المساعد الشخصي الرقمي إضغط هنا لمشاهدة المواضيع حسب التسلسل من الأحدث الى الأقدم

مشاهدة النسخة كاملة : صمْت الرّيم


صاحب الاحزان
09-01-06, 09:09 AM
وقفت أمامها وفي لساني انعقادات من البكم.. توقيعات صوتها تُملي عليّ بدايات من الصّمَم.. كلاهما يتشابكان في أكفان عقلي.. ملامحها أخذت تزأر في ناظري، تكتسح بعنف مخيّلتي.. هي تزداد شكيمة وضراوة، وأنا أزداد ذهولاً وضعفاً وانطواءً.
جاهدت أن أطابق جلدات لسانها مع تكسّرات شفاهها.. حاولت أن أمارس هوايتي المفضلة في إلصاق الكلمات في مواضعها تارة أخرى، علي أن أعرج على طفية من حرف أريد به استعجام السؤال المؤرّق في داخلي..
نظّارتها الكبيرة ضخّمت مأساتي.. هل تراها مقعرة لدرجة مناسبة؛ تجعلها تدرك أن أمامها بشراً يئن: إني إنسان موجود؟ أم أن تلك العُدَيسات القاتمة مزيد حيلة تصطنعها الأفعى حين تنقضّ على فريسة غفلة؟!
انفلتت من المسرح بعدما تركتني كومة من الصمت، كأن لمن تنطلق بي تعلثمات إنسيّ يوماً..
تفقدت روحي، فانبعثت بين يديّ متناثرة كشفرات زجاج حادّة انكسر بريقها فما عادت تصلح إلا لانعكاسات شموس شرعت تتطفل من النافذة الخلفيّة..
من الكراسي المكتترة بأحجام بشرية مضطرمة، أخذت تحتويني متلصّصة، ومُمَصْمِصة شفاهاً متلاصقة أعرف لغتها جيداً.. انكمشت أمام تراسلات من الشماتة... شماتة اتصلت بين الكون والبشر.. أحبّك أيها الكون فلماذا اصطففت معهم في جِنازتي الأخيرة؟!
العجمة والعربية غدت كلاهما تأملات بعيدة، وأحلام نزقة رحلت عند وميض يدها وهي تشير إلى الباب: اُخرجي..
التقطت الذاكرة اللحظة، شرعت تعيد عليّ تراتيلها القديمة، لم تكن لتترك فرصة للألم من دون أن تتراقص على أوتارها!! وارتسمت المشاهد تُصاغ متعاقبة..
ربما هناك كانت البداية..
في تلك الحقيبة السوداء الصغيرة.. حقيبة ممتلئة بالحلوى وبقايا وُريقات بيضاء وأقلام.. أقلام بكل الألوان، وفي محفظتها الصغيرة شطيرة الإفطار... طقوس طفلة تتشبه بامرأة.. مع الفارق أن المرأة حقيبتها في يدها، والطفلة حقيبتها معقودة في آخر زوايا الصف!! ملقاة بتلف، بعثرة الكتب والأوراق هي بعثرة وجود الطفلة البريئة.. سقطت على الأرض تضمها.. تُوراي جروح قدميها جراء السقطة، ترمق المرأة الناضجة في أول الصف بعيون لا تعرف سوى الدمع، وتأوّهات سؤال صامت..
صوت الجدة البعيدة الدار والزمان يصخب بقوة في روعها.. ربما هناك كانت البداية...
(بنت!! مسكين يا ولدي جاءتك بنت.. وفوق هذا مريضة!! اتركها تموت.. وفّر حياتها لفارس جديد يرزقك الله به، يشدّ أزرك، ويعمّر دارك، ويزيح عنك نحس البنات!!).
الزمن اليوم يبدو قادراً على المواجهة، ها هي وقد انسحبت الحياة من تعاريج وجهها، بدت لي ملامحها وسط ازدحام وجوه الحفل كرسوم تعفّنت في تراب القبر منذ أيام ثلاثة.. انتصب أملي المعقود من سنين!! هل آن للنبوءة أن تتحقق؟! هل أهرول إليها لأفك صمت السؤال.. لماذا؟ لماذا؟..
ها أنا ما زلت أحيا..!! وها أنت ما زلت تموتين!!
لأول مرة في حياتي أذوب عشقاً في ثأر الزمن، عبث في جبروتها حتى استحالت ركاماً مدفوعاً على سواق مهترئة، يعلو صرير فنائها كلما جرّت على الأرض قدماً، ونقلت إلى النعش أخرى.. نظراتها ازدادت تقعراً؛ لأن عقلها ازداد تغضنا..
لا لست شامتة، ولا غاضبة، ولكني باكية.. شيء من دموع الصمت..
رددت ظهري إلى وجودها.. صفعت نفسي، أغرقتها في تأنيب مرير.. هل تظلين أسيرةَ ألمٍ أنِفت شمسُ الغد أن تسطع في سجلّه الخاوي..؟ ولكن...
(أنت لا شيء!!) إسقاطتها الموجعة في ثنايا الماضي المندثر..
زلة لسان هي أو جرّة قلم.. لا أدري؟!
ما أعرفه أنها رمت مصيري بين تناطح الـ (كان) وتلكّؤ اللا (يكون...
لا بد أن أظل صامتة.. فعندما ينتهي أجل الكلمة لا يعود للحرف همس...
رجعت بعقلي من أراجيز ماضٍ لا يتذكره غيري، انثالت روحي بهدوء، وتبعها جسدي، تركت صورتها تتحطم تحت أقدام الغادين إلى الأمل، والمنقطعين إلى اليأس... لن أمنحها في خاطري حياة اغتالها منها الزمن.. على صخرة الأسى الخاوية، داعبت نسمات الليل الباردة لأول مرة نشوات عقلي الوليد في لحظته هذه، كم هي عطرة وهادئة.. كم كنت آثمة حين طويتها في صدى صمتي العتيد.. صمت الريم.

كتابه : غادة العمودي

عذب القوافي
09-01-06, 10:09 AM
راااااااائع صااااحب الاحزان نقل موفق جدا

تحيتي

المهاجر
09-01-06, 10:38 AM
فعلا رائع جدا اخى صاحب الاحزان

دمت لنا رائعا

طيف الحب
11-01-06, 03:00 PM
أختي الفاضل صاحب الأحزاااان

أشكرك على هذه القصة الرائعة

ننتظر جديدك

دمت سالماً

صاحب الاحزان
12-01-06, 03:51 AM
اخى الفاضل

عذب القوافى

اسعدنى تواجدك وردك بالموضوع

وجهودك الرائعه

دومت اخى سالما

لك خالص تقديرى واحترامى

صاحب الاحزان
12-01-06, 03:53 AM
اخى الفاضل

المهــــــاجر

اشكرك لمرورك الطيب بالموضوع

دومت اخى سالما

لك خالص تقديرى واحترامى

صاحب الاحزان
12-01-06, 03:56 AM
اختى الفاضله

طيف الحب

اشكرك لمرورك الطيب بالموضوع

دومتى بالف ود

منتدى-المنتدى-منتديات-عديل-الروح-برامج-دروس-شروحات-تصاميم-تعارف-مواقع-فوتوشوب-تعليم-فلاتر-سويتش-دردشه-قصائد-خواطر-روايات-قصص-اسكربتات-اسكربت-برمجه-تطوير-استايلات مجانيه--دليل-مواقع-دورات-تصميم-حوادث-جرائم-فساتين-نسائيه-عالم-حواء-آدم-مطبخ-أثاث-حوارات-نقاش-سيارات-دراجات-أفلام مباشره-تحميل أفلام-مكتبه عامه-مسابقات-جوائز-نقديه-جليتير-برامج حمايه-برامج تصميم-صور- vBulletin
RSS | RSS 1 | RSS 2 | PHP | XML | ROR | HTML