محمد صادق
23-08-07, 02:40 PM
نور الدين الشهيد
لم يتحدث التاريخ عن أمجاد أمة من الأمم في العصور الوسطى كما تحدث عن أمجاد الأمة العربية ، ولم يحوِ تاريخ أمة من العظماء والقادة كما يحوي تاريخ المسلمين، وأمجاد الأمة العربية تستبين من تاريخها العام، وعظماء الإسلام يظهرون من سيرهم، ونور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، هو واحد من العظماء المسلمين، وأحد بناة الأمجاد العربية الإسلامية الخالدة في القرن السادس الهجري.
ولد نور الدين عام 511 للهجرة ، ونشأ نشأة عسكرية كأبيه، إلا أنه كان يفوق أباه تقى وورعاً، والمؤرخون المسلمون المعاصرون له يتحدثون كثيراً عن تدينه وزهده وتمسكه بالشعائر الإسلامية، حتى ليُظن أنه أقرب إلى رجل الدين منه إلى رجل الحرب والكفاح ، ولكن الواقع أن نور الدين إلى جانب تقاه وحرصه على حكم بلاده بالقرآن والسنة كان أيضاً رجل حرب وقتال، فهو يحمل القرآن في صدره ويعمل بأحكامه، ويشرع السيف في يمينه يجاهد به الصليبيين بالشام، ويسترد بجيوشه البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، علاوة على أنه كان رجل سياسة، يعرف كيف يحكم دولته الواسعة الأرجاء، التي كانت تمتد من الموصل شرقاً إلى القاهرة غرباً، حكماً مستنيراً حكيماً لا يزال صداه يطرق أسماع التاريخ.
وكان عماد الدين والد نور الدين آخر من ولي إمارة الموصل، كأمير من أمراء السلاجقة سنة 521 ، وكان عند عماد الدين من الطموح ما أهله لأن يكون منشئ دولة عرفت باسمه ، وإن كان عماد الدين لم يمهله الأجل حتى يمد أطرافها إلى الحدود التي كان يقدرها لها إلا أن ابنه نور الدين حمل عاتقه استكمال ما انتهى إليه أبوه، حتى أصبحت الدولة الزنكية – أو الدولة الأتابكية- تشمل الموصل والجزيرة العراقية، والشام، ومصر، واليمن، بعد أن كانت تشمل الموصل، والجزيرة، وبعض بلاد الشام فقط في عهد عماد الدين.
توفى عماد الدين والد نور الدين عام 541 هـ بعد أن ترك وراءه سيرة جليلة جديرة بالدراسة، فهو أول من وقف في وجه الصليبيين منذ أن وطئوا أرض الشام عام 490 هـ وقوفاً جاداً حاسماً، حتى استطاع أن يسترد كثيراً من البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، واستطاع أيضاً أن يسترد سنة 539 مدينة الرها التي كانت إحدى إمارات الصليبيين الأربع الكبرى، وبسقوط الرها زلزلت أقدام الصليبيين بالشام، واعتبروا خروجها من أيديهم بداية نهايتهم فيها.
والعمل الجليل الثاني الذي قام به عماد الدين عندما ولى الموصل هو تكوينه دولته من إمارات الجزيرة المشتتة، والتي يحكمها عدة أمراء متنافسون متحاسدون ، وكذلك من بعض إمارات الشام، ولم يكن حالها بأحسن من حال الجزيرة، فكان هذا الوضع في الجزيرة والشام، أحد الأسباب الواضحة في نجاح الصليبيين في التوغل في بلاد الشام والاستيلاء عليها ؛ لأنهم لم يجدوا قوة موحدة تستطيع الوقوف أمامهم وصد زحوفهم، فلما ولى عماد الدين الموصل، عمل على تجميع هذه الإمارات في يده، وكوَّن منها دولته، وبهذه الدولة الموحدة القوى استطاع عماد الدين أن يواجه الصليبيين ، وأن ينتصر عليهم.
وكان عماد الدين يحرص على ضم دمشق إلى دولته، وجعلها عاصمة لها ومركز المقاومة الإسلامية للعدو الدخيل، وليستكمل الوحدة بين الموصل والجزيرة والشام، ولكن الموت عاجله في سنة 541 قبل أن يحقق هذه الوحدة.
وبموت عماد الدين انتقل عبء مجاهدة الصليبيين، واستكمال عملية التوحيد إلى ابنه الثاني نور الدين دون ابنه الأكبر سيف الدين غازي ؛ ذلك لأن الدولة انقسمت بوفاة عماد الدين إلى قسمين: الغربي منها كان من نصيب سيف الدين غازي وقاعدته الموصل، والشرقي كان من نصيب نور الدين وقاعدته حلب، وهو القسم الذي يدخل في صميم المجال الصليبي، فكان طبيعياً أن يقع على عاتق نور الدين أمر مجاهدتهم، وذلك لبعد سيف الدين عن هذا المجال.
ونحن لا نريد في هذه العجالة أن نتحدث عن نور الدين بالتفصيل، وإن كانت سيرته من السير الجليلة التي يستحب فيها التفصيل والإطالة، وإنما هدفنا هنا إبراز ما حققه نور الدين من أعمال ذات نتائج خطيرة وهامة في مدى الثلاثين عاماً التي عاشها كرئيس دولة فتية قوية، حتى قضى نحبه في سنة 569 هـ.
وأجلّ أعمال نور الدين تبرز في الأمور الثلاثة الآتية:
1ـ جهاده للصليبيين.
2 ـ استكمال تكوين الدولة الزنكية.
3 ـ النهضة الإصلاحية في عهده.
جهاده للصليبيين:
ما كان الصليبيون يعلمون بوفاة عدوهم الأكبر عماد الدين حتى شملهم الفرح وداخلهم الاطمئنان، استهانوا بنور الدين، وأملوا في استرجاع ما استخلصه أبوه منهم من البلاد، فأشبوا قرنهم واستبسلوا، فأغار صاحب أنطاكية الصليبي على حلب وحماة، فردّهم عنها جيش نور الدين. واستولى جوسلين على الرها في غفلة من الأخوين نور الدين وسيف الدين، ولكن سرعان ما خرج إليه نور الدين بجيشه، فأطلق جوسلين ساقيه للريح هارباً، فدخل نور الدين الرها واستردها، وحطم آخر أمل للصليبيين في استعادتها، وعندئذ فطن الصليبيون إلى أن الخطر عليهم لا يزال قائماً، وإذا كان عماد الدين قد مات فإنه ترك من بعده من لا يقل عنه قوة وخطراً.
كان حادث الرها أول لقاء بين نور الدين وبين الصليبيين وجهاً لوجه، ثم تعدد اللقاء بعد ذلك وكثر، فدارت المعارك بينه وبينهم مدة الثلاثين عاماً التي عاشها، كان النصر في مجموعها حليف نور الدين.
ومن العجيب أن ينعي المؤرخ الإنجليزي ستيفنسن على نور الدين أنه لم يجاهد الصليبيين المجاهدة التي كانت منتظرة منه، حيث يقول: "النجاح الذي أحرزه نور الدين ضد اللاتين أثناء حكمه كان أقل مما كنا نتوقع". ولعل المؤرخ الإنجليزي يعني بهذا أن نور الدين لم يستول على إمارة من الإمارات الصليبية الكبرى، مثل أنطاكية، أو طرابلس، أو بيت المقدس، كما فعل أبوه الذي استولى على الرها، ويُرد على هذا بأن نور الدين لم يتوانِ عن جهاد الصليبيين ومحاربتهم حتى أشغلهم عن بقية البلاد التي استعصت عليهم ، وفضلاً عن ذلك فإن نور الدين استولى على كثير من البلاد والحصون التي بأيديهم، مثل: أرتاح، وحصن ما بوله، وسرفوث، وكفر لاثا، وهاب، وصافيتا، والعريمة، وأفامية، وتل باشر، وحارم، وعينتاب، وعزاز، ودلوك، وبانياس، والمنيطرة، وأيلة.
ولا يعد هذا العمل ضيئلاً، فقد كانت هذه المواضع كلها مواضع حصينة خطيرة وخروجها من يد الصليبيين أثر في قوتهم وأضعفهم إلى حد كبير، فقد حرمهم نور الدين من قواعد حربية ممتازة كانت تحيط بالبلاد الإسلامية المجاروة لها، وكان الصليبيون يشنون منها الغارات على المسلمين، فكان المسلمون بسببها في ضيق شديد وخوف دائم، فاستيلاء نور الدين عليها قد حمى البلاد التي تجاورها، وأصبح أهلها في أمن واطمئنان.
لم يتحدث التاريخ عن أمجاد أمة من الأمم في العصور الوسطى كما تحدث عن أمجاد الأمة العربية ، ولم يحوِ تاريخ أمة من العظماء والقادة كما يحوي تاريخ المسلمين، وأمجاد الأمة العربية تستبين من تاريخها العام، وعظماء الإسلام يظهرون من سيرهم، ونور الدين محمود بن عماد الدين زنكي، هو واحد من العظماء المسلمين، وأحد بناة الأمجاد العربية الإسلامية الخالدة في القرن السادس الهجري.
ولد نور الدين عام 511 للهجرة ، ونشأ نشأة عسكرية كأبيه، إلا أنه كان يفوق أباه تقى وورعاً، والمؤرخون المسلمون المعاصرون له يتحدثون كثيراً عن تدينه وزهده وتمسكه بالشعائر الإسلامية، حتى ليُظن أنه أقرب إلى رجل الدين منه إلى رجل الحرب والكفاح ، ولكن الواقع أن نور الدين إلى جانب تقاه وحرصه على حكم بلاده بالقرآن والسنة كان أيضاً رجل حرب وقتال، فهو يحمل القرآن في صدره ويعمل بأحكامه، ويشرع السيف في يمينه يجاهد به الصليبيين بالشام، ويسترد بجيوشه البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، علاوة على أنه كان رجل سياسة، يعرف كيف يحكم دولته الواسعة الأرجاء، التي كانت تمتد من الموصل شرقاً إلى القاهرة غرباً، حكماً مستنيراً حكيماً لا يزال صداه يطرق أسماع التاريخ.
وكان عماد الدين والد نور الدين آخر من ولي إمارة الموصل، كأمير من أمراء السلاجقة سنة 521 ، وكان عند عماد الدين من الطموح ما أهله لأن يكون منشئ دولة عرفت باسمه ، وإن كان عماد الدين لم يمهله الأجل حتى يمد أطرافها إلى الحدود التي كان يقدرها لها إلا أن ابنه نور الدين حمل عاتقه استكمال ما انتهى إليه أبوه، حتى أصبحت الدولة الزنكية – أو الدولة الأتابكية- تشمل الموصل والجزيرة العراقية، والشام، ومصر، واليمن، بعد أن كانت تشمل الموصل، والجزيرة، وبعض بلاد الشام فقط في عهد عماد الدين.
توفى عماد الدين والد نور الدين عام 541 هـ بعد أن ترك وراءه سيرة جليلة جديرة بالدراسة، فهو أول من وقف في وجه الصليبيين منذ أن وطئوا أرض الشام عام 490 هـ وقوفاً جاداً حاسماً، حتى استطاع أن يسترد كثيراً من البلاد التي سلبوها من أصحابها المسلمين، واستطاع أيضاً أن يسترد سنة 539 مدينة الرها التي كانت إحدى إمارات الصليبيين الأربع الكبرى، وبسقوط الرها زلزلت أقدام الصليبيين بالشام، واعتبروا خروجها من أيديهم بداية نهايتهم فيها.
والعمل الجليل الثاني الذي قام به عماد الدين عندما ولى الموصل هو تكوينه دولته من إمارات الجزيرة المشتتة، والتي يحكمها عدة أمراء متنافسون متحاسدون ، وكذلك من بعض إمارات الشام، ولم يكن حالها بأحسن من حال الجزيرة، فكان هذا الوضع في الجزيرة والشام، أحد الأسباب الواضحة في نجاح الصليبيين في التوغل في بلاد الشام والاستيلاء عليها ؛ لأنهم لم يجدوا قوة موحدة تستطيع الوقوف أمامهم وصد زحوفهم، فلما ولى عماد الدين الموصل، عمل على تجميع هذه الإمارات في يده، وكوَّن منها دولته، وبهذه الدولة الموحدة القوى استطاع عماد الدين أن يواجه الصليبيين ، وأن ينتصر عليهم.
وكان عماد الدين يحرص على ضم دمشق إلى دولته، وجعلها عاصمة لها ومركز المقاومة الإسلامية للعدو الدخيل، وليستكمل الوحدة بين الموصل والجزيرة والشام، ولكن الموت عاجله في سنة 541 قبل أن يحقق هذه الوحدة.
وبموت عماد الدين انتقل عبء مجاهدة الصليبيين، واستكمال عملية التوحيد إلى ابنه الثاني نور الدين دون ابنه الأكبر سيف الدين غازي ؛ ذلك لأن الدولة انقسمت بوفاة عماد الدين إلى قسمين: الغربي منها كان من نصيب سيف الدين غازي وقاعدته الموصل، والشرقي كان من نصيب نور الدين وقاعدته حلب، وهو القسم الذي يدخل في صميم المجال الصليبي، فكان طبيعياً أن يقع على عاتق نور الدين أمر مجاهدتهم، وذلك لبعد سيف الدين عن هذا المجال.
ونحن لا نريد في هذه العجالة أن نتحدث عن نور الدين بالتفصيل، وإن كانت سيرته من السير الجليلة التي يستحب فيها التفصيل والإطالة، وإنما هدفنا هنا إبراز ما حققه نور الدين من أعمال ذات نتائج خطيرة وهامة في مدى الثلاثين عاماً التي عاشها كرئيس دولة فتية قوية، حتى قضى نحبه في سنة 569 هـ.
وأجلّ أعمال نور الدين تبرز في الأمور الثلاثة الآتية:
1ـ جهاده للصليبيين.
2 ـ استكمال تكوين الدولة الزنكية.
3 ـ النهضة الإصلاحية في عهده.
جهاده للصليبيين:
ما كان الصليبيون يعلمون بوفاة عدوهم الأكبر عماد الدين حتى شملهم الفرح وداخلهم الاطمئنان، استهانوا بنور الدين، وأملوا في استرجاع ما استخلصه أبوه منهم من البلاد، فأشبوا قرنهم واستبسلوا، فأغار صاحب أنطاكية الصليبي على حلب وحماة، فردّهم عنها جيش نور الدين. واستولى جوسلين على الرها في غفلة من الأخوين نور الدين وسيف الدين، ولكن سرعان ما خرج إليه نور الدين بجيشه، فأطلق جوسلين ساقيه للريح هارباً، فدخل نور الدين الرها واستردها، وحطم آخر أمل للصليبيين في استعادتها، وعندئذ فطن الصليبيون إلى أن الخطر عليهم لا يزال قائماً، وإذا كان عماد الدين قد مات فإنه ترك من بعده من لا يقل عنه قوة وخطراً.
كان حادث الرها أول لقاء بين نور الدين وبين الصليبيين وجهاً لوجه، ثم تعدد اللقاء بعد ذلك وكثر، فدارت المعارك بينه وبينهم مدة الثلاثين عاماً التي عاشها، كان النصر في مجموعها حليف نور الدين.
ومن العجيب أن ينعي المؤرخ الإنجليزي ستيفنسن على نور الدين أنه لم يجاهد الصليبيين المجاهدة التي كانت منتظرة منه، حيث يقول: "النجاح الذي أحرزه نور الدين ضد اللاتين أثناء حكمه كان أقل مما كنا نتوقع". ولعل المؤرخ الإنجليزي يعني بهذا أن نور الدين لم يستول على إمارة من الإمارات الصليبية الكبرى، مثل أنطاكية، أو طرابلس، أو بيت المقدس، كما فعل أبوه الذي استولى على الرها، ويُرد على هذا بأن نور الدين لم يتوانِ عن جهاد الصليبيين ومحاربتهم حتى أشغلهم عن بقية البلاد التي استعصت عليهم ، وفضلاً عن ذلك فإن نور الدين استولى على كثير من البلاد والحصون التي بأيديهم، مثل: أرتاح، وحصن ما بوله، وسرفوث، وكفر لاثا، وهاب، وصافيتا، والعريمة، وأفامية، وتل باشر، وحارم، وعينتاب، وعزاز، ودلوك، وبانياس، والمنيطرة، وأيلة.
ولا يعد هذا العمل ضيئلاً، فقد كانت هذه المواضع كلها مواضع حصينة خطيرة وخروجها من يد الصليبيين أثر في قوتهم وأضعفهم إلى حد كبير، فقد حرمهم نور الدين من قواعد حربية ممتازة كانت تحيط بالبلاد الإسلامية المجاروة لها، وكان الصليبيون يشنون منها الغارات على المسلمين، فكان المسلمون بسببها في ضيق شديد وخوف دائم، فاستيلاء نور الدين عليها قد حمى البلاد التي تجاورها، وأصبح أهلها في أمن واطمئنان.