أبوفيصل
08-02-08, 03:41 PM
بقلم - لورنس سمرز
تتغير الأسواق ومفاهيم صورة المستقبل الاقتصادي بصورة سريعة. فحتى قبل شهرين كان معظم المراقبين يشكّون في توقعات حدوث ركود اقتصادي أمريكي، ولذلك لم يروا حاجة إلى حافز مالي واعتقدوا أن المخاوف من التضخم يجب أن تضبط السياسة النقدية. الآن، توافقت واشنطن بشكل أو بآخر على رزمة تحفيز تتجاوز قيمتها 150 مليار دولار، وتوقعت الأسواق في وقت ما من الأسبوع الماضي أن يكون معدل سعر الفائدة الذي يحدده الاحتياطي الفيدرالي أقل من 2 في المائة بحلول أيلول (سبتمبر). والنقاش الدائر الآن يتعلق بمدى عمق الركود ومدى أثره العالمي.
هناك عدم يقين هائل فيما يتعلق بالتوقعات الاقتصادية أو المالية. ومن المحتمل أن يتراجع التشاؤم بينما يعمل انخفاض أسعار الفائدة، وسعر تبادل الدولار، على زيادة الطلب. ومن الأمور الأعلى ترجيحاً، رغم ذلك، أن الوضع سيزداد تدهوراً بينما تتوسع المفاهيم حول زيادة انتشار أزمة الائتمان التي يتسبب فيها تناقص النمو، ومخصصات زيادة المخاطر في الأسواق المالية، ما يؤدي إلى تراجع الإقراض والاقتراض والإنفاق، بحيث يتفاقم التشاؤم فيما يتعلق بالنمو.
ربما في ظل تعقيد المشكلات بدت إجراءات السياسات ذات العلاقة وكأنها تعالج حالة بحالة، إضافة إلى أنها أقرب إلى ردود الفعل، إذ تمثلت بإجراءات لزيادة سيولة البنوك في أحد الأسابيع، ومساعدة أصحاب المنازل في تجنب تمكين أصحاب القروض العقارية من الاستيلاء على منازلهم بعد أسبوع من ذلك، والعمل على إيجاد تحفيز مالي بعد أسبوعين، لتأتي في نهاية المطاف خطوة تخفيض أسعار الفائدة. وكان يمكن لبرنامج شامل من الإجراءات التي تطرح توقعات نمو متسارع، وتعتبر ضمانات ضد تراجع طويل الأمد، أن تعمل على توفير الثقة المطلوبة. وإلى أن يحدث ذلك، سيكون من الصعب استعادة الثقة.
في الوقت الراهن هناك ممارسة فعلية لحوافز نقدية ومالية رئيسية، الأمر الذي يخفف حدة أي ركود ويقدم بعض الضمانات ضد تراجع يستمر لفترة طويلة. وإلى جانب الحافز على صعيد الاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة، هناك حاجة إلى المزيد من التطورات السياسية في ثلاثة مجالات: إصلاح النظام المالي، واحتواء الدمار الذي سببته أزمة قطاع الإسكان، وضمان التنسيق العالمي على مستوى السياسات. ويعالج هذا العمود الجانب الأول من هذه الأمور الضرورية. وسأتناول الجانبين الثاني والثالث في المستقبل القريب.
إن لدى المؤسسات المالية كل أنواع أدوات الائتمان الفاسدة التي يصعب تقييمها، مما يولد عدم يقين ويجمد الإقراض الجديد. ودون مزيد من الوضوح، فإن الاقتصاد والنظام المالي يخاطران بالتجمد، كما حدث في اليابان إبّان التسعينيات.
لذلك من المغري أن يتم تسويق هذه الورقة بصورة مندفعة للغاية حتى يتسنى "اكتشاف" الأسعار ويتم حل مسألة عدم اليقين. وهناك حاجة إلى فعل المزيد. لكننا نجد في ظل البيئة الحالية أن قليلين هم الذين يتطلعون إلى زيادة تحمل المخاطر، وأقل منهم أولئك الذين يرغبون في تمويل الجهات المستعدة لتحمل المخاطر. ونتيجة لذلك، من المحتمل أن تكون الأسعار المكتشفة متدنية للغاية، وأن تعكس أوضاع الأسواق بدرجة أكثر مما تعمل فيه على تأكيد أهمية جودة الائتمان. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى سلسلة من التصفيات المتتابعة التي تفضي إلى حالة من الذعر.
السياسة الملائمة لتقييم الموجودات وفرض أسعار بيعها تعتمد على التميز بين الأسعار التي تعكس حقائق الاقتصاد الأساسية، والأسعار التي تعكس عدم السيولة القائمة. والسياسة الجيدة فن بقدر ما هي علم، فهي تقوم على الحالة النفسية للأسواق، إضافة إلى الوقائع القائمة بالفعل.
والعامل الأساسي إذا ما أريد أن يكون هناك المزيد من الشفافية في الأسواق المالية دون أزمة ائتمان كبرى، هو مستويات متزايدة من رأس المال. ويتيح ذلك إدراكاً أوسع لعوامل النقص، ويسهل عمليات نقل وتحويل الموجودات بزيادة العدد المحتمل للمشترين. ومن المفضل بالنسبة للاقتصاد أن تعزز البنوك قدراتها الرأسمالية عن طريق تسييل موجوداتها الحالية، بدلاً من تقليص نشاطاتها الإقراضية. ولا بد أن يصبح الإلحاح في مطالبة المؤسسات المالية القائمة بزيادة رساميلها عنصراً حيوياً في السياسة التشريعية. ومن هذا المنطلق، فإن الجهود الأخيرة من جانب عدد من المؤسسات المالية الرئيسية لزيادة رأس المال من صناديق الثروة السيادية تعتبر أموراً إيجابية وبناءة. لكن هناك حاجة إلى إجراءات أخرى.
لا بد من أن ترافق جهود توجيه المزيد من الرساميل إلى المؤسسات القائمة، جهود أعظم بهدف ضمان عمليات تقييم أعلى شفافية وأكثر عدالة. إن سوق رأسمال يتم فيها تقييم القرض ذاته بسعر ما في أحد البنوك، وبسعر مختلف في بنك آخر، وبسعر ثالث في إحدى القنوات الاستثمارية، وبسعر رابع في صندوق تحوط، لا يمكن أن تكون قاعدة لأداء اقتصادي سليم.
ومن الأمور الحيوية ضخ رأسمال كاف في صناعة تأمين السندات في أقرب وقت ممكن. فإخفاق هذه السوق أو فقدانها تصنيف Aaa سبب محتمل للمخاطر على مستوى النظام ككل. وربما يكون من الضروري اللجوء جزئياً إلى تلك الشركات ذات الحصص في الضمانات التي مازالت موثوقة لأن لديها ممتلكات كبرى من الأوراق المضمونة. ويبدو من غير المحتمل أن يتم هذا الإصلاح دون بعض التشجيع والمشاركة من جانب السلطات المالية. وعلى الرغم من وجود فروق كثيرة، فضلا عن أن المشكلة الحالية أشد تعقيداً، فإن العمل الذي قامت به "إدارة رأس المال في الأجل الطويل" مثال على المشاركة الناجحة من قبل القطاع العام.
وبينما تركز الاهتمام في أيامنا هذه على عمليات ضخ رأس المال في المؤسسات القائمة، فإنه ربما يكون من المفضل ضخ رأس المال في المؤسسات الجديدة التي ليست لديها المشكلات الموروثة القائمة في المؤسسات الحالية، كما أن بإمكانها تلبية طلبات الإقراض الجديد. ومن أمثلة ذلك دخول وارن بوفييه، خلال الفترة الأخيرة، عالم تأمين السندات. وهناك مبررات للمخاوف بشأن كفاية تدفق الإقراض بالنسبة لقروض الطلبة، وشراء السيارات، والائتمان الاستهلاكي، والرهون غير المتسقة. ويمكن أن تبرز في كل هذه المجالات حاجة إلى إجراء جماعي من قبل القطاع الخاص، أو إلى إجراءات حكومية.
لن يعود الأداء الاقتصادي العادي دون عودة الحالة الطبيعية إلى أسواق الائتمان. ولن تتراجع المخاوف المسيطرة على الأسواق بقواها الذاتية، كما لا توجد رصاصة فضية. لكن الأساليب الثابتة والحاسمة لعمل ما هو مطلوب لحل المشكلات التي تبرز من شأنها في النهاية استعادة الثقة.
* نقلاً عن صحيفة الاقتصادية .
تتغير الأسواق ومفاهيم صورة المستقبل الاقتصادي بصورة سريعة. فحتى قبل شهرين كان معظم المراقبين يشكّون في توقعات حدوث ركود اقتصادي أمريكي، ولذلك لم يروا حاجة إلى حافز مالي واعتقدوا أن المخاوف من التضخم يجب أن تضبط السياسة النقدية. الآن، توافقت واشنطن بشكل أو بآخر على رزمة تحفيز تتجاوز قيمتها 150 مليار دولار، وتوقعت الأسواق في وقت ما من الأسبوع الماضي أن يكون معدل سعر الفائدة الذي يحدده الاحتياطي الفيدرالي أقل من 2 في المائة بحلول أيلول (سبتمبر). والنقاش الدائر الآن يتعلق بمدى عمق الركود ومدى أثره العالمي.
هناك عدم يقين هائل فيما يتعلق بالتوقعات الاقتصادية أو المالية. ومن المحتمل أن يتراجع التشاؤم بينما يعمل انخفاض أسعار الفائدة، وسعر تبادل الدولار، على زيادة الطلب. ومن الأمور الأعلى ترجيحاً، رغم ذلك، أن الوضع سيزداد تدهوراً بينما تتوسع المفاهيم حول زيادة انتشار أزمة الائتمان التي يتسبب فيها تناقص النمو، ومخصصات زيادة المخاطر في الأسواق المالية، ما يؤدي إلى تراجع الإقراض والاقتراض والإنفاق، بحيث يتفاقم التشاؤم فيما يتعلق بالنمو.
ربما في ظل تعقيد المشكلات بدت إجراءات السياسات ذات العلاقة وكأنها تعالج حالة بحالة، إضافة إلى أنها أقرب إلى ردود الفعل، إذ تمثلت بإجراءات لزيادة سيولة البنوك في أحد الأسابيع، ومساعدة أصحاب المنازل في تجنب تمكين أصحاب القروض العقارية من الاستيلاء على منازلهم بعد أسبوع من ذلك، والعمل على إيجاد تحفيز مالي بعد أسبوعين، لتأتي في نهاية المطاف خطوة تخفيض أسعار الفائدة. وكان يمكن لبرنامج شامل من الإجراءات التي تطرح توقعات نمو متسارع، وتعتبر ضمانات ضد تراجع طويل الأمد، أن تعمل على توفير الثقة المطلوبة. وإلى أن يحدث ذلك، سيكون من الصعب استعادة الثقة.
في الوقت الراهن هناك ممارسة فعلية لحوافز نقدية ومالية رئيسية، الأمر الذي يخفف حدة أي ركود ويقدم بعض الضمانات ضد تراجع يستمر لفترة طويلة. وإلى جانب الحافز على صعيد الاقتصاد الكلي في الولايات المتحدة، هناك حاجة إلى المزيد من التطورات السياسية في ثلاثة مجالات: إصلاح النظام المالي، واحتواء الدمار الذي سببته أزمة قطاع الإسكان، وضمان التنسيق العالمي على مستوى السياسات. ويعالج هذا العمود الجانب الأول من هذه الأمور الضرورية. وسأتناول الجانبين الثاني والثالث في المستقبل القريب.
إن لدى المؤسسات المالية كل أنواع أدوات الائتمان الفاسدة التي يصعب تقييمها، مما يولد عدم يقين ويجمد الإقراض الجديد. ودون مزيد من الوضوح، فإن الاقتصاد والنظام المالي يخاطران بالتجمد، كما حدث في اليابان إبّان التسعينيات.
لذلك من المغري أن يتم تسويق هذه الورقة بصورة مندفعة للغاية حتى يتسنى "اكتشاف" الأسعار ويتم حل مسألة عدم اليقين. وهناك حاجة إلى فعل المزيد. لكننا نجد في ظل البيئة الحالية أن قليلين هم الذين يتطلعون إلى زيادة تحمل المخاطر، وأقل منهم أولئك الذين يرغبون في تمويل الجهات المستعدة لتحمل المخاطر. ونتيجة لذلك، من المحتمل أن تكون الأسعار المكتشفة متدنية للغاية، وأن تعكس أوضاع الأسواق بدرجة أكثر مما تعمل فيه على تأكيد أهمية جودة الائتمان. ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى سلسلة من التصفيات المتتابعة التي تفضي إلى حالة من الذعر.
السياسة الملائمة لتقييم الموجودات وفرض أسعار بيعها تعتمد على التميز بين الأسعار التي تعكس حقائق الاقتصاد الأساسية، والأسعار التي تعكس عدم السيولة القائمة. والسياسة الجيدة فن بقدر ما هي علم، فهي تقوم على الحالة النفسية للأسواق، إضافة إلى الوقائع القائمة بالفعل.
والعامل الأساسي إذا ما أريد أن يكون هناك المزيد من الشفافية في الأسواق المالية دون أزمة ائتمان كبرى، هو مستويات متزايدة من رأس المال. ويتيح ذلك إدراكاً أوسع لعوامل النقص، ويسهل عمليات نقل وتحويل الموجودات بزيادة العدد المحتمل للمشترين. ومن المفضل بالنسبة للاقتصاد أن تعزز البنوك قدراتها الرأسمالية عن طريق تسييل موجوداتها الحالية، بدلاً من تقليص نشاطاتها الإقراضية. ولا بد أن يصبح الإلحاح في مطالبة المؤسسات المالية القائمة بزيادة رساميلها عنصراً حيوياً في السياسة التشريعية. ومن هذا المنطلق، فإن الجهود الأخيرة من جانب عدد من المؤسسات المالية الرئيسية لزيادة رأس المال من صناديق الثروة السيادية تعتبر أموراً إيجابية وبناءة. لكن هناك حاجة إلى إجراءات أخرى.
لا بد من أن ترافق جهود توجيه المزيد من الرساميل إلى المؤسسات القائمة، جهود أعظم بهدف ضمان عمليات تقييم أعلى شفافية وأكثر عدالة. إن سوق رأسمال يتم فيها تقييم القرض ذاته بسعر ما في أحد البنوك، وبسعر مختلف في بنك آخر، وبسعر ثالث في إحدى القنوات الاستثمارية، وبسعر رابع في صندوق تحوط، لا يمكن أن تكون قاعدة لأداء اقتصادي سليم.
ومن الأمور الحيوية ضخ رأسمال كاف في صناعة تأمين السندات في أقرب وقت ممكن. فإخفاق هذه السوق أو فقدانها تصنيف Aaa سبب محتمل للمخاطر على مستوى النظام ككل. وربما يكون من الضروري اللجوء جزئياً إلى تلك الشركات ذات الحصص في الضمانات التي مازالت موثوقة لأن لديها ممتلكات كبرى من الأوراق المضمونة. ويبدو من غير المحتمل أن يتم هذا الإصلاح دون بعض التشجيع والمشاركة من جانب السلطات المالية. وعلى الرغم من وجود فروق كثيرة، فضلا عن أن المشكلة الحالية أشد تعقيداً، فإن العمل الذي قامت به "إدارة رأس المال في الأجل الطويل" مثال على المشاركة الناجحة من قبل القطاع العام.
وبينما تركز الاهتمام في أيامنا هذه على عمليات ضخ رأس المال في المؤسسات القائمة، فإنه ربما يكون من المفضل ضخ رأس المال في المؤسسات الجديدة التي ليست لديها المشكلات الموروثة القائمة في المؤسسات الحالية، كما أن بإمكانها تلبية طلبات الإقراض الجديد. ومن أمثلة ذلك دخول وارن بوفييه، خلال الفترة الأخيرة، عالم تأمين السندات. وهناك مبررات للمخاوف بشأن كفاية تدفق الإقراض بالنسبة لقروض الطلبة، وشراء السيارات، والائتمان الاستهلاكي، والرهون غير المتسقة. ويمكن أن تبرز في كل هذه المجالات حاجة إلى إجراء جماعي من قبل القطاع الخاص، أو إلى إجراءات حكومية.
لن يعود الأداء الاقتصادي العادي دون عودة الحالة الطبيعية إلى أسواق الائتمان. ولن تتراجع المخاوف المسيطرة على الأسواق بقواها الذاتية، كما لا توجد رصاصة فضية. لكن الأساليب الثابتة والحاسمة لعمل ما هو مطلوب لحل المشكلات التي تبرز من شأنها في النهاية استعادة الثقة.
* نقلاً عن صحيفة الاقتصادية .