الدكتور البدوي
18-04-07, 05:09 PM
الرصافي والملك فيصل... شاعر «وقح» وملك مهذب
http://www.ksa-7be.com/up/up25/7d365f77d3.jpg (http://www.ksa-7be.com/up)
صدر قريبا كتاب «الرصافي يتحدث عن حياته» للدكتور يوسف عز الدين. والكتاب يسجل، من خلال سيرة الرصافي، مراحل مهمة من تاريخ العراق المعاصر في الفترة التي عاش فيها الشاعر، وخاصة علاقته مع السلطة.
هنا مقتطفات من الفصل الاول:
العراقي فردي ومن أكثر شعوب العالم اعتداداً بنفسه، ويرى نفسه خيراً من الجميع، وظهر الاعتداد بوضوح عند الرصافي مع اندفاع عاطفي وقسوة في الهجاء وعدم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والتقيد بأنظمة الحياة الجديدة، التي طرأت على العراق بعد الاحتلال الإنجليزي وتشكيل حكومة من أبناء العراق.
كان الرصافي ملء سمع العالم الإسلامي في الدولة العثمانية، التي تحولت إلى الدولة التركية بظهور جمعية الاتحاد والترقي، وكان نائباً في المجلس النيابي في الاستانة.
وقد عاد الرصافي بدعوة من طالب النقيب، لمقاومة الدعاية للأمير فيصل لعرش العراق، لكن الإنجليز تمكنوا من القضاء على الفكرة، عندما نفي طالب النقيب إلى جزيرة «هنجام». ولما وصل الملك فيصل إلى العراق، كانت إحدى الحفلات التي أقيمت له في دار نقيب الأشراف عبد الرحمن النقيب، الذي كان رئيس الوزراء. وقد ذكرت جريدة «دجلة» هذا الحفل. وقد عقدت الحفلة في دار النقيب، وبحضور الأمير فيصل دعي إليها أبرز رجال العراق، وكان الرصافي منهم، فقد كانت له مكانته المرموقة وشخصيته الاجتماعية البارزة. وتم اللقاء في دار النقيب احتفالاً بالأمير فيصل. وكان الرصافي المتحدث البارز فيه، حيّا الحضور بقصيدة قال فيها:
أما وقد طلع الرجاء يشعّ ألوان السرور وكان يقدم النقيب على المحتفى به بذكاء ومقدرة بارزة:
في دار مولانا النقيب بوجه مولانا الأمير من وجه مولانا النقيب ووجه مولانا الأمير مدّ النقيب إلى الأمير يد المعاضد والنصير وليحيا مولانا النقيب حياة مولانا الأمير وأثنى على النقيب، فقال «لا أعلم رجلاً أجدر من مولانا النقيب، بأن يمثل في أفعاله أهل العراق كافة، كيف لا وهو من قتل الدهر خبراً بتجاربه، وارتدى العز ضافياً بعلمه وأدبه، وارتقى سماء السؤدد والمجد بنسبه، وهل في العراقيين رجل أحرص على مصلحة البلاد من مولانا النقيب.. فيا أيها الأمير، يا صاحب السمو الملكي، إنما تصافحك من مولانا النقيب يد العراقيين كلهم، وإنما تضمك في هذه الليلة هذه الدار العامرة بلاد العراق كلها»، ثم قال عن فيصل: نرجو من الله سبحانه أن يكتب لنا بأيدي أمثالكم من عظماء الرجال، مستقبلاً تحمده عليه أخلافنا وتغبطنا به أحلافنا:
إنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى ومن قراءة الكلمات التي ألقاها والأبيات التي نظمها، لا يحسّ القارئ باحترام عميق للضيف، الذي سيكون ملكاً للعراق، بل كان حديثه فيه النصح والإرشاد، بينما كان الشعراء يمدحونه لأنه من الأسرة الهاشمية، وله جهود في سبيل القضية العربية، وكان ملكاً في سورية، وأخرج قسراً منها. ولو درسنا الظروف التي أحاطت بالرجلين وكبرياء الرصافي واعتداده بنفسه، لوجدنا أن الرصافي يجد نفسه نداً لفيصل، وكان في قرارة نفسه والشعور الباطني يغبطه بل يحسده، وله الحق في ذلك. وقد فات الرصافي أن فيصل ليس صغير المكانة أو مجهولاً، وقد بذل جهداً كبيراً في التصدي للدولة العثمانية أو بالأحرى للدولة التركية الطورانية.
أما الرصافي، فلم يبذل جهداً أو يعاني مشقة في الحصول على عضوية مجلس الأمة، فقد جاءته وهو جالس في اسطنبول بوساطة الماسونية أو بتأثير جماعة أهل بغداد. وكان حرياً بالرصافي، تكريمه ضيفاً.
ومع كل هذا، فلما أصبح الملك فيصل في دست الحكم، وتم له أمر البيعة، لم ينس الرصافي وأراد إزالة ما في نفسه من عداء له، وأراد أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ العراق الحديث، لكن الرصافي في قرارة نفسه كان يبغض فيصل بن الحسين، وذهبت محاولات فيصل المتعددة في إرضائه دون جدوى، والمثل العراقي يقول «العين لا تحب الأعلى منها». ويريد الرصافي أن يحوز منزلة رفيعة من دون بذل جهد صادق، وأن يكون شاعراً ومصلحاً يجلس في راحة وتأتيه الوظائف طائعة ويشارك في الحكم مع أنه لم يلتزم بما تفرضه الوظيفة من حدود.
الرصافي عاطفي، والعاطفي دائماً يكون كسلان يريد الوصول من أسهل الطرق، وكان سلبياً وذا شخصية مزدوجة في الوقت نفسه، وقد سانده عبد المحسن السعدون ونوري السعيد كثيراً، لكنه لم يكن صبوراً على العمل ومواصلته.
لا شك أن الوضع الجديد أراد له أنصاراً يعتمد عليهم، ولا بد أن يكون هؤلاء الأنصار ممن يذودون عنه أو يسيرون معه. وقد كان محمد رضا الشبيبي وباقر الشبيبي وعلي الشرقي، من الشعراء الذين لم يحاربوا الوضع الجديد، ولم يهج واحد منهم أرباب الحكم، وهم أولى بالرعاية والاحتواء. أما الرصافي، فقد كان شديد الهجاء لا يريد أن يهادن. وحسب اعترافه بأن نوري السعيد بعد حركة 1941، عرض عليه وظيفة على شرط مهادنة الأمير عبد الإله، الوصي، لكنه رفض هذا العرض. وبعد حركة 1941، أُهمل الشاعر ونُسي ذكره ولم تردد الصحف والجرائد اسمه. ولما رفض عرض نوري السعيد، عيّن إبراهيم صالح شكر مكانه، وحسب قول الرصافي «لأننا نتكاره».
والواقع أن نوري السعيد فضله على غيره، لكن هل أهمل الملك فيصل الرصافي بعد الهجاء اللاذع الذي هجاه به؟. كان الملك فيصل يحاول ارضاءه، ففي المذكرات يعترف أن أكثر من لقاء ومحاولة من الملك تمت لتسوية الأمور معه، لكن الرصافي كان هو الذي يتهرب لأنه في قرارة نفسه لا يريد أن يكون فيصل أكبر منزلة منه وأعلى مكانة منه. انه شعور بالاستعلاء الذي سيطر عليه والسلبية والإحساس بالنقص بالنسبة للملك فيصل. ويظهر ذلك في المقابلة التي جرت بينه وبين الملك فيصل، فهو يعترف بصراحة بأن الملك هو الذي سعى إليه، لكن الرصافي تهرب، قال إنه قابله في قصر شعشوع وهو بيت على ضفاف دجلة، نزله الملك أول وصوله إلى بغداد ما بين الأعظمية وبغداد، ويصف الرصافي الحجرة التي قابله فيها: «وان أثاث الغرفة يتألف من منضدة كبيرة خلفها كرسي جالس عليه الملك فيصل، وأمام المنضدة كرسي واحد لا غير، فلما دخلت الغرفة بادرني الملك بقوله:
http://www.ksa-7be.com/up/up25/7d365f77d3.jpg (http://www.ksa-7be.com/up)
صدر قريبا كتاب «الرصافي يتحدث عن حياته» للدكتور يوسف عز الدين. والكتاب يسجل، من خلال سيرة الرصافي، مراحل مهمة من تاريخ العراق المعاصر في الفترة التي عاش فيها الشاعر، وخاصة علاقته مع السلطة.
هنا مقتطفات من الفصل الاول:
العراقي فردي ومن أكثر شعوب العالم اعتداداً بنفسه، ويرى نفسه خيراً من الجميع، وظهر الاعتداد بوضوح عند الرصافي مع اندفاع عاطفي وقسوة في الهجاء وعدم الشعور بالمسؤولية الاجتماعية والتقيد بأنظمة الحياة الجديدة، التي طرأت على العراق بعد الاحتلال الإنجليزي وتشكيل حكومة من أبناء العراق.
كان الرصافي ملء سمع العالم الإسلامي في الدولة العثمانية، التي تحولت إلى الدولة التركية بظهور جمعية الاتحاد والترقي، وكان نائباً في المجلس النيابي في الاستانة.
وقد عاد الرصافي بدعوة من طالب النقيب، لمقاومة الدعاية للأمير فيصل لعرش العراق، لكن الإنجليز تمكنوا من القضاء على الفكرة، عندما نفي طالب النقيب إلى جزيرة «هنجام». ولما وصل الملك فيصل إلى العراق، كانت إحدى الحفلات التي أقيمت له في دار نقيب الأشراف عبد الرحمن النقيب، الذي كان رئيس الوزراء. وقد ذكرت جريدة «دجلة» هذا الحفل. وقد عقدت الحفلة في دار النقيب، وبحضور الأمير فيصل دعي إليها أبرز رجال العراق، وكان الرصافي منهم، فقد كانت له مكانته المرموقة وشخصيته الاجتماعية البارزة. وتم اللقاء في دار النقيب احتفالاً بالأمير فيصل. وكان الرصافي المتحدث البارز فيه، حيّا الحضور بقصيدة قال فيها:
أما وقد طلع الرجاء يشعّ ألوان السرور وكان يقدم النقيب على المحتفى به بذكاء ومقدرة بارزة:
في دار مولانا النقيب بوجه مولانا الأمير من وجه مولانا النقيب ووجه مولانا الأمير مدّ النقيب إلى الأمير يد المعاضد والنصير وليحيا مولانا النقيب حياة مولانا الأمير وأثنى على النقيب، فقال «لا أعلم رجلاً أجدر من مولانا النقيب، بأن يمثل في أفعاله أهل العراق كافة، كيف لا وهو من قتل الدهر خبراً بتجاربه، وارتدى العز ضافياً بعلمه وأدبه، وارتقى سماء السؤدد والمجد بنسبه، وهل في العراقيين رجل أحرص على مصلحة البلاد من مولانا النقيب.. فيا أيها الأمير، يا صاحب السمو الملكي، إنما تصافحك من مولانا النقيب يد العراقيين كلهم، وإنما تضمك في هذه الليلة هذه الدار العامرة بلاد العراق كلها»، ثم قال عن فيصل: نرجو من الله سبحانه أن يكتب لنا بأيدي أمثالكم من عظماء الرجال، مستقبلاً تحمده عليه أخلافنا وتغبطنا به أحلافنا:
إنما المرء حديث بعده فكن حديثاً حسناً لمن وعى ومن قراءة الكلمات التي ألقاها والأبيات التي نظمها، لا يحسّ القارئ باحترام عميق للضيف، الذي سيكون ملكاً للعراق، بل كان حديثه فيه النصح والإرشاد، بينما كان الشعراء يمدحونه لأنه من الأسرة الهاشمية، وله جهود في سبيل القضية العربية، وكان ملكاً في سورية، وأخرج قسراً منها. ولو درسنا الظروف التي أحاطت بالرجلين وكبرياء الرصافي واعتداده بنفسه، لوجدنا أن الرصافي يجد نفسه نداً لفيصل، وكان في قرارة نفسه والشعور الباطني يغبطه بل يحسده، وله الحق في ذلك. وقد فات الرصافي أن فيصل ليس صغير المكانة أو مجهولاً، وقد بذل جهداً كبيراً في التصدي للدولة العثمانية أو بالأحرى للدولة التركية الطورانية.
أما الرصافي، فلم يبذل جهداً أو يعاني مشقة في الحصول على عضوية مجلس الأمة، فقد جاءته وهو جالس في اسطنبول بوساطة الماسونية أو بتأثير جماعة أهل بغداد. وكان حرياً بالرصافي، تكريمه ضيفاً.
ومع كل هذا، فلما أصبح الملك فيصل في دست الحكم، وتم له أمر البيعة، لم ينس الرصافي وأراد إزالة ما في نفسه من عداء له، وأراد أن يفتح صفحة جديدة في تاريخ العراق الحديث، لكن الرصافي في قرارة نفسه كان يبغض فيصل بن الحسين، وذهبت محاولات فيصل المتعددة في إرضائه دون جدوى، والمثل العراقي يقول «العين لا تحب الأعلى منها». ويريد الرصافي أن يحوز منزلة رفيعة من دون بذل جهد صادق، وأن يكون شاعراً ومصلحاً يجلس في راحة وتأتيه الوظائف طائعة ويشارك في الحكم مع أنه لم يلتزم بما تفرضه الوظيفة من حدود.
الرصافي عاطفي، والعاطفي دائماً يكون كسلان يريد الوصول من أسهل الطرق، وكان سلبياً وذا شخصية مزدوجة في الوقت نفسه، وقد سانده عبد المحسن السعدون ونوري السعيد كثيراً، لكنه لم يكن صبوراً على العمل ومواصلته.
لا شك أن الوضع الجديد أراد له أنصاراً يعتمد عليهم، ولا بد أن يكون هؤلاء الأنصار ممن يذودون عنه أو يسيرون معه. وقد كان محمد رضا الشبيبي وباقر الشبيبي وعلي الشرقي، من الشعراء الذين لم يحاربوا الوضع الجديد، ولم يهج واحد منهم أرباب الحكم، وهم أولى بالرعاية والاحتواء. أما الرصافي، فقد كان شديد الهجاء لا يريد أن يهادن. وحسب اعترافه بأن نوري السعيد بعد حركة 1941، عرض عليه وظيفة على شرط مهادنة الأمير عبد الإله، الوصي، لكنه رفض هذا العرض. وبعد حركة 1941، أُهمل الشاعر ونُسي ذكره ولم تردد الصحف والجرائد اسمه. ولما رفض عرض نوري السعيد، عيّن إبراهيم صالح شكر مكانه، وحسب قول الرصافي «لأننا نتكاره».
والواقع أن نوري السعيد فضله على غيره، لكن هل أهمل الملك فيصل الرصافي بعد الهجاء اللاذع الذي هجاه به؟. كان الملك فيصل يحاول ارضاءه، ففي المذكرات يعترف أن أكثر من لقاء ومحاولة من الملك تمت لتسوية الأمور معه، لكن الرصافي كان هو الذي يتهرب لأنه في قرارة نفسه لا يريد أن يكون فيصل أكبر منزلة منه وأعلى مكانة منه. انه شعور بالاستعلاء الذي سيطر عليه والسلبية والإحساس بالنقص بالنسبة للملك فيصل. ويظهر ذلك في المقابلة التي جرت بينه وبين الملك فيصل، فهو يعترف بصراحة بأن الملك هو الذي سعى إليه، لكن الرصافي تهرب، قال إنه قابله في قصر شعشوع وهو بيت على ضفاف دجلة، نزله الملك أول وصوله إلى بغداد ما بين الأعظمية وبغداد، ويصف الرصافي الحجرة التي قابله فيها: «وان أثاث الغرفة يتألف من منضدة كبيرة خلفها كرسي جالس عليه الملك فيصل، وأمام المنضدة كرسي واحد لا غير، فلما دخلت الغرفة بادرني الملك بقوله: