أبوفيصل
05-02-08, 07:15 PM
بقلم - مايكل كريمر
ركزت “الخطط المستقبلية لبرنامج التنمية العالمي” على بعض التوجهات الجديدة في مجال تقديم المساعدات. وحددت “مجموعة إعادة صياغة أعمال المساعدات” المنبثقة عن “منتدى القيادات العالمية الشابة” عدداً من التوجهات الاضافية الجديدة في هذا المجال، والتي نراها واعدة حقاً ونتوقع أن تساعد في تقديم حلول مناسبة لعدد من المشكلات التي واجهتها عملية تقديم المساعدات في الماضي، وتفعيل دور هذه المساعدات مستقبلاً بشكل أكبر.
التوجه الأول: إجماع على أن المساعدات وحدها لا تحقق الازدهار، ولكن يمكنها أن تلبي الاحتياجات الإنسانية الملحة وأن تسهم في التطور الاقتصادي.
وانقسمت الآراء، في الكثير من النقاشات العامة التي دارت أخيرا حول تقديم المساعدات، وكانت غير بناءة أو منحازة أو مجرد عموميات تفتقر إلى الدلالات الواضحة. ففي حين ذهب البعض إلى أن زيادة المساعدات ستتيح للدول النامية الانعتاق من مستنقع الفقر والانطلاق في عملية نمو ذاتي، رأي أصحاب الرأي المغاير أنها غير مجدية لأنها فشلت حتى الآن في تحقيق هذا الهدف.
والآن، هناك تحرك قوي نحو رؤية أكثر واقعية لما يمكن أن تحققه المساعدات، كما توجد رغبة صادقة في الاعتراف بحقيقة محزنة هي أن كل المساعدات المقدمة في الماضي قد ضاعت سدى.
التوجه الثاني: الإدراك المتنامي لضرورة قياس جدوى الآليات المطبقة في تقديم المساعدات وتوجيه صناديق المساعدات نحو السبل التي تثبت جدواها العملية.
وأظهر عدد من الأمثلة الحديثة أنه يمكن تحديد فاعلية الآليات المختلفة المطبقة بهدف خفض معدلات الفقر بشكل دقيق من خلال مقارنة أساليب المعالجة ومجموعات القياس في التقييمات العشوائية (ابتداء من البرامج الهادفة إلى تشجيع التعليم والصحة وانتهاء بتلك التي تستهدف مكافحة الفساد وتمكين المرأة). ونظراً إلى أن مثل هذه التقييمات تزود واضعي السياسات بدليل دامغ وشفاف على جدوى الآليات التي تم قياسها، فإنها مؤهلة للتأثير في هذه السياسات. وعلى سبيل المثال، فقد عمدت المكسيك إلى توسيع برنامجها التنموي بعد أن أظهر تقييم عشوائي فوائد هذا البرنامج، كما تم اعتماد برامج مشابهة في بلدان أخرى.
وفي هذا الإطار، يقوم المانحون بإجراء المزيد من التقييمات المماثلة بحيث تأتي سياساتهم واستثماراتهم استجابة لحاجة حقيقية مبنية على الأدلة أكثر من كونها مدفوعة بموجة تنمية عابرة.
التوجه الثالث: التحرك نحو الدعم الملتزم طويل المدى للآليات التي أثبتت جدواها العملية.
تدار معظم برامج المساعدات لبضعة أعوام فقط، وتكون مصممة أساساً لمجرد تغطية تكاليف التشغيل الأولية. ويؤدي الإيقاف المستمر للمشاريع القائمة والبدء بأخرى جديدة إلى ارتفاع التكاليف الاستشارية والإدارية التي تتكبدها هيئات تقديم المساعدات، وتحميل الدول المضيفة أعباء إدارية كبيرة، مما يثير مخاوف بشأن القدرة الاستيعابية، ويحد مجالات الأنشطة التي يمكن للمساعدات دعمها (مثل منع إنفاق المساعدات على دفع أجور المعلمين والممرضات، على سبيل المثال)، كما يؤدي إلى فرض رسوم تضر بالمستفيدين من هذه المساعدات. وبالتالي، فإن أفضل طريقة هي دعم الآليات التي أثبتت نجاحها، مثل تقديم اللقاحات وأدوية مكافحة الديدان، على أساس طويل المدى وواسع النطاق. وفي الحالات التي تتطلب فيها الآلية الأكثر فاعلية تمويلاً مستمراً ولفترة طويلة (مثل تجنيد موظفين للعمل في البرامج الصحية أو إصلاح الطرقات)، فإنه يتوجب على الدول المانحة قبول تغطية هذه التكاليف على أساس طويل الأجل.
التوجه الرابع: تحرك نحو تقديم المساعدات المباشرة إلى البلدان التي توجد فيها حكومات فاعلة، ومساعدة الدول التي ينخفض فيها أداء الحكومات، وهو توجه نحو هيكلة المساعدات بطريقة تشجع القطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية على التنافس لتلبية الاحتياجات الإنسانية.
وتختلف الحكومات بشكل كبير من حيث فاعليتها في تسهيل عملية النمو وتقليص معدلات الفقر. ويمكن أن يسهم تركيز المساعدات على دول لديها حكومات تؤدي عملها بشكل جيد في تعزيز فاعلية الإعانات المقدمة وحفز هذه الحكومات على تحسين أدائها. وفي البلدان التي تعمل فيها الحكومات كفريق عمل واحد عالي الأداء، فإن تقديم الدعم للموازنة العامة يمكن له أن يخفض التكاليف الإدارية ويشجع الحكومة على وضع حزمة سياسات شاملة ومترابطة. وفي بلدان أخرى، يجب مساعدة أعضاء محددين من الحكومة لتنفيذ برامج قطاعية أو لتنفيذ مشاريع محددة.
ولتلبية الاحتياجات الإنسانية في الدول التي لديها حكومات ضعيفة الأداء، بما فيها تلك الخارجة من نزاعات، والحكومات الفاشلة التي يستشري فيها الفساد، فمن الأنسب أن يتم توجبه المساعدات إلى القطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية. وعلى سبيل المثال، فإن التعاقد مع مؤسسات غير حكومية لتقديم الخدمات التعليمية والصحية على أسس تنافسية أثبت فاعليته الكبيرة.
التوجه الخامس: توجه متزايد نحو استخدام المساعدات في دعم السلع الإقليمية والعالمية العامة التي تفيد الفقراء على وجه الخصوص.
وتذهب عائدات بعض الاستثمارات إلى الشخص الذي قام بها بشكل أساسي، وعائدات البعض الآخر إلى شعب بأكمله. ومع ذلك، فإن فوائد استثمارات معينة تتخطى الحدود المحلية، كما هي الحال بالنسبة إلى الاستثمارات التي تقلل من انبعاث غازات الدفيئة. ولكن مستثمري القطاع الخاص، أو حتى القطاع الحكومي، ليس لديهم الحافز لتقديم السلع الاقليمية والعالمية العامة، لأنهم لا يستردون مكاسبها بالكامل. وعليه، يمكن ألا يتم تنفيذ الاستثمارات التي تنطوي على فوائد للمجتمع ككل. ومن هنا، فإن المؤسسات الدولية والمانحين الآخرين المكلفين بالحد من معدلات الفقر على المستوى العالمي، في وضع أفضل من غيرهم للقيام بهذه الاستثمارات لأنهم يمتلكون الكثير من المزايا التنافسية.
وهنالك حالة خاصة، تستدعي من المانحين تقديم السلع العالمية العامة التي يحتاجها الفقراء أشد الحاجة. فعلى سبيل المثال، يتوجب على المانحين الاستثمار في الأبحاث والتطوير لإيجاد لقاحات وعقاقير ضد الأمراض الاستوائية وتنمية محاصيل زراعية تلائم مناطق خط الاستواء.
وتتمثل إحدى الطرق الواعدة لتشجيع هذا النوع من الأبحاث في “التزامات السوق المتطورة”، وهي التزامات قانونية تلزم المانحين بالمساعدة في تمويل شراء السلع، مثل اللقاحات الجديدة متى وعندما يتم تطويرها. وفي العام ،2007 تعهد المانحون ضمن “التزامات السوق المتطورة” بتقديم 5ر1 مليار دولار أمريكي لمشروع لقاح ضد أمراض الرئة ويمكن استخدام برنامج الالتزامات هذا لدعم تطوير لقاحات ضد الملاريا ونقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، ولتمويل نهضة بيئية في إفريقيا وبناء محطات لتوليد الكهرباء النظيفة منخفضة التكلفة.
وقد بُدئ العمل بهذه التوجهات فعلياً، وهي تمتلك القدرة على إعادة صياغة المساعدة بأساليب عملية، وتحسين حياة الفقراء بشكل ملحوظ في كل أنحاء العالم.
* أستاذ قسم تطوير المجتمعات في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية .
* نقلاً عن صحيفة الخليج .
ركزت “الخطط المستقبلية لبرنامج التنمية العالمي” على بعض التوجهات الجديدة في مجال تقديم المساعدات. وحددت “مجموعة إعادة صياغة أعمال المساعدات” المنبثقة عن “منتدى القيادات العالمية الشابة” عدداً من التوجهات الاضافية الجديدة في هذا المجال، والتي نراها واعدة حقاً ونتوقع أن تساعد في تقديم حلول مناسبة لعدد من المشكلات التي واجهتها عملية تقديم المساعدات في الماضي، وتفعيل دور هذه المساعدات مستقبلاً بشكل أكبر.
التوجه الأول: إجماع على أن المساعدات وحدها لا تحقق الازدهار، ولكن يمكنها أن تلبي الاحتياجات الإنسانية الملحة وأن تسهم في التطور الاقتصادي.
وانقسمت الآراء، في الكثير من النقاشات العامة التي دارت أخيرا حول تقديم المساعدات، وكانت غير بناءة أو منحازة أو مجرد عموميات تفتقر إلى الدلالات الواضحة. ففي حين ذهب البعض إلى أن زيادة المساعدات ستتيح للدول النامية الانعتاق من مستنقع الفقر والانطلاق في عملية نمو ذاتي، رأي أصحاب الرأي المغاير أنها غير مجدية لأنها فشلت حتى الآن في تحقيق هذا الهدف.
والآن، هناك تحرك قوي نحو رؤية أكثر واقعية لما يمكن أن تحققه المساعدات، كما توجد رغبة صادقة في الاعتراف بحقيقة محزنة هي أن كل المساعدات المقدمة في الماضي قد ضاعت سدى.
التوجه الثاني: الإدراك المتنامي لضرورة قياس جدوى الآليات المطبقة في تقديم المساعدات وتوجيه صناديق المساعدات نحو السبل التي تثبت جدواها العملية.
وأظهر عدد من الأمثلة الحديثة أنه يمكن تحديد فاعلية الآليات المختلفة المطبقة بهدف خفض معدلات الفقر بشكل دقيق من خلال مقارنة أساليب المعالجة ومجموعات القياس في التقييمات العشوائية (ابتداء من البرامج الهادفة إلى تشجيع التعليم والصحة وانتهاء بتلك التي تستهدف مكافحة الفساد وتمكين المرأة). ونظراً إلى أن مثل هذه التقييمات تزود واضعي السياسات بدليل دامغ وشفاف على جدوى الآليات التي تم قياسها، فإنها مؤهلة للتأثير في هذه السياسات. وعلى سبيل المثال، فقد عمدت المكسيك إلى توسيع برنامجها التنموي بعد أن أظهر تقييم عشوائي فوائد هذا البرنامج، كما تم اعتماد برامج مشابهة في بلدان أخرى.
وفي هذا الإطار، يقوم المانحون بإجراء المزيد من التقييمات المماثلة بحيث تأتي سياساتهم واستثماراتهم استجابة لحاجة حقيقية مبنية على الأدلة أكثر من كونها مدفوعة بموجة تنمية عابرة.
التوجه الثالث: التحرك نحو الدعم الملتزم طويل المدى للآليات التي أثبتت جدواها العملية.
تدار معظم برامج المساعدات لبضعة أعوام فقط، وتكون مصممة أساساً لمجرد تغطية تكاليف التشغيل الأولية. ويؤدي الإيقاف المستمر للمشاريع القائمة والبدء بأخرى جديدة إلى ارتفاع التكاليف الاستشارية والإدارية التي تتكبدها هيئات تقديم المساعدات، وتحميل الدول المضيفة أعباء إدارية كبيرة، مما يثير مخاوف بشأن القدرة الاستيعابية، ويحد مجالات الأنشطة التي يمكن للمساعدات دعمها (مثل منع إنفاق المساعدات على دفع أجور المعلمين والممرضات، على سبيل المثال)، كما يؤدي إلى فرض رسوم تضر بالمستفيدين من هذه المساعدات. وبالتالي، فإن أفضل طريقة هي دعم الآليات التي أثبتت نجاحها، مثل تقديم اللقاحات وأدوية مكافحة الديدان، على أساس طويل المدى وواسع النطاق. وفي الحالات التي تتطلب فيها الآلية الأكثر فاعلية تمويلاً مستمراً ولفترة طويلة (مثل تجنيد موظفين للعمل في البرامج الصحية أو إصلاح الطرقات)، فإنه يتوجب على الدول المانحة قبول تغطية هذه التكاليف على أساس طويل الأجل.
التوجه الرابع: تحرك نحو تقديم المساعدات المباشرة إلى البلدان التي توجد فيها حكومات فاعلة، ومساعدة الدول التي ينخفض فيها أداء الحكومات، وهو توجه نحو هيكلة المساعدات بطريقة تشجع القطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية على التنافس لتلبية الاحتياجات الإنسانية.
وتختلف الحكومات بشكل كبير من حيث فاعليتها في تسهيل عملية النمو وتقليص معدلات الفقر. ويمكن أن يسهم تركيز المساعدات على دول لديها حكومات تؤدي عملها بشكل جيد في تعزيز فاعلية الإعانات المقدمة وحفز هذه الحكومات على تحسين أدائها. وفي البلدان التي تعمل فيها الحكومات كفريق عمل واحد عالي الأداء، فإن تقديم الدعم للموازنة العامة يمكن له أن يخفض التكاليف الإدارية ويشجع الحكومة على وضع حزمة سياسات شاملة ومترابطة. وفي بلدان أخرى، يجب مساعدة أعضاء محددين من الحكومة لتنفيذ برامج قطاعية أو لتنفيذ مشاريع محددة.
ولتلبية الاحتياجات الإنسانية في الدول التي لديها حكومات ضعيفة الأداء، بما فيها تلك الخارجة من نزاعات، والحكومات الفاشلة التي يستشري فيها الفساد، فمن الأنسب أن يتم توجبه المساعدات إلى القطاع الخاص والمؤسسات غير الحكومية. وعلى سبيل المثال، فإن التعاقد مع مؤسسات غير حكومية لتقديم الخدمات التعليمية والصحية على أسس تنافسية أثبت فاعليته الكبيرة.
التوجه الخامس: توجه متزايد نحو استخدام المساعدات في دعم السلع الإقليمية والعالمية العامة التي تفيد الفقراء على وجه الخصوص.
وتذهب عائدات بعض الاستثمارات إلى الشخص الذي قام بها بشكل أساسي، وعائدات البعض الآخر إلى شعب بأكمله. ومع ذلك، فإن فوائد استثمارات معينة تتخطى الحدود المحلية، كما هي الحال بالنسبة إلى الاستثمارات التي تقلل من انبعاث غازات الدفيئة. ولكن مستثمري القطاع الخاص، أو حتى القطاع الحكومي، ليس لديهم الحافز لتقديم السلع الاقليمية والعالمية العامة، لأنهم لا يستردون مكاسبها بالكامل. وعليه، يمكن ألا يتم تنفيذ الاستثمارات التي تنطوي على فوائد للمجتمع ككل. ومن هنا، فإن المؤسسات الدولية والمانحين الآخرين المكلفين بالحد من معدلات الفقر على المستوى العالمي، في وضع أفضل من غيرهم للقيام بهذه الاستثمارات لأنهم يمتلكون الكثير من المزايا التنافسية.
وهنالك حالة خاصة، تستدعي من المانحين تقديم السلع العالمية العامة التي يحتاجها الفقراء أشد الحاجة. فعلى سبيل المثال، يتوجب على المانحين الاستثمار في الأبحاث والتطوير لإيجاد لقاحات وعقاقير ضد الأمراض الاستوائية وتنمية محاصيل زراعية تلائم مناطق خط الاستواء.
وتتمثل إحدى الطرق الواعدة لتشجيع هذا النوع من الأبحاث في “التزامات السوق المتطورة”، وهي التزامات قانونية تلزم المانحين بالمساعدة في تمويل شراء السلع، مثل اللقاحات الجديدة متى وعندما يتم تطويرها. وفي العام ،2007 تعهد المانحون ضمن “التزامات السوق المتطورة” بتقديم 5ر1 مليار دولار أمريكي لمشروع لقاح ضد أمراض الرئة ويمكن استخدام برنامج الالتزامات هذا لدعم تطوير لقاحات ضد الملاريا ونقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، ولتمويل نهضة بيئية في إفريقيا وبناء محطات لتوليد الكهرباء النظيفة منخفضة التكلفة.
وقد بُدئ العمل بهذه التوجهات فعلياً، وهي تمتلك القدرة على إعادة صياغة المساعدة بأساليب عملية، وتحسين حياة الفقراء بشكل ملحوظ في كل أنحاء العالم.
* أستاذ قسم تطوير المجتمعات في جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية .
* نقلاً عن صحيفة الخليج .