الصوت الجريح
17-05-06, 05:04 PM
لكل زمن لغته التي فرضها على أبنائه،وفقاً لمتغيرات كثيرة...تماماً كما سادت لغة قريش في زمن غابر وتفوقت على سائر لهجات العرب بجمالها وصفائها وقوتهاوفصاحتها...ففرضت نفسها على الزمن حتى صارت اللغة الأم..فكانت لغة الحياة اليومية ولغة الأدب ، ولزماننا هذا لغته الأدبية الخاصة التي فرضت نفسها بقوة حتى صار اللحاق بها أمراً حتمياً لا مناص منه وإلا اقصتنا بعيداً عنها وإن كنّا هنا أقلاماً هاوية تبعثر شيئاً من همومها وأحلامها ومشاعرها التي تنوء بها فنلتقي معاً حول دفء الإحساس،إلا أن هذا لايمنع أن نطعم هذه الأحاسيس بأسلوبيات اللغة الأدبية لعصرنا..،
~~~
" الأســلوب ..هو الرجــل"
أصبحت هذه المقولة حقيقة قائمة في دنيا اللغة والأدب والكتابة ، فالكل (يتكلم) ولكن هناك فرق كبير بين أن
( نتكلم \ فـ نقول ) وبين أن ( نتكلم \ فــ نبدع )
وهذا الأسلوب صارت له السلطة المطلقة على النصوص (الإبداع) ،وإلا لماذا يتميز محمود درويش من بين آلالاف الشعراء الذين تضج بدواوينهم الرفوف؟ ولماذا علا شأن شكسبير من بين آلالاف الكتاب الذين عاصروه ووصل لنا صوته فقط من بينهم؟ لماذا وصلنا إبداع المتنبي من بين آلاف الشعراء ممن عاصروه ؟
إنـه الأســــلوب صاحب السلطة..،
هنا سنعرض التقنيات التي تجعل النص أكثر ثراء وعمقاً
ولــكن الطريق للكتابة يبدأ بالقراءة...لذا أقول لكل صاحب قلم....
اقرأ...ثم اقرأ...ثم اقرأ
ثم اكــــــتـــــــب
فبذلك : يتسع أفقك المعرفي\تتسع دائرة مفرداتك\ينضج أسلوبك
ولا تقرأ كل الكتب ولا لكل الأسماء وإنما اقرأ أفضل الكتب ولأفضل الكتـّاب فقط \ "وهذه نصيحة جاءت على لسان مفكر فرنسي غيبت الذاكرة اسمه"
فهذه بعض التقنيات الحديثة المعاصرة التي أطلعت عليها واستنتجت بعضها من ملاحظتي لأساليب الأدباء
********
بعض التقنيات التي تعلي من شأن النص :
1- الرمز:
وهو سمة مشتركة في كل الكتابات الحديثة، لم تعد المباشرة والوضوح أمراً مطلوباً في الكتابات المعاصرة،يقول الشاعر والناقد الأمريكي ت0إس0إليوت :" إن على الشاعر أن يهرب من مشاعره"
أي ألا يعبر عنها بطريقة مباشرة....حاول أن تلتف على المعنى أن تعبرعنه بطريقة غير مباشرة..
أن تأتيه من بين يديه ومن خلفه أن تحوم حوله لا أن تقدمه معلناً سافراً صريحاً وتيقن أن النص الذي يسلمك كل مفاتيحه ومعانيه ودلالته من أول قراءة هو نص عادي جداً .
2- الصورة:
وهي من أبرز صفات النصوص الحديثة التي تقوم أغلبها على التعبير بالصور الشعرية حتى لو كان النص قصة أو رواية فـ(الرسم بالكلمات) يجعل من النص مستودعاً للجمال، حاول أن تبتكر علاقات جديدة بين الأشياء وأن تربط بينها وأن تخلق صورك الخاصة بك، تأمل مثلاً هذه الصورة:
"تبكي النجمة....دمع النجمة ليل"
هل سبق وسمعت بهذا...أن الليل دموع النجمات؟؟ إنها صورة فريدة مبتكرة..
حاول أن توسع خيالك لتقتنص صوراً جديدة
3-التناص:
والتناص مصطلح يعني أن تقتبس من نصوص أخرى سواء كانت شعرية أو دينية أو تاريخية أو حتى اسماء مشاهير أو حوادث معروفة أو أساطير وتدخلها في سياق نصك أنت ، أي أن توظفها بطريقة جديدة تخدم نصك...وهذا اتجاه قديم إلا أنه يظهر حديثاً بهذا الاسم وفائدة التناص أنه يكسب النص شهرة تعتمد على مدى شهرة النص المقحم في نصك كما أنه يمنحه بعد وعمق وغنى حين يربطه بأعمال أخرى .
4- الانزياح:
يعني أن تنحرف بالمعنى المألوف لمعنى جديد لا يتوقعه السامع...مثلاً إذا قلنا لك:
يا شعرها على يدي
شلال ضوء ............ ؟
ماذا تتوقع بعد كلمة ضوء؟؟؟
منير؟
ساطع؟
منسكب؟
أم ماذا؟؟
ماذا لو قلنا ( شلال ضوء ..أسود ) !
هل توقعت هذا؟
إن هذه المفاجأة للقارىء تجعل النص مدهشـاً ومغلفاً بالسحر الذي يجذب القارىء ، وهذا يتحقق عبر الانزياح أن تبتعد عن الكلمات التي يتوقعها القارىء وتقفز للذهن فوراً وبذلك لا تصبح العبارات عادية.
5- مزج الخاص بالعام:
وهو من أهم مقتضيات النصوص الحديثة ...فالنصوص القديمة (الرومانسية والكلاسيكية) كانت تعلي من شأن الفرد ومشاعره الخاصة فنجده يتحدث عن مشاعرهه وهمومه وكأنما يدور حول نفسه فقط..أما النصوص الحديثة فالشاعر يتحدث عن نفسه وكأنه يتحدث عن الجميع .
الأديب المعاصر يرفع همه الخاص إلى مرتبة العموم والشمول...ليدخل في تجربته كل الناس ليكون ضميرهم والناطق باسم أوجاعهم وأحلامهم ،ومهما كان الموضوع خاصاً فإنه يمزجه بالهم العام ويشرك الآخرين فيه
مثلاً نجد عبدالوهاب البياتي يكتب رسالة لابنه ( وانظر إلى خصوصية الموضوع) إلا أنه حوله لنص تحس أنه يتحدث فيه عنك وعني وعن الجميع ،فيقول
مدن بلا فجر تنام
ناديت باسمك في شوارعها فجاوبني الظلام
وسألت عنك الريح وهي تئن في قلب السكون..
إلى أن يقول
أهكذا تمضي السنون؟
ويمزق القلب العذاب؟
ونحن من منفى إلى منفى
ومن باب لباب؟
نذوي كما تذوي الزنابق في التراب؟
فقراء يا قمري نموت
وقطارنا أبدا يفوت
انظر لاستخدامه للضمائر ( نذوي - نموت- نحن) إنه يجعلك تتحدث على لسانه ليوصل إليك شحنة شعورية بما يريد هو ..إن حزناً بحزن وإن فرحاً بفرح وإن حيرة فإنه يجعل الحيرة تصعف بك بعد أن تقرأ نص كهذا تشعر أنك تجد نفسك فيه...أما الحديث عن قضايا فردية بحتة فإنه يقصي القارىء عن نصك
6- توظيف الأساطير:
وهو استخدام حديث بدأ مع المدارس الشعرية الغربية الحديثة ،حيث صار الرجوع للماضي وتوظيفه في النصوص يجعل النص أكثر جمالاً وغنى وقيمة ، فوظف أغلب الأدباء الكثيرمن الأساطير الفرعونية والبابلية والإغريقية والهندية ونذكر منها :
جلجامش\ بجماليون\ سيزيف\عشتار\أوديب \ تموز .. وغيرها
وتفنن كل منهم في توظيفها بطريقته الخاصة وإضفاء أبعاد جديدة لها تخدم وتلائم نصه.لذا فالقراءة في التراث العالمي والإنساني والقراءات في التاريخ والفلسفة وعلم النفس تعطي النص الأدبي آفاقاً رحبة وتكسبه عمقاً وشمولية تعلي من قيمته كثيراً.
7- التكثيف:
والتكثيف يعني أن تختصر عباراتك وتجعلها (كبسولة معنى) حيث يكون الرفض قاطعاً لكل تكرار أو إعادة أو تمطيط للمعنى يحدث هذا عن طريق تكثيف المفردات باختيار أدقها للتعبير عن الحاله..ويتم عن طريق حذف بعض أدوات التشبيه والابقاء فقط على المشبه ووجه الشبه فقط وحذف أدوات الربط والإشارة وغيرها -طبعا بشكل لائق -بعيداً عن جعل الجملة مفككة تائهة ، فتجعل لغتك مثل الحلم : مركزة موجزة ودالة بعمق
فهناك فرق بين أن نقول :
( اتجهت للبحر صباحا ومن ثم رأيت النوارس البيضاء تحلق عالياً في الأفق وبدت النوارس كما لو أنها ترقص في ابتهال في الأفق الرحب.....)
وبين :
( اتجهت للبحر..رأيت النوارس البيضاء تحلق عالياً..بدت كما لو أنها ترقص ابتهالاً...)
مثلاً نقرأ هذه القصيدة( وهي قصيدة كاملة) لـ سليمان العيسى :
برعمة الصباح..
غطى وجهها غمام
قال لها:
حذار
ضوء الشمس في جحورنا
حرام!
لاحظ تكثيف العبارة الشديد .
8-الثنائيات
ويلعب عليها كثير من الأدباء ويبنون عليها نصوصهم إنطلاقاً من مقولة الضد يبرز حسنه الضد..وإن كانت هذه مرحلة متقدمة نوعاً ما إذ أنها تطلب بعض الفنيات لمحاولة مزج الثنائيات بشكل سليم وبناء ودال ، فيبنى النص كله على المتناقضات أو على الجمع بين مفرد وجمع في مقابلة بينها على مدار النص ..وهو يمثل مرحلة متقدمة في الكتابة .
9-الصورة البصرية:
وتعني الصورة البصرية تشكيل الكلمات وكتابتها بطريقة معينة بحيث تدل هذه الطريقة على معنى ما ونحن نراها من حين لآخر متمثلة في بعثرة الشعراء لحروف كلمة ما أو كتابة بعضها بخط سميك أو وجعلها بشكل متتالي أو متقاطع أو هندسي في بعض الأحيان
مثل أن يقول الشاعر : أمل دنقل
وتضاءلت كحرف مات بأرض الخوف
حاء..باء
الحرف السيف
الشاعر هنا يتحدث عن ضياعه وهذا ما جعل الحروف لا تتماسك حتى تتناسب مع حالة الضياع فتركها مفككة ممزقة مثل روحه الممزقة .
******
نماذج
لن نسمي مصطلحات أو ننظر للأسلوب لأنه ممارسة وموهبة وتعلم واكتساب ، ولكن لنقف بأنفسنا على هذه النماذج لنلاحظ كيف أوصل الشاعر الفكرة ، كيف أبدعها بأسلوب جميل جعل نصه متميزاً؟؟
وأترك لكم أن تميزوا بين الكلام وبين جمال اللغة...بين القول وبين الإبداع..بين الكلام المباشر وبين الأدب الذي يقتضي تحويراً في المعنى وإلتفافاً عليه وبذلك يولد الجمال في النص ...
-1-
يريد هذا الشاعر أن يقول لحبيبته أنه يشتاق لها بجنون وأنه حين يراها يبتهج جداً..فكيف سيقول لها ذلك؟
"مطرٌ أنتِ على صحرائه
مطر ٌ...في ريه يحترقُ
قطرة منك
وياجوع الهوى
فجأة يخـضّرُ عمرٌ يورق!"
-2-
ويريد هذا أن يقول لكل مواطن أن يكون مخلصاً وأميناً لوطنه الذي يمنحه كل شيء ..فكيف أوصل رسالته هذه؟
"كن جديراً برائحة الخبز
كن لائقاً بزهور الصيف
فمازال تنور أمك
مشتعلاً،
والتحية ساخنة كالرغيف"
-3-
ويريد هذا القاص أن يصف لنا طول الفتاة الجميلة التي خرجت من السيارة...فكيف سيصف طولها؟
" ثم يستقيم عودها طاعناً الفضاء بقامة فارعة رطبة"
-4-
ويريد هذا الشاعر أن يقول لنا بأنه ضائع متعب وبلاهدف ولا حب...فيقولها لنا هكذا
:
"إنك لا تدرين معنى أن يمشي الانسان ...ويمشي
بحثاً عن انسان آخر
حتى تتآكل في قدميه الأرض
ويذوي من شفتيه القول"
-5-
وانظروا إلى روعة الصورة المبتكرة والجديدة التي تفيض جمالاً في وصف امرأة يصفها لنا هذا الروائي العبقري
:
"أهدابها خيمة حريرية ،جسدها الناحل الرشيق الدافىء مثل ليالي تمو ، وقد تحلم أكثر.. تفكر أن تمد يدك إلى شعرها إلى هذا الليل الإفريقي الداكن"
آمل أن تمنحنا هذه الوقفات العجلى مع الأسلوبيات مفتاحاً وبصيصاً من ضوء يعيننا جميعاً على الارتقاء بأقلامنا للأفضل
هوامش:
1- السوري\ لسيمان العيسى.
2-الفلسطيني \ محمود درويش.
3-السعودي \ عبده خال.
4- المصري\ أمل دنقل.
5- السعودي المنفي \ عبدالرحمن منيف.
آمل أن يجد كل من قرأ فائدة ما هنا.....
~~~
" الأســلوب ..هو الرجــل"
أصبحت هذه المقولة حقيقة قائمة في دنيا اللغة والأدب والكتابة ، فالكل (يتكلم) ولكن هناك فرق كبير بين أن
( نتكلم \ فـ نقول ) وبين أن ( نتكلم \ فــ نبدع )
وهذا الأسلوب صارت له السلطة المطلقة على النصوص (الإبداع) ،وإلا لماذا يتميز محمود درويش من بين آلالاف الشعراء الذين تضج بدواوينهم الرفوف؟ ولماذا علا شأن شكسبير من بين آلالاف الكتاب الذين عاصروه ووصل لنا صوته فقط من بينهم؟ لماذا وصلنا إبداع المتنبي من بين آلاف الشعراء ممن عاصروه ؟
إنـه الأســــلوب صاحب السلطة..،
هنا سنعرض التقنيات التي تجعل النص أكثر ثراء وعمقاً
ولــكن الطريق للكتابة يبدأ بالقراءة...لذا أقول لكل صاحب قلم....
اقرأ...ثم اقرأ...ثم اقرأ
ثم اكــــــتـــــــب
فبذلك : يتسع أفقك المعرفي\تتسع دائرة مفرداتك\ينضج أسلوبك
ولا تقرأ كل الكتب ولا لكل الأسماء وإنما اقرأ أفضل الكتب ولأفضل الكتـّاب فقط \ "وهذه نصيحة جاءت على لسان مفكر فرنسي غيبت الذاكرة اسمه"
فهذه بعض التقنيات الحديثة المعاصرة التي أطلعت عليها واستنتجت بعضها من ملاحظتي لأساليب الأدباء
********
بعض التقنيات التي تعلي من شأن النص :
1- الرمز:
وهو سمة مشتركة في كل الكتابات الحديثة، لم تعد المباشرة والوضوح أمراً مطلوباً في الكتابات المعاصرة،يقول الشاعر والناقد الأمريكي ت0إس0إليوت :" إن على الشاعر أن يهرب من مشاعره"
أي ألا يعبر عنها بطريقة مباشرة....حاول أن تلتف على المعنى أن تعبرعنه بطريقة غير مباشرة..
أن تأتيه من بين يديه ومن خلفه أن تحوم حوله لا أن تقدمه معلناً سافراً صريحاً وتيقن أن النص الذي يسلمك كل مفاتيحه ومعانيه ودلالته من أول قراءة هو نص عادي جداً .
2- الصورة:
وهي من أبرز صفات النصوص الحديثة التي تقوم أغلبها على التعبير بالصور الشعرية حتى لو كان النص قصة أو رواية فـ(الرسم بالكلمات) يجعل من النص مستودعاً للجمال، حاول أن تبتكر علاقات جديدة بين الأشياء وأن تربط بينها وأن تخلق صورك الخاصة بك، تأمل مثلاً هذه الصورة:
"تبكي النجمة....دمع النجمة ليل"
هل سبق وسمعت بهذا...أن الليل دموع النجمات؟؟ إنها صورة فريدة مبتكرة..
حاول أن توسع خيالك لتقتنص صوراً جديدة
3-التناص:
والتناص مصطلح يعني أن تقتبس من نصوص أخرى سواء كانت شعرية أو دينية أو تاريخية أو حتى اسماء مشاهير أو حوادث معروفة أو أساطير وتدخلها في سياق نصك أنت ، أي أن توظفها بطريقة جديدة تخدم نصك...وهذا اتجاه قديم إلا أنه يظهر حديثاً بهذا الاسم وفائدة التناص أنه يكسب النص شهرة تعتمد على مدى شهرة النص المقحم في نصك كما أنه يمنحه بعد وعمق وغنى حين يربطه بأعمال أخرى .
4- الانزياح:
يعني أن تنحرف بالمعنى المألوف لمعنى جديد لا يتوقعه السامع...مثلاً إذا قلنا لك:
يا شعرها على يدي
شلال ضوء ............ ؟
ماذا تتوقع بعد كلمة ضوء؟؟؟
منير؟
ساطع؟
منسكب؟
أم ماذا؟؟
ماذا لو قلنا ( شلال ضوء ..أسود ) !
هل توقعت هذا؟
إن هذه المفاجأة للقارىء تجعل النص مدهشـاً ومغلفاً بالسحر الذي يجذب القارىء ، وهذا يتحقق عبر الانزياح أن تبتعد عن الكلمات التي يتوقعها القارىء وتقفز للذهن فوراً وبذلك لا تصبح العبارات عادية.
5- مزج الخاص بالعام:
وهو من أهم مقتضيات النصوص الحديثة ...فالنصوص القديمة (الرومانسية والكلاسيكية) كانت تعلي من شأن الفرد ومشاعره الخاصة فنجده يتحدث عن مشاعرهه وهمومه وكأنما يدور حول نفسه فقط..أما النصوص الحديثة فالشاعر يتحدث عن نفسه وكأنه يتحدث عن الجميع .
الأديب المعاصر يرفع همه الخاص إلى مرتبة العموم والشمول...ليدخل في تجربته كل الناس ليكون ضميرهم والناطق باسم أوجاعهم وأحلامهم ،ومهما كان الموضوع خاصاً فإنه يمزجه بالهم العام ويشرك الآخرين فيه
مثلاً نجد عبدالوهاب البياتي يكتب رسالة لابنه ( وانظر إلى خصوصية الموضوع) إلا أنه حوله لنص تحس أنه يتحدث فيه عنك وعني وعن الجميع ،فيقول
مدن بلا فجر تنام
ناديت باسمك في شوارعها فجاوبني الظلام
وسألت عنك الريح وهي تئن في قلب السكون..
إلى أن يقول
أهكذا تمضي السنون؟
ويمزق القلب العذاب؟
ونحن من منفى إلى منفى
ومن باب لباب؟
نذوي كما تذوي الزنابق في التراب؟
فقراء يا قمري نموت
وقطارنا أبدا يفوت
انظر لاستخدامه للضمائر ( نذوي - نموت- نحن) إنه يجعلك تتحدث على لسانه ليوصل إليك شحنة شعورية بما يريد هو ..إن حزناً بحزن وإن فرحاً بفرح وإن حيرة فإنه يجعل الحيرة تصعف بك بعد أن تقرأ نص كهذا تشعر أنك تجد نفسك فيه...أما الحديث عن قضايا فردية بحتة فإنه يقصي القارىء عن نصك
6- توظيف الأساطير:
وهو استخدام حديث بدأ مع المدارس الشعرية الغربية الحديثة ،حيث صار الرجوع للماضي وتوظيفه في النصوص يجعل النص أكثر جمالاً وغنى وقيمة ، فوظف أغلب الأدباء الكثيرمن الأساطير الفرعونية والبابلية والإغريقية والهندية ونذكر منها :
جلجامش\ بجماليون\ سيزيف\عشتار\أوديب \ تموز .. وغيرها
وتفنن كل منهم في توظيفها بطريقته الخاصة وإضفاء أبعاد جديدة لها تخدم وتلائم نصه.لذا فالقراءة في التراث العالمي والإنساني والقراءات في التاريخ والفلسفة وعلم النفس تعطي النص الأدبي آفاقاً رحبة وتكسبه عمقاً وشمولية تعلي من قيمته كثيراً.
7- التكثيف:
والتكثيف يعني أن تختصر عباراتك وتجعلها (كبسولة معنى) حيث يكون الرفض قاطعاً لكل تكرار أو إعادة أو تمطيط للمعنى يحدث هذا عن طريق تكثيف المفردات باختيار أدقها للتعبير عن الحاله..ويتم عن طريق حذف بعض أدوات التشبيه والابقاء فقط على المشبه ووجه الشبه فقط وحذف أدوات الربط والإشارة وغيرها -طبعا بشكل لائق -بعيداً عن جعل الجملة مفككة تائهة ، فتجعل لغتك مثل الحلم : مركزة موجزة ودالة بعمق
فهناك فرق بين أن نقول :
( اتجهت للبحر صباحا ومن ثم رأيت النوارس البيضاء تحلق عالياً في الأفق وبدت النوارس كما لو أنها ترقص في ابتهال في الأفق الرحب.....)
وبين :
( اتجهت للبحر..رأيت النوارس البيضاء تحلق عالياً..بدت كما لو أنها ترقص ابتهالاً...)
مثلاً نقرأ هذه القصيدة( وهي قصيدة كاملة) لـ سليمان العيسى :
برعمة الصباح..
غطى وجهها غمام
قال لها:
حذار
ضوء الشمس في جحورنا
حرام!
لاحظ تكثيف العبارة الشديد .
8-الثنائيات
ويلعب عليها كثير من الأدباء ويبنون عليها نصوصهم إنطلاقاً من مقولة الضد يبرز حسنه الضد..وإن كانت هذه مرحلة متقدمة نوعاً ما إذ أنها تطلب بعض الفنيات لمحاولة مزج الثنائيات بشكل سليم وبناء ودال ، فيبنى النص كله على المتناقضات أو على الجمع بين مفرد وجمع في مقابلة بينها على مدار النص ..وهو يمثل مرحلة متقدمة في الكتابة .
9-الصورة البصرية:
وتعني الصورة البصرية تشكيل الكلمات وكتابتها بطريقة معينة بحيث تدل هذه الطريقة على معنى ما ونحن نراها من حين لآخر متمثلة في بعثرة الشعراء لحروف كلمة ما أو كتابة بعضها بخط سميك أو وجعلها بشكل متتالي أو متقاطع أو هندسي في بعض الأحيان
مثل أن يقول الشاعر : أمل دنقل
وتضاءلت كحرف مات بأرض الخوف
حاء..باء
الحرف السيف
الشاعر هنا يتحدث عن ضياعه وهذا ما جعل الحروف لا تتماسك حتى تتناسب مع حالة الضياع فتركها مفككة ممزقة مثل روحه الممزقة .
******
نماذج
لن نسمي مصطلحات أو ننظر للأسلوب لأنه ممارسة وموهبة وتعلم واكتساب ، ولكن لنقف بأنفسنا على هذه النماذج لنلاحظ كيف أوصل الشاعر الفكرة ، كيف أبدعها بأسلوب جميل جعل نصه متميزاً؟؟
وأترك لكم أن تميزوا بين الكلام وبين جمال اللغة...بين القول وبين الإبداع..بين الكلام المباشر وبين الأدب الذي يقتضي تحويراً في المعنى وإلتفافاً عليه وبذلك يولد الجمال في النص ...
-1-
يريد هذا الشاعر أن يقول لحبيبته أنه يشتاق لها بجنون وأنه حين يراها يبتهج جداً..فكيف سيقول لها ذلك؟
"مطرٌ أنتِ على صحرائه
مطر ٌ...في ريه يحترقُ
قطرة منك
وياجوع الهوى
فجأة يخـضّرُ عمرٌ يورق!"
-2-
ويريد هذا أن يقول لكل مواطن أن يكون مخلصاً وأميناً لوطنه الذي يمنحه كل شيء ..فكيف أوصل رسالته هذه؟
"كن جديراً برائحة الخبز
كن لائقاً بزهور الصيف
فمازال تنور أمك
مشتعلاً،
والتحية ساخنة كالرغيف"
-3-
ويريد هذا القاص أن يصف لنا طول الفتاة الجميلة التي خرجت من السيارة...فكيف سيصف طولها؟
" ثم يستقيم عودها طاعناً الفضاء بقامة فارعة رطبة"
-4-
ويريد هذا الشاعر أن يقول لنا بأنه ضائع متعب وبلاهدف ولا حب...فيقولها لنا هكذا
:
"إنك لا تدرين معنى أن يمشي الانسان ...ويمشي
بحثاً عن انسان آخر
حتى تتآكل في قدميه الأرض
ويذوي من شفتيه القول"
-5-
وانظروا إلى روعة الصورة المبتكرة والجديدة التي تفيض جمالاً في وصف امرأة يصفها لنا هذا الروائي العبقري
:
"أهدابها خيمة حريرية ،جسدها الناحل الرشيق الدافىء مثل ليالي تمو ، وقد تحلم أكثر.. تفكر أن تمد يدك إلى شعرها إلى هذا الليل الإفريقي الداكن"
آمل أن تمنحنا هذه الوقفات العجلى مع الأسلوبيات مفتاحاً وبصيصاً من ضوء يعيننا جميعاً على الارتقاء بأقلامنا للأفضل
هوامش:
1- السوري\ لسيمان العيسى.
2-الفلسطيني \ محمود درويش.
3-السعودي \ عبده خال.
4- المصري\ أمل دنقل.
5- السعودي المنفي \ عبدالرحمن منيف.
آمل أن يجد كل من قرأ فائدة ما هنا.....