الورده الحمرا
16-01-06, 02:12 PM
ما كان لحسود أن يسود
الشيخ نزيه مطرجي
الحسد أول ذنب اقترفه كبير الجنِّ في السماء، وأول ذنب ارتكبه كبير ابنَيْ آدم لأخيه في الأرض. وهو أقدم داء دبّ زاحفاً من الأمم السابقة إلى آخر الأمم صدوراً، وأولها بَعثاً ونُشوراً.
الحسد شرّ معاصي القلوب، ومعاصي القلوب أشدّ خطراً وضرراً من معاصي الجوارح. إنه داء عَياء، إذا أصاب النفس أضناها وأشقاها، وأرداها في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية!
يرى الحسود كيف تتواتر النعم على أصحاب الجد من حوله، منهم من يؤتيه الله كنزاً من الدراهم، ومنهم من يمنحه ثروة من المعارف، ومنهم من يحبوه جاهاً وسلطاناً، ومنهم من يهبه عافية وجمالاً، ومنهم أحبه مولاه وجعله محبَّباً إلى عباد الله؛ فتتحرّك نوازع الحسد في نفسه، وتَسْتحرّ لواعج الحسرة في صدره، فلا يذوق للّذة طعماً، ولا يجد للغُصّة سَوْغاً!
لا يهدأ ليله، ولا يصفو نهاره، ولا يسكن همّه، ولا يهنأ عيشه؛ قال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود: نَفَس دائم، وهمّ لازم، وقلب هائم!
الحسود غير راض بقسمة ربه في خَلْقه، يعارض ربه فيما قضى وقدّر، محتقر لنعم الله عليه، لا ينظر إلى خزائن الله المَلأى التي لا تغيض، ولكن ينظر إلى ما تتداوله أيدي الأغنياء والعبيد كأنه شيء منكر بغيض!
إنه ظالم لنفسه، قد جلب لها غمّاً لا يزول، وأوقد فيها ناراً لا يفتر حَرُّها، ولا يخمد أُوارها! وقد جاءت أحكام عقوبته من نفسه!
إن مما أدَّب الله به عبده المؤمن، التحلِّي بخُلق العفّة عما في أيدي الناس من زهرة الدنيا وزينتها، والرضا بما قسم الله له، والقناعة بنصيبه من رزق ربه، قال الله - تعالى -: {ولا تَمُدَّنَّ عينَيْكَ إلى ما مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُم زَهْرَةَ الحياةِ الدُّنيا، لنفتِنَهُمْ فيهِ ورِزْقُ ربِّك خيرٌ وأبقى} طه - 131.
إن ما يعطي الله عباده من متاع الحياة ليس للتكريم والتَّشريف، ولكن للابتلاء والتّكليف؛ فعلى العبد أن يُجمل في طلب الدنيا، وأن يوقِن بأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وتستوفي أَجلها.
إن من الجهالة الحمقاء أن يعيش المرء على الأمانيّ، وأن يُفني العمر في تمنِّي ما يجده عند محسوديه، بأن يتمنّى انتقال النعمة من المحسود إليه، أو يرجو زوال النعمة من أخيه ولو لم تنتقل إليه، أو يمكر بمحسوده لإزالة النعمة عنه! والله - تعالى -ينهى عن هذا النوع من الشّهوة بقوله: {لا تَتَمنَّوْا ما فَضَّلَ الله بهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ...} النساء - 59.
إن من يُطيف فكرُه بهذه الأماني الفارغات قد اختار لقلبه أن يُكْوَى بجمرات الحسرات، ورضي لها صُنوفاً من مُرّ العذاب وأليم العقوبات!
يُشفق الجاحظ على هؤلاء المعذَّبين فيقول: «من العدل المحض والإنصاف الصريح، أن تحطّ عن الحاسد نصف عقابه، لأن ألم نفسه قد كفاك مَؤونة شَطْر غيظك»! ألا إن كبار النفوس لا يحسدون، لأن الحسد من صغر النفس ولؤم الطبع، والكبار يأبون أن ينحدروا إلى دَرَك الوَضاعة، وأن يرتكسوا إلى الدَّناءة.
والذين يَصْدقون الله لا يحسدون لأنهم يؤمنون بأن قلم الوحي قد فرغ من كتابة المقادير، ويُسلِّمون بقول رب العالمين: {نحْنُ قسَمْنا بينهُمْ معيشتَهُمْ في الحياة الدُّنيا... }، فهل يخلُق بحسود أن توسَّد إليه الأمور، وأن يقبض على نواحي السُّؤدد، وأن يجول في ميادين الشّرف؟ ما كان لحسود أن يكون سيّداً، لأن السّيادة وهذه الأخلاق على طرفيْ نقيض، فلا ضيرَ أن يكون ذا جناح مَهيض!
فإذا كانت خليقة الحسد إحدى الثلاث اللازمات للأمة، فإن ما يذهبهن: «إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تُحقِّق، وإذا تطيَّرت فامْضِ» رواه الطبراني.
الشيخ نزيه مطرجي
الحسد أول ذنب اقترفه كبير الجنِّ في السماء، وأول ذنب ارتكبه كبير ابنَيْ آدم لأخيه في الأرض. وهو أقدم داء دبّ زاحفاً من الأمم السابقة إلى آخر الأمم صدوراً، وأولها بَعثاً ونُشوراً.
الحسد شرّ معاصي القلوب، ومعاصي القلوب أشدّ خطراً وضرراً من معاصي الجوارح. إنه داء عَياء، إذا أصاب النفس أضناها وأشقاها، وأرداها في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية!
يرى الحسود كيف تتواتر النعم على أصحاب الجد من حوله، منهم من يؤتيه الله كنزاً من الدراهم، ومنهم من يمنحه ثروة من المعارف، ومنهم من يحبوه جاهاً وسلطاناً، ومنهم من يهبه عافية وجمالاً، ومنهم أحبه مولاه وجعله محبَّباً إلى عباد الله؛ فتتحرّك نوازع الحسد في نفسه، وتَسْتحرّ لواعج الحسرة في صدره، فلا يذوق للّذة طعماً، ولا يجد للغُصّة سَوْغاً!
لا يهدأ ليله، ولا يصفو نهاره، ولا يسكن همّه، ولا يهنأ عيشه؛ قال بعض الأدباء: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحسود: نَفَس دائم، وهمّ لازم، وقلب هائم!
الحسود غير راض بقسمة ربه في خَلْقه، يعارض ربه فيما قضى وقدّر، محتقر لنعم الله عليه، لا ينظر إلى خزائن الله المَلأى التي لا تغيض، ولكن ينظر إلى ما تتداوله أيدي الأغنياء والعبيد كأنه شيء منكر بغيض!
إنه ظالم لنفسه، قد جلب لها غمّاً لا يزول، وأوقد فيها ناراً لا يفتر حَرُّها، ولا يخمد أُوارها! وقد جاءت أحكام عقوبته من نفسه!
إن مما أدَّب الله به عبده المؤمن، التحلِّي بخُلق العفّة عما في أيدي الناس من زهرة الدنيا وزينتها، والرضا بما قسم الله له، والقناعة بنصيبه من رزق ربه، قال الله - تعالى -: {ولا تَمُدَّنَّ عينَيْكَ إلى ما مَتَّعْنَا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُم زَهْرَةَ الحياةِ الدُّنيا، لنفتِنَهُمْ فيهِ ورِزْقُ ربِّك خيرٌ وأبقى} طه - 131.
إن ما يعطي الله عباده من متاع الحياة ليس للتكريم والتَّشريف، ولكن للابتلاء والتّكليف؛ فعلى العبد أن يُجمل في طلب الدنيا، وأن يوقِن بأن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها وتستوفي أَجلها.
إن من الجهالة الحمقاء أن يعيش المرء على الأمانيّ، وأن يُفني العمر في تمنِّي ما يجده عند محسوديه، بأن يتمنّى انتقال النعمة من المحسود إليه، أو يرجو زوال النعمة من أخيه ولو لم تنتقل إليه، أو يمكر بمحسوده لإزالة النعمة عنه! والله - تعالى -ينهى عن هذا النوع من الشّهوة بقوله: {لا تَتَمنَّوْا ما فَضَّلَ الله بهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ...} النساء - 59.
إن من يُطيف فكرُه بهذه الأماني الفارغات قد اختار لقلبه أن يُكْوَى بجمرات الحسرات، ورضي لها صُنوفاً من مُرّ العذاب وأليم العقوبات!
يُشفق الجاحظ على هؤلاء المعذَّبين فيقول: «من العدل المحض والإنصاف الصريح، أن تحطّ عن الحاسد نصف عقابه، لأن ألم نفسه قد كفاك مَؤونة شَطْر غيظك»! ألا إن كبار النفوس لا يحسدون، لأن الحسد من صغر النفس ولؤم الطبع، والكبار يأبون أن ينحدروا إلى دَرَك الوَضاعة، وأن يرتكسوا إلى الدَّناءة.
والذين يَصْدقون الله لا يحسدون لأنهم يؤمنون بأن قلم الوحي قد فرغ من كتابة المقادير، ويُسلِّمون بقول رب العالمين: {نحْنُ قسَمْنا بينهُمْ معيشتَهُمْ في الحياة الدُّنيا... }، فهل يخلُق بحسود أن توسَّد إليه الأمور، وأن يقبض على نواحي السُّؤدد، وأن يجول في ميادين الشّرف؟ ما كان لحسود أن يكون سيّداً، لأن السّيادة وهذه الأخلاق على طرفيْ نقيض، فلا ضيرَ أن يكون ذا جناح مَهيض!
فإذا كانت خليقة الحسد إحدى الثلاث اللازمات للأمة، فإن ما يذهبهن: «إذا حسدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تُحقِّق، وإذا تطيَّرت فامْضِ» رواه الطبراني.