الجوكر
19-02-06, 02:03 PM
بدا إيقاع تلك الليلة بطيئاً، كالمعتاد في هذا المكان، وراودني شعور شديد بالملل، وأنا أراجع التعليمات الروتينية لرؤسائي، وأتطلَّع بين الحين والآخر إلى السماء، بقمرها الفضي الجميل، ونجومها المتناثرة، و..
وفجأة، اقتحم أحد الممرضين القدامى حجرتي، هاتفاً في توتر:
- أسرع يا دكتور.. حالة عاجلة.. المريض ثائر للغاية..
لم يكن ذلك أمراً غير معتاد أو مألوف، في مستشفى الأمراض العصبية والنفسية، الذي حصلت على وظيفة طبيب مقيم فيه، منذ فترة ليست بالقصيرة، لذا فقد أدهشني توتر الممرض، ودفعني إلى الإسراع معه، وأنا أسأله:
- أهو ثائر إلى حد الخطورة؟!
أجابني في انفعال:
- كلا.. ولكن المريض نفسه ليس عادياً.
حاولت أن أتوقف لأسأله عما يعنيه، إلا أنه بدا شديد الانفعال، مما دفعني إلى أن ألوذ بالصمت، وأتبعه إلى حجرة الاستقبال، حيث يجلس المريض، الذي لم يبدُ لي ثائراً كما وصفوه، بل بدا كهلاً وقوراً محترماً، أشيب الشعر واللحية، وإن شفت كل لمحة من وجهه عن إرهاق وتعب شديدين، وكأنما لم يذق طعم النوم منذ أسبوع على الأقل..
وأدرت عيني إلى الممرض متسائلاً، فقال بنفس الانفعال:
- الدكتور "فوزي"، مدير المستشفى السابق.
عندئذ فقط أدركت مدى أهمية وخطورة، وحساسية الموقف أيضاً، وعدت أتطلَّع إلى الرجل، الذي أطالع صورته كل يوم، في البهو الرئيسي، باعتباره أحد مؤسسي المستشفى، والذي لم يمكنني تعرفه، مع الحالة التي رأيته عليها، وقد ازداد نحولاً على نحو مقلق..
وفي حذر، اقتربت من الشاب، الذي أتى برفقة الدكتور "فوزي"، وسألته:
- ماذا به؟!
زفر الشاب، في توتر شديد، وهو يقول:
- لست أدري.. إنه عمي، وكان دوماً مثالاً للرصانة والعقل والاتزان، حتى استقال في عمله هنا فجأة، وقرَّر التفرغ لأبحاث نجهل ماهيتها بالضبط، وأغلق عليه فيلته طوال أسبوع كامل، ثم فوجئت به يتصل بي، منذ ساعتين تقريباً، ويصرخ بضرورة أن أهرع لإنقاذه، قبل أن يسيطروا على عقله.
سألته في حذر:
- من هم؟!
هزَّ رأسه في يأس، مجيباً:
- لست أدري.. إنه لم يفصح أبداً.. لقد هرعت إليه، فسمعته يصرخ، ويحطم أدوات معمله، مما دفعني إلى تحطيم الباب، لأجده في حالة ثورة عارمة، لم تهدأ حتى أحضرته بصعوبة إلى هنا.
ثم عاد يهز رأسه في مرارة، ودمعة تنحدر من عينيه، مكملاً:
- لم أتصوَّر أبداً أن المستشفى، الذي كان يدخله مديراً، سيستقبله اليوم مريضاً!!
نقلت بصري بينهما، وتوقفت عند الدكتور "فوزي"، الذي بدا هادئاً مستسلماً للغاية، قبل أن أسأل الشاب:
- ألم تعرف سر ثورته؟!
هزَّ كتفيه في حيرة، مجيباً:
- كلما سألته، كان يجيبني بكلمات مضطربة، غير مترابطة، عن النوم، وضرورة البقاء متيقظاً، وأشياء تسيطر على العقل، وأصوات يسمعها..
أصوات يسمعها..
علامة مؤكدة، من علامات مرض "سكيزوفرانيا"، أو انفصام الشخصية..
المريض دوماً يسمع أصواتاً تتحدَّث إليه من داخله..
أمر يمكن تفسيره طبياً وعلمياً..
وبكل الهدوء، قلت للشاب:
- اتركني وحدي مع عمك.
تردَّد الشاب لحظة، رمقني الممرض خلالها بنظرة تحذير، إلا أنني أصررت على إخراج الاثنين من الحجرة، ثم جذبت مقعداً، وجلست أمام الدكتور "فوزي"، الذي تطلَّع إليَّ بعينين زائغتين حائرتين، سأذكرهما في تقريري حتماً، وسألته في حذر:
- دكتور "فوزي".. هل تسمعني؟!
مضت لحظة من الصمت والسكون، قبل أن يومئ برأسه، فرسمت على شفتيَّ ابتسامة هادئة، وسألت في خفوت، وكأنما أخشى كسر مهابة الموقف:
- ما الذي يحاول السيطرة على عقلك بالضبط؟!
انفرجت شفتاه في صعوبة؛ ليجيب:
- هم.
سألته في اهتمام:
- من هم؟!
أشار بسبابته إلى أعلى، ومال نحوي، هامساً بلهجة توحي بأهمية وخطورة الجواب:
- غزاة الفضاء.
تراجعت بمنتهى الدهشة، وأنا أُحدِّق في وجه الرجل، الذي عاد يعتدل على مقعده، ويقول في يأس:
- لا تصدقني.. أليس كذلك؟!
لم أدرِ بم أجيبه بالضبط، مع حساسية الموقف الشديدة، فاكتفيت بالتحديق في وجهه، وهو يتلفت حوله، قائلاً في توتر:
- صدقني.. إنهم هنا.. حولنا.. يمكنهم أن يكونوا في أي مكان، أو..
واتسعت عيناه بمنتهى الذعر، مضيفاً:
- أو داخل أي شخص.. أي عقل.
صورة مثالية للذهان العقلي، كما درسته بالضبط..
صورة تكفي لتفسير الموقف كله..
رسمياً..
ولكنني، وبغض النظر عن الرسميات، كنت أريد أن أعرف المزيد عما يقوله؛ لذا فقد سألته في اهتمام بالغ:
- ومن أين أتى هؤلاء الغزاة؟!
هزَّ رأسه نفياً، وهو يجيب في عصبية:
- لست أدري.. إنني لم أكن أعلم بوجودهم، حتى كشفته بالمصادفة البحتة..
سألته بكل اهتمامي، وأنا أعتدل في مقعدي:
- وكيف هذا؟!
تلفَّت حوله مرة أخرى، وكأننا نجلس وسط جمع كبير، ثم مال على أذني، هامساً:
- من عينيه..
سألته بأنفاس مبهورة:
- عيني من؟!
أجابني بنفس الهمس المذعور:
- عيني أحد المرضى.. كنت أقوم بفحصه، عندما رصدت ذلك البريق الأحمر اللامع، الذي أطلّ من قزحيته.
تراجعت بمنتهى الدهشة:
- بريق أحمر لامع؟!
لهثت أنفاسه في انفعال، وهو يجيب:
- نعم.. في البداية، تصوَّرت أنه مجرد خداع بصري، ثم لم ألبث أن كشفت أنه دوماً هناك.. بريق مخيف، يرتجف قلبك لمرآه، يظهر ويختفي عندما يبدءون في رصدك، من داخل الأجساد التي يحتلونها.
***
وفجأة، اقتحم أحد الممرضين القدامى حجرتي، هاتفاً في توتر:
- أسرع يا دكتور.. حالة عاجلة.. المريض ثائر للغاية..
لم يكن ذلك أمراً غير معتاد أو مألوف، في مستشفى الأمراض العصبية والنفسية، الذي حصلت على وظيفة طبيب مقيم فيه، منذ فترة ليست بالقصيرة، لذا فقد أدهشني توتر الممرض، ودفعني إلى الإسراع معه، وأنا أسأله:
- أهو ثائر إلى حد الخطورة؟!
أجابني في انفعال:
- كلا.. ولكن المريض نفسه ليس عادياً.
حاولت أن أتوقف لأسأله عما يعنيه، إلا أنه بدا شديد الانفعال، مما دفعني إلى أن ألوذ بالصمت، وأتبعه إلى حجرة الاستقبال، حيث يجلس المريض، الذي لم يبدُ لي ثائراً كما وصفوه، بل بدا كهلاً وقوراً محترماً، أشيب الشعر واللحية، وإن شفت كل لمحة من وجهه عن إرهاق وتعب شديدين، وكأنما لم يذق طعم النوم منذ أسبوع على الأقل..
وأدرت عيني إلى الممرض متسائلاً، فقال بنفس الانفعال:
- الدكتور "فوزي"، مدير المستشفى السابق.
عندئذ فقط أدركت مدى أهمية وخطورة، وحساسية الموقف أيضاً، وعدت أتطلَّع إلى الرجل، الذي أطالع صورته كل يوم، في البهو الرئيسي، باعتباره أحد مؤسسي المستشفى، والذي لم يمكنني تعرفه، مع الحالة التي رأيته عليها، وقد ازداد نحولاً على نحو مقلق..
وفي حذر، اقتربت من الشاب، الذي أتى برفقة الدكتور "فوزي"، وسألته:
- ماذا به؟!
زفر الشاب، في توتر شديد، وهو يقول:
- لست أدري.. إنه عمي، وكان دوماً مثالاً للرصانة والعقل والاتزان، حتى استقال في عمله هنا فجأة، وقرَّر التفرغ لأبحاث نجهل ماهيتها بالضبط، وأغلق عليه فيلته طوال أسبوع كامل، ثم فوجئت به يتصل بي، منذ ساعتين تقريباً، ويصرخ بضرورة أن أهرع لإنقاذه، قبل أن يسيطروا على عقله.
سألته في حذر:
- من هم؟!
هزَّ رأسه في يأس، مجيباً:
- لست أدري.. إنه لم يفصح أبداً.. لقد هرعت إليه، فسمعته يصرخ، ويحطم أدوات معمله، مما دفعني إلى تحطيم الباب، لأجده في حالة ثورة عارمة، لم تهدأ حتى أحضرته بصعوبة إلى هنا.
ثم عاد يهز رأسه في مرارة، ودمعة تنحدر من عينيه، مكملاً:
- لم أتصوَّر أبداً أن المستشفى، الذي كان يدخله مديراً، سيستقبله اليوم مريضاً!!
نقلت بصري بينهما، وتوقفت عند الدكتور "فوزي"، الذي بدا هادئاً مستسلماً للغاية، قبل أن أسأل الشاب:
- ألم تعرف سر ثورته؟!
هزَّ كتفيه في حيرة، مجيباً:
- كلما سألته، كان يجيبني بكلمات مضطربة، غير مترابطة، عن النوم، وضرورة البقاء متيقظاً، وأشياء تسيطر على العقل، وأصوات يسمعها..
أصوات يسمعها..
علامة مؤكدة، من علامات مرض "سكيزوفرانيا"، أو انفصام الشخصية..
المريض دوماً يسمع أصواتاً تتحدَّث إليه من داخله..
أمر يمكن تفسيره طبياً وعلمياً..
وبكل الهدوء، قلت للشاب:
- اتركني وحدي مع عمك.
تردَّد الشاب لحظة، رمقني الممرض خلالها بنظرة تحذير، إلا أنني أصررت على إخراج الاثنين من الحجرة، ثم جذبت مقعداً، وجلست أمام الدكتور "فوزي"، الذي تطلَّع إليَّ بعينين زائغتين حائرتين، سأذكرهما في تقريري حتماً، وسألته في حذر:
- دكتور "فوزي".. هل تسمعني؟!
مضت لحظة من الصمت والسكون، قبل أن يومئ برأسه، فرسمت على شفتيَّ ابتسامة هادئة، وسألت في خفوت، وكأنما أخشى كسر مهابة الموقف:
- ما الذي يحاول السيطرة على عقلك بالضبط؟!
انفرجت شفتاه في صعوبة؛ ليجيب:
- هم.
سألته في اهتمام:
- من هم؟!
أشار بسبابته إلى أعلى، ومال نحوي، هامساً بلهجة توحي بأهمية وخطورة الجواب:
- غزاة الفضاء.
تراجعت بمنتهى الدهشة، وأنا أُحدِّق في وجه الرجل، الذي عاد يعتدل على مقعده، ويقول في يأس:
- لا تصدقني.. أليس كذلك؟!
لم أدرِ بم أجيبه بالضبط، مع حساسية الموقف الشديدة، فاكتفيت بالتحديق في وجهه، وهو يتلفت حوله، قائلاً في توتر:
- صدقني.. إنهم هنا.. حولنا.. يمكنهم أن يكونوا في أي مكان، أو..
واتسعت عيناه بمنتهى الذعر، مضيفاً:
- أو داخل أي شخص.. أي عقل.
صورة مثالية للذهان العقلي، كما درسته بالضبط..
صورة تكفي لتفسير الموقف كله..
رسمياً..
ولكنني، وبغض النظر عن الرسميات، كنت أريد أن أعرف المزيد عما يقوله؛ لذا فقد سألته في اهتمام بالغ:
- ومن أين أتى هؤلاء الغزاة؟!
هزَّ رأسه نفياً، وهو يجيب في عصبية:
- لست أدري.. إنني لم أكن أعلم بوجودهم، حتى كشفته بالمصادفة البحتة..
سألته بكل اهتمامي، وأنا أعتدل في مقعدي:
- وكيف هذا؟!
تلفَّت حوله مرة أخرى، وكأننا نجلس وسط جمع كبير، ثم مال على أذني، هامساً:
- من عينيه..
سألته بأنفاس مبهورة:
- عيني من؟!
أجابني بنفس الهمس المذعور:
- عيني أحد المرضى.. كنت أقوم بفحصه، عندما رصدت ذلك البريق الأحمر اللامع، الذي أطلّ من قزحيته.
تراجعت بمنتهى الدهشة:
- بريق أحمر لامع؟!
لهثت أنفاسه في انفعال، وهو يجيب:
- نعم.. في البداية، تصوَّرت أنه مجرد خداع بصري، ثم لم ألبث أن كشفت أنه دوماً هناك.. بريق مخيف، يرتجف قلبك لمرآه، يظهر ويختفي عندما يبدءون في رصدك، من داخل الأجساد التي يحتلونها.
***