المهندس
28-03-07, 05:55 PM
إهداء إلى موقع عديل الروح .. عـامة ً
وإلى العزيز ( عذب القوافي ) .. خاصة ً ..
مـع التحيــة..
]" حصــــــاد العمــــــــــــر [/color]"
مشهـــد نهــاري / داخلي ..
ربيــع سنــة 1970 ميلادي ..
الأستـــاذ : مـاذا تريــد أن تصبـح عندمــا تكبــر ؟!
مـــاهر : أريـد أن أصبــح كاتبـاً كبيــراً يا أستـــاذ ، أكبــر مـن غرفـة الصـف هذه ..!
مشهــد نهــاري / داخلي ..
ربيـع سنـة 2005 ميلادي ..
كانت قـاعة المؤتمرات في الجامعة الأردنيـة ، تضيق ذرعـاً بطلابهـا ، الذين تواجدوا – منذ الصباح البـاكر هنـا – لحضور حفل تخرج الدفعـة العـاشرة لطلاب كليـة الأداب .
خـاصة ً بأن الدكتور ( رياض ) – وهو مـن ألمـع دكـاترة الجامعـات الأردنيـة قاطبة ً – سيلقي محـاضرة ًعن فن الكتـابة
بشكـل عـام ، والشعـر بشكـل خاص ..
لم تكن تلك السـاعة التي يقضيهـا الدكتور ( رياض) مع طلابـه مبعث ملل ٍ لكل من يستمـع إليـه ، ولا حتى للفيف الأسـاتذة الذين رافقـوا الدكتور ( رياض ) منذ أيـام دراستهم الجامعيـة ، هنـا في هذه الجـامعة ، وكـانوا ينصتـون إليـه بكل إعجاب ٍ وانبهار .
ولم تمض ِ أكثـر من ساعة ٍ ، حتى علا صوت تصفيق الطلاب والأسـاتذة ، عند دخول الدكتور ( رياض) القـاعة ، ولم يخل
الامـر من بعض التصفيـر – المستفز للآذان من بعض طلاب الجامعة – عند صعوده إلى مسرح القـاعة ، ووقوفه أمام الـ (المايكروفون ) ..
دقيقـة ٌ مضت ، ربمـا أكثـر .. قبـل أن يخيم الصمت على أرجاء القـاعة ، فابتسم الدكتور ( رياض ) للحضور وقال :
- بسم الله الرحمن الرحيم ، أيهـا السـادة الحضور ، طلابـاً وأسـاتذة ً ، أشكركم على ترحيبكم ، وأبـارك لطلاب هذه السنـة تخرجهم المستحق ، وأتمنى أن يواصلوا نجاحاتهم في حياتهم المستقبليـة ، العمليـة منهـا والشخصيـة ..
اليوم – يـا سـادة – أحمل لكم في جعبتي قصـة قصيرة ..!
ارتسمت على وجوه الحاضرين علامات التعجب من كلمـاته ، وتهـامس بعض الطلاب الذين كانوا قد هيئـوا أنفسهم لسمـاع
إحدى قصـائده – الرائعـة – كمـا جرت العـادة ..!
- هل تراه يجيد كتـابة القصص أيضـاً ..؟!
- إصمت ..
بدأت القصـة – أيهـا الأفـاضل – قبل أكثـر ثلاثين عـاماً ، حيث كنـا لا نزال في المرحـلة الإبتدائية ، وأذكر يومهـا بأن أستـاذ اللغة العربية – الأستـاذ ( فاضل ) رحمـه الله – آنذاك ، قد سأل كلاً منـا عن أمنيتـه المستقبليـة ، وأجبنـاه بمـا جاد علينا به فكرننـا الطفولي ، وأذكـر يومهـا بأنني قلت لـه : أريد أن أصبح نجـارا ً ، وضحك ..
ضحك جميـع من في القـاعة ، ظنـاً منهـم بأن جملتـه الأخيـرة ، ما هي إلا ّ إحدى دعـاباته التي تعودهـا كل من حضر محاضراته السـابقة ..
- أتراه جـاد ٌ في كلامـه ..؟!
- قلت لك إصمت ..
- هذه حقيقـة أيهـا الحضور ..!!
كـان والدي نجاراً ، ولم أكن أعرف في دنيـاي – يومهـا – سوى هذه المهنـة . وأذكـر يومهـا بأن أحد زملائي قال للمدرس : بأنـه يريد أن يكون كاتبـاً أكبـر من غرفـة الصـف ..! وبالمنـاسبة كان اسمـه ( مـاهر ) ..
الحقيقـة أيهـا الحضور بأن ( مـاهر ) كان من ألمـع الطلاب في الصف ، وكـان والداه أفقـر أهـل الحي ، وبعـد وفاة والده في حادث سيـارة ٍ ، رحل ووالدتـه من حينـا ، وانقطعت أخباره عن الجميـع ..
صمت الدكتور ( رياض ) لوهلـة ٍ ، كأنـه يستعيد بذاكرتـه تلك الأيـام ، وكان جميـع الحضور صامتين منصتين كأن على رؤوسهم الطير .. فتنـاول كوب الماء الزجاجي من أمـامه وشرب رشفة ً ، وابتسمـ للحضور وقال : أتراكم مللتم ..؟
- أكمـل يا دكتور .. صاح ذلك الرجل العجوز في آخر القـاعة ، فالتفت الجميـع إلى العم ( أبو محمد ) فـراش كليـة الآداب ، وكان مولعـاً ، بالأدب .... وابتسموا ..
عـاد بعدهـا الدكتور ( رياض ) للحديث ..
- قبـل شهرين ونيـف .. وصلني طرد بريدي على عنوان الجامعـة ، فلمـّا عدت إلى منزلي فتحت ذلك الطـرد ، ووجدت به مجموعة أوراق ٍ وقـد حُفِظـَتْ داخل حقيبـة ٍ جلديـة ٍ سوداء رثـة ، أقفلهـا صاحبهـا بشريط ٍ لاصق ٍ ، كأنمـا يخشى على محتويـاتهـا من الضيـاع أو التلـف ..! وفي باديء الأمـر أوجست منهـا خيفـة ً ، لكنني توكلت على الله وقمت بفض ذلك الشريط اللاصق ، الذي كان السبيـل الوحيد لقفل هذه الحقيبة التـالف قفلهـا ..
- ألا تلاحظ بأن تعـابير الدكتور ( رياض ) مختلفـة ً عـن كل سنـة ؟ كأنـه يحمـل عبئـاً كبيرا ً يا رجل ..!
- إن لم تصمت .. سأقوم من جانبـك ..
- حسنـاً .. سأصمت .. سأصمت ..
أخرج الدكتور ( رياض ) ورقـة ً من جيبـه ، كان لونهـا يميـل إلى الإصفرار كورقـة خريف ٍ آذنت للرحيل ، فما عادت قادرة ً على الصمود أكثر ، وبسطها على الطاولة أمـامه ، وتنحنح مستعداً لمواصلة ما بدأ به ، والجميـع يحاول التكهن – بصمت ٍ – بمحتويـات ِ هذه الورقـة ..
- هذه الورقـة – أيهـا الحضور – وجدتهـا وقد فتحت لي ذراعيهـا ، وكأنهـا تريد معـانقة عيني ، لحظة وقوعها عليهـا ..
سأقرأ لكم ما كـُتـِب َ فيهـا ..
( عزيزي رياض ..
إسمح لي بأن أناديك باسمـك المجرد ، فلا زلت أراك ذاك الولد في مدرسة البيان الإبتدائية ..! لا تستغرب من كلماتي وأكمل رسالتي هذه حتى النهـاية ..
عندمـا رأيتك – قبل ثلاث سنوات ٍ – عند مدخل كلية الآداب ، أنكرتك نفسي كاذبة ً ، وأقرّتـك عيناي ، لا أعلم لم َ تواريت عنك في ذلك اليوم ؟! ولم َ انتـابني ذلك الشعور بالخجل من اللاشيء ِ ..؟!
أتعلم بأنني حاولت – أكثـر من مرة ٍ – اعتراض طريقـك َ، عند دخولك إلى كلية الآداب ..! وفي كل مرة ٍ تخونني شجاعتي ، وأتوارى عن ناظريـك َ ..
كنت أسمع أحاديث الطلاب عنـك ْ ، وكيـف يبجلونك َ ويحترمونك َ، فأفرح لك في صمتي ، وأدعو الله لك َ بالتوفيق ..
أعادتني – كلماتهم – إلى عقود ٍ من الزمان يا ( رياض ) .. أتذكـر ..؟!
أتذكر يوم أن سألنـا الأستـاذ ( فاضل ) رحمه الله عن أمـانينـا ..؟! لم تصبح نجاراً يا ( رياض ) ، ولم أصبح – أنـا – كاتباً كبيـراً ..! وددت لو أخبـرك بأشيـاء كثيـرة يا ( رياض ) ..
كيف أن حياتي وأمي أصبحت مريرة بعـد وفـاة والدي ، وكيف تلاشى الحلم رويداً رويداً ، وغشت سحـابة اليأس سماء عالمي مع مرور كل يوم ٍ ، فملت الكتب من انتظار عيني لقراءتهـا ، وجرفتني الأيـام والسنون إلى أرض الواقع ،وعالم ٍ لا يعترف برغبـة ٍ أو حلم لطفـل ٍ لم يتجاوز العـاشرة من عمـره ..
أصبحتُ نجاراً يا ( رياض ) ..! سرقت أمنيتـك .. أنـا أبتسم الآن يا ( رياض ) وأنـا أكتب لك هذه الكلمـات ، وأعلم بأنـك ستبتسم . يبدو يا ( رياض ) بأننا تبادلنا الأمنيـات في مكان مـا ...!
عَمِلتُ بجـد ٍ عند معلم ٍ للنجارة ، قام بتعليمي تلك المهنة ، وكنت أسترق الوقت بين الفينة والأخرى فأطـالع كتب ( جبران خليل جبران ) وغيـرها ، كنت أمني نفسي كل يوم ٍ بأنني سألتحق – يوماً ما – بالجامعة ، لكن الله لم يكتبهـا لي يا ( رياض )،
وتزوجت في سن الواحد والعشرين ، ورزقني الله بولد ٍ ، أسميتـه ( فاضل ) ، وقررت- في نفسي – أن أهب عمري وكل ما أملك لولدي ( فاضل ) ، أتعلم يا ( رياض ) ..!؟ ( فاضل ) هو أحد تلامذتـك هنـا في الكلية ..! لا تستغرب ..
كأني أرى علامات التعجب على وجهك وأنت تطـالع رسـالتي هذه .. وتتسـاءل عن تلك الأوراق التي بين يديك ..! سأخبـرك ..
- هل تراه يختلق هذه القصـة من عقلـه ..؟
- أرجوك أن تصمت ..!
ذات مساء ٍ ، كنـا نجلس وزوجتي وولدي على مائدة الغداء ، وكان يوم ( فاضل ) الاول في الجامعة ، وكان فرحاً بيومه الاول
أسعدتني فرحته يا ( رياض ) .. رأيت فيـه حلمي وحصـاد عمري ، وحدث أن أراني – يومهـا – جدول محاضراته ، واتسعت
حدقتا عيني عندما وقع نظري على إسمك ( رياض الدمنهوري ) ، منذ ذلك اليوم ، قررت أن أكتب قصـة حياتي في أوراق ٍ
هي الآن بيـن يديك ..! وأسميت قصتي ( حصـاد العمــر ) ، فإن رأيتهـا صالحة ً للنشــر ، فسـاعدني في نشرهـا يا ( رياض )
بإسمــك ..!!! وإلا ّ فأنثـر أوراقهـا على أرض الجامعـة التي – يومـا ً – تمنيـت ... إمضاء : ماهر . )
أخرج الدكتور ( رياض ) كتـاباً من حقيبته الجلديـة الفاخرة ، ووضعهـا على الطاولـة أمـامه ، وصمت قليلا ً .. ثم قال :
- هذه قصــة ( حصــادالعمـر ) للكاتب / مـاهر البيطـار ، وقد نسخت منهـا ثلاثمـائة نسخة على نفقتي الخـاصة ، ولسوف توزع على جميـع من حضـر اليوم هذا اللقـاء أيهـا الأحبـة ، وتحفظ النسخ المتبقية في مكتبـة الجامعة ، لتبقى مرجعـاً لكل من
أراد تعلم فن القصـة ، من هذا الكاتب الذي به آمنت ، بعد قراءتي لقصتـه . شكراً لكم على وقتكم ، ومبارك ٌ تخرجكم مرة ً أخرى ..
- هل ستقرأهـا ..؟
- الآن لا تصمت .. نعم سأقرأهــا .
تمت ...
بقلـم / عدي بلال ( المهنـدس ) ..
وإلى العزيز ( عذب القوافي ) .. خاصة ً ..
مـع التحيــة..
]" حصــــــاد العمــــــــــــر [/color]"
مشهـــد نهــاري / داخلي ..
ربيــع سنــة 1970 ميلادي ..
الأستـــاذ : مـاذا تريــد أن تصبـح عندمــا تكبــر ؟!
مـــاهر : أريـد أن أصبــح كاتبـاً كبيــراً يا أستـــاذ ، أكبــر مـن غرفـة الصـف هذه ..!
مشهــد نهــاري / داخلي ..
ربيـع سنـة 2005 ميلادي ..
كانت قـاعة المؤتمرات في الجامعة الأردنيـة ، تضيق ذرعـاً بطلابهـا ، الذين تواجدوا – منذ الصباح البـاكر هنـا – لحضور حفل تخرج الدفعـة العـاشرة لطلاب كليـة الأداب .
خـاصة ً بأن الدكتور ( رياض ) – وهو مـن ألمـع دكـاترة الجامعـات الأردنيـة قاطبة ً – سيلقي محـاضرة ًعن فن الكتـابة
بشكـل عـام ، والشعـر بشكـل خاص ..
لم تكن تلك السـاعة التي يقضيهـا الدكتور ( رياض) مع طلابـه مبعث ملل ٍ لكل من يستمـع إليـه ، ولا حتى للفيف الأسـاتذة الذين رافقـوا الدكتور ( رياض ) منذ أيـام دراستهم الجامعيـة ، هنـا في هذه الجـامعة ، وكـانوا ينصتـون إليـه بكل إعجاب ٍ وانبهار .
ولم تمض ِ أكثـر من ساعة ٍ ، حتى علا صوت تصفيق الطلاب والأسـاتذة ، عند دخول الدكتور ( رياض) القـاعة ، ولم يخل
الامـر من بعض التصفيـر – المستفز للآذان من بعض طلاب الجامعة – عند صعوده إلى مسرح القـاعة ، ووقوفه أمام الـ (المايكروفون ) ..
دقيقـة ٌ مضت ، ربمـا أكثـر .. قبـل أن يخيم الصمت على أرجاء القـاعة ، فابتسم الدكتور ( رياض ) للحضور وقال :
- بسم الله الرحمن الرحيم ، أيهـا السـادة الحضور ، طلابـاً وأسـاتذة ً ، أشكركم على ترحيبكم ، وأبـارك لطلاب هذه السنـة تخرجهم المستحق ، وأتمنى أن يواصلوا نجاحاتهم في حياتهم المستقبليـة ، العمليـة منهـا والشخصيـة ..
اليوم – يـا سـادة – أحمل لكم في جعبتي قصـة قصيرة ..!
ارتسمت على وجوه الحاضرين علامات التعجب من كلمـاته ، وتهـامس بعض الطلاب الذين كانوا قد هيئـوا أنفسهم لسمـاع
إحدى قصـائده – الرائعـة – كمـا جرت العـادة ..!
- هل تراه يجيد كتـابة القصص أيضـاً ..؟!
- إصمت ..
بدأت القصـة – أيهـا الأفـاضل – قبل أكثـر ثلاثين عـاماً ، حيث كنـا لا نزال في المرحـلة الإبتدائية ، وأذكر يومهـا بأن أستـاذ اللغة العربية – الأستـاذ ( فاضل ) رحمـه الله – آنذاك ، قد سأل كلاً منـا عن أمنيتـه المستقبليـة ، وأجبنـاه بمـا جاد علينا به فكرننـا الطفولي ، وأذكـر يومهـا بأنني قلت لـه : أريد أن أصبح نجـارا ً ، وضحك ..
ضحك جميـع من في القـاعة ، ظنـاً منهـم بأن جملتـه الأخيـرة ، ما هي إلا ّ إحدى دعـاباته التي تعودهـا كل من حضر محاضراته السـابقة ..
- أتراه جـاد ٌ في كلامـه ..؟!
- قلت لك إصمت ..
- هذه حقيقـة أيهـا الحضور ..!!
كـان والدي نجاراً ، ولم أكن أعرف في دنيـاي – يومهـا – سوى هذه المهنـة . وأذكـر يومهـا بأن أحد زملائي قال للمدرس : بأنـه يريد أن يكون كاتبـاً أكبـر من غرفـة الصـف ..! وبالمنـاسبة كان اسمـه ( مـاهر ) ..
الحقيقـة أيهـا الحضور بأن ( مـاهر ) كان من ألمـع الطلاب في الصف ، وكـان والداه أفقـر أهـل الحي ، وبعـد وفاة والده في حادث سيـارة ٍ ، رحل ووالدتـه من حينـا ، وانقطعت أخباره عن الجميـع ..
صمت الدكتور ( رياض ) لوهلـة ٍ ، كأنـه يستعيد بذاكرتـه تلك الأيـام ، وكان جميـع الحضور صامتين منصتين كأن على رؤوسهم الطير .. فتنـاول كوب الماء الزجاجي من أمـامه وشرب رشفة ً ، وابتسمـ للحضور وقال : أتراكم مللتم ..؟
- أكمـل يا دكتور .. صاح ذلك الرجل العجوز في آخر القـاعة ، فالتفت الجميـع إلى العم ( أبو محمد ) فـراش كليـة الآداب ، وكان مولعـاً ، بالأدب .... وابتسموا ..
عـاد بعدهـا الدكتور ( رياض ) للحديث ..
- قبـل شهرين ونيـف .. وصلني طرد بريدي على عنوان الجامعـة ، فلمـّا عدت إلى منزلي فتحت ذلك الطـرد ، ووجدت به مجموعة أوراق ٍ وقـد حُفِظـَتْ داخل حقيبـة ٍ جلديـة ٍ سوداء رثـة ، أقفلهـا صاحبهـا بشريط ٍ لاصق ٍ ، كأنمـا يخشى على محتويـاتهـا من الضيـاع أو التلـف ..! وفي باديء الأمـر أوجست منهـا خيفـة ً ، لكنني توكلت على الله وقمت بفض ذلك الشريط اللاصق ، الذي كان السبيـل الوحيد لقفل هذه الحقيبة التـالف قفلهـا ..
- ألا تلاحظ بأن تعـابير الدكتور ( رياض ) مختلفـة ً عـن كل سنـة ؟ كأنـه يحمـل عبئـاً كبيرا ً يا رجل ..!
- إن لم تصمت .. سأقوم من جانبـك ..
- حسنـاً .. سأصمت .. سأصمت ..
أخرج الدكتور ( رياض ) ورقـة ً من جيبـه ، كان لونهـا يميـل إلى الإصفرار كورقـة خريف ٍ آذنت للرحيل ، فما عادت قادرة ً على الصمود أكثر ، وبسطها على الطاولة أمـامه ، وتنحنح مستعداً لمواصلة ما بدأ به ، والجميـع يحاول التكهن – بصمت ٍ – بمحتويـات ِ هذه الورقـة ..
- هذه الورقـة – أيهـا الحضور – وجدتهـا وقد فتحت لي ذراعيهـا ، وكأنهـا تريد معـانقة عيني ، لحظة وقوعها عليهـا ..
سأقرأ لكم ما كـُتـِب َ فيهـا ..
( عزيزي رياض ..
إسمح لي بأن أناديك باسمـك المجرد ، فلا زلت أراك ذاك الولد في مدرسة البيان الإبتدائية ..! لا تستغرب من كلماتي وأكمل رسالتي هذه حتى النهـاية ..
عندمـا رأيتك – قبل ثلاث سنوات ٍ – عند مدخل كلية الآداب ، أنكرتك نفسي كاذبة ً ، وأقرّتـك عيناي ، لا أعلم لم َ تواريت عنك في ذلك اليوم ؟! ولم َ انتـابني ذلك الشعور بالخجل من اللاشيء ِ ..؟!
أتعلم بأنني حاولت – أكثـر من مرة ٍ – اعتراض طريقـك َ، عند دخولك إلى كلية الآداب ..! وفي كل مرة ٍ تخونني شجاعتي ، وأتوارى عن ناظريـك َ ..
كنت أسمع أحاديث الطلاب عنـك ْ ، وكيـف يبجلونك َ ويحترمونك َ، فأفرح لك في صمتي ، وأدعو الله لك َ بالتوفيق ..
أعادتني – كلماتهم – إلى عقود ٍ من الزمان يا ( رياض ) .. أتذكـر ..؟!
أتذكر يوم أن سألنـا الأستـاذ ( فاضل ) رحمه الله عن أمـانينـا ..؟! لم تصبح نجاراً يا ( رياض ) ، ولم أصبح – أنـا – كاتباً كبيـراً ..! وددت لو أخبـرك بأشيـاء كثيـرة يا ( رياض ) ..
كيف أن حياتي وأمي أصبحت مريرة بعـد وفـاة والدي ، وكيف تلاشى الحلم رويداً رويداً ، وغشت سحـابة اليأس سماء عالمي مع مرور كل يوم ٍ ، فملت الكتب من انتظار عيني لقراءتهـا ، وجرفتني الأيـام والسنون إلى أرض الواقع ،وعالم ٍ لا يعترف برغبـة ٍ أو حلم لطفـل ٍ لم يتجاوز العـاشرة من عمـره ..
أصبحتُ نجاراً يا ( رياض ) ..! سرقت أمنيتـك .. أنـا أبتسم الآن يا ( رياض ) وأنـا أكتب لك هذه الكلمـات ، وأعلم بأنـك ستبتسم . يبدو يا ( رياض ) بأننا تبادلنا الأمنيـات في مكان مـا ...!
عَمِلتُ بجـد ٍ عند معلم ٍ للنجارة ، قام بتعليمي تلك المهنة ، وكنت أسترق الوقت بين الفينة والأخرى فأطـالع كتب ( جبران خليل جبران ) وغيـرها ، كنت أمني نفسي كل يوم ٍ بأنني سألتحق – يوماً ما – بالجامعة ، لكن الله لم يكتبهـا لي يا ( رياض )،
وتزوجت في سن الواحد والعشرين ، ورزقني الله بولد ٍ ، أسميتـه ( فاضل ) ، وقررت- في نفسي – أن أهب عمري وكل ما أملك لولدي ( فاضل ) ، أتعلم يا ( رياض ) ..!؟ ( فاضل ) هو أحد تلامذتـك هنـا في الكلية ..! لا تستغرب ..
كأني أرى علامات التعجب على وجهك وأنت تطـالع رسـالتي هذه .. وتتسـاءل عن تلك الأوراق التي بين يديك ..! سأخبـرك ..
- هل تراه يختلق هذه القصـة من عقلـه ..؟
- أرجوك أن تصمت ..!
ذات مساء ٍ ، كنـا نجلس وزوجتي وولدي على مائدة الغداء ، وكان يوم ( فاضل ) الاول في الجامعة ، وكان فرحاً بيومه الاول
أسعدتني فرحته يا ( رياض ) .. رأيت فيـه حلمي وحصـاد عمري ، وحدث أن أراني – يومهـا – جدول محاضراته ، واتسعت
حدقتا عيني عندما وقع نظري على إسمك ( رياض الدمنهوري ) ، منذ ذلك اليوم ، قررت أن أكتب قصـة حياتي في أوراق ٍ
هي الآن بيـن يديك ..! وأسميت قصتي ( حصـاد العمــر ) ، فإن رأيتهـا صالحة ً للنشــر ، فسـاعدني في نشرهـا يا ( رياض )
بإسمــك ..!!! وإلا ّ فأنثـر أوراقهـا على أرض الجامعـة التي – يومـا ً – تمنيـت ... إمضاء : ماهر . )
أخرج الدكتور ( رياض ) كتـاباً من حقيبته الجلديـة الفاخرة ، ووضعهـا على الطاولـة أمـامه ، وصمت قليلا ً .. ثم قال :
- هذه قصــة ( حصــادالعمـر ) للكاتب / مـاهر البيطـار ، وقد نسخت منهـا ثلاثمـائة نسخة على نفقتي الخـاصة ، ولسوف توزع على جميـع من حضـر اليوم هذا اللقـاء أيهـا الأحبـة ، وتحفظ النسخ المتبقية في مكتبـة الجامعة ، لتبقى مرجعـاً لكل من
أراد تعلم فن القصـة ، من هذا الكاتب الذي به آمنت ، بعد قراءتي لقصتـه . شكراً لكم على وقتكم ، ومبارك ٌ تخرجكم مرة ً أخرى ..
- هل ستقرأهـا ..؟
- الآن لا تصمت .. نعم سأقرأهــا .
تمت ...
بقلـم / عدي بلال ( المهنـدس ) ..