الدكتور البدوي
28-03-07, 03:33 PM
تسويق الفكر في احتفالات التصفيق
وحدها مباراة الفكر تحتمل أن يتعادل فريقان ليفوز الجمهور قبل أن يطلق التحكيم صافرته
أجرى مركز بحوث أمريكي دراسة مسحية عن التغيير الذي طرأ على حياة شريحة كبيرة مستهدفة في عصر ثورة الاتصالات وأرفق المركز استطلاعه بمقدمة تتحدث عن إيجابيات تلك الوسائل التي اختصرت المسافات قبل أن يطرح السؤال التالي على الجمهور: (هل تعتقد أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت حياتك أفضل?) فأجاب 82% بـ(نعم)...
ثم تكرر الاستطلاع بعد أشهر قليلة بشكل مختلف افتتحه المركز بذكر ما لوسائل الاتصال من دور سلبي على التواصل الاجتماعي المباشر بالإضافة للمخاطر الصحية وغير ذلك من السلبيات ثم طرح سؤال: (هل تعتقد بأن وسائل الاتصال الحديثة قد جعلت حياتك أسوأ?) فأجابت نفس الشريحة وللمفاجأة بنفس النسبة التي تقدر بـ82% بـ(نعم)..
وتقول رانية سليمان سلامة: ما قد يصيبنا بالمفاجأة لم يفاجئ مركز البحوث بقدر ما أكد على وجود ثغرة في الآلية التي يتم بها طرح الدراسات المسحية أو رصد الرأي العام في قضايا مختلفة, فلم يكن لناتج أو مجموع الإجابات أهمية بقدر ما كان للدراسة التي تبعت ذلك حول تفسير كلمة (نعم) أهمية كبرى للبحث عن تفسير هذه الكلمة والمؤثرات التي أسهمت باختيارها.. وهي دراسة شارك بها علماء الاجتماع والنفس كشفت عن أن نتائج العديد من استطلاعات الرأي التي سبق طرحها واعتماد نتائجها بحاجة إلى إعادة نظر حتى لا تكون مضللة لأصحاب القرار..
هذه التجربة جديرة بأن نتوقف عندها ونحن نمر بمرحلة نشهد فيها توجهات جادة لرصد الرأي العام وإشراك المواطن في صياغة مستقبله... ولكن لتكون النتائج منصفة ونتجاوز بها الوقوع في فخ التضليل والتدليس, يجدر بنا أن نتنبه إلى واقع يفرض علينا نشر ثقافة يفتقدها المجتمع ولا أخص بها مجتمعنا ولكنني أتناوله كمثال, فالملاحظة السائدة والملفتة للانتباه خلال السنوات الماضية التي تبعت أحداث 11/9 هي وجود انفتاح أكبر ومساحة أوسع للرأي تصاحب مرحلة الإصلاحات, نلمسها في صفحات الرأي وبرامج الحوار ونتابعها كمجتمع نسائي في المحاضرات والملتقيات والصوالين الثقافية, التي أخرج منها في كل مرة بعلامة استفهام كبيرة تحيط بردة فعل الجمهور... فالنتيجة الأكثر وضوحاً التي انعكس بها كل ذلك على المجتمع إلى الآن هي حالة من (التصفيق) للشعارات لم أعد أستغرب معها أن أحضر اليوم محاضرة تقدم وجهة نظر في أقصى اليسار وتوظف الطبيعة الحماسية وتحشد المشاعر في اتجاهها فينساق الحضور نحو التأييد وتلتهب الأكف بالتصفيق معبرة عن الاقتناع والانبهار بما استمعت إليه.. وفي اليوم التالي نرى نفس الوجوه ونجلس في نفس المكان لنستمع إلى وجهة نظر أخرى في أقصى اليمين فأرى الجمهور ذاته يشتري السلعة التي صدق على بيعها في المتجر الفكري لمتحدث الأمس.
قاسم آخر مشترك يجمع بين من يسوق لهذا الفكر الأحادي الأبعاد أو ذاك, وهو أن كليهما قد اتخذ قراره بالاكتفاء بنشوة التصفيق في حملته الترويجية لإعلان الانتصار على الآخر وإن أدرك بأن من اتبع مساره لم يكن على قدر من الإلمام بأبعاد وإيجابيات وسلبيات أفكاره على المجتمع ودون أن يحرص على أن يخرج الجمهور وهو بالفعل على درجة عالية من الوعي والإيمان والاقتناع بهذا التوجه لتحول تلك القناعة الثابتة فيما بينه وبين التخبط غداً في مواجهة فكر آخر... والتخبط ناتج طبيعي سنجد أنفسنا نحصده في الغد ما لم يعل صوت نسمعه خافتاً اليوم وهو يعترف بأمانة وسط الزحام الذي تشهده حلبة تسويق الأفكار بأنه يمتلك جزءاً من الحقيقة وأن لدى الآخر جزءاً مكملاً لها ليحترم بذلك جمهوراً من واجبه كمثقف أو عالم أن يسهم في تكوين شخصيته المستقلة ويترك مساحة منصفة في خلايا عقل المتلقي تتيح له تشغيل الجزء الكروي الموجود أعلى الكتفين ليجتهد ويقول (هذا هو رأيي الخاص وتلك هي رؤيتي)!!!...
سيكون لهذا الرأي قيمته ووقعه إذا -وإذا فقط- تمكن رموز الفكر من تغليب المصلحة العامة على انتصاراتهم الشخصية لفكرة واحدة ذات بعد واحد تعترف بنفسها فقط وتدعي الكمال لتلغي غيرها من خارطة الوجود.
وحدها مباراة الفكر تحتمل أن يتعادل فريقان ليفوز الجمهور قبل أن يطلق التحكيم صافرته... ولكن للمدربين كلمة وعلى عاتقهم مسؤولية حتى يتحقق هذا الانتصار للجمهور إذا كان بالفعل انتصاره غايتهم.
ويروي الكسندر سولجنتسين، في ما يروي عن المرحلة الستالينية، قصة عن الشغف بالتصفيق، وقعت في احدى ضواحي موسكو. ففي نهاية احد الاجتماعات الحزبية، ألقي كالمعتاد خطاب يعدد فضائل الزعيم يوسف ستالين. وكما هو متوقع في نهاية الخطاب، وقف جميع الحاضرين وأخذوا يصفقون بقدر ما لهم من قوة، وما فيهم من حرارة، خوفاً من ان يضبط احدهم بتهمة التخاذل. ودام التصفيق الحار ثلاث دقائق. ثم تبين للجميع انهم في قلب مأزق آخر.
يقول السيد سمير عطا الله: فمن يجرؤ على التوقف عن التصفيق أولاً؟
من يتخذ مثل هذه المبادرة الشريرة في حق الزعيم؟ وهكذا استمر التصفيق 5 دقائق. وازداد حجم المأزق. فمن سيقطع هذا الغليان اولاً؟ ودب التعب في المصفقين. ثم بدأ الاعياء يتسلل. وبعد 11 دقيقة من التصفيق «الحار» او «الحاد»، كان مدير احد مصانع الورق قد انهك، فتوقف عن التصفيق وجلس على كرسيه عييا، واتبعه الجميع فجلسوا. وفي تلك الليلة قرعت بابه «الاحذية الثقيلة». وحكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة ملفقة، لكن المحقق ابلغه، فقط لحسن المصادفة، الا يكون في المرة المقبلة أول من يتوقف عن التصفيق.
الواقع ان التأييد المطلق عملية صعبة الى حد ما، حتى عندما يكون الزعيم محبوباً الى الدرجة التي احب بها الروس يوسف ستالين وبجّلوه وقدروا انجازاته البشرية، واولها انه اراحهم عندما «اعاد خلقهم من جديد» وجعلهم واحداً. فالامة هي ستالين وستالين هو الامة واي فرد خارج الجماعة، او الفرد، (اي الفرد الاوحد) فأمره للشرطة.
هناك ولاء مطلق لرجل مطلق. اي شريك آخر هو كائن ملغي. وعلى الموالي ان يخاف مثل المعارض. فالمصير لا يوفر احداً. وقد كان المكتب السياسي الاول للحزب الشيوعي السوفياتي يضم، إلى جانب لينين وستالين، ستة رجال آخرين: تروتسكي، كامينيف، زينوفييف، بوخارين، ريكوف وطومسكي. وقد ارسل ستالين من يقتل تروتسكي في المكسيك. وامر برمي كامينيف وزينوفييف وبوخارين وريكوف بالرصاص. وانتحر طومسكي قبل اعتقاله. وكما حدث في الثورة الفرنسية سقط جميع القادة من دون استثناء لكي يبقى الاخير حاكماً. في صورة مطلقة.
حتى القضاء كان يجب ان يكون مطلقاً، لذلك كان المدعي العام يبدأ مطالعته مادحاً محامي الدفاع: «لا شك ان الزميل العزيز، كواحد من ابناء الاتحاد السوفياتي العظيم، يوافقني قبل الدخول في المحاكمة على ان هؤلاء الخونة قد ارتكبوا جرائم كبرى في حق الوطن الام»، وكان بالطبع يوافق. والمتهم الذي كان ينفي ما نسب اليه، كان يعود في الجلسة التالية «ويقر بما ارتكب». وكانت الاحكام دائماً الرمي بالرصاص. ومَن كان يعطى حكماً مخففاً في العلن، كان يحصل على رصاصته في باحة السجن. لا مكان للخطأ. يجب ان يكون كل شيء مطلقاً ومكتملاً. لا فواصل. لا فوارق في الحساب
لذلك ارتكب أصحاب الديموقراطيات الغربية خطأ كبيراً عندما قبلوا بالمسألة النسبية. اي حرية المواطن في أن يقترع كما يشاء، وليس وفق إرادة الأمة. وهكذا خرج من الحياة السياسية رجال مثل تشرشل وديغول والمسز تاتشر، بسبب مقترعين خونة. وعندما نقول: «رجال مثل المسز تاتشر» فليس في الأمر هفوة او خطأ مطبعي، فأن الأمر كذلك، ولو ليس مائة في المائة.
وحدها مباراة الفكر تحتمل أن يتعادل فريقان ليفوز الجمهور قبل أن يطلق التحكيم صافرته
أجرى مركز بحوث أمريكي دراسة مسحية عن التغيير الذي طرأ على حياة شريحة كبيرة مستهدفة في عصر ثورة الاتصالات وأرفق المركز استطلاعه بمقدمة تتحدث عن إيجابيات تلك الوسائل التي اختصرت المسافات قبل أن يطرح السؤال التالي على الجمهور: (هل تعتقد أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت حياتك أفضل?) فأجاب 82% بـ(نعم)...
ثم تكرر الاستطلاع بعد أشهر قليلة بشكل مختلف افتتحه المركز بذكر ما لوسائل الاتصال من دور سلبي على التواصل الاجتماعي المباشر بالإضافة للمخاطر الصحية وغير ذلك من السلبيات ثم طرح سؤال: (هل تعتقد بأن وسائل الاتصال الحديثة قد جعلت حياتك أسوأ?) فأجابت نفس الشريحة وللمفاجأة بنفس النسبة التي تقدر بـ82% بـ(نعم)..
وتقول رانية سليمان سلامة: ما قد يصيبنا بالمفاجأة لم يفاجئ مركز البحوث بقدر ما أكد على وجود ثغرة في الآلية التي يتم بها طرح الدراسات المسحية أو رصد الرأي العام في قضايا مختلفة, فلم يكن لناتج أو مجموع الإجابات أهمية بقدر ما كان للدراسة التي تبعت ذلك حول تفسير كلمة (نعم) أهمية كبرى للبحث عن تفسير هذه الكلمة والمؤثرات التي أسهمت باختيارها.. وهي دراسة شارك بها علماء الاجتماع والنفس كشفت عن أن نتائج العديد من استطلاعات الرأي التي سبق طرحها واعتماد نتائجها بحاجة إلى إعادة نظر حتى لا تكون مضللة لأصحاب القرار..
هذه التجربة جديرة بأن نتوقف عندها ونحن نمر بمرحلة نشهد فيها توجهات جادة لرصد الرأي العام وإشراك المواطن في صياغة مستقبله... ولكن لتكون النتائج منصفة ونتجاوز بها الوقوع في فخ التضليل والتدليس, يجدر بنا أن نتنبه إلى واقع يفرض علينا نشر ثقافة يفتقدها المجتمع ولا أخص بها مجتمعنا ولكنني أتناوله كمثال, فالملاحظة السائدة والملفتة للانتباه خلال السنوات الماضية التي تبعت أحداث 11/9 هي وجود انفتاح أكبر ومساحة أوسع للرأي تصاحب مرحلة الإصلاحات, نلمسها في صفحات الرأي وبرامج الحوار ونتابعها كمجتمع نسائي في المحاضرات والملتقيات والصوالين الثقافية, التي أخرج منها في كل مرة بعلامة استفهام كبيرة تحيط بردة فعل الجمهور... فالنتيجة الأكثر وضوحاً التي انعكس بها كل ذلك على المجتمع إلى الآن هي حالة من (التصفيق) للشعارات لم أعد أستغرب معها أن أحضر اليوم محاضرة تقدم وجهة نظر في أقصى اليسار وتوظف الطبيعة الحماسية وتحشد المشاعر في اتجاهها فينساق الحضور نحو التأييد وتلتهب الأكف بالتصفيق معبرة عن الاقتناع والانبهار بما استمعت إليه.. وفي اليوم التالي نرى نفس الوجوه ونجلس في نفس المكان لنستمع إلى وجهة نظر أخرى في أقصى اليمين فأرى الجمهور ذاته يشتري السلعة التي صدق على بيعها في المتجر الفكري لمتحدث الأمس.
قاسم آخر مشترك يجمع بين من يسوق لهذا الفكر الأحادي الأبعاد أو ذاك, وهو أن كليهما قد اتخذ قراره بالاكتفاء بنشوة التصفيق في حملته الترويجية لإعلان الانتصار على الآخر وإن أدرك بأن من اتبع مساره لم يكن على قدر من الإلمام بأبعاد وإيجابيات وسلبيات أفكاره على المجتمع ودون أن يحرص على أن يخرج الجمهور وهو بالفعل على درجة عالية من الوعي والإيمان والاقتناع بهذا التوجه لتحول تلك القناعة الثابتة فيما بينه وبين التخبط غداً في مواجهة فكر آخر... والتخبط ناتج طبيعي سنجد أنفسنا نحصده في الغد ما لم يعل صوت نسمعه خافتاً اليوم وهو يعترف بأمانة وسط الزحام الذي تشهده حلبة تسويق الأفكار بأنه يمتلك جزءاً من الحقيقة وأن لدى الآخر جزءاً مكملاً لها ليحترم بذلك جمهوراً من واجبه كمثقف أو عالم أن يسهم في تكوين شخصيته المستقلة ويترك مساحة منصفة في خلايا عقل المتلقي تتيح له تشغيل الجزء الكروي الموجود أعلى الكتفين ليجتهد ويقول (هذا هو رأيي الخاص وتلك هي رؤيتي)!!!...
سيكون لهذا الرأي قيمته ووقعه إذا -وإذا فقط- تمكن رموز الفكر من تغليب المصلحة العامة على انتصاراتهم الشخصية لفكرة واحدة ذات بعد واحد تعترف بنفسها فقط وتدعي الكمال لتلغي غيرها من خارطة الوجود.
وحدها مباراة الفكر تحتمل أن يتعادل فريقان ليفوز الجمهور قبل أن يطلق التحكيم صافرته... ولكن للمدربين كلمة وعلى عاتقهم مسؤولية حتى يتحقق هذا الانتصار للجمهور إذا كان بالفعل انتصاره غايتهم.
ويروي الكسندر سولجنتسين، في ما يروي عن المرحلة الستالينية، قصة عن الشغف بالتصفيق، وقعت في احدى ضواحي موسكو. ففي نهاية احد الاجتماعات الحزبية، ألقي كالمعتاد خطاب يعدد فضائل الزعيم يوسف ستالين. وكما هو متوقع في نهاية الخطاب، وقف جميع الحاضرين وأخذوا يصفقون بقدر ما لهم من قوة، وما فيهم من حرارة، خوفاً من ان يضبط احدهم بتهمة التخاذل. ودام التصفيق الحار ثلاث دقائق. ثم تبين للجميع انهم في قلب مأزق آخر.
يقول السيد سمير عطا الله: فمن يجرؤ على التوقف عن التصفيق أولاً؟
من يتخذ مثل هذه المبادرة الشريرة في حق الزعيم؟ وهكذا استمر التصفيق 5 دقائق. وازداد حجم المأزق. فمن سيقطع هذا الغليان اولاً؟ ودب التعب في المصفقين. ثم بدأ الاعياء يتسلل. وبعد 11 دقيقة من التصفيق «الحار» او «الحاد»، كان مدير احد مصانع الورق قد انهك، فتوقف عن التصفيق وجلس على كرسيه عييا، واتبعه الجميع فجلسوا. وفي تلك الليلة قرعت بابه «الاحذية الثقيلة». وحكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة ملفقة، لكن المحقق ابلغه، فقط لحسن المصادفة، الا يكون في المرة المقبلة أول من يتوقف عن التصفيق.
الواقع ان التأييد المطلق عملية صعبة الى حد ما، حتى عندما يكون الزعيم محبوباً الى الدرجة التي احب بها الروس يوسف ستالين وبجّلوه وقدروا انجازاته البشرية، واولها انه اراحهم عندما «اعاد خلقهم من جديد» وجعلهم واحداً. فالامة هي ستالين وستالين هو الامة واي فرد خارج الجماعة، او الفرد، (اي الفرد الاوحد) فأمره للشرطة.
هناك ولاء مطلق لرجل مطلق. اي شريك آخر هو كائن ملغي. وعلى الموالي ان يخاف مثل المعارض. فالمصير لا يوفر احداً. وقد كان المكتب السياسي الاول للحزب الشيوعي السوفياتي يضم، إلى جانب لينين وستالين، ستة رجال آخرين: تروتسكي، كامينيف، زينوفييف، بوخارين، ريكوف وطومسكي. وقد ارسل ستالين من يقتل تروتسكي في المكسيك. وامر برمي كامينيف وزينوفييف وبوخارين وريكوف بالرصاص. وانتحر طومسكي قبل اعتقاله. وكما حدث في الثورة الفرنسية سقط جميع القادة من دون استثناء لكي يبقى الاخير حاكماً. في صورة مطلقة.
حتى القضاء كان يجب ان يكون مطلقاً، لذلك كان المدعي العام يبدأ مطالعته مادحاً محامي الدفاع: «لا شك ان الزميل العزيز، كواحد من ابناء الاتحاد السوفياتي العظيم، يوافقني قبل الدخول في المحاكمة على ان هؤلاء الخونة قد ارتكبوا جرائم كبرى في حق الوطن الام»، وكان بالطبع يوافق. والمتهم الذي كان ينفي ما نسب اليه، كان يعود في الجلسة التالية «ويقر بما ارتكب». وكانت الاحكام دائماً الرمي بالرصاص. ومَن كان يعطى حكماً مخففاً في العلن، كان يحصل على رصاصته في باحة السجن. لا مكان للخطأ. يجب ان يكون كل شيء مطلقاً ومكتملاً. لا فواصل. لا فوارق في الحساب
لذلك ارتكب أصحاب الديموقراطيات الغربية خطأ كبيراً عندما قبلوا بالمسألة النسبية. اي حرية المواطن في أن يقترع كما يشاء، وليس وفق إرادة الأمة. وهكذا خرج من الحياة السياسية رجال مثل تشرشل وديغول والمسز تاتشر، بسبب مقترعين خونة. وعندما نقول: «رجال مثل المسز تاتشر» فليس في الأمر هفوة او خطأ مطبعي، فأن الأمر كذلك، ولو ليس مائة في المائة.