الورده الحمرا
06-01-06, 09:17 PM
«في زمن الشيوعية كان العالم يخشانا... لكن لسبب ما قررنا قبل عشر سنين استبدال الخوف بالصداقة. علينا إذن أن نتخلص من الطموحات الإمبريالية إلى غير رجعة، لكن ذلك لا يعني أن يغلوا أيدينا عن أمننا القومي الذي لن نتردد في القتال دفاعا عنه». فلاديمير بوتين (2001)
ما زالت لدى موسكو بقية من قدرات التأثير في ذلك العالم الأحادي الهيمنة. صحيح إنها فقدت رونقها الأيديولوجي مع انفراط عقد الإمبراطورية، لكنها ما زالت قادرة على إجادة اللعب بورقتين مهمتين في عالم ما بعد السوفياتية هما النفط والسلاح، تزاوج بينهما أحياناً فتصنع من النفط سلاحا تستعيد به بعضاً مما ضاع منها. وما تجربتها مع أوكرانيا هذه الأيام إلا إحدى الأزمات التي ستتكرر في المستقبل المنظور.
حملت ليلة عيد الميلاد للأوكرانيين أخباراً سيئة هذه المرة، ولم يكن هذا الشتاء برتقالياً كنظيره في العام الماضي. فحين أوقفت روسيا ضخ الغاز عن أوكرانيا بحجة عدم دفع «كييف» السعر المناسب عالمياً، تذكر المتشائمون الأزمات الكبرى التي مرت بها أوكرانيا خلال القرن الماضي بدءاً من مجاعة الثلاثينات ومروراً بكارثة تشيرنوبل عام 1986، ووصولاً إلى شبح الحرب الأهلية العام الماضي حين انقسمت البلاد بين شرق موالٍ لروسيا وغرب موال للغرب.
انهاء الازمة
انتهت الأزمة بنوع من حلول الوسط – ترفع روسيا بمقتضاه سعر بيع الغاز في مقابل رفع أوكرانيا رسوم مرور أنابيب النفط الروسية عبر أراضيها - وأسدل الستار عن تلك القضية فجأة كما ظهرت من دون مقدمات.
هكذا خابت توقعات الصحف التي طرحت عناوين ساخنة على شاكلة «أوكرانيا تحت رحمة الغاز الروسي»، و «أوروبا العجوز تستجدي روسيا الصاعدة من جديد» و «القيصر بوتين يوجه ضربة لثورة التحرير البرتقالية» وغيرها من تلك التلميحات التي تروجها الصحافة الغربية منذ صعود نجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العام 2000 وهيمنته على مقاليد الحكم في موسكو.
وعلى رغم الموقف «التخويفي» الذي يتخذه الإعلام الغربي من سياسة روسيا الخارجية، وبصفة خاصة في قطاع الطاقة، لا بد من الإقرار بأن روسيا ما زالت تتعامل بسلاح النفط بحكمة جلية وتقدمه لمن يطلب في زمن «المصالحة الكبرى» بينها وبين العالم.
ففي الشرق تحصل اليابان والصين عبر النقل بالسكك الحديد والناقلات البحرية على حاجتيهما المتزايدة من الطاقة. وفي الجنوب تدور محركات المصانع وتعمل شبكة التدفئة في تركيا بفضل الإمداد الروسي عبر أنابيب القوقاز.
وفي الشمال تستعد الولايات المتحدة لاستقبال النفط الروسي عبر المحيط القطبي الشمالي في مسافة اقصر ووقت أسرع وربما سعر أقل من نظيره الخليجي. وفي الغرب تحصل أوروبا – عبر أنابيب الصداقة «دروشبا» - على ربع ما تستهلكه من إجمالي حاجتها.
تمضي الحنكة الروسية في استخدام ذلك السلاح مؤكدة على استمرار بيع نفطها بالدولار الأميركي وليس باليورو، في عملية دعم للعملة الأميركية خشية انخفاض حاد فيها وإصابة الاقتصاد الأميركي بهزة لا تتحمل روسيا عقباتها الوخيمة، وهذه أيضاً من قواعد التنافس وحكمة المواجهة.
كما أنها تمضي بحرية كبرى – كأكبر مصدر للنفط خارج أوبك - في تأمين احتياجات السوق الأوروبية بضخ مزيد من الإنتاج، لدرجة تصيب الأسواق أحياناً بهبوط حاد في الأسعار.
أما نقطة الاستفهام الرئيسة فيجب البحث عنها في الداخل الروسي الذي يتساءل مندهشاً: أين تذهب تلك العائدات الضخمة من النفط والغاز في وقت يعيش أغلب سكان الدولة في ظروف اقتصادية مخزية لا تناسب دولة عملاقة في الإنتاج والاحتياط النفطي؟
حين سئل الرئيس الروسي هذا السؤال في بث تلفزيوني مباشر تابعه ملايين المواطنين مؤخراً أجاب: «اطمئنوا، نحن نحتفظ بتلك العائدات الضخمة في صندوق خاص للأجيال المقبلة!».
أبعاد اقتصادية وجيوسياسية
من يبحث عن تفسير للأزمة المفاجئة التي تسببت بقطع الغاز الروسي عن أوكرانيا، لن يجد اجابات اقتصادية محضة بقدر ما سيـجد أبعاداً جيوسياسية وجيواقتصادية.
فمن الصعب استبعاد التفسير الذي يرى روسيا تمارس ضغطاً سياسياً – في الذروة الشتوية لاستهلاك الطاقة للتدفئة - على حكومة الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو الذي دعمه الغرب ووصل إلى حكم أوكرانيا على رغم أنف الكرملين. وهي تفعل ذلك بالفعل مع جورجيا ومولدوفا. كما قد لا يرى البعض في الأمر أكثر من رغبة قطاع الطاقة الروسي في تحصيل عوائد أكبر للميزانية من سلعة تتصاعد مبيعاتها عالمياً، ومحاولة الكرملين مخاطبة كييف باللغة «الاوروبية» التي صارت تفهمها جيداً الآن، وبصفة خاصة بمفردات العرض والطلب لسلعة تشهد أسعاراً مدهشة قد لا تتكرر ثانية قبل عقود.
وبالضرورة يجب ألا نتبنى وجهات نظر الصحافة الغربية التي ترى روسيا قد تسرعت في معالجة قضاياها بطريقة الصدمة (وهو مصطلح كان قد شاع إبان البيريسترويكا) في وقت تمهد فيه أوكرانيا «الديموقراطية» أراضيها للأنابيب الروسية، وتفتح مياهها ليربض فيها الأسطول الروسي في البحر الأسود. فالأمر لا يخرج عن مبادئ لعبة التنافسات الدولية في منطقة شهدت تاريخاً مروعاً من الحروب وصناعة القلاقل الداخلية وتصفية الخصوم وإشعال الفتن والحروب الأهلية.
خريطة الانابيب
حري بنا هنا استحضار خريطة ستعود الى الواجهة كثيراً في السنوات المقبلة، وهي خريطة أنابيب النفط والغاز المتجهة من روسيا إلى السوق الدولية. فعلى هذه الخريطة ستمارس روسيا مع دول الجوار ما يسميه الباحثون «ديبلوماسية النفط» أو ما يسميه الصحافيون»حرب الأنابيب».
ما زالت لدى موسكو بقية من قدرات التأثير في ذلك العالم الأحادي الهيمنة. صحيح إنها فقدت رونقها الأيديولوجي مع انفراط عقد الإمبراطورية، لكنها ما زالت قادرة على إجادة اللعب بورقتين مهمتين في عالم ما بعد السوفياتية هما النفط والسلاح، تزاوج بينهما أحياناً فتصنع من النفط سلاحا تستعيد به بعضاً مما ضاع منها. وما تجربتها مع أوكرانيا هذه الأيام إلا إحدى الأزمات التي ستتكرر في المستقبل المنظور.
حملت ليلة عيد الميلاد للأوكرانيين أخباراً سيئة هذه المرة، ولم يكن هذا الشتاء برتقالياً كنظيره في العام الماضي. فحين أوقفت روسيا ضخ الغاز عن أوكرانيا بحجة عدم دفع «كييف» السعر المناسب عالمياً، تذكر المتشائمون الأزمات الكبرى التي مرت بها أوكرانيا خلال القرن الماضي بدءاً من مجاعة الثلاثينات ومروراً بكارثة تشيرنوبل عام 1986، ووصولاً إلى شبح الحرب الأهلية العام الماضي حين انقسمت البلاد بين شرق موالٍ لروسيا وغرب موال للغرب.
انهاء الازمة
انتهت الأزمة بنوع من حلول الوسط – ترفع روسيا بمقتضاه سعر بيع الغاز في مقابل رفع أوكرانيا رسوم مرور أنابيب النفط الروسية عبر أراضيها - وأسدل الستار عن تلك القضية فجأة كما ظهرت من دون مقدمات.
هكذا خابت توقعات الصحف التي طرحت عناوين ساخنة على شاكلة «أوكرانيا تحت رحمة الغاز الروسي»، و «أوروبا العجوز تستجدي روسيا الصاعدة من جديد» و «القيصر بوتين يوجه ضربة لثورة التحرير البرتقالية» وغيرها من تلك التلميحات التي تروجها الصحافة الغربية منذ صعود نجم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في العام 2000 وهيمنته على مقاليد الحكم في موسكو.
وعلى رغم الموقف «التخويفي» الذي يتخذه الإعلام الغربي من سياسة روسيا الخارجية، وبصفة خاصة في قطاع الطاقة، لا بد من الإقرار بأن روسيا ما زالت تتعامل بسلاح النفط بحكمة جلية وتقدمه لمن يطلب في زمن «المصالحة الكبرى» بينها وبين العالم.
ففي الشرق تحصل اليابان والصين عبر النقل بالسكك الحديد والناقلات البحرية على حاجتيهما المتزايدة من الطاقة. وفي الجنوب تدور محركات المصانع وتعمل شبكة التدفئة في تركيا بفضل الإمداد الروسي عبر أنابيب القوقاز.
وفي الشمال تستعد الولايات المتحدة لاستقبال النفط الروسي عبر المحيط القطبي الشمالي في مسافة اقصر ووقت أسرع وربما سعر أقل من نظيره الخليجي. وفي الغرب تحصل أوروبا – عبر أنابيب الصداقة «دروشبا» - على ربع ما تستهلكه من إجمالي حاجتها.
تمضي الحنكة الروسية في استخدام ذلك السلاح مؤكدة على استمرار بيع نفطها بالدولار الأميركي وليس باليورو، في عملية دعم للعملة الأميركية خشية انخفاض حاد فيها وإصابة الاقتصاد الأميركي بهزة لا تتحمل روسيا عقباتها الوخيمة، وهذه أيضاً من قواعد التنافس وحكمة المواجهة.
كما أنها تمضي بحرية كبرى – كأكبر مصدر للنفط خارج أوبك - في تأمين احتياجات السوق الأوروبية بضخ مزيد من الإنتاج، لدرجة تصيب الأسواق أحياناً بهبوط حاد في الأسعار.
أما نقطة الاستفهام الرئيسة فيجب البحث عنها في الداخل الروسي الذي يتساءل مندهشاً: أين تذهب تلك العائدات الضخمة من النفط والغاز في وقت يعيش أغلب سكان الدولة في ظروف اقتصادية مخزية لا تناسب دولة عملاقة في الإنتاج والاحتياط النفطي؟
حين سئل الرئيس الروسي هذا السؤال في بث تلفزيوني مباشر تابعه ملايين المواطنين مؤخراً أجاب: «اطمئنوا، نحن نحتفظ بتلك العائدات الضخمة في صندوق خاص للأجيال المقبلة!».
أبعاد اقتصادية وجيوسياسية
من يبحث عن تفسير للأزمة المفاجئة التي تسببت بقطع الغاز الروسي عن أوكرانيا، لن يجد اجابات اقتصادية محضة بقدر ما سيـجد أبعاداً جيوسياسية وجيواقتصادية.
فمن الصعب استبعاد التفسير الذي يرى روسيا تمارس ضغطاً سياسياً – في الذروة الشتوية لاستهلاك الطاقة للتدفئة - على حكومة الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو الذي دعمه الغرب ووصل إلى حكم أوكرانيا على رغم أنف الكرملين. وهي تفعل ذلك بالفعل مع جورجيا ومولدوفا. كما قد لا يرى البعض في الأمر أكثر من رغبة قطاع الطاقة الروسي في تحصيل عوائد أكبر للميزانية من سلعة تتصاعد مبيعاتها عالمياً، ومحاولة الكرملين مخاطبة كييف باللغة «الاوروبية» التي صارت تفهمها جيداً الآن، وبصفة خاصة بمفردات العرض والطلب لسلعة تشهد أسعاراً مدهشة قد لا تتكرر ثانية قبل عقود.
وبالضرورة يجب ألا نتبنى وجهات نظر الصحافة الغربية التي ترى روسيا قد تسرعت في معالجة قضاياها بطريقة الصدمة (وهو مصطلح كان قد شاع إبان البيريسترويكا) في وقت تمهد فيه أوكرانيا «الديموقراطية» أراضيها للأنابيب الروسية، وتفتح مياهها ليربض فيها الأسطول الروسي في البحر الأسود. فالأمر لا يخرج عن مبادئ لعبة التنافسات الدولية في منطقة شهدت تاريخاً مروعاً من الحروب وصناعة القلاقل الداخلية وتصفية الخصوم وإشعال الفتن والحروب الأهلية.
خريطة الانابيب
حري بنا هنا استحضار خريطة ستعود الى الواجهة كثيراً في السنوات المقبلة، وهي خريطة أنابيب النفط والغاز المتجهة من روسيا إلى السوق الدولية. فعلى هذه الخريطة ستمارس روسيا مع دول الجوار ما يسميه الباحثون «ديبلوماسية النفط» أو ما يسميه الصحافيون»حرب الأنابيب».