدة(.
ومع تصاعد معدلات التحديث، يختفي اليهود كجماعات وظيفية. ومع هذا، يبقى هناك امتداد لدورهم التقليدي ولميراثهم الوظيفي إذ لا يكاد يوجد يهود في المهن الإنتاجية الأولية (الزراعة والتعدين)، بينما يتركزون في مجال الملكية العقارية وفي مهن الطب والتمثيل، وهي مهن توجد كلها عند قمة الهرم الإنتاجي أو على هامشه في معظم أنحاء العالم، ولا يوجد أي تمثيل لليهود بين العمال والفلاحين ومختلف القطاعات الموجودة في قاعدة الهرم الإنتاجي.
ولعل حالة يهود كايفنج في الصين تلقي بعض الضوء على ما قد يحدث لليهود في العالم الغربي بعد عملية تحديث وضعهم ووظائفهم. فبعد أن انضمت أعداد متزايدة من القيادة اليهودية إلى طبقة كبار العلماء/الموظفين (الماندرين)، فقد اليهود وضعهم كجماعة وظيفية، وزادت معدلات الاندماج بينهم حتى اختفوا تماما. وقد تمت هذه العملية عبر مئات السنين في الصين. ومن الممكن أن نتصور أن شيئا مماثلا سيحدث في العالم الغربي، لكن معدلات التحديث في الغرب تتفاوت سرعة وبطئا من بلد لآخر، كما أن العملية تتعثر أحيانا بل تتوقف أحيانا أخرى. ولعل التعثر هو الذي أدى إلى عدم اختفاء كثير من الجماعات اليهودية أو تناقص أعدادها بشكل ملحوظ. كما أن التشكيل الاستعماري الغربي، بتأسيسه الدولة الصهيونية، أعاد إنتاج نمط الجماعة الوظيفية على مستوى الدولة.

(4/173)


--------------------------------------------------------------------------------

الجماعات الوظيفية اليهودية: أنواعها المختلفة
Jewish Functional Groups: Different Kinds
اضطلع أعضاء الجماعات اليهودية بأدوار وظيفية عديدة من بينها ما يلي:
1 ـ الجماعات اليهودية الوظيفية الاستيطانية القتالية.
2 ـ الجماعات اليهودية الوظيفية المالية الوسيطة (التجارة ـ الربا ـ جمع الضرائب ـ المتعهدون العسكريون ـ تجارة الرقيق ـ تجارة الخمور(.
3 - جماعات وظيفية متنوعة (الطب ـ الجاسوسية ـ قطاع اللذة ـ البغاء وتجارة الرقيق الأبيض ).
وإذا كانت الجماعات اليهودية الوظيفية الاستيطانية القتالية هي أول ما ظهر من الجماعات اليهودية، فإن أهمها هي الجماعات اليهودية الوظيفية الوسيطة أو المالية.
الباب الثانى: الجماعات الوظيفية اليهودية القتالية والاستيطانية والمالية
جماعة يهودية وظيفية قتالية استيطانية (المرتزقة)
Jewish Military Settler Functional Group (Mercenaries)
«الجماعة الوظيفية الاستيطانية» هي الجماعة البشرية التي تستجلب من خارج المجتمع أو تجند من داخله ثم تنقل من مكان إلى مكان آخر لتوطن فيه بغرض أن تؤدي وظيفة محددة ذات طابع قتالي عادة، ولكن ليس ضروريا أن تكون كذلك دائما، فقد تكون ذات طابع زراعي أو تجاري، أو ذات طابع مختلط؛ زراعي قتالي، أو تجاري قتالي، أو زراعي تجاري، وهكذا.

(4/174)


--------------------------------------------------------------------------------

أما «الجماعة الوظيفية القتالية» فهي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بدور قتالي وحسب، فالجندي المرتزق هو الجندي الذي يستجلب من خارج المجتمع، أو يجند من داخله (عادة من صفوف أقلية إثنية أو دينية معينة لها علاقة خاصة بالمجتمع). وهو يقوم بالقتال من أجل المال بالدرجة الأولى، فالدوافع هنا يجب ألا تكون دوافع داخلية مركبة (الانتماء ـ حب الوطن ـ الانتقام)، بل لابد أن يكون الدافع خارجيا بسيطا وهو الربح المادي الذي يأخذ صورة أجر مادي عاجل ومباشر (راتب شهري) أو آجل (إقطاعية أو غيرها من العوائد المالية). وكل من العنصر الاستيطاني والقتالي يشكل جماعة وظيفية، فهو عنصر متحرك غير منتم لا يدين بالولاء لأحد إلا لراعيه الذي يقوم بتمويله، وهو عنصر لا يعرف من خلال سماته الإنسانية وإنما من خلال وظيفته، فهو وسيلة لا غاية، وأداة لا هدف، والمجتمع ينظر إليه من ناحية مدى نفعه ومدى احتياجه إليه، ويدخل معه في علاقة تعاقدية محايدة. والجندي المرتزق والمستوطن هما وسيلة من وسائل الإنتاج، أو بتعبير أدق إحدى أدوات الفتك التي تنظم علاقات الإنتاج وعملية توزيع الثروة لصالح من يسيطر على هذه الآلة أو الوسيلة. وعادة ما يعيش الجنود المرتزقة، وكذلك أعضاء الجماعات الاستيطانية، على مقربة من أعضاء الأغلبية، ولكنهم مع هذا يظلون في عزلة عنهم فهم منبتو الصلة بالجماهير مرتبطون بالنخبة الحاكمة التي تسخرهم لمصلحتها، دون أن تخشى بأسهم أو تخاف من أن يقوموا بمحاولة المشاركة في السلطة أو القرار السياسي، فهم بلا قاعدة ولا شرعية ولا سلطات إلا ما يستمدونه من الراعي، وذلك على عكس المقاتلين من أعضاء الأغلبية، فهؤلاء عادة ما يطالبون بنصيبهم في السلطة إن قويت شوكتهم، كما أنهم يستندون إلى قاعدة جماهيرية يستمدون منها الشرعية.

(4/175)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي تقديرنا أن الجندي الذي يدافع عن وطنه ويتقاضى أجرا عن ذلك ليس بمرتزق، لأن دوافعه للقتال والاستيطان أكثر تركيبا من الجندي المرتزق، كما أنه أقل حركية لارتباطه بوطنه. والشيء نفسه ينطبق على المواطن الذي يرابط في مناطق حدودية دفاعا عن الوطن، فهو مرتبط بوطنه ولا يتسم بأية حركية إلا في إطار رؤيته.
وهنا يمكن أن تثار قضية الغارات التي يشنها البدو أو القراصنة على المدن والسفن من أجل الغنائم، أي من أجل الربح المادي، وهل يمكن اعتبارهم مرتزقة. ونحن نميل إلى عدم تصنيفهم كمرتزقة، فرغم وجود عنصر مشترك أساسي بين المرتزقة من جهة والبدو والقراصنة من جهة أخرى (الحركية والقتال من أجل المال) إلا أن هناك عنصرا أساسيا آخر غائبا في حالة الفريق الثاني وهو الراعي أو الحامي الذي يصدر الأوامر للعنصر المرتزق ويوجهه ويوظفه. ومن هنا تظهر مشكلة تصنيف المماليك، فقد تم استجلابهم كرقيق ليقاتلوا نظير أجر أو نظير التمتع بمستوى معيشي مرتفع. ولكنهم، بالتدريج، أصبحوا يقاتلون لصالح أنفسهم كجماعة إثنية مستجلبة مستقلة. ولتحديد الأمور، يمكننا أن نتخيل متصلا أحد أطرافه المجاهد الذي لا يقاتل إلا ابتغاء مرضاة الله والمقاتل الذي يموت من أجل الوطن أو العقيدة ولا يستهلك إلا ما يضمن له الاستمرار في الجهاد والقتال دون الحصول على أية مكاسب مادية، والطرف الآخر للمتصل هو المرتزق الذي لا يقاتل إلا ابتغاء الأجر، ويمكننا أن نضع بينهما الجندي الذي يدافع عن قضية ويأخذ أجرا ويحقق مكاسب مادية وطبقية تزيد عن حاجته ، ثم نضع بعد ذلك المماليك بعد أن تحولوا إلى طبقة مقاتلة تقاتل من أجل زيادة مكاسبها وتدافع في الوقت نفسه عن الوطن (مصدر المكسب). ويجيء بعد ذلك جماعات البدو والقراصنة الذين يشنون الغارات من أجل الربح، ثم يجيء أخيرا الجندي المرتزق.

(4/176)


--------------------------------------------------------------------------------

ويبدو أن كثيرا من المجتمعات (عبر التاريخ) نظرت إلى العبرانيين وإلى أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم مادة بشرية استيطانية وقتالية. وهذا لا يعني أن سائر المجتمعات كانت تنظر إلى سائر العبرانيين وإلى الجماعات اليهودية كافة في كل زمان ومكان من هذا المنظور، كما لا يعني أنها كانت تنظر إلى اليهود فقط من هذا المنظور (إذ توجد عناصر بشرية استيطانية وقتالية أخرى كاليونانيين على سبيل المثال). ولا يعني هذا أيضا أن اليهود بطبيعتهم مادة بشرية استيطانية وقتالية أو أن عندهم قابلية طبيعية ليصبحوا كذلك. فمن المعروف أن الغالبية الساحقة من العبرانيين ومن أعضاء الجماعات اليهودية لم تضطلع بأي من هاتين الوظيفتين. فالقضية، إذن، هي قضية مجموعة أو مجموعات من البشر عاشت تحت ظروف تاريخية اقتصادية وثقافية معينة أدت إلى اضطلاع قطاعات منها بهذه الوظيفة. وما سنتناوله في هذا المدخل هو نمط تكرر بشكل لافت للنظر في عدد من المجتمعات في العالم القديم، ثم تكرر في بلاد الغرب بشكل أكثر وضوحا في العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، وترجم نفسه في نهاية الأمر إلى وعد بلفور ثم إلى الدولة الصهيونية في العصر الحديث. ولكن الطبيعة الاستيطانية والقتالية للدولة الصهيونية (التي نسميها «الدولة الوظيفية»)، وهيمنة هذه الدولة على أذهان الغالبية الساحقة ليهود العالم في الوقت الحالي، يكسب هذا النمط أو النموذج أهمية غير عادية ويضفي علىه مركزية لم يكن يتمتع بها من قبل. ومن ثم يصبح من اللازم لنا اكتشاف جذوره وسبل تشكله في ماضي العبرانيين والجماعات اليهودية.

(4/177)


--------------------------------------------------------------------------------

لقد تعمق هذا الاتجاه بسبب مانسميه «المسألة العبرانية»، أي قلة عدد العبرانيين وتخلف المجتمع العبراني الحضاري والتكنولوجي والعسكري مع وجوده في واحد من أهم المواقع الإستراتيجية في العالم. فلم يتمكن المجتمع العبراني من استيعاب الطاقات البشرية داخله، ومن ثم كان لابد من تصديرها. وإلى جانب هذا، كان هذا المجتمع عرضة لغزوات جيوش الإمبراطوريات الكبرى التي كانت تقوم بأسر أعداد كبيرة من العبرانيين ثم تهجرهم إلى أماكن أخرى أو تجندهم في صفوفها.
ويبدو أن العبرانيين القدامى كانوا من المرتزقة منذ بداية ظهورهم في التاريخ، فكلمة «عبراني» ذاتها تشير إلى العبد الذي أصبح كذلك برضاه وحول نفسه إلى أداة في يد الآخر. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن كلمة «خابيرو» (التي يذهب البعض إلى أنها تعني العبرانيين) تعني «الجندي المرتزق»، وأن الكلمة كانت تطلق على أية جماعات من الرحل أو الغرباء أو الأشقياء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش لقاء أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ولكن يبدو أن الخابيرو، كانوا بدوا مرتزقة يغيرون لاستلاب الغنائم أو ربما جماعة كانت تنضم بشكل مؤقت لقوة محاربة نظامية أو غير نظامية من أجل تحقيق الربح. ولعل اشتراكهم مع الهكسوس في غزو مصر كان شيئا من هذا القبيل. وعلى كل، ومهما كانت اشتقاقات الكلمة، فإن هناك مؤشرات عديدة على أن العبرانيين القدامى، مع استقرارهم في كنعان، كانوا يعملون كمرتزقة، كما أنهم حاربوا في صفوف الفلستيين كمرتزقة ضد بني جلدتهم.

(4/178)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد قام الملك العبراني أمصيا )769ـ 798 ق.م)، تاسع ملوك المملكة العبرانية، بجمع جيش من المرتزقة من المملكة الشمالية وحاول إخضاع أدوم للهيمنة العبرانية. كما تم تجنيد العبرانيين كمرتزقة في جيوش مصر الفرعونية حينما بدأ ملوك المملكة الجنوبية مبادلة الأحصنة بالجنود. وفي الأسرة السادسة والعشرين استعان بهم بسماتيك الأول (663 ـ 605 ق.م) الذي كون جيشا من المرتزقة كان يضم في صفوفه يهودا، وقام بسماتيك الثاني (594 ـ 589 ق.م) من بعده بتوطين جماعة استيطانية في جزيرة إلفنتاين. وحينما سقطت المملكة الجنوبية، فرت جماعات من العبرانيين إلى مصر واستقرت في أماكن معروفة بأن فيها حاميات عسكرية. ويلاحظ أن الدياسبورا هنا (أي انتشار اليهود في بقاع الأرض) مرتبطة بنشاطين متلازمين هما في واقع الأمر نشاط واحد: الاستيطان والقتال كمرتزقة. والانتشار لا علاقة له بتحطيم الهيكل كما يدعي الصهاينة. ومما يجدر ذكره أن التهجيرين، الآشوري والبابلي، لم يكن الهدف منهما تأديب العبرانيين وحسب وإنما نقلهم ليصبحوا جماعة وظيفية استيطانية، إذ تحول المهجرون إلى العمل بالزراعة والشئون المالية، وليس هناك ما يدل على تحولهم إلى جماعة وظيفية قتالية. وقد استخدم الفرس العبرانيين كجماعة استيطانية قتالية، فأقاموا جماعات يهودية موالية للدولة الفارسية على هيئة مستعمرات في أرجاء الإمبراطورية، كما عمل اليهود جواسيس وجنودا مرتزقة. وقد حولت حامية إلفنتاين ولاءها من السلطة المصرية إلى السلطة الفارسية الفاتحة، فالمرتزقة كما أسلفنا يتبعون من يدفع لهم. وأسس دارا الأول جيشا قويا يضم جنودا يونانيين ويهودا مرتزقة.

(4/179)


--------------------------------------------------------------------------------





(4/180)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:49 AM
وحينما فتح الإسكندر الشرق الأدنى القديم، تصاعدت ظاهرة تحويل اليهود إلى جماعات استيطانية قتالية بالدرجة الأولى خصوصا أن الحكم البطلمي والسلوقي كان مبنيا أساسا على المرتزقة. وقد أبقى الإسكندر على المزايا التي منحها الفرس لليهود، فانضموا إلى الجيوش اليونانية كمرتزقة. ولم تكن هناك فرقة قومية خاصة باليهود، ولذا انضم المرتزقة اليهود إلى فرق الآسيويين الذين تكاثر عدهم بين عامي 200 و150 ق.م. وكان يشار إلى اليهود أحيانا بوصفهم «فرسا»، ويذكر يوسيفوس أن المرتزقة من يهود الإسكندرية كان يشار إلىهم بوصفهم «مقدونيين».
وكان البطالمة ينظرون إلى اليهود كجماعة استيطانية قتالية وتجارية يتوقف أمن أعضائها على رضا النخبة الحاكمة الأمر الذي يجعل منهم عنصرا مأمون الجانب، ولذا شجعهم البطالمة على الهجرة إلى مصر للعمل فيها مرتزقة وتجارا ومزارعين وأفراد شرطة وموظفين وملتزمي ضرائب. وحينما أسر سوتر الأول عددا كبيرا من اليهود في إحدى حملاته على فلسطين، وطنهم في مصر ليستخدمهم أداة لقمع المصريين. وقد قام بطليموس الثاني (فيلادلوفوس) (283 ـ 244 ق.م) بإعتاق العبيد العبرانيين الذين أسرهم ثم وطنهم في معسكرات باعتبارهم وحدات قتالية استيطانية (باليونانية: كليروخوا). وحينما فتح البطالمة برقة في عام 145 ق.م، وطنوا اليهود فيها ليشددوا قبضتهم علىها (على حد قول يوسيفوس). وفي العام نفسه، شيد أونياس الرابع معبدا يهوديا في لينتوبوليس كانت ترابط حوله فرقة من المرتزقة اليهود.
وقد خدم اليهود في فرق المشاة والفرسان على حد سواء، خصوصا إبان حكم بطليموس السادس (180 ـ 145 ق.م) الذي سلم مملكته تقريبا إلى المرتزقة اليهود الذين وصلوا إلى أعلى المراتب العسكرية بما في ذلك القيادات. ويقال إن الملكة كليوباترا الثالثة اعتلت العرش بفضل مساعدة قواد الجيش من اليهود. و كان من بينهم خلكياس وأنانياس ولدا أونياس اللذان قادا جيشها في فلسطين. وكان المرتزقة اليهود من أرباب الإقطاعات، وكان في وسعهم تأجير أرضهم وتوريثها لأبنائهم دون عناء كبير. وانخرط اليهود أيضا في سلك الشرطة وحراسة الممتلكات وتحصيل المكوس الجمركية على ضفتي النيل، وهو عمل ذو طابع عسكري، ولذا كان يطلق على المحصلين اسم «حراس النهر» لكن هناك من يذهب إلى أنهم كانوا موظفين من قبل الإدارة المالية ولا شأن لهم بأعمال الحراسة.
ولم يختلف موقف السلوقيين كثيرا عن موقف البطالمة، فقد نقل أنطيوخوس الثالث ألف أسرة يهودية من بابل (التي كانت تابعة للإمبرطورية السلوقية)، مع أجهزتها الحربية، إلى ليديا وفريجيا في آسيا الصغرى في عام 210 ق.م.، وذلك لتأسيس حامية منهم موالية للسلوقيين، ولقمع حركات السكان ضد الحكم السلوقي. ويبدو أن مثراديتيس قد وطن بعض هؤلاء أو غيرهم في شبه جزيرة القرم.

(4/181)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع وصول الرومان إلى المنطقة، تم تسريح الجيش البطلمي، فانهار الوضع الاقتصادي المتميز لليهود والذي ارتبط بوظيفتهم كمرتزقة، لا سيما أن الرومان كانوا لا يجندون سوى اليهود الذين تخلوا عن دينهم. ومع هذا، انخرط اليهود في سلك الجندية كمرتزقة واستمروا يعملون في الجيوش الرومانية حتى القرن الرابع الميلادي. وهذا يعني أن الرومان كانوا أيضا يوطنونهم كعنصر استيطاني قتالي. ونحن نعرف أن أول توطين لليهود في أوربا كان مع الحامية الرومانية التي وطنت في مدينة (كولونيا) والتي اشتق اسمها من كلمة لاتينية تعني «مستعمرة» (وكلمة «كولونيالية» مشتقة من الجذر نفسه). ولكن يبدو أنهم لم يوطنوا كعنصر قتالي وإنما كعنصر مالي. ومع هذا، يمكن القول بأن الاستيطان والقتال كانا متلازمين في معظم الأحوال في العالم القديم.
وقد اختلف الأمر بشكل جوهري مع انتشار المسيحية والإسلام. فالقتال لم يعد يمارس من أجل الكسب المالي وتحقيق المغانم الاقتصادية وحسب وإنما أصبح يتم أيضا من منطلق عقائدي ديني، الأمر الذي نجم عنه استبعاد غير المؤمنين. ولذا لم يعد بإمكان المرتزقة اليهود الاستمرار في ممارسة مهنتهم، فانخرطوا في وظائف أخرى وأصبح أعضاء الجماعات اليهودية من الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة التي تعمل بالتجارة والربا. ولابد هنا من ملاحظة أن حامل رأس المال الربوي لا يختلف كثيرا عن حامل السلاح نظير أجر، فكلاهما عنصر متعاقد غريب لا ينتمي للجماهير التي يضربها أو يستغلها، تم حوسلته تماما، أي تحويله إلى وسيلة، تستخدمها الطبقة الحاكمة. وكلاهما عنصر حركي لا ولاء له (إلا إلى أرض بعيدة أو وطن وهمي أصلي يحلم بالعودة اليه ولا يعود له أبدا) ومن هنا تسميتنا للجماعة الوظيفية المالية «المماليك المالية» حتى يتبين التواصل بين وظائف أعضاء الجماعات اليهودية الاستيطانية والقتالية ووظائفهم المالية (التجارية الربوية).

(4/182)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد صنف اليهود في الحضارة الغربية على أنهم غرباء، والغريب في العرف الألماني (الذي حل محل القانون الروماني في كثير من المجالات) كان تابعا للملك تبعية مباشرة، ومن ثم أصبح اليهود أقنان بلاط. ولكن من الصعب الحديث عن أقنان البلاط باعتبارهم جماعة استيطانية.
ومع هذا، فهناك حالات محددة من الاستيطان اليهودي في العصور الوسطى. فقد قام شارلمان بتوطين اليهود في جنوب فرنسا في ماركا هسبانيكا لتكون حاجزا على حدود العالم المسيحي لوقف التوسع الإسلامي.ويمكن أن نستخدم عبارة «جماعة استيطانية» بشيء من التجاوز للإشارة إلى أعضاء الجماعة اليهودية الذين دعاهم شارلمان للاستيطان في فرنسا ذاتها بهدف تشجيع التجارة، وإلى أولئك الذين صاحبوا الغزو النورماندي لإنجلترا في القرن الحادي عشر،وإلى أولئك الذين استقروا فيها باعتبارهم مادة استيطانية تجارية.
وقد عرفت شبه جزيرة أيبريا الاستيطان اليهودي سواء في إسبانيا الإسلامية (الأندلس) أو المسيحية. فأثناء الفتح الإسلامي، كان المسلمون يوطنون اليهود في المدن التي يفتحونها، مثل قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية حتى يتفرغ المسلمون للعمليات القتالية. وقد ثار المسيحيون في إشبيلية، وفتكوا بأعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم عنصرا استيطانيا قتاليا. كما لجأت القوات المسيحية إلى النهج نفسه أثناء حرب الاستعادة، فكانت تسمح، من الناحية الاسمية، لكل من اليهود والمسلمين بالاحتفاظ بمنازلهم والبقاء فيها، ولكنها من الناحية الفعلىة كانت تسمح لأعضاء الجماعة اليهودية وحسب بالاستيطان والبقاء في المناطق المفتوحة (مثل بالينسيا ولامنشا والأندلس وغيرها).

(4/183)


--------------------------------------------------------------------------------

ولا ندري هل كانت الفرق المسماة «تشاليزيان» في المجر في القرن العاشر جماعة استيطانية قتالية أم كانت جماعة قتالية وحسب. فكلمة «تشاليزيان» مشتقة من الجذر نفسه الذي اشتقت منه كلمة «حالوتسيم» العبرية (بمعنى رواد)، وهي الكلمة التي استخدمها الصهاينة فيما بعد لوصف طلائع المستوطنين الصهاينة. والرائد هو الجندي الذي يوضع في مقدمة الصفوف. ويبدو أن جنود التشاليزيان كانوا من بقايا يهود الخزر، إذ أن مملكة المجر اجتذبت أعدادا كبيرة منهم عند تأسيسها، فعملوا بالقتال نظير المال، أي أنهم كانوا جماعة قتالية وربما استيطانية ولكنهم تحولوا بالتدريج إلى جماعة وظيفية مالية.
ومن المعروف لنا أن الدولة العثمانية قامت، حينما ضمت أجزاء من المجر في عام 1526، بتهجير 2000 يهودي إليها ليكونوا عنصرا استيطانيا مواليا للسلطان العثماني. ولعل هذا كان ضمن نظام السورجون العثماني، و«سورجون» كلمة معناها «نفي أو ترحيل أو تهجير عنصر بشري ما، إما كشكل من أشكال العقاب أو لتحقيق خدمة للدولة العثمانية». وقد وطن العثمانيون اليهود في قبرص لموازنة العنصر المسيحي فيها، كما وطنهم ملوك بولندا في المدن البولندية لتشجيع التجارة.

(4/184)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن أهم التجارب الاستيطانية شبه القتالية للجماعات اليهودية على الإطلاق (قبل التجربة الصهيونية) هي تجربتهم كجماعة استيطانية تجارية شبه قتالية في إطار الإقطاع الاستيطاني البولندي في أوكرانيا، حيث اضطلع بعض أعضاء الجماعة اليهودية بوظيفة الأرندا (دفع مقابل عائد الأراضي الزراعية) منذ أواخر القرن السادس عشر، فقاموا باستئجار ضياع النبلاء البولنديين (شلاختا) في أوكرانيا وإدارتها لحسابهم. وكان الأرنداتور (المديرون أو الوكلاء) اليهود يستأجرون مناطق ومدنا بأكملها فيعتصرون الأقنان الأوكرانيين لحساب النبلاء البولنديين. ولحماية هؤلاء الوكلاء وأسرهم، شيد النبلاء مدنا صغيرة تسمى «شتتل» كانوا يعيشون فيها تحت حماية القوة العسكرية البولندية، كما كان عليهم هم أنفسهم أن يتدربوا على حمل السلاح.

(4/185)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:51 AM
ومن التجارب الاستيطانية الأخرى للجماعات اليهودية تجربة يهود رومانيا الذين كان يطلق عليهم اسم «هرسوفلتسي» (وهو مشتق من كلمة «هرسوف» الرومانية وتعني «ميثاق»)،والذين وطنهم النبلاء الإقطاعيون (البويار) في رومانيا بعد منحهم ميثاقا حصلوا بمقتضاه على ميزات معينة،من بينها الإعفاء من الضرائب لعدة سنين والحصول على أرض فضاء دون مقابل لإقامة معابدهم ومدارسهم وحماماتهم ومقابرهم.وكانت علاقة الهرسوفلتسي بالبويار تشبه إلى حد كبير علاقة يهود الأرندا بالنبلاء الشلاختا،فقد أسس البويار لليهود مدنا صغيرة تشبه الشتتل من أوجه كثيرة.ويلاحظ أن اليهود هنا كانوا عنصرا استيطانيا تجاريا غير قتالي.ورغم أن التجربة الاستيطانية لليهود في رومانيا استمرت أساسا في الفترة من منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، إلا أننا ذكرناها مع تجارب الجماعة اليهودية الاستيطانية في العصر الوسيط في الغرب لأنها من ناحية البنية تقع داخل إطار الاستيطان الوسيط. وعلى كل، فقد كانت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الروماني تشبه إلى حد كبير العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في أوربا الوسيطة.

(4/186)


--------------------------------------------------------------------------------

ويمكننا الآن الدخول إلى العصر الحديث، لنقول إن كثيرا من أساطير وديباجات الاستيطان الغربي ولدت مع الإصلاح الديني البروتستانتي. وقد ظهرت الأسطورة الاسترجاعية التي تذهب إلى أن الخلاص لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى صهيون كجماعة وظيفية استيطانية دينية يسهم توطينها في صهيون في الإسراع بعملية الخلاص. وبالتدريج، مع تطور مراحل الإمبريالية الغربية من الأطوار المركنتالية الأولى إلى المراحل التالية (المرحلة الصناعية وغيرها)، أخذت معالم الأسطورة تتكشف وتتحدد بحيث تحولت صهيون إلى فلسطين البلد الواقع في وسط بلاد الشرق ويطل على بوابات مصر والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس (بعد افتتاحها). وبدأ اليهود يتحولون من شعب مقدس أو شعب شاهد أو شعب منبوذ إلى جماعة وظيفية تجارية وقتالية نشطة. وبعد سنوات طويلة من المقاومة والرفض من جانب أعضاء الجماعات اليهودية، تلقفت الحركة الصهيونية الأسطورة وتحولت من أسطورة بروتستانتية إلى أسطورة يهودية. وهكذا أصبحت صهيون المكان الذي تخرج منه جيوش المستوطنين اليهود «حالوتسيم» الذين يسيرون في المقدمة مسلحين أمام الرب.

(4/187)


--------------------------------------------------------------------------------

وإذا كانت الأسطورة الاسترجاعية تجعل من اليهود جماعة استيطانية، فإن الأساطير الأخرى كانت تجعل من سائر المستوطنين الغربيين البيض يهودا. فالبيوريتان، أي المتطهرون، وهم المستوطنون الأوائل في الولايات المتحدة، كانوا يتوحدون تماما بالعبرانيين القدامى. فهم، في خروجهم من أوربا ودخولهم الأرض العذراء، كانوا يتصورون أنهم يشبهون تماما العبرانيين القدامى حينما خرجوا من مصر ودخلوا كنعان، وأن استيلاءهم على أرض أمريكا العذراء وإبادة سكانها يشبه استيلاء العبرانيين على المدن الكنعانية وإبادة سكانها (حسب الرواية التوراتية). ومن ثم، نجد أن أرض أمريكا كان يشار إليها بوصفها صهيون الجديدة، وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم بأنهم أبناء العهد (بل لقد اقترح أحدهم، لدى التفكير في اختيار لغة للولايات المتحدة بعد استقلالها، أن تكون العبرية لغة الدولة الجديدة). ونجد أن الأسطورة نفسها تسيطر وبشكل درامي على المستوطنين البيض في جنوب أفريقيا (الأفريكانر).

(4/188)


--------------------------------------------------------------------------------

هذا من ناحية الإطار الفكري أو التصوري. أما من ناحية الممارسة التاريخية الفعلىة، فيمكننا القول بأن الاستيطان أصبح البعد الأساسي في تجارب أعضاء الجماعات اليهودية. بل ويمكننا الذهاب إلى أنه لايمكن فهم تفاعلات هذه التواريخ وحركياتها إلا بإدراك مدى استيعاب أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي (أي غالبية يهود العالم) في تجربته الاستيطانية. فقد اشترك أعضاء الجماعات اليهودية في كثير من النشاطات الاستيطانية خصوصا في البلاد البروتستانتية إما كممولين أو كجماعة وظيفية استيطانية. ومع بداية العصر الحديث، كانت أهم جماعة يهودية في العالم توجد في هولندا التي كانت من أنشط الدول الاستيطانية. وقد ساهم اليهود في كثير من النشاطات المرتبطة بالاستيطان الغربي، مثل شركتي الهند الشرقية والغربية الهولنديتين وغيرهما من الشركات وفي تجارة العبيد كما اشترك عدد من أعضاء الجماعات اليهودية في عملية الاستيطان ذاتها في بداية الأمر كان أعضاء الجماعة جزءا من النشاط الاستيطاني الهولندي، فاستوطنوا ابتداء من منتصف القرن السابع عشر في الهند الغربية في ترينيداد والمارتينيك وجامايكا وجزر الباهاما وكوراساو وسورينام.

(4/189)


--------------------------------------------------------------------------------

وكوراساو هي إحدى جزر الهند الغربية الهولندية على مقربة من ساحل فنزويلا، مساحتها 212 ميلا مربعا، احتلها الأسبان عام 1527، ثم استولى عليها الهولنديون عام 1634. وتعود أهميتها إلى أنها من التجارب الأولى للجماعات اليهودية الاستيطانية، وإلى أنها تندرج في إطار الاستعمار الاستيطاني الغربي الذي بدأ نشاطه في العالم الجديد واستمر في التوسع إلى أن وصل إلى آخر حلقاته في فلسطين في العصر الحديث. وقد جرى أول استيطان يهودي في كوراساو عام 1650 حين وصلت 12 عائلة يهودية يحمل أفرادها خطابا من مجلس هولندا يطلب من حاكم الجزيرة أن يمد لهم يد المساعدة، بأي صورة من الصور؛ بالعبيد أو بالأرض أو بالأحصنة أو القطعان أو الأجهزة. ويبدو أن اليهود كانوا جماعة استيطانية زراعية، على حين أن المستوطنين الهولنديين كانوا يهملون الزراعة لأن تجارة البضائع المهربة كانت أكثر ربحا. ومع هذا، يبدو أن التجربة لم تنجح تماما بسبب بعض القيود التي فرضت على حركتهم (ربما بسبب جو محاكم التفتيش الذي ساد العالم الجديد والذي وجد طريقه إلى كوراساو رغم أنها كانت تابعة لهولندا). ولذا، حينما طلب مجلس هولندا إلى أحد أعضاء الجماعة اليهودية أن ينقل مزيدا من الأسر اليهودية إلى كوراساو وعرض منحهم حقوقا وامتيازات استثنائية (مثل الإعفاء من الضرائب لمدة عشرة أعوام، وحق حيازة الأراضي التي يجدونها ملائمة، وحق الامتناع عن العمل يوم السبت)، لم يجد هذا الطلب أذنا صاغية. وحينما استولت البرتغال على البرازيل من هولندا، عام 1654، فرت مجموعة من اليهود إلى كوراساو وأخذت رأس مالها معها. وقد كان ضمن نشاطاتهم الأساسية تجارة العبيد. وفي تلك الآونة، أزيلت كل القيود عن الجماعة اليهودية. وفي عام 1693، رحلت مجموعة من اليهود إلى الولايات المتحدة، فكانت أول جماعة يهودية تستوطن فيها.

(4/190)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن سورينام كانت أهم التجارب الاستيطانية الأولى، وقد بدأ وصول اليهود إليها عام 1639 من هولندا ثم من إنجلترا عام 1652، فكفلت لهم كل الحريات والمزايا، ومنح اليهود الجنسية الإنجليزية. وبعد أن ضم الهولنديون سورينام مرة أخرى، عام 1667، حاول بعض اليهود عام 1674 الرحيل مع الرعايا البريطانيين، ولكن الهولنديين أرغموهم على البقاء فيها باعتبارهم جماعة استيطانية نافعة. وقد تركز اليهود فيما يسمى «يودين سافان»، أي «سافاناه اليهود»، وأسسوا مستوطنة يهودية في برزدينتس أيلاند عام 1670 كانت تتمتع بما يشبه الاستقلال الكامل (ومن ثم فهي أول دولة أو شبه دولة يهودية استيطانية قتالية في العصر الحديث). وكان اقتصاد المستعمرة يعتمد على العبيد الذين راحوا يشقون الطرق ويزيلون الغابات والأعشاب، حتى أقاموا مدينة جديدة محاطة بالطرق. وقد بلغ عدد سكان المستعمرة عشرة آلاف نسمة عام 1719، غالبيتهم الساحقة من العبيد بطبيعة الحال. وكان العبيد المستجلبون من أفريقيا يهربون ويلجأون إلى الأحراش ويختلطون بسكان الجزيرة الأصليين، فيضطر سكان المستوطنة إلى استجلاب المزيد من العبيد من أفريقيا، ولكنهم كانوا يهربون بدورهم وينضمون إلى السكان الأصليين. ثم بدأ تحالف من جماعات العبيد الأفارقة والسكان الأصليين في شن هجمات على المستوطنة في الفترة من 1692 ـ 1774، وكون المستوطنون البيض ميليشيات عسكرية وجردوا الحملات ضد الثوار (تماما كما تفعل الدولة الصهيونية ضد الفلسطينيين)، ولكن الإرهاق من الحرب وانتشار الأمراض أدى إلى انتصار تحالف السود السكان الأصليين وإلى سقوط أول دولة يهودية في العصر الحديث.
كما استوطن اليهود معظم بلاد أمريكا اللاتينية، خصوصا الأرجنتين التي وطن فيها المليونير هيرش آلاف اليهود، فيما يعد أهم تجربة استيطانية زراعية في العصر الحديث بخلاف تجربة إسرائيل.

(4/191)


--------------------------------------------------------------------------------

ويلاحظ أن هذه النشاطات الاستيطانية تدور إما في إطار الاستعمار الهولندي (البروتستانتي) أو الاستعمار الإسباني والبرتغالي (الكاثوليكي). والمادة البشرية الأساسية هنا هي يهود السفارد (المارانو). ولكن المادة الاستيطانية الحقيقية كان مصدرها يهود اليديشية (الإشكناز في روسيا وبولندا في شرق أوربا) الذين كانوا يشكلون الغالبية الساحقة ليهود العالم مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي أيضا الفترة التي شهدت الهجرات الاستيطانية الغربية. ويمكننا أن نترك التسلسل التاريخي قليلا، لنركز على حركة يهود اليديشية داخل إطار التشكيل الاستعماري الروسي (الأرثوذكسي) في عصر القياصرة ثم في عصر البلاشفة. وقد تحكمت في السياسة الاستيطانية عند الروس والبلاشفة عدة عوامل متداخلة:
1 ـ المسألة اليهودية، ومحاولة دمج اليهود ثقافيا واقتصاديا.
2 ـ المشكلة السكانية في روسيا باعتبارها دولة مترامية الأطراف.
3 ـ محاولة الدولة الروسية ترويس المناطق التي ضمتها من الدولة العثمانية وغيرها من المناطق، وخلق كثافة سكانية روسية فيها (وهنا كان اليهود يعدون جماعة وظيفية استيطانية روسية).
وفي محاولة دمج الجماعة اليهودية، كان التصور السائد أن المسألة اليهودية يمكن حلها، أو التخفيف من حدتها، بتحويل اليهود إلى جماعة وظيفية استيطانية تنقل إلى أماكن مختلفة فتستفيد الدولة الروسية بتعمير الأراضي وتتخلص في الوقت نفسه من الفائض اليهودي (وهذا هو المنهج الغربي الصهيوني نفسه، أي حل المسألة اليهودية لدول أوربا عن طريق نقل اليهود إلى فلسطين وتوطينهم فيها، وبذا تصبح فلسطين قاعدة للغرب).

(4/192)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي الفترة بين عامي 1807 و1808، خصص القيصر بعض أراضيه لتوطين بعض أعضاء الجماعة اليهودية فيها لتحويلهم إلى عنصر نافع، ولدمجهم في المجتمع. وبعد ضم الخانات التركية حول البحر الأسود، سميت المنطقة المحتلة باسم «روسيا الجديدة»، وتم تشجيع اليهود على الاستيطان فيها بهدف تعميرها وتأكيد الوجود السكاني الروسي فيها. وقد استمر البلاشفة في الاتجاه الاستعماري الاستيطاني نفسه والذي يرمي إلى حل المسألة اليهودية وتعمير المناطق التي تم ضمها في آن واحد. وفي إطار هذا، تم توطين اليهود في بيروبيجان، وجري التفكير في توطينهم في القرم. ويجب أن نشير هنا إلى أن كثيرا من اليهود الموجودين في الجمهوريات السوفيتية (غير الروسية) السابقة، مثل جورجيا وأوزبكستان وبخارى وليتوانيا ولاتفيا، يوجدون فيها في إطار الاستعمار الاستيطاني الروسي السوفيتي الذي كان يرمي إلى خلق كثافة سكانية روسية.
ولكن النشاط الاستيطاني الأكبر ليهود اليديشية كان داخل التشكيل الاستيطاني الأنجلو ساكسوني (البروتستانتي)، فاتجه ملايين اليهود إلى جنوب أفريقيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا وهونج كونج، واتجهت غالبيتهم (85%) إلى الولايات المتحدة أهم التجارب الاستيطانية الغربية. وقد يثار هنا سؤال: بأي معنى يمكن استخدام اصطلاح «جماعة وظيفية استيطانية» في حالة المهاجرين اليهود، مع أنهم كانوا ضمن جماعات أخرى من المهاجرين الغربيين الذين هاجروا بكامل حريتهم، علما بأن الولايات المتحدة لم تعد دولة استيطانية بعد إعلان استقلالها؟ وسنقر ابتداء بأن استخدام المصطلح في هذا السياق فيه شيء من التجاوز وقدر من المجاز، ومع هذا يمكن أن نشير إلى مايلي:

(4/193)


--------------------------------------------------------------------------------

1 ـ لم تفقد الولايات المتحدة طابعها الاستيطاني إلا مع بداية القرن العشرين، بل إن عملية طرد السكان الأصليين وإبادتهم لم تبدأ إلا عام 1830. وقد ضمت الولايات المتحدة أراضي شاسعة من المكسيك وغيرها بعد ذلك التاريخ، وهي أراض احتاجت إلى مستوطنين. كما أن رعاة البقر (أو الكاوبوي) في الغرب الأمريكي ظلوا ملمحا أساسيا في الحضارة الأمريكية، ورعاة البقر هم الرواد (حالوتسيم) الأمريكيون البيض.
2 ـ لم يكن اليهود أحرارا تماما في عملية الهجرة، فقد صنفتهم أوروبا باعتبارهم فائضا بشريا منبوذا.
3 ـ كانت الولايات المتحدة تسمح ليهود اليدشية بالهجرة إليها والاستيطان فيها بقدر حاجتها إليهم، وبما يتفق مع أمنها القومي.
ويجب ملاحظة أن الدول الاستيطانية التي استقرت فيها غالبية اليهود، بدأت تفقد طابعها الاستيطاني وتتحول إلى دول مستقرة ذات بنية سكانية ثابتة واضحة. ومع اختفاء السكان الأصليين، تلجأ هذه المجتمعات إلى الحصول على المادة البشرية بطرق قانونية (عن طريق الهجرة)، وتقوم بدمج وصهر العناصر الوافدة. كما أنها دول ذات مستوى اقتصادي متقدم استوعب أعضاء الجماعات اليهودية فيه دون تمييز أو قيود، وهي مجتمعات ذات أصول بروتستانتية وصلت إلى درجة عالية من العلمنة والتعاقدية. لكل هذا، فهي مجتمعات لا تحتاج إلى أي متعاقدين غرباء أو جماعة وظيفية تجارية أو زراعية أو استيطانية أو قتالية، إذ يتم تجنيد العاملين (والخبراء والمقاتلين) من داخل المجتمع ذاته. ولعل هذا يفسر سر اختفاء اليهود باختفاء الوظيفة التي كانت سببا من أسباب استمرارهم.

(4/194)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:52 AM
من كل ما تقدم يتبين مدى ارتباط الجماعات اليهودية في العالم (الغربي بالذات) بالاستيطان وبالقتال. ويمكن أن نشير هنا إلى ظاهرة أخرى وهي أن العالم العربي بدأ، منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر، في تحويل اليهود المستعربة، أي يهود العالم العربي المحليين، إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين له بالولاء بغض النظر عن أصولهم العرقية والحضارية. وقد تم هذا من خلال عدة قنوات:
1 ـ منح الجنسيات الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرها لأعضاء الجماعة اليهودية.
2 ـ فرنسة يهود العالم الغربي من خلال مدارس الأليانس.
3 ـ هجرة عناصر يهودية غربية إلى العالم العربي تولت قيادة الجماعات اليهودية في العالم العربي.
ومع انتصاف القرن العشرين، وظهور الدولة الصهيونية، تم تحويل الغالبية العظمي من يهود العالم العربي إلى مادة استيطانية لاجذور لها في المنطقة وعلى استعداد لأن تنقل إلى أي مكان وأن توظف لصالح من يقوم بعمليات النقل والتوظيف والتمويل .
ومن الأمور الجديرة بالذكر أن أعدادا كبيرة من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر كانوا يهودا أتوا من فرنسا أو تم تجنيدهم من بين صفوف اليهود المحليين الذين كان يتم فرنستهم، كما كانت الفرقة الأجنبية (الفرنسية) تضم أعدادا كبيرة من اليهود.

(4/195)


--------------------------------------------------------------------------------

ونحن نرى أن من الأفضل تفسيريا أن ننظر إلى الدولة الصهيونية لا باعتبارها دولة عادية لها نمط إنتاجي مما هو معروف (إقطاعي ـ رأسمالي... إلخ) وإنما باعتبارها دولة وظيفية، فهي إعادة إنتاج لنمط الجماعة الوظيفية الاستيطانية القتالية على هيئة دولة. وقد تم توقيع عقد بلفور بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية العالمية والذي جرى بمقتضاه نقل من يرغب من اليهود إلى فلسطين ليصبح عنصرا استيطانيا قتاليا يدافع عن المصالح الغربية نظير مستوى معيشي مرتفع، وهذا هو نمط القتال نظير المال. ولذا، فإن إسرائيل، بالنسبة للراعي الإمبريالي الجديد (الذي حل محل البطالمة والسلوقيين والرومان والنبلاء البولنديين [شلاختا])، هي أساسا، وظيفة تؤدى ودور يلعب.
ولم يطلق مصطلح «مرتزقة» على الصهاينة لأن هذا المصطلح لا يترك انطباعا طيبا في النفس البشرية، ولذا يطلق الصهاينة على أنفسهم اسم «حالوتسيم»، أي «المنخرطون في السلك العسكري في مقدمة الصفوف»، ومن هنا تأتي ترجمتها بكلمة «الرواد». ويشار إلى إسرائيل بأنها قلعة على حدود أوربا في الشرق وحصن ضد الهمجية الشرقية. ومن المعروف أن المرتزقة، في العصور الحديثة، كانوا يوضعون دائما في مقدمة الصفوف، أي على الحدود الأمامية، كما حدث على سبيل المثال عام 1956 عند إنزال القوات البريطانية أثناء العدوان على مصر، حيث أنزل الأفارقة والهنود في بداية الأمر باعتبارهم مادة بشرية رخيصة، ثم أنزلت المادة البشرية البريطانية الثمينة فيما بعد. وهذا هو وضع الدولة الصهيونية، والرواد الصهاينة، حيث يوضعون في المقدمة، فهم الشعب المختار للاستيطان والقتال.

(4/196)


--------------------------------------------------------------------------------

ولا ينظر إلى الدولة الصهيونية إلا من منظور مدى نفعها: فهي تارة ثروة إستراتيجية، وهي تارة أخرى حاملة طائرات وحارس للمصالح الغربية. ولكنها، في جميع الأحوال، أداة ووسيلة وحسب لا غاية أو هدف. وتتسم الدولة الصهيونية الوظيفية أيضا بالعزلة عما حولها حتى يتسنى لها الاضطلاع بوظيفتها بكفاءة.
وبعد أن ضمت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة، تبلورت الأمور تماما. وأدرك المستوطنون الصهاينة هويتهم كجماعة وظيفية استيطانية قتالية. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في فكر جماعة جوش إيمونيم التي ترى أن الاستيطان والقتال عبء مقدس ملقى على عاتق الشعب المختار، وأن على اليهودي أن يقبل مصيره الإلهي إذ لاخيار له.

(4/197)


--------------------------------------------------------------------------------

ويمكننا أن نقول إن الدور الذي تلعبه الدولة الصهيونية، والوظيفة التي تضطلع بها، هما السلعة الأساسية التي تنتجها، وهما مصدر دخلها الثابت. ولذا، يمكننا الحديث عن هذا الدور باعتباره إحدى علاقات الإنتاج مع الإمبريالية (وعلاقات الفتك مع الشعب الفلسطيني المستهدف). وقد سمينا المستوطنين الصهاينة «المماليك الاستيطانية القتالية» تمييزا لهم عن «المماليك المالية» وهم الجماعات اليهودية الوظيفية المالية. ونحن نرى أن هذا النموذج التحليلي أكثر تفسيرية لأنه يفسر كثيرا من جوانب الاقتصاد الإسرائيلي والسياسية الخارجية الإسرائيلية. ومع هذا، فإننا نذهب إلى أن دور الدولة الوظيفية الصهيونية سيتغير، مع ظهور النظام العالمي الجديد، حيث سيتراجع دورها القتالي (المرتبط بوضعها الاستيطاني) وسيتحول «المماليك الاستيطانية القتالية» إلى «المماليك المالية» مرة أخرى، وسيحل رأس المال العالمي محل السيف والمدفع ورأس المال الربوي، وسيحمل الجنرال الإسرائيلي السابق السامسونايت بدلا من المدفع الرشاش، وسيحضر بالطيران المدني المكيف بدلا من الطيران العسكري وبالليموزين بدلا من الدبابة، ولن يمطرنا بالصواريخ والنابالم، كما كان يفعل حتى عهد قريب، وإنما بعقود الصفقات التجارية المريبة والرشاوى الخفية التي تفسد العباد وتفلس البلاد.

(4/198)


--------------------------------------------------------------------------------

وكما قال شمعون بيريز: « الشعب اليهودي لا يهدف إلى السيطرة وإنما يهدف إلى البيع والشراء »، أي أن الجنرال أصبح إنسانا اقتصاديا يمثل شعبا مختارا لعمليات البيع والشراء والأعمال المالية. ومثل هذا الإنسان لا يحب ولا يكره فهو يبحث عن الربح، كما أنه لا يصدع رأسه بالحديث عن القيم أو المطلقات أو الهويات، ولا يكن احتراما للآخر لأنه لا يكن احتراما لذاته، وهو في النهاية عنصر حركي طرح عن نفسه تراثه وقيمه ونزع نفسه من وطنه ليستوطن أرض الآخرين. وعلى هذا، فإن هدف العمليات القتالية والاستيطانية والمالية واحد في كل هذه الحالات، ضمان تدفق خيرات هذه الأرض لقوى خارجها.
وقد لوحظ أن أعدادا كبيرة من الإسرائيليين تعمل مرتزقة في بعض دول العالم الثالث. وتشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 2000 فرد من الجيش الإسرائيلي عملوا كمرتزقة ومدربين في أفريقيا على مدى الأعوام الثلاثين الماضية بدءا بالطيارين في أوغندا وانتهاء بالمظليين في زائير. وتوجد شركات خاصة (مثل شركة ليفدان) يديرها جنرالات سابقون ويشغل صفوفها أفراد سرحوا حديثا من الجيش الإسرائيلي. ويتلقى المرتزق الإسرائيلي مبلغ 2500 دولار علاوة على بدلات أخرى. وقد صرح مسئول من الشركة بأن ما تفعله هذه الشركة لا يختلف عما كانت تفعله الحكومة الإسرائيلية لسنوات طويلة.
جماعة يهودية وظيفية تجارية
Jewish Trading Functional Group

(4/199)


--------------------------------------------------------------------------------

«الجماعة الوظيفية التجارية» هي الجماعة التي يضطلع أفرادها بالتجارة والنشاطات التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بمهنة التجارة في كثير من المجتمعات الإنسانية. ويفسر أعداء اليهود هذه الظاهرة بصيغهم اللفظية الجاهزة، مثل: « الطبيعة اليهودية الخاصة » أو « خصوصية الشخصية اليهودية » أو « النزوع الأزلي عند اليهود نحو استغلال الآخرين ». وهناك أيضا التفسير الصهيوني الذي لا يقل تهافتا عن الصيغ السابقة، وهو « أن المجتمعات التي عاش فيها اليهود فرضت علىهم مهنة التجارة ثم الربا فرضا ومنعتهم من الاشتغال بالزراعة أو ملكية الأراضي الزراعية ». وهكذا، فبينما يرى التفسير الأول (المعادي لليهود) أن الأغيار ضحية عنف اليهود، يرى التفسير الصهيوني أن اليهود هم ضحية عنف الأغيار. وهذه الأقوال السابقة كلها لا قيمة لها من الناحية التفسيرية، ولولا شيوعها لما كلفنا أنفسنا عبء ذكرها أو الرد عليها.

(4/200)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن، بدلا من استخدام النماذج التفسيرية العنصرية الجاهزة التي تختزل التفاصيل وتعفي الإنسان من مشقة التفكير والتمحيص، يمكننا أن نستقرئ أحداث التاريخ المتعين وبعض تفاصيله الدالة لنصوغ منها نماذج أكثر تركيبية وتفسيرية. لقد ورد ذكر العبرانيين لأول مرة في التاريخ المدون على أنهم بدو رحل يقومون بالرعي والتجارة. ولكن، عند استقرارهم في أرض كنعان عملوا بالزراعة أساسا وظل نشاطهم التجاري محدودا بل يكاد يكون منعدما. ويلاحظ أن لفظ «كنعاني» كان مرادفا للفظ «تاجر» (هوشع 12/8 وأشعياء 23/8 وأمثال 31/24). ولعل هذا يفسر خلو العهد القديم من الإشارة إلى التجارة باعتبارها نشاطا اقتصاديا مهما، بعكس الإشارات الكثيرة إلى الزراعة والقوانين والطقوس والشعائر والأعياد المرتبطة بها. وإن كان ثمة رأي يذهب إلى أن هذا لا يعكس بالضرورة حالة المجتمع العبراني قبل قيام المملكة المتحدة وإنما يعكس، في واقع الأمر، الموقف السلبي الذي اتخذه كتاب العهد القديم المحافظون ضد التجار وشئون المال. ولكن مما له دلالته أن التلمود يضم كتابا كاملا يسمى «زراعيم» يتناول أمور الزراعة.

(4/201)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:53 AM
ومهما تكن حقيقة الأمر، فقد تغير الوضع مع ظهور المملكة العبرانية المتحدة التي كانت تشكل وحدة سياسية كبيرة نوعا ما ولها سلطة مركزية أكثر مما كان علىه الحال إبان عصر القضاة. فقد كانت دولة في حاجة إلى تمويل المشروعات المعمارية الكبرى مثل هيكل سليمان، ووجدت أنه قد يكون من الممكن توفير الاعتمادات اللازمة من خلال النشاط التجاري. ومما شجع على هذا الاتجاه موقع فلسطين باعتبارها ممرا رئيسا بين التشكيلين الحضاريين الأساسيين في الشرق الأدنى القديم (مصر وبلاد الرافدين)، فضلا عن وقوعها على واحد من أهم طرق التجارة في العالم القديم، بحيث كان بإمكان من يحكمها أن يحقق أرباحا كبيرة من خلال التجارة. وبالفعل، قامت الدولة العبرانية بتطوير العلاقات التجارية مع مدينة صور إحدى أهم القوى التجارية الاقتصادية آنذاك. واشتركت الدولتان في إنشاء أسطول في عتسيون جابر، ونشطت تجارة وصناعة التجميع، فكانت المملكة تشتري العربات الحربية من مصر وتجمعها وتشتري الأحصنة من مصادر أخرى وتبيعها لملوك سوريا من الحيثيين والأراميين. وقد تكون قصة ملكة سبأ وزيارتها لسليمان دليلا على ازدهار التجارة الدولية للمملكة العبرانية المتحدة. ومما يجدر ذكره أن الدولة احتكرت هذه التجارة. أما التجارة الداخلية، فيبدو أنها ظلت ضئيلة الشأن وبدائية تأخذ شكل المقايضة. ولم يتغير الوضع كثيرا بعد انقسام المملكة المتحدة إلى المملكتين الشمالية والجنوبية.

(4/202)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن الصورة تبدأ في التغير قليلا مع التهجير البابلي، حيث اشتغل بالتجارة كثير من أعضاء الجماعة اليهودية المهجرين، خصوصا أن الإمبراطورية البابلية كانت لديها تجارة دولية نشطة في ذلك الوقت. وقد تحولت الجماعة اليهودية في بابل إلى جماعة وظيفية وسيطة، وأصبح هذا هو النموذج السائد مع ازدياد انتشار الجماعات اليهودية في العالم القديم خارج فلسطين، إذ ظهرت جماعات يهودية وسيطة في أرجاء الدولة الفارسية وفي الإسكندرية وروما وفي أنحاء أخرى من العالم القديم. لكن هذا لا يعني أن جميع اليهود، في جميع أنحاء العالم، كانوا يعملون بالتجارة منذ التهجير البابلي، إذ أن من الثابت تاريخيا أن قطاعات كبيرة منهم ظلت تعمل بالزراعة في بابل وفي بلاد حوض البحر الأبيض المتوسط.

(4/203)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد تبلور تماما هذا الاتجاه نحو العمل بالتجارة مع سقوط الدولة الرومانية وبداية العصور الوسطى في القرن الخامس الميلادي، إذ تعرضت أوربا بعد سقوط الإمبراطورية لهجمات القبائل البربرية، مثل: الوندال والفرنجة والهن والقوط والسكسون والتيوتون وغيرهم، وهو ما أدى إلى تحول مركز الحياة ثانية من المدينة (التي كانت تمر بالمراحل الأولى من نموها) إلى الريف. وأدى هذا بدوره إلى حدوث تراخ شديد في عملية تحول الاقتصاد من إنتاج طبيعي استهلاكي يستند إلى القيمة الاستعمالية إلى إنتاج بضاعي يستند إلى القيمة التبادلية. ونتيجة ذلك، ظلت القارة الأوربية كيانا استهلاكيا بصورة أساسية، يصدر العبيد والنساء والصبيان والفراء والسيوف ويستورد الأقمشة والحبوب والتوابل وغير ذلك من المنتجات التي تستهلكها بالدرجة الأولى طبقة الإقطاعيين والنبلاء. ونجم عن هذا استقطاب المجتمع الأوربي إلى طبقتين: طبقة السادة ملاك الأراضي وطبقة الفلاحين. وكانت أولاهما تحتكر التجارة، أما الثانية فلم تكن قادرة على الاضطلاع بها لعدم توفر رأس المال أو الخبرة لديها. لكن النشاط التجاري لم يكن من الاتساع بحيث يستدعي ظهور طبقة تجارية محلية. وأدى هذا الوضع إلى اتساع الهوة بين الطبقتين، ومن هنا كان من الطبيعي أن يضطلع بوظيفة التجارة جسم غريب مثل أعضاء الجماعة اليهودية الذين كانوا يقطنون المدن والموانئ مع التجار الفينيقيين. ويقول الحاخام آجوس: « لقد ورثت المسيحية القانون الروماني المعادي للتجارة والربا، بينما ورث اليهود المدن والحياة في المدينة وتقاليدها القانونية والحضارية ». وهذا قول يتسم بكثير من المبالغة ولكنه، مع هذا، يصف جانبا مهما من الواقع.

(4/204)


--------------------------------------------------------------------------------

وبعد الفتح الإسلامي وضم منطقة سوريا وفلسطين، تبلور دور اليهود كتجار داخل التشكيل الحضاري الغربي بصورة نهائية. وبالتالي اختفى التجار الفينيقيون، وفتح المجال على مصراعيه أمام اليهود ليصبحوا الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة تقريبا في الغرب. بل وأصبحت الجماعات اليهودية، بانتشارها في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي العالمين الإسلامي والمسيحي، تشكل أول نظام ائتماني عالمي يسهل عملية انتقال التاجر من بلد إلى آخر وييسر عمليات التبادل التجاري وينظمها. وبذلك، أصبح أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون الجسر التجاري والمالي بين العالمين الإسلامي والمسيحي مع بداية العصر الوسيط في الغرب، ولعبوا دورا خطيرا في التجارة الدولية بينهما. ومما يجدر ذكره أن التجارتين الدولية والمحلية كانتا مرتبطتين تماما، إذ كان التاجر يحمل السلعة من بلد إلى آخر أو من سوق إلى آخر ويبيعها بنفسه أو يبيعها لتاجر يهودي آخر مقيم في المدينة. ويقال إن أعضاء النخبة الحاكمة في مملكة الخزر كانوا يرغبون في تطوير التجارة بمملكتهم، ومن ثم اعتنقوا اليهودية حتى يمكنهم التمتع بالتسهيلات الائتمانية التي يتمتع بها اليهود في شتاتهم، أي انتشارهم.
ومن العناصر التي ساهمت في تحول الجماعات اليهودية إلى جماعات وظيفية، علاقتها الخاصة بالزراعة في أوربا إبان العصور الوسطى (انظر: «علاقة الجماعات اليهودية بالزراعة»).

(4/205)


--------------------------------------------------------------------------------

ولعل العنصر الحاسم في عملية تحويل أعضاء الجماعة اليهودية إلى جماعة وظيفية وسيطة هو اكتمال ملامح النظام الإقطاعي، فهو مجتمع يقوم على التفرقة بين الطبقات والجماعات ويحافظ على استقلال كل واحدة منها وعلى هويتها، كما أنه مجتمع يستند إلى التضامن المسيحي. وقد كان على الفلاح أن يقسم يمين الولاء الديني، كما كان الملوك يحكمون بالحق الإلهي للملوك. ولهذا، لم يعد بإمكان اليهودي أن ينتمي إلى مثل هذا المجتمع بعد تبلور هويته المسيحية، فلم يعد بوسع اليهودي، على سبيل المثال، أن يؤدي الخدمة العسكرية أو يمتلك الأراضي أو يزرعها لأن كل هذا يتطلب يمين الولاء المسيحي. ولما كانت الزراعة والقتال هما الوظيفتان الأساسيتان في المجتمع الإقطاعي الغربي فقد تحول اليهودي بالدرجة الأولى إلى غريب، كما استبعد على المستوى الاقتصادي والديني والحضاري، أي على جميع المستويات تقريبا. ولذا لم يكن أمام أعضاء الجماعات اليهودية سوى أن يملأوا الفراغات في المجتمع ويضطلعوا بالوظائف التي ليست من صميم بنيته، أي أنهم تحولوا إلى وسطاء عليهم شراء المواثيق من الملوك والأمراء، وتوثقت علاقتهم بالسلطة الدنيوية الحاكمة حتى أصبحوا أقنان بلاط يتبعون التاج الملكي والخزانة الملكية ويوضعون تحت حماية الملك ويشكلون ما يشبه الملكية الخاصة له، يحققون له الأرباح عن طريق التجارة والقيام بنشاطات مالية وإدارية أخرى مثل: جمع الضرائب والعمل في بعض الصناعات، أي أنهم أصبحوا جزءا من الطبقة الحاكمة وأداة طيعة لها.

(4/206)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد يكون من المفيد هنا أن نحذر من افتراض وجود نموذج عام يطبق بأسلوب واحد وعلى مستوى العالم الغربي من مرحلة زمانية إلى مرحلة زمانية أخرى. فالنموذج الذي طرحناه عام للغاية ويصلح إطارا تصوريا متحررا إلى حد ما من الزمان والمكان، وذا قيمة تحليلية وحسب، ويظل التطور التاريخي ذاته مختلفا ومليئا بالتعرجات والنتوءات. ويمكننا أن نقول إن النموذج ينطبق إلى حد كبير على إنجلترا، وبدرجة أقل على فرنسا حيث كان يوجد يهود يعملون بالزراعة. وفي ألمانيا، استولى النبلاء على حق ملكية اليهود إذ أصدر تشارلز الرابع مرسوما بذلك في عام 1356 يسمح لهم بامتلاك وحماية اليهود. وكان هناك يهود يعملون بالحرف، مثل الصباغة وصناعة الحرير والدباغة والصياغة، خصوصا في إسبانيا الإسلامية وإسبانيا المسيحية. ويختلف الوضع في إيطاليا من مقاطعة إلى أخرى ومن مرحلة زمنية إلى أخرى. ويمكن أن نضيف أن شرق أوربا كان وثنيا حتى القرن العاشر الميلادي، أي أنه ظل خارج هذا الإطار تماما لفترة زمنية طويلة. وحينما انضوى تحت هذا الإطار، فإنه ظل تشكيلا اقتصاديا له خصوصيته، ولعب اليهود داخله دورا مغايرا بعض الشيء عن الدور الذي لعبوه في غرب أوربا ووسطها.

(4/207)


--------------------------------------------------------------------------------

وبعد كل هذه التحفظات، يمكننا أن نبدأ في عرضنا التاريخي، ونشير إلى أن اليهود أصبحوا ـ منذ القرن الخامس الميلادي ـ تجارا دوليين ومحليين وازدادت أهميتهم مع الفتح الإسلامي. وقد أشار ابن خرداذبة إلى التجار الراذانية باعتبارهم تجارا دوليين يمتد نشاطهم في كل أرجاء العالم القديم. وقد احتكر أعضاء الجماعات اليهودية معظم التجارة الدولية، سواء في حوض البحر الأبيض المتوسط أو في الطريق البري الشمالي عبر القارة الأوربية من خلال بلاد السلاف، في الفترة بين عامي 800 و1200. وكانوا يقومون بتجارة الأنسجة والفراء والعقاقير والسلع الترفية التي يأتون بها من الشرق والرقيق الذي يأتون به من بلاد السلاف التي اشتق اسمها من كلمة من لاتينية العصور الوسطى إسكلافوس scelavus أي «عبد»، ومن هنا أيضا تسميتهم «الصقالبة». ولهذا، أصبح اليهودي المتجول معروفا في كل مدينة وبلدة وفي كل سوق ومولد. وكانت الدول التي تريد إنعاش حركة التجارة فيها ترسل في طلب بعض اليهود وتوطنهم كي يقوموا بدور الوسيط وينشطوا الحركة التجارية التي يعجز المجتمع الزراعي بتنظيمه الجامد التقليدي عن القيام بها. ولهذا السبب، كان ينص في المعاهدات أحيانا على تبادل اليهود. فقد اشترطت مدينة رافنا في معاهدة عقدت مع البندقية في أواخر العصور الوسطى أن ترسل المدينة الأخيرة بعض اليهود ليقوموا بالأعمال المصرفية والتجارية فيها. كما كان الملوك يحاولون الحفاظ على اليهود ضمن اهتمامهم بالتجارة والحركة التجارية. وقد ارتبط أعضاء الجماعات اليهودية بالتجارة إلى درجة أن كلمة «تاجر» أصبحت مرادفة لكلمة «يهودي» تقريبا. ففي أحد المواثيق الألمانية الصادرة في القرن العاشر الميلادي (965) ترد إشارة إلى « اليهود والتجار الآخرين ». غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن التجارة التي اشتغل بها أعضاء الجماعات اليهودية تتسم بصفتين أساسيتين، أولاهما أن التجارة اليهودية هي ما

(4/208)


--------------------------------------------------------------------------------

يعرف باسم «التجارة البدائية»، وهي تجارة تختلف عن التجارة الحديثة من عدة وجوه. فالتجارة الحديثة هي جزء عضوي وأساسي من نظام المجتمع الرأسمالي والرأسمالية الرشيدة، أما التجارة البدائية فتلعب دورا ثانويا وهامشيا في مجتمعات ما قبل الرأسمالية (العبودي والإقطاعي وغيرهما)، حيث يتميز الإنتاج في هذه المجتمعات بأنه إنتاج لقيمة استعمالية وليست تبادلية، أي أن الإنتاج كان موجها نحو إشباع حاجات المجتمع وحسب، وإذا ما تبقى فائض من السلع بعد أن يستهلك المجتمع ما يريد، يقوم التاجر البدائي بنقله من هذا المجتمع إلى مجتمع آخر. كما كانت تنشأ داخل مجتمعات ما قبل الرأسمالية، حاجة إلى بعض السلع الكمالية مثل التوابل والذهب، فكان التاجر البدائي يقوم بتوريدها وسد الحاجة التي تنشأ إلىها. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار التجارة البدائية تجارة هامشية دون أن يضفي هذا الاعتبار إيحاءات سلبية، فهي لا تلعب أي دور في حركة الإنتاج وإنما تظل على هامشها.
والصفة الثانية للتجارة اليهودية وثيقة الصلة بالأولى. فالتجارة اليهودية، على خلاف التجارة التي تطورت بين المسيحيين، كانت منذ البداية مرتبطة بالطبقة الحاكمة في المجتمع الإقطاعي، حيث كان التاجر اليهودي (وكذلك المرابي اليهودي)، كما أسلفنا، ملكية للأمير أو الإمبراطور أو النبيل الإقطاعي، وكان يقوم بالتجارة ليحقق أرباحا لا تتحول إلى رأسمال مستثمر في المجتمع وإنما تصب في خزائن النبيل الإقطاعي من خلال الضرائب والإتاوات التي كان على اليهود دفعها. ومن هنا، كانت التجارة اليهودية تعبيرا عن العلاقات القائمة في المجتمع الإقطاعي ولا تشكل نقيضا لها على الإطلاق. ولعل هذا ما كان يعنيه ماركس حين أشار إلى وجود اليهود في مسام المجتمع الإقطاعي، فهم فيه وليسوا منه، وهم هامشيون في وجودهم لا يشكلون أي تحد له.

(4/209)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكن حركيات التطور داخل المجتمع الغربي، التي جعلت اليهود يضطلعون بدور التجارة الدولية والمحلية، هي ذاتها التي جعلت استمرارهم فيها مستحيلا. وبعد أن كان وضعهم القانوني مستقرا، بدأ هذا الوضع في الانهيار مع تضاؤل أهمية دورهم الاقتصادي. ويمكن أن نورد بعض الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع:
1 ـ سيطرت المدن الإيطالية في القرن العاشر الميلادي على التجارة في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومما عقد الأمر بالنسبة للتجار اليهود، عدم وجود الإمكانات المالية أو العسكرية الكافية لامتلاك الأساطيل البحرية، وهو أمر كان متاحا لمدينتي البندقية وجنوة اللتين كانتا تمتلكان أساطيل تجارية قوية وكانتا من أوائل المدن/الدول الأوربية التي ظهرت فيها طبقة تجارية نشطة. وقد حاولت هاتان المدينتان قدر استطاعتهما أن توقفا التجارة اليهودية. ومما عوض اليهود لبعض الوقت عن فقدانهم تجارة المتوسط تنشيط تجارتهم من خلال الطريق البري الذي يمر عبر الدول السلافية ابتداء من إسبانيا وانتهاء بالبحر الأسود.
2 ـ ساهمت حروب الفرنجة التي يطلق عليها اسم «الحروب الصليبية»، وهي تعبير عن الإرهاصات الأولى لولادة الرأسمالية الأوربية، في القضاء على كثير من مراكز التجمع التجاري اليهودي في أوربا. وإلى جانب ذلك، دعمت هذه الحروب العلاقات بين الدول الأوربية المختلفة وبدأت تظهر شبكة علاقات بينها. كما أصبح الطريق إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، وغيره من الطرق، مفتوحا بعد أن أخذ التجار المسيحيون يتحركون بسهولة خلف جنود حملات الفرنجة. وقد ظهرت شبكة طرق في القارة الأوربية استخدمها التجار المسيحيون، ولكنها لم تكن آمنة بالنسبة للتجار من أعضاء الجماعات اليهودية، حتى أن السلطات سمحت للتجار اليهود بالتظاهر بأنهم مسيحيون حتى يمكنهم الانتقال بسهولة والاستمرار في تجارتهم.

(4/210)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:57 AM
3 ـ بدأت تظهر هياكل مركزية حكومية في بعض الدول الأوربية مثل إنجلترا وفرنسا مع القرن الثالث عشر الميلادي، وفي إسبانيا بعد ذلك التاريخ. وهذه الهياكل لم تجد في أعضاء الجماعات اليهودية ـ من حيث هم أقنان بلاط ـ فائدة كبرى، ولذا طرد اليهود في تلك المرحلة. ورغم عدم قيام سلطة مركزية في ألمانيا، فإن وضع اليهود تخلخل تماما هناك.
4 ـ بدأت تظهر في أوربا طبقة تجارية محلية بلغت شيئا من القوة في القرن الحادي عشر الميلادي. وقد أخذت قوة هذه الطبقة في التعاظم، فبدأ التجار والحرفيون في تكوين نقابات تضمهم وتقوم بالضغط لصالحهم، وتحاول طرد التاجر اليهودي المنافس الذي كان يحظى بالدعم من السلطة الإقطاعية. وبدأت المدن تكتسب شيئا من القوة والاستقلال، ووصلت حركة استقلالها إلى ذروتها مع القرن الثالث عشر الميلادي، واستولى التجار من الطبقة الوسطى بصورة متزايدة على المجالس المدنية والحكومات المحلية.
ومما يجدر ذكره أن الرأسمالية الحديثة أو الرشيدة في الغرب ولدت على يد هؤلاء التجار المسيحيين وداخل جدران هذه المدن المستقلة الجديدة لا بين صفوف أعضاء الجماعات اليهودية أو داخل الجيتو أو الشتتل. حيث قام هؤلاء التجار بالاستثمار بعيد المدى في إنتاج سلعة ما وتخصصوا فيها وفي تصنيعها وتسويقها، أي أن العملية الإنتاجية لم تعد تهدف إلى إشباع الرغبات كما هو الحال داخل النظام الإقطاعي، بل إلى إنتاج سلع بهدف بيعها. وقد قام هؤلاء التجار المسيحيون بتضييق الخناق على التجار اليهود بدرجات متفاوتة من النجاح. وبدأت تسقط معاقل التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها حتى اختفت التجارة اليهودية تماما مع القرن السادس عشر الميلادي، باستثناء بعض الجيوب في إيطاليا ووسط ألمانيا حيث تركز نشاطهم بالدرجة الأولى في الربا وأعمال الرهونات، وإن ظلوا يقومون بدور تجاري أيضا.

(4/211)


--------------------------------------------------------------------------------

وبالتدريج، أخذ أعضاء الجماعات اليهودية في تحويل مدخراتهم إلى النوع السائل الذي يسهل حمله من بلد إلى بلد، وتحول اليهودي إلى مبادلة النقد ثم إلى إقراضه بالفائدة العالية، أي أنه وجد نفسه خارج النشاط الزراعي ثم خارج النشاط التجاري فتحول من تاجر إلى مراب، وتحول اليهود ككل من جماعة وظيفية وسيطة تقوم بدور الوساطة بين طبقات المجتمع إلى جماعة وسيطة عميلة تقوم بدور الوساطة ولكنها في الوقت نفسه أداة في يد الطبقة الحاكمة أولا وقبل كل شيء.
ولكن معدلات النمو لم تكن متساوية في أوربا، فلم تكن البنية الاقتصادية لشرق أوربا تشبه البنية الاقتصادية لغربها مع بداية العصور الوسطى. ولذا، رحبت النخبة الإقطاعية الحاكمة في بولندا وليتوانيا في أواخر القرن الثالث عشر بالعناصر التجارية، مثل اليهود والأرمن والتجار الألمان، لتطوير القطاع التجاري الدولي والمحلي فيها، دون اللجوء إلى بورجوازية محلية لها جذور في المجتمع ولها قاعدة جماهيرية فيه قد تطالب بقدر من الاستقلال بعد أن يقوى ساعدها، وقد تطالب بالمشاركة في صنع القرار وتصر على تبني سياسة تهدف إلى حماية الصناعة والتجارة المحلية، الأمر الذي قد يضر بمصالح كبار الملاك الإقطاعيين الذين كانوا يصدرون محاصيلهم إلى الغرب ويحتكرون التجارة في بعض السلع الحيوية. ومن ثم، وجد النبلاء الإقطاعيون البولنديون في التجار اليهود ضالتهم المنشودة لأنهم أكثر العناصر بعدا وغربة عن البيئة، وبالتالي يمكنهم القيام بالنشاط التجاري والمالي والصناعي دون تشكيل أي خطر على انفتاح الاقتصاد الإقطاعي البولندي، فأصبحوا أداة هذا الإقطاع. وقد ظهر في بولندا يهود الأرندا الذين لعبوا دورا أساسيا في تصدير المحاصيل البولندية إلى أوربا، ولاسيما إبان حرب الثلاثين عاما (1618 ـ 1648(.

(4/212)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد اضطلع يهود الأرندا بأنشطة مالية وصناعية أخرى مثل تحصيل الضرائب واحتكار تجارة الملح، وساهموا بذلك في ملء خزائن النبلاء وفي ضرب البورجوازية المحلية.
وبعد سقوط التجارة اليهودية في غرب أوربا ووسطها وانسحاب التجار اليهود منها، ظهر عنصر جديد هو يهود إسبانيا والبرتغال من المارانو السفارد الذين طردوا من شبه جزيرة أيبريا مع نهاية القرن الخامس عشر وانتشروا في أوربا والدولة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي. وكان يهود المارانو يمتلكون الخبرات اللازمة ورأس المال اللازم للأعمال المالية الكبرى، وهو ما جعلهم يمولون كثيرا من الشركات الاستعمارية الجديدة وعمليات الاستيطان والاستثمار في العالم الجديد. فاستقروا في البرازيل واشتركوا في تجارة السكر والرقيق والمنسوجات حيث استفادوا بعلاقاتهم بالحكومة البرتغالية التي كانت تملك مستعمرات في أفريقيا مثلت مصدرا جيدا للعبيد.

(4/213)


--------------------------------------------------------------------------------

وشهد منتصف القرن السابع عشر الميلادي ذروة تطور الدور الاقتصادي للجماعات اليهودية في أوربا والعالم، حيث اكتملت حلقة ما يمكن تسميته «التجارة الدولية اليهودية» ووصلت إلى قمتها وأصبحت عالمية بشكل لم يسبق له مثيل. وكان يهود المارانو هم حلقة الوصل الأساسية في هذه التجارة، فتركزوا في المدن الأوربية الكبرى، خصوصا في تلك البلاد التي يتبعها إمبراطوريات مثل هولندا وإنجلترا وإسبانيا والبرتغال، حيث احتفظ المارانو بعلاقتهم مع أقاربهم الذين لم يطردوا من شبه جزيرة أيبريا. وبذلك أصبحوا يلعبون دورا أساسيا في تجارة الأطلسي والعالم الجديد. كما تركز المارانو في هامبورج وبوردو وبايون، وظهر من بينهم (ومن صفوف الإشكناز) يهود البلاط الذين لعبوا دورا أساسيا في تجارة الإمارات الألمانية ووسط أوربا بشكل عام. وكانت تساعد هذا المركز الأوربي قاعدة ضخمة من صغار التجار اليهود وتجار العملة، حيث كان يهود الأرندا الإشكناز في بولندا، الذين امتدت نشاطهم من بحر البلطيق إلى البحر الأسود، يشكلون أحد أجنحتهم المهمة. أما الجناح الآخر، فتمثل في يهود الدولة العثمانية الذين تمركزوا في موانئ البحر الأبيض المتوسط. بل وكان للمارانو - كما أشرنا - قاعدة في المغرب وفي المستعمرات البرتغالية في أفريقيا وفي المستعمرات الهولندية والإسبانية والبرتغالية والإنجليزية في العالم الجديد. وهكذا اكتملت هذه الحلقة التجارية الدولية الضخمة. ومع أواخر القرن السابع عشر الميلادي، بدأ يهود الإشكناز انتشارهم مرة أخرى في أنحاء العالم إلى أن أصبحوا أغلبية يهود العالم.

(4/214)


--------------------------------------------------------------------------------

ويلاحظ أن عودة اليهود إلى دول غرب أوربا، في القرن السابع عشر الميلادي، كانت عودة إلى دول لها مشروعها الرأسمالي الاستعماري الضخم المتكامل. ولكن، رغم أنهم كانوا يمثلون عنصرا تجاريا نشطا، إلا أنهم لم يشكلوا عنصرا مستقلا يمثل تجارة يهودية ملتصقة بالإقطاع، بل أصبحوا تجارا يدينون باليهودية ويشكلون جزءا من كل غربي لا يتحكمون فيه ولا يشكلون فعالية مستقلة داخله، حتى وإن تمتعوا بقدر من الاستقلال، لأنه في النهاية قدر صغير لا يؤثر على الاتجاه العام للرأسماليات التي ينتمون إليها. وقد ظلت التجارة اليهودية الهامشية قائمة في وسط أوربا وشرقها بدرجة أكبر حتى عصر الإعتاق (في القرن الثامن عشر)، فظهرت بورجوازيات محلية في ألمانيا ثم بولندا أخذت تزاحم التجار اليهود وتطردهم. وقد تدهور وضع التجار اليهود، خصوصا في بولندا بعد تقسيمها وبعد تدني وضع اليهود الاقتصادي فيها. ومن هنا ظهرت مسألة يهودية في كل من هذه البلاد.

(4/215)
--------------------------------------------------------------------------------
وكان للتجارة اليهودية دائما بعد سلبي أو مظلم، فقد كانت تجارة هامشية طفيلية " تعيش على تخلف المجتمع " على حد قول ماركس، وتتسلل دائما إلى الشقوق الناجمة عن التخلف، وإلى الأطراف التي تحف بها المخاطر ولا تجد من يعمل فيها، ولذا نجد أن أعضاء الجماعات اليهودية اشتغلوا بتجارات مشينة مثل: تجارة الرقيق والمشروبات الكحولية والرقيق الأبيض، وهي جميعا تجارات كريهة للنفس البشرية. فكانت تجارة المشروبات الكحولية في شرق أوربا من النشاطات التجارية الأساسية بينهم، وكانت مشكلة السكر مشكلة أساسية تواجه الفلاحين والأقنان في شرق أوربا، وهو ما زاد سخط الجماهير عليهم. كما أن احتكار أعضاء الجماعات اليهودية لبعض السلع الأساسية، مثل الملح (لحساب النبلاء الإقطاعيين)، جعلهم في حالة احتكاك وتوتر دائمين مع الفلاحين وكل عملائهم، رغم أن أرباح تجارة الكحول والملح كانت تصب أساسا في خزائن النبلاء ولم يكن اليهود سوى وسطاء فيها. ومنذ عام 1880، ومع تدهور دورهم التجاري، اشتغل بعض أعضاء الجماعات اليهودية بتجارة الرقيق الأبيض، فكانوا يصدرون الفتيات اليهوديات من منطقة الاستيطان عبر جاليشيا إلى العالم الجديد، خصوصا إلى الأرجنتين. وقد وصل نشاط تجار الرقيق الأبيض من اليهود إلى مصر والهند والصين أيضا.
كما أدى التدني التدريجي لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، وتضييق الخناق عليهم، إلى اشتغالهم بأنواع من التجارة غير المشروعة مثل تهريب السلع دون دفع جمارك عليها. وساعدهم في ذلك توفر شبكة الاتصالات الضخمة لديهم، وتحدثهم باللغة اليديشية التي لم يكن يفهمها سواهم. وكانت مثل هذه النشاطات مسئولة عن ظهور الصورة السلبية التي أشاعها عن اليهود المعادون لهم، وعمموها بعد عزلها عن الظروف الاجتماعية التي أدت إلى ظهورها، بحيث تحولت هذه الصورة إلى نموذج يعبر عن الطبيعة الأزلية لليهود!

(4/216)
--------------------------------------------------------------------------------
وقد حاربت مختلف الحكومات بقايا التجارة اليهودية وعزلتها، وحاولت دمج أعضاء الجماعات اليهودية عن طريق تحويلهم إلى عناصر اقتصادية منتجة، إلى أن قضت الثورات الشيوعية والإبادة النازية لبعض يهود الغرب على البقية الباقية من التجارة اليهودية الشرعية وغير الشرعية.
ويلاحظ أنه لا يوجد أثر للتجارة اليهودية في الولايات المتحدة، إذ أن اليهود هاجروا مع ملايين المهاجرين إلى مجتمع تجاري علماني نفعي يحكم على الأعضاء بمقدار مدى نفعهم ومدى إسهامهم الاقتصادي في مجتمعهم.
ومع هذا، تركت التجارة اليهودية أثرها في يهود روسيا السوفيتية حيث تواجدت أعداد كبيرة منهم في قطاع تجارة التجزئة والسوق السوداء. أما في الولايات المتحدة، فيظهر أثر الميراث الاقتصادي للمهاجرين اليهود في تركز رأس المال اليهودي في الصناعات القريبة من المستهلكين، مثل السينما والملابس، وفي بعدهم عن الصناعات الثقيلة التي تتطلب استثمارا بعيد المدى وتنطوي على مخاطر كبيرة. ولكن ميراث التجارة اليهودية آخذ في الزوال تماما.
وقد ترك اشتغال يهود العالم الغربي بالتجارة والأعمال المالية أثره العميق فيهم، إذ يعد اشتغالهم بالتجارة سببا في « استمرارهم » واحتفاظهم بنوع من الاستقلال العرقي والقومي، وهذه سمة أساسية في الجماعات الوظيفية.
والتجارة اليهودية التي تفترض انعزال التاجر عن مجتمعه هي الأساس الاقتصادي للجيتو ولكثير من التصورات الدينية والفكرية التي يقال لها «قومية» والتي تتحدث عن «الشعب اليهودي» و«الشعب المختار» الذي يوجد على هامش التاريخ أو ربما خارجه، شأنها شأن التاجر اليهودي.

(4/217)


--------------------------------------------------------------------------------

والتجارة اليهودية مسئولة عن تحديد صورة اليهودي في أدبيات معاداة اليهود. فاليهودي يظهر على أنه التاجر والممول الشره والرجعي المحافظ في آن واحد. وربما يعود هذا إلى أن التجارة اليهودية نشاط شبه رأسمالي ولكنها تجارة مرتبطة بالنظام الإقطاعي، ولذلك فهي شيء مبهم يصعب تصنيفه. بل ويقال إن الفلاحين كانوا ينظرون إلى التجارة اليهودية باعتبارها ضربا من السحر، نظرا لطبيعتها الهامشية والطفيلية. فالنبيل الإقطاعي والفلاح يعملان بالزراعة، ولا غرابة إذا ظهرت ثمرة جهدهما، لأنهما يقومان بجهد في تحويل مادة ما (الأرض) إلى شيء آخر (الثمرة) من خلال الجهد الإنساني، أما اليهودي فكان لا يملك سوى رأسماله الذي يقوم بتحريكه (شراء السلع وبيعها) فيراكم الثروات دون جهد أو عمل دون أن ينتج شيئا ملموسا وكأنه ساحر يخرج الأرنب من القبعة بتحريكها.
والفكر الصهيوني ذو بعد تجاري واضح، فهرتزل والصهاينة يتحدثون باستمرار وجدية عن شراء حائط المبكى بل وعن شراء فلسطين ذاتها. وانطلاقا من التصور التجاري نفسه، لا يزال الإسرائيليون يتحدثون عن دفع تعويضات للفلسطينيين نظير أن يبحثوا لأنفسهم عن وطن آخر، كما تقدم الحركة الصهيونية ما يشبه الرشوة لليهود السوفييت ليهاجروا إلى الأرض المقدسة. وأخيرا، فإننا نميل إلى تسمية الدولة الصهيونية بالدولة الوظيفية، فهي تلعب دورا يشبه في كثير من النواحي دور التجارة اليهودية في أوربا. كما أن الدولة الصهيونية هامشية ترتبط مصالحها بمصالح الإمبريالية الغربية مثل ارتباط التجار اليهود بالطبقات الحاكمة التي كانت تستخدمهم أداة لضرب القوى الوطنية المحلية.
الراذانية
Radhanites

(4/218)


--------------------------------------------------------------------------------

«الراذانية» جماعة من التجار اليهود، وورد اسمهم في صيغتين: الراذانية عن ابن خرداذبه و الرادانية عند ابن فقيه. ويقال إن الاسم مشتق من كلمة «ردن» الفارسية بمعنى «عرف الطريق». وهناك من يذهب إلى أنه من الكلمة «رادنوس» اللاتينية (نهر الرون). ويختلف الباحثون في أصلهم فيقول البعض إنهم من جنوب فرنسا، بينما يذهب البعض الآخر إلى أنهم أصلا من العراق. وقد وصف ابن خردازبه في كتابه المسالك والممالك نشاطهم في المجال التجاري، قائلا إنهم يتكلمون « العربية والفارسية والرومية [اليونانية] والإفرنجية [لغة الفرنجة أي الفرنسية القديمة] والأندلسية [الإسبانية] والصقلية [اللغات السلافية] ». وهم يسافرون من الغرب إلى الشرق برا أو بحرا، من فرنسا إلى السند والهند والصين ثم يعودون حاملين من الصين المسك والعود والكافور. وهم في رحلتهم هذه يسلكون عدة طرق. يجلبون من الغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف. وقد استمر نشاط التجار الراذانية حتى القرن التاسع الميلادي حين سيطرت المدن/الدول الإيطالية على التجارة الدولية.
جماعة يهودية وظيفية مالية (الربا والإقراض)
Jewish Financial Functional Group (Usury and Money Lending)

(4/219)


--------------------------------------------------------------------------------

«الجماعة الوظيفية المالية» هي الجماعة التي يضطلع أعضاؤها بوظائف مالية مختلفة مثل الربا وجمع الضرائب. ويفرق علم الاقتصاد الحديث والمؤرخون الاقتصاديون في الغرب بين الربا والإقراض بفائدة. ففي الإطار الربوي يتم الإقراض لسد حاجة أو لدفع ضريبة أو جزية أو لبناء قصر أو كنيسة أو لتجريد حملة عسكرية. والقرض الربوي لا يصب في أية عملية إنتاجية، كما أن سعر الفائدة يكون عاليا جدا وغير محدد، وغالبا ما يحدد في ضوء مدى حاجة المدين إلى القرض. أما الإقراض بفائدة، فقد عرف بأنه إقراض مبلغ من المال بهدف استثماره في شراء البضائع أو في مشروع صناعي لتحقيق ربح، والقرض هنا يصب في العملية الإنتاجية وعادة ما يتم تحديد نسبة فائدة معقولة. لكن هذه التفرقة لم تكن معروفة أو معمولا بها في العصور القديمة حتى الثورة الصناعية في الغرب. ولذلك، فسوف نستخدم مصطلح «الربا» للإشارة إلى عملية الإقراض بفائدة أيا كان الهدف وأيا كان سعر الفائدة، خصوصا وأن الإقراض اليهودي كان في معظمه ربويا بالمعنى الاصطلاحي للكلمة. وقد ارتبطت صورة اليهودي بشخصية المرابي في العقل الغربي وعبر التاريخ الغربي، وهي الصورة التي خلدها شكسبير بشخصية شيلوك في مسرحية تاجر البندقية. وقد فسر المعادون لليهودية اشتغال اليهود بالربا، مثلما فسروا اشتغالهم بالتجارة، على أنه جزء من طبيعتهم الأزلية ونزوعهم الأبدي نحو امتصاص دم الآخرين، في حين فسره المؤرخون الصهاينة بأنه وظيفة فرضت على اليهود فرضا باعتبارهم ضحايا أزليين لذئاب الأغيار. وليس لهذين التفسيرين أية علاقة بالواقع المتعين للجماعات اليهودية.

(4/220)


--------------------------------------------------------------------------------

فقد كان العبرانيون، حين ظهروا لأول مرة في التاريخ، بدوا رحلا لا يتعاملون بالنقود، ولذا لم يكن هناك مجال للإقراض أو الاقتراض. ولم يكن اقتصاد المملكة العبرانية المتحدة متقدما بما فيه الكفاية ليتطلب السيولة النقدية اللازمة لعمليات الاستثمار أو حتى لشراء السلع الترفية، حيث كان الاقتصاد الداخلي بدائيا مبنيا على المقايضة والتبادل. أما الإنشاءات المعمارية التي قامت بها الدولة، فتم تمويلها من خلال التجارة الدولية التي احتكرتها.
واشتغل العبرانيون المهجرون إلى بابل بالزراعة، ولكن أعدادا منهم بدأت تقطن المدينة حيث اشتغلوا بالتجارة الدولية والمحلية، وظهرت بيوتات مالية تجارية ـ مثل بيت موراشو ـ كانت تقدم القروض نظير فوائد. ويبدو أن بعض يهود الإسكندرية اشتغلوا بأعمال الربا، فيذكر يوسيفوس أن كبير الموظفين (ألبارخ) الإسكندري أقرض الملك أجريبا مبلغا من المال. ولكن حالة يهود الإسكندرية كانت الاستثناء وليست القاعدة، ولذا لا نجد حتى القرن الرابع الميلادي أي هجوم على اليهود باعتبارهم مرابين.

ومع القرن السادس الميلادي، بدأ اشتغال أعضاء الجماعات اليهودية بالربا في الإمبراطورية الفرنجية. كما ظهر مرابون يهود في العالم الإسلامي، ولكنهم لم يحتكروا هذه المهنة إذ اشتغل بها أعضاء الأقليات العرقية والدينية الأخرى كما اشتغل بها بعض أعضاء الأغلبية. ولم تتركز أغلبية اليهود في هذه المهنة بل كانوا يعملون في معظم الحرف والمهن الأخرى. وبدأ تركز أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي في مهنة الربا ابتداء من القرن العاشر الميلادي. وفي محاولة تفسير هذه الظاهرة، تساق عدة أسباب ربما كان أهمها اضطرار اليهود إلى اعتزال التجارة الدولية والمحلية، وظهور المدن/الدول الإيطالية، وحروب الفرنجة، وتشكيل نقابات الحرفيين. ومن ثم اضطر اليهود إلى تحويل ممتلكاتهم إلى رأسمال سائل يسهل حمله، وإلى الاشتغال بأعمال الصيرفة واستبدال العملة ثم الربا. وقد شجعت على هذه العملية عدة أسباب أخرى أهمها:
1 ـ كان أعضاء الجماعات اليهودية يشكلون جماعة وظيفية وسيطة في التشكيل الحضاري الغربي. والجماعة الوسيطة هي التي تضطلع بوظائف (مثل الاتجار والإقراض بالربا) لا يقبل أعضاء المجتمع القيام بها بسبب ارتباطهم بأواصر قرابة أو صداقة أو جيرة تجعل دخولهم في علاقات موضوعية باردة محايدة أمرا عسيرا. ومن هنا كان من المنطقي أن يعمل أعضاء الجماعة اليهودية الوسيطة، الذين يقومون بمهنة التجارة، بالربا حينما تضطرهم الظروف إلى تغيير وظيفتهم.
2 ـ ولعل التنظيم الجامد للمجتمع الإقطاعي الغربي لعب دورا أساسيا في هذا المضمار، فلم يكن أمام التاجر اليهودي الذي كانت تغلق أمامه فرص التجارة بدائل كثيرة مطروحة، إذ لم يكن بمقدوره أن يعمل في الزراعة أو القتال أو في كثير من الحرف الأخرى، خصوصا بعد تشكيل نقابات الحرفيين التي كانت تعد أكثر القطاعات عداء لليهود.

(4/222)


--------------------------------------------------------------------------------

3 ـ تحرم الكنيسة الربا على المسيحيين حيث صدرت عدة قرارات في هذا الشأن. وكان أولها قرار اتخذ في مجمع نيقيا في عام 325 ثم في مجمع أورليان في عام 538، ولكن هذه القرارات كانت تحرم الربا على رجال الدين لا على جميع المسيحيين، إلى أن صدر قرار شارلمان عام 789. ووصل التحريم قمته في المجمع اللاتراني الثالث عام 1179 حيث شمل التحريم كل المسيحيين ( « إن الذين يجهرون بالربا لا يقبلون في العشاء الرباني وإذا ماتوا وهم على إثمهم لا يدفنون دفن المسيحيين، وليس لقسيس أن يقبل صلواتهم»). أما اليهودية فلم تحرمه، ولكنها حرمت إقراض اليهودي لأخيه اليهودي بالربا، فقد جاء في سفر التثنية (23/19 - 20) « لا تقرض أخاك بربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء مما يقرض بربا للأجنبي. تقرض بربا ولكن لأخيك لا تقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها » ومن المعروف أن الجماعات الوظيفية تتبنى مقاييس أخلاقية مزدوجة، مقاييس تنطبق على عضو الجماعة وأخرى تنطبق على أعضاء المجتمع المضيف. ومع هذا، يجب الإشارة إلى أن الفقه الديني اليهودي لم يتقبل بسهولة مسألة الإقراض بربا وقد قال راشي في القرن الحادي عشر الميلادي «إن كل من يقرض أجنبيا بفائدة سيهلك »

(4/223)


--------------------------------------------------------------------------------

وقد أصبح التحريم أقل حدة في القرن الحادى عشر الميلادي عندما أصدر أحد الحاخامات فتوى مفادها أن اليهودي ينبغي عليه ألا يقرض الأغيار بربا، حين يكون بوسعه أن يكسب رزقه بطريقة أخرى. كما أصدر الحاخام أليعازر بن ناثان (من ألمانيا) فتوى مماثلة جاء فيها: « حينما لا يملك اليهود حقولا أو كروما يمكنهم العيش من ريعها، يصبح إقراض المال بربا ضروريا لكسب رزقهم ومسموحا به ». وقد جاء في المشناه « بإمكان الإنسان أن يقرض ويقترض بربا من الكفار ». ولكن وردت إلى جانب ذلك تحفظات بحيث لا تصبح المسألة مطلقة، فأورد التلمود اقتباسا من المزمور 15 الذي جاء فيه « فضته لا يعطيها بالربا »، كما جاء في سفر الأمثال (28/8) ما يبين أن الإقراض بالربا ليس محرما ولكنه مع هذا مكروه، ثم ذكر أن الإقراض بالربا مباح إذا كانت الفائدة ضرورية لحياة الإنسان وليس الهدف منها الحصول على الثروة والترف.
4 ـ تزامنت عملية تحول أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة مع ظهور حاجة ماسة إلى المال السائل اللازم لتجريد حملات حروب الفرنجة ولبناء الكاتدرائيات والكنائس. بل وبدأت تظهر في أوربا، بسبب التحولات الاقتصادية العميقة التي كانت تخوضها آنذاك، حاجة ماسة إلى اقتراض النقود، لا لسد الحاجة الشخصية وإنما للاستثمار التجاري، أي أن عملية الاقتراض بدأت تصبح مسألة أساسية للنظام الاقتصادي.

(4/224)


--------------------------------------------------------------------------------

وفي القرن الحادي عشر الميلادي، تصاعدت وتيرة تحول أعضاء الجماعات اليهودية عن التجارة واشتغالهم بالربا. وبعد عدة عقود، كان معظم السكان في أوربا المسيحية، في غربها ووسطها، مدينين لليهود الذين أصبحوا مالكين لقرى ومدن بل بعض الأماكن المسيحية المقدسة مثل الأضرحة والمزارات. وقد احتكر اليهود عملية الإقراض نظير فائدة عالية بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين، وأصبح الربا هو مصدر حياة معظم يهود أوربا. وأصبحت كلمتا «مرابي» و«يهودي» مترادفتين مع نهاية القرن الثالث عشر الميلادي.
وقد مارس المرابون اليهود نشاطهم في إنجلترا مع بداية القرن الحادي عشر الميلادي حتى منتصف القرن الثالث عشر الميلادي. أما في فرنسا، فقد مارسوا نشاطهم في فترات مختلفة من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي حتى نهاية القرن الرابع عشر الميلادي. واكتسب أعضاء الجماعات اليهودية أهميتهم في ألمانيا، بوصفهم مرابين، من القرن الثالث عشر الميلادي حتى القرن الخامس عشر الميلادي. ثم امتد نشاطهم بعد ذلك إلى بولندا واستمر حتى القرن التاسع عشر الميلادي. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن كل أعضاء الجماعات اليهودية تحولوا عن التجارة، إذ ظل هناك يهود يعملون بها حتى القرن الخامس عشر الميلادي بل وحتى بعد ذلك التاريخ، خصوصا في الدول السلافية. كما أن من المعروف أن التجارة اليهودية وصلت قمة ازدهارها في القرن السابع عشر الميلادي أيام يهود البلاط.

(4/225)



(4/221)

جعفر الجزائري
12-01-09, 01:59 AM
وقد كسر احتكار أعضاء الجماعات اليهودية للربا مع ظهور جماعات من المرابين المسيحيين مثل جماعات فرسان المعبد الألمانية، واللومبارد في إيطاليا، والكوهارسين في فرنسا. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية ذاتها كانت متورطة في عمليات الإقراض بالربا وكانت تلتف حول التحريم الذي أصدرته بأن تقوم بإقراض المال المطلوب للمدين الذي يقدم كضمان قطعة أرض تقوم الكنيسة باستثمارها لحسابها وتستولى على ريعها الذي يشكل الفائدة إلى حين استرداد القرض الأصلي. كما ساندت الكنيسة كثيرا من جماعات المرابين. وقد منح البابا إنوسنت الرابع في عام 1248 لقب «أبناء الكنيسة الرومانية المميزين» للمرابين المسيحيين. ومع هذا، كان ارتباط كلمة «المرابي» بكلمة «اليهودي» من القوة حتى أن إحدى القصائد الألمانية تشير إلى «اليهود المسيحيين» أي «المرابين المسيحيين». وكانت كلمة «لومبارد» أيضا مرادفة لكلمة «مرابي»، ولذا يوجد نص فرنسي (1315) يشير إلى «اللومبارد واليهود والمرابين الآخرين ».
وقد احتدمت المنافسة في بداية الأمر بين أعضاء الجماعات اليهودية من جهة، واللومبارد والكوهارسين من جهة أخرى. فهؤلاء المرابون كانوا يشغلون المكانة نفسها ويضطلعون بالوظيفة نفسها ويتمتعون بالمزايا نفسها وتنزل بهم الكوارث نفسها، فقامت صراعات بينهم لهذا السبب. وحينما اضطهد هنري الثالث ملك إنجلترا الكوهارسين في عام 1251 وزج ببعضهم في السجن (وفر البعض الآخر)، عم الفرح أعضاء الجماعة اليهودية. ولكن بعد عامين، حينما قام لويس التاسع بطرد اليهود، استولى الكوهارسين على بيوتهم وممتلكاتهم بحماس غير عادي.
وكانت المواثيق تعامل أعضاء الجماعات اليهودية وغيرهم من المرابين على قدم المساواة، وكانوا أحيانا يطردون جميعا كما حدث عام 1427 في برن (سويسرا).

(4/226)


--------------------------------------------------------------------------------

ومع ذلك لم يقو المرابون اليهود على الاستمرار في المنافسة، إذ تمتع المرابون المسيحيون بمساندة حكوماتهم التي كانوا يوفرون لها قدرا كبيرا من الأمن اللازم للعمليات المالية. ولكن الأهم من هذا أن جماعات اللومبارد أو الكوهارسين كانت لديهم شبكة اتصال ضخمة، وكان بوسعهم تدبير قروض ضخمة لم يكن بمقدور اليهود تدبيرها. ومع تراجع الكنيسة باعتبارها أحد المنافسين، وتأييدها اللومبارد وغيرهم، ومع تزايد ابتزاز الأمراء لأقنان البلاط، أي المرابين اليهود، سقط الربا اليهودي مع نهاية العصور الوسطى ولم تعد لرأس المال اليهودي أهمية كبرى، كما لم يعد هناك رأسمال يهودي ضخم عند وقوع الثورة التجارية.

(4/227)


--------------------------------------------------------------------------------

وبينما كان المرابي اليهودي في البداية يقرض الملوك والأباطرة ثم كبار النبلاء الإقطاعيين، فإنه راح يقرض صغار النبلاء والفرسان ثم بعد ذلك الحرفيين والفلاحين والفقراء. وبدلا من وجوده بجوار الطبقة الحاكمة، انسحب إلى الهامش حيث لم يعد اليهود يشكلون الجماعة الوظيفية الوسيطة الوحيدة. وهبط اليهودي من مرتبة الصيرفي إلى المرابي الذي يقرض مبالغ صغيرة لمدة قصيرة بفائدة عالية وبضمان رهونات بسيطة مثل درع أو قطعة حلي أو بعض الملابس. ولعل ماحدث في مدينة ريجنزبرج في ألمانيا مثل جيد على هذا التدهور التدريجي التاريخي، فحتى عام 1250 كانت بلدية المدينة هي أهم مدين لليهود، وحتى عام 1400 كان أهم المدينين هم النبلاء ورجال الدين. أما بعد ذلك التاريخ، فقد احتل الفرسان ومواطنو المدن والحرفيون هذا المكان. وفي القرن الثالث عشر الميلادي، كان القرويون في جنوب فرنسا يشكلون 65% من المقترضين حيث اقترضوا 43% من المبالغ، وكان سكان المدينة يشكلون 30% من عملاء المرابين اليهود حيث اقترضوا 41%، وكان الفرسان والنبلاء يمثلون 2% واقترضوا 9%، ورجال الدين 1% واقترضوا 5%. ولم يكن النمط مختلفا في إنجلترا، حيث تخصص المرابي اليهودي في إقراض الطبقات الفقيرة التي يقترض أعضاؤها أموالا ثم يجدون بعد ذلك في الغالب صعوبة بالغة في تسديد الديون.
وقد امتد نشاط المرابي اليهودي إلى بني جلدته على عكس تصورات المعادين لليهود. ولكن الإقراض في هذه الحالة كان يأخذ شكلا خاصا حتى يتم التحايل على أشكال التحريمات الدينية الخاصة بعدم إقراض اليهودي بالربا. فكان المرابي يصبح شريكا موصيا أو شريكا يشترك بالمال لا بالعمل وينال نصيبا من الربح إذا كسبت التجارة، ولا يخسر شيئا من ماله إذا لم يربح، وهذا هو ما تفعله بعض البنوك الإسرائيلية الآن لتتمكن من إقراض الإسرائيليين دون الإخلال بالقواعد الدينية.

(4/228)


--------------------------------------------------------------------------------

وكان المرابي يلعب دورا اقتصاديا أساسيا في المجتمع الغربي، فإن أراد الأمير الإقطاعي تزويج ابنته أو تجريد حملة في حروب الفرنجة أو تعمير أرض جديدة، أو أزمعت دار البلدية بناء كنيسة أوكاتدرائية، أو واجه أعضاء الطبقات الفقيرة مصاعب شخصية فجائية، في كل هذه الحالات كان المرابي هو الذي يزود المجتمع بالأموال السائلة التي يحتاج إليها والتي تضمن استمراره. وعلى سبيل المثال، ساعد هارون (من لنكولن في إنجلترا) في القرن الثاني عشر الميلادي في بناء ما لا يقل عن تسع كاتدرائيات. كما مول المرابون اليهود بعض حملات حروب الفرنجة.
والربا اليهودي، شأنه شأن التجارة اليهودية، كان عملية هامشية غير منتجة. فالمرابي برغم أهميته لا يلعب دورا متعينا واضحا في العملية الإنتاجية، إذ إن أساس فائض القيمة في النظام الإقطاعي هو نمط الإنتاج الإقطاعي ذاته الذي ينتج قيمة استهلاكية وحسب دون الاهتمام بالقيمة التبادلية. وكان الأمير الإقطاعي والفلاح يشتركان في الإنتاج، أما المرابي فيظل خارج العملية أو على هامشها. ومن هنا، فإن الإقراض الربوي، شأنه شأن التجارة البدائية، لا يلعب دورا في العملية الإنتاجية لأنه إقراض من أجل الاستهلاك أو نشاطات أخرى تقع خارج نطاق العملية الإنتاجية، على عكس الإقراض الرأسمالي الذي يوظف في العملية الإنتاجية ذاتها. بل إن الإقراض هو أحد أسس عملية الإنتاج الرأسمالي. ولا شك في أن هذه الهامشية جعلت عناصر المجتمع تنظر إلى اليهودي على أنه شخصية طفيلية لا تبدع ولا تنتج، ولكنها تستولي على عائد الإنتاج. بل كان البعض يرون أن الربا، مثله مثل التجارة البدائية، يعد شكلا من أشكال السحر، إذ ينتج المرابي الثروة عن طريق تحريك أمواله لا عن طريق أي جهد إبداعي متعين.

(4/229)


--------------------------------------------------------------------------------

لكن المرابي اليهودي لم يكن سوى أداة في عملية اقتصادية ضخمة إذ كان يعد من أقنان البلاط، أي ملكية خاصة للملك يبيعهم متى شاء. وكانت أموال المرابي تئول إلى الملك من الناحية القانونية، ولكنه كان من الناحية الفعلية يتركها لأولاد المرابي حتى يستمروا في وظيفتهم. وكان الأمير أو الملك يبيع لليهود المواثيق التي تحميهم، وتحدد حقوقهم وتؤكدها، وتضمن لهم الأمن اللازم للاستمرار في العمليات المالية. وهذه حقوق لم يكن يتمتع بمثلها سكان المدن أو عامة الشعب. وكانت عملية بيع المواثيق هذه تضمن أن تصب ثمرة العملية الربوية بأسرها في خزانة الملك الذي كان يسمى «شيخ المرابين». أما اليهود فلم يكونوا سوى الوسيط الذي يلعب دور الإسفنجة، فهم يمتصون ثروة الشعب التي يعتصرها الحاكم فيما بعد عن طريق منح المواثيق لأعضاء الجماعة اليهودية وفرض الضرائب علىهم. وقد كان اليهود أكبر مصدر دخل للملك في إنجلترا، حيث كانوا يشكلون حوالي 12% من كل مصادر دخله. وفي بعض الإمارات المسيحية، في إسبانيا مثلا، كانوا يشكلون نسبة أكبر من ذلك.
وقد اضطر أعضاء الجماعات اليهودية إلى الاعتماد الكامل على الملك أو الأمير الإقطاعي لحمايتهم من غضب الجماهير وفتكها، وكان هو بدوره يفضلهم في مرحلة من المراحل على غيرهم من المرابين نظرا لعجزهم وانفصالهم عن المجتمع ولعدم وجود قاعدة بشرية تدعمهم وتساندهم، وهو ما جعل منهم جماعة وظيفية وسيطة مثالية. وهنا لابد من الإشارة إلى أننا نميز بين الجماعة الوظيفية الوسيطة والجماعة الوظيفية الوسيطة العميلة. فالجماعة الوسيطة، رغم قربها من الطبقة الحاكمة، تؤدي خدمة لكل طبقات المجتمع. أما الجماعة العميلة، فهي أداة في يد الحاكم يستخدمها لصالحه ضد بقية طبقات المجتمع. وعلى هذا، كان التاجر اليهودي وسيطا، أما المرابي اليهودي فكان عميلا.

(4/230)


--------------------------------------------------------------------------------

ولكل هذا، كان الملك يبذل قصارى جهده ليمنع المرابين من اعتناق المسيحية إذ أن هذا يشكل إضعافا وتبديدا للأداة التي يستخدمها. وكان المرابي الذي يتنصر يفقد كل ثروته التي كانت تئول إلى العرش، لأنه لا يحق له أن يتمتع بثمرة الرذيلة (أو هكذا كان التبرير والادعاء). كما كان الملك يمنع اليهود من العمل في أي وظيفة أخرى، وكانت المواثيق التي تمنح لهم تمنع المسيحيين من الاشتغال بالربا. وقد طرد طبيب ألماني مسيحي من مدينته لأنه تعدى على الحقوق والاختصاصات التجارية والمالية لليهود بأن اسثمر أمواله في الربا من خلال صديق يهودي له. وكان الملك يلجأ عند عجزه عن تسديد ديونه، إلى منح المرابي اليهودي حق جمع الضرائب من الفلاحين. ولكنه كان يلقي بالمرابي اليهودي إلى الجماهير الغاضبة، كبشا للفداء، إذا ما ثبت أنه يكلف أكثر مما يفيد. ولعل هذا هو السبب في أن أعضاء الجماعات اليهودية لم يراكموا قط رأسمالا كافيا ولم يتحولوا قط إلى طبقة حاكمة، بل كانوا يعملون دائما من خلال السلطة الحاكمة وفي خدمتها.
ورغم أن المرابي اليهودي كان مجرد أداة، إلا أنه أصبح محط كراهية معظم أعضاء المجتمع وطبقاته، بما في ذلك المستفيدون منه. فقد كانوا يرون الربا شرا لابد منه، ولكنه شر أكيد، حيث تعد كراهية المرابي أمرا متأصلا في المجتمعات البشرية. وكان لفظ «سكتور sector» يطلق على كل من المرابي والقاتل في الإمبراطورية الرومانية. وربما يعزى توجيه تهمة الدم لليهود والقول بأنهم يطبخون عجين عيد الفصح بدم طفل مسيحي إلى اشتغالهم بمهنة الربا، فهم يمتصون دم ضحاياهم مجازا. وليس من الصعب على الوجدان الشعبي أن يضع ما هو مجازي مقام الحقيقة الواقعة.

(4/231)


--------------------------------------------------------------------------------

وثمة أسباب متباينة جعلت المرابي اليهودي محط كراهية شديدة من كثير من الطبقات. فبالنسبة للطبقات الفقيرة، كان المرابي هو أداة الاستغلال المباشرة حيث كان يحتك بهم بشكل دائم، فضلا عن أنهم كثيرا ما كانوا يخفقون في تسديد ديونهم فيفقدون مصدر رزقهم ذاته سواء كان هذا المصدر قطعة الأرض أو الآلات التي يعملون بها أو ملابسهم ذاتها. أما كبار النبلاء، فكانوا يرون في اليهودي قوة مالية ضخمة تساند الملك في صراعه معهم، كما أن المرابي اليهودي كان يعوق محاولتهم الاستيلاء على أراضي صغار البارونات الذين كان المرابي اليهودي يقرضهم فيحققون البقاء والاستمرار. وكان سكان المدن يرون في المرابي اليهودي غريما لهم، وأداة في يد الحاكم الإقطاعي يستخدمها لقمعهم ولإعاقة تطورهم، خصوصا أنه كان يتمتع بمزايا لا يتمتعون بها. ثم كان هناك عداء الكنيسة لهم، وهو عداء له بطبيعة الحال جذوره الدينية العقائدية وإن كان قد اكتسب بعدا اقتصاديا أيضا لأن الكنيسة كما أسلفنا كانت تقوم هي ذاتها بالإقراض وتساند جماعات من المرابين.

(4/232)


--------------------------------------------------------------------------------

ومن أكبر مصادر الكراهية، ارتفاع سعر الفائدة عن معدلها المفترض وهو 12.5%. لكن المرابي لم يكن يتمتع في العصور الوسطى بضمانات كافية، بل كان معرضا باستمرار لخسارة أمواله وفقدان حياته. كما لم يكن في مقدور المرابين على الدوام أن يلزموا مدينيهم بالوفاء بالتزاماتهم عن طريق الالتجاء إلى القانون، فكانوا دائما مهددين بالطرد. ويضاف إلى ذلك أن القانون المسيحي في العصور الوسطى، بتحريمه الربا، قد اضطر المرابين إلى ابتداع حيل قانونية عديدة من بينها وجود وسيط بين الدائن والمدين، الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة سعر الفائدة. فوصلت الفائدة في إنجلترا إلى ما بين 43 و86% وفي النمسا (في عام 1244) إلى 173% وفي بروفانس (فرنسا) إلى 300%. ومن الصعب على من يقترض بمثل هذه الفائدة أن يسدد ديونه. ولذا، كانت عملية الإقراض والتسديد تنتهي بتوجيه تهمة السرقة إلى المرابي، وهي كذلك بشكل من الأشكال. ومما كان يدعم شكوك الناس في المرابي أن المواثيق التي كانت تمنح للمرابين اليهود تجعل من حقهم الاستيلاء على الأشياء المرهونة حين يعجز أصحابها عن تسديد القرض والتصرف فيها حتى لو اكتشف أنها مسروقة، وكان هذا يتناقض مع القانون والأعراف الألمانية. ومن هنا، تصورت الجماهير أن المواثيق التي تمنح لليهود تحابيهم وأنها بمنزلة ستار لتغطية عمليات السرقة الفعلية.

(4/233)

جعفر الجزائري
12-01-09, 02:02 AM
الكتاب : موسوعة اليهود و اليهودية و الصهيونية
المؤلف : عبد الوهاب المسيري
عدد الأجزاء : 7
مصدر الكتاب : موقع صيد الفوائد
www.saaid.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بتنسيقه و فهرسته أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه - لملتقى أهل الحديث
مصدر الكتاب
والموقع
http://islamport.com/d/1/aqd/1/321/1389.html
اخواني لا تنسى ان اليهودي ادا صدفك اول شيء يفكر فيه قتلك يا اخي المسلم انهم خائفون فلا تخاف يا شبل الاسلام

دندىستار
13-01-09, 08:33 PM
جعفر
شكرا على المعلومات
فى انتظار جديدك
تحياتى

ĎĺĂḾÓŊĎ
19-01-09, 01:21 AM
جعفر

اشكرك على المعلومات

بارك الله فيك

محمد صادق
21-01-09, 01:23 AM
شكرا جعفر

على الكتاب

مودتى

جعفر الجزائري
21-01-09, 09:43 PM
http://www2.0zz0.com/2008/08/02/17/219770361.gif

منتدى-المنتدى-منتديات-عديل-الروح-برامج-دروس-شروحات-تصاميم-تعارف-مواقع-فوتوشوب-تعليم-فلاتر-سويتش-دردشه-قصائد-خواطر-روايات-قصص-اسكربتات-اسكربت-برمجه-تطوير-استايلات مجانيه--دليل-مواقع-دورات-تصميم-حوادث-جرائم-فساتين-نسائيه-عالم-حواء-آدم-مطبخ-أثاث-حوارات-نقاش-سيارات-دراجات-أفلام مباشره-تحميل أفلام-مكتبه عامه-مسابقات-جوائز-نقديه-جليتير-برامج حمايه-برامج تصميم-صور- vBulletin
RSS | RSS 1 | RSS 2 | PHP | XML | ROR | HTML