محمد صادق
11-03-07, 01:06 AM
القدوة وأثرها في المربين
القدوة الحسنة هي من أفعل الوسائل وأقربها للنجاح وأكثرها فاعلية في حياة المربين ... وتظل كلمات المربين مجرد كلمات ويظل المنهج مجرد حبرا علي ورق .. ويظل معلقا في الفضاء .. ما لم يتحول إلي حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض .. وما لم يترجم إلي تصرفات وسلوك ومعايير ثابتة ، عندئذ يتحول هذا المنهج إلي حقيقة واقعة ، وتتحول هذه الكلمات إلي سلوك وأخلاق عندئذ فقط تؤتي الكلمات ثمارها في حياة المربين .
ولقد علم الله سبحانه – وهو يضع ذلك المنهج العلوي المعجز – أنه لابد من قلب انسان يحمل هذا المنهج ويحوله إلي حقيقة ، لكي يعرف الناس أنه حق .. ثم يتبعوه
لابد إذن من قدوة ..
إن القدوة الصالحة عنصر رئيس ذو أهمية بالغة في البناء والتربية .. كما أنها ليست وحدها الكفيلة في بناء الأشخاص وتربيتهم فهناك جوانب أخري يجب مراعتها في العملية التربوية إلا أن هذه الجوانب الأخرى لا تؤتى ثمارها أيضا بغير القدوة الصالحة ، بل قد تأتي بثمار عكسية إذا وجدت القدوة السيئة . فالقدوات التي يغلب عليها الجانب النظري أو الفكري ويضعف عندها الجانب العملي والروحي والدعوي هي فتنة للمتعلمين والمتربين .. ولهذه الشخصيات تأثيرها السلبي على المسيرة التربوية ، حيث يصبح مألوفا أن نقرأ ونتعلم ثم نتكلم أو نكتب ، ولا يهم بعد ذلك أن تكون أرواحنا وقلوبنا وأعمالنا وبذلنا على نفس الدرجة التي يوحي بها كلامنا أو شهرتنا .
ومثل هذه الشخصيات لا تؤثر مواعظها في القلوب كما قال مالك بن دينار رحمه الله ( إن العالم إذا لم يعمل بعمله زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا ). وعن عبدالله بن المبارك قال : قيل لحمدون بن أحمد : ما بال السلف أنفع من كلامنا ؟ قال : لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق .
ودعوة الإسلام لم تعرف في تاريخها المشرق وظيفة العالم أو المفكر الذي لا علاقة له بمتاعب العمل والبذل والعطاء .. فالذي يحرك الأمة في الحقيقة هم الدعاة والمربين الذين يفعلون ما يقولون
إن هؤلاء القادة المربين البارزين في علمهم وفكرهم مع قلة عبادتهم وبذلهم وتضحياتهم وضعف سلوكهم لا يمكن أن تنمو في ظلهم دعوة قوية تغير الأمة ، بل هم بهذه التركيبة الخطيرة يقتلون فيمن حولهم كثيرا من المعاني السامية الجميلة من صفاء القلوب وقوتها وصدق المحبة والأخوة وحسن العبادة والإقبال عليها ، والاستقامة والورع ، والبذل والعطاء والتضحية والحياة للدعوة .. نعم يقتلون كل هذه المعاني حين يراهم هؤلاء وهم القادة المربون المشار إلى علومهم وأفكارهم .
إن القدوة الصالحة من أعظم المعينات على بناء العادات والأخلاق والسلوكيات الطيبة لدى المتربى حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات ، والإسلام لا يعتبر التحول الحقيقي قد تم سواء من قبل المربِي أو المتربى حتى يتحول إلي عمل ملموس في واقع الحياة .
ولقد كان - صلى الله عليه وسلم – قدوة للناس في واقع الأرض .. يرونه – وهو بشر منهم – تتمثل فيه هذه الصفات والطاقات كلها فيصدقون هذه المبادئ الحية لأنهم يرونها رأي العين ولا يقرأونها في كتاب ! يرونها في بشر فتتحرك لها نفوسهم وتهفو لها مشاعرهم ويحاولون أن ينهلوا منها .. كل بقدر ما يطيق أن ينهل وكل بقدر ما يحتمل كيانه الصعود . لا ييأسون ولا ينصرفون ولا يدعونه حلما مترفاً لذيذاً يطوف بالأفهام .. لأنهم يرونه واقعاً يتحرك في واقع الأرض كما يرونه سلوكا عمليا لا أمانى في الخيال .
لقد كان صلى الله عليه وسلم أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل . وكان مربيا وهاديا بسلوكه الشخصي قبل أن يكون بكلامه فعن طريقه – صلى الله عليه وسلم – أنشأ الله هذه الأمة التي يقول فيها سبحانه " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " سورة آل عمران 110
لقد بعثه الله قدوة للعالمين .. وهو أعلم حيث يجعل رسالته . وأعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير وقد جعله الله القدوة الرئدة للبشرية يتربون علي هديه ويرون في شخصه الكريم الترجمة الحية للقرآن ، فيؤمنون بهذا الدين علي واقع تراه أبصارهم محققا في واقع الحياة .
لقد كان – صلى الله عليه وسلم – قدوة جعلها الله متجددة علي مر الأجيال والله سبحانه لا يعرض علينا هذه القدوة للإعجاب السلبي والتأمل التجريدي في سبحات الخيال إنه يعرضها علينا لنحققها في ذوات أنفسنا وذوات من نقوم علي تربيتهم ، ومن ثم تظل حيويتها دافقة شاخصة ولا تتحول إلي خيال مجدد تهيم في حبة الأرواح دون تأثر واقعي ملموس ولا اقتداء .
والإسلام يرى أن القدوة معلم أساسي وقاعدة أساسية للتربية ابتداءً من مرحلة الطفولة إلي أن يحملوا أمانة هذا الدين .
فلابد اذن للمجتمع من قدوة في مربيهم وقادتهم تتحقق فيهم المبادئ وينسج علي منواله المربين .
نعم على المربي أن يحقق في نفسه ما يريد أن يحققه في الآخرين ، فيتعهد نفسه بالرعاية ويمتاز بالشفافية ، ويتحرى الصدق في المواقف ، والإخلاص في النية ، ومالم يستمد قادة الدعوة ومربيها نورهم من مشكاة النبوة وأخلاقهم من أخلاق النبوة ، ويصبحوا كالصحابة نجوما يهتدي بهم في ظلمات هذه الأيام فإن دعوتهم ستبقى ناقصة .
هذا المعلم أو هذا الأساس - القدوة – الذي هو من أهم أسس التربية والذي لن يفيدنا كثيرا إلا بعد أن نراه مطبقا بالفعل ويفيدنا أكثر أن نراه مطبقا في أعلى صوره لأن ذلك سوف يعطينا فكرة عملية عن المدى الذي يمكن أن يبلغ إليه هذا العنصر لنقيس به جهدنا إليه في كل مرة ونحاول المزيد .
وجانب القدوة المتمثل في شخصه – صلي الله عليه وسلم – لن يتكرر في أي جيل آخر لكن لدينا سيرة مفصلة لحياته - صلي الله عليه وسلم - كأنه حى بين ظهرانينا . ولئن أثر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بشخصه في بناء هذا الجيل الفذ الفريد فإن سيرته التي بين أيدينا تفرض علينا أن نكون كالجيل الأول وهذا الذي حدث لجيل التابعين فهو لم يشهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – وإنما سمع سيرته كما نقرؤها أو نسمعها نحن.
يقول الشاطبي ( إذا وقع القول بيانا فالفعل شاهد له ومصدق ) الموافقات 3/ 317
صدق والله فكم من دعاة ومربين أشعلوا حماسا وأحيوا فينا حب العمل والمثابرة والجد و الصبر ثم ما لبثوا أن سقطوا من أعيننا ومن أعين أتباعهم في لحظات بسبب كلمة أو تصرف لم يكن متناسبا مع مكانتهم كقدوات للآخرين وما الذي جعل أحمد بن حنبل إماما للسنة إلا بصبره في المحنة وإحيائه عقيدة السلف .
فها هو أبو جعفر الأنباري صاحب الإمام أحمد عندما أخبر بحمل الإمام أحمد للمأمون في الأيام الأولى للفتنة ( فعبر الفرات فإذا هو جالس في الخان ، فسلم عليه وقال : يا هذا ، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك ، فوالله لئن أجبت إلي خلق القرآن ليجيبنك بإجابتك خلق من خلق الله وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير ، ومع هذا فإن الرجل - يعني المأمون – إن لم يقتلك فأنت تموت ، ولابد من الموت فاتق الله ولا تجبهم إلي شيء . فجعل أحمد يبكي ويقول : ما قلت فأعاد عليه فجعل يقول : ما شاء الله ، ما شاء الله ) مناقب الإمام أحمد 314 .
وتمر الأيام عصيبة على الإمام أحمد ، ويمتحن فيها أشد الامتحان ولم ينس نصيحة الأنباري فها هو المروزي أحد أصحابه يدخل عليه أيام المحنة ويقول له ( يا أستاذ قال الله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " فقال أحمد : يا مروزي اخرج ، انظر أي شيء ترى . قال فخرجت إلي رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعهم فقال لهم المروزي : أي شيء تعملون ؟ فقالوا : ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، قال المروزي : مكانكم
فدخل إلي أحمد بن حنبل فقال له : رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه فقال : يا مروزي أضل هؤلاء كلهم ! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء ) مناقب الإمام أحمد 330
ونذكر هنا بعضا من أبرز الجوانب لتفعيل القدوة في حياة المتربى وجعله من المستويات الجيدة الفعالة في الدعوة إلي الله .
1- الإيمان بالفكرة :
إن ايمان المربي بالفكرة التي يتحرك من خلالها ويؤمن بها لهي من أهم الأسباب لاستقرار المتربى وسيره قدما في طريق الدعوة فلا يمكن بحال أن تثمر العملية التربوية إذا كانت من أشخاص لديهم غبش أو تزعزع في الفكرة التي يحملونها أو عدم وضوح في صحة الطريق الذي يسلكونه ونحن هنا لا نتكلم عن صحة الفكرة أو صواب الطريق نحن نتكلم عن الأصوب سواء فيم يتعلق بالفكرة التي يحملها المربي أو فيما يتعلق بصحة الطريق الذي يسلكه .
فمن يسير في طريق يصل من خلاله لرضا ربه وتعبيد الناس لرب العالمين ينبغي أن تكون رؤية هذا الطريق واضحة تماما معالمها وأساليبها وأهدافها ، ومن ثم فعلي من يرى في نفسه أهلية لممارسة عملية البناء التربوي لدى اخوانه أن يسعى حثيثا لفهم ووضوح الفكرة التي ينطلق من خلالها .
والايمان بالفكرة التي يحملها المربي والفهم الجيد لصحة الطريق الذي يسلكه لا تتكون في نفس المتربى حتى يكون هو أو من يؤمن بما يقول ، ثم يترجم هذا إلي عمل .. ومن ذلك يقول سيد قطب رحمه الله : آمن أنت أولا بفكرتك ، آمن بها إلي حد الاعتقاد الجاد ! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون
وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة ! لا حياة لفكرة لم تتقمص روح انسان ، ولم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة بشر
2- تعلم العلم :
إذا كان العلم ضروريا لكل مسلم ، فالداعية القدوة هو أكثر الناس حاجة لتعلم العلم ، قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - : ( تعلموا قبل أن تسودوا ) فتح الباري 1/165
فالسيادة في الدعوة تحتاج إلي علم يتأكد فيه القدوة من صحة خطواته ، ويصحح فيه خطوات الآخرين .
إن المربي ينبغي أن تكون فيه صفات معينة تؤهله لهذه المهمة الخطيرة ، فينبغي أن يشعر الشخص الذي يتلقى التربية أن مربيه أعلى منه وأنه منه – بالطبيعة – في موقف الآخذ المتلقي ، لا في موقف الند ولا في موقف أعلى من موقف المربي .
هذه حقيقة نفسية تعمل عملها تلقائيا في النفوس ! فأنت لكي تتلقى لابد أن تقتنع أنك في موقف المتلقي ، وإلا فلو أحسست أنك في الموقف الأعلى أو المساوي فما الذي يدفعك أن تتلقى من شخص بعينه من الناس والعلو أمر شامل يشمل مسائل كثيرة فقد يكون علوا روحيا ، أخلاقيا أو يكون تفوقا علميا وهو المعني هنا ، فعلى المربين أن يهتموا ببناء أنفسهم بناءً علميا رصينا قويا حتى لا يقف المربي عند حد معين ومن ثم تقف الدعوة ككل وتعجز عن أن تعطي أفضل ما لديها أو تهتم بتنمية المواهب والقدرات الفذة لأن ما عندها أصبح لا يكفي للكبار فتدور الدعوة في حلقة مفرغة حول موضوعات لا يخرجون منها لأن قادتها ومربيها ليس لديهم ما يؤهلهم بالنهوض بالدعوة والتقدم بها قدما ومن ثم فعلى أي حركة تريد أن يكتب لها النجاح أن تكون من خطتها تربية كوادر علمية تتسم بالفهم والعمق وإلا فالفشل والسير في المحل والواقع يحدثنا عن دعوات مر عليها سنين إلا أن أجيالها تتآكل وصفوفها تتساقط لأن ليس لدى قادتها ومربيها ما يؤهلهم للسير قدما في طريق الدعوة ويبدأ هؤلاء القادة والمربين في تربية جيل جديد هم على قناعة أنهم لن يستطيعوا أن يصلوا بهم إلي مرحلة البناء الكامل للنهوض بهذه الأمة .
إن تربية الكبار هي من أشق وأدق الأشياء في العملية التربوية فجيل الكبار الذي أصبح على درجة من الوعي والثقافة والعلم في حاجة إلي قيادة وزعامة يحس الكبار أمامها أنهم أصغر من قادتهم ومربيهم وأنهم في موقف التلقي منهم لا في موقف الند ولا في موقف التوجيه .
وليس يكفي أن تكون شخصية المربي أكبر من شخصية المتلقي - وهي البديهية الأولى في التربية-
إنما أن تكون عنده حصيلة علمية بمفهومها الشامل يعطيها للآخرين من خلال علمه الذي ثابر على تحصيله ومن خلال تجربته الواقعية ومن خلال حركته بهذا الدين .
القدوة الحسنة هي من أفعل الوسائل وأقربها للنجاح وأكثرها فاعلية في حياة المربين ... وتظل كلمات المربين مجرد كلمات ويظل المنهج مجرد حبرا علي ورق .. ويظل معلقا في الفضاء .. ما لم يتحول إلي حقيقة واقعة تتحرك في واقع الأرض .. وما لم يترجم إلي تصرفات وسلوك ومعايير ثابتة ، عندئذ يتحول هذا المنهج إلي حقيقة واقعة ، وتتحول هذه الكلمات إلي سلوك وأخلاق عندئذ فقط تؤتي الكلمات ثمارها في حياة المربين .
ولقد علم الله سبحانه – وهو يضع ذلك المنهج العلوي المعجز – أنه لابد من قلب انسان يحمل هذا المنهج ويحوله إلي حقيقة ، لكي يعرف الناس أنه حق .. ثم يتبعوه
لابد إذن من قدوة ..
إن القدوة الصالحة عنصر رئيس ذو أهمية بالغة في البناء والتربية .. كما أنها ليست وحدها الكفيلة في بناء الأشخاص وتربيتهم فهناك جوانب أخري يجب مراعتها في العملية التربوية إلا أن هذه الجوانب الأخرى لا تؤتى ثمارها أيضا بغير القدوة الصالحة ، بل قد تأتي بثمار عكسية إذا وجدت القدوة السيئة . فالقدوات التي يغلب عليها الجانب النظري أو الفكري ويضعف عندها الجانب العملي والروحي والدعوي هي فتنة للمتعلمين والمتربين .. ولهذه الشخصيات تأثيرها السلبي على المسيرة التربوية ، حيث يصبح مألوفا أن نقرأ ونتعلم ثم نتكلم أو نكتب ، ولا يهم بعد ذلك أن تكون أرواحنا وقلوبنا وأعمالنا وبذلنا على نفس الدرجة التي يوحي بها كلامنا أو شهرتنا .
ومثل هذه الشخصيات لا تؤثر مواعظها في القلوب كما قال مالك بن دينار رحمه الله ( إن العالم إذا لم يعمل بعمله زلت موعظته عن القلوب كما تزل القطرة عن الصفا ). وعن عبدالله بن المبارك قال : قيل لحمدون بن أحمد : ما بال السلف أنفع من كلامنا ؟ قال : لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن ، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق .
ودعوة الإسلام لم تعرف في تاريخها المشرق وظيفة العالم أو المفكر الذي لا علاقة له بمتاعب العمل والبذل والعطاء .. فالذي يحرك الأمة في الحقيقة هم الدعاة والمربين الذين يفعلون ما يقولون
إن هؤلاء القادة المربين البارزين في علمهم وفكرهم مع قلة عبادتهم وبذلهم وتضحياتهم وضعف سلوكهم لا يمكن أن تنمو في ظلهم دعوة قوية تغير الأمة ، بل هم بهذه التركيبة الخطيرة يقتلون فيمن حولهم كثيرا من المعاني السامية الجميلة من صفاء القلوب وقوتها وصدق المحبة والأخوة وحسن العبادة والإقبال عليها ، والاستقامة والورع ، والبذل والعطاء والتضحية والحياة للدعوة .. نعم يقتلون كل هذه المعاني حين يراهم هؤلاء وهم القادة المربون المشار إلى علومهم وأفكارهم .
إن القدوة الصالحة من أعظم المعينات على بناء العادات والأخلاق والسلوكيات الطيبة لدى المتربى حتى إنها لتيسر معظم الجهد في كثير من الحالات ، والإسلام لا يعتبر التحول الحقيقي قد تم سواء من قبل المربِي أو المتربى حتى يتحول إلي عمل ملموس في واقع الحياة .
ولقد كان - صلى الله عليه وسلم – قدوة للناس في واقع الأرض .. يرونه – وهو بشر منهم – تتمثل فيه هذه الصفات والطاقات كلها فيصدقون هذه المبادئ الحية لأنهم يرونها رأي العين ولا يقرأونها في كتاب ! يرونها في بشر فتتحرك لها نفوسهم وتهفو لها مشاعرهم ويحاولون أن ينهلوا منها .. كل بقدر ما يطيق أن ينهل وكل بقدر ما يحتمل كيانه الصعود . لا ييأسون ولا ينصرفون ولا يدعونه حلما مترفاً لذيذاً يطوف بالأفهام .. لأنهم يرونه واقعاً يتحرك في واقع الأرض كما يرونه سلوكا عمليا لا أمانى في الخيال .
لقد كان صلى الله عليه وسلم أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل . وكان مربيا وهاديا بسلوكه الشخصي قبل أن يكون بكلامه فعن طريقه – صلى الله عليه وسلم – أنشأ الله هذه الأمة التي يقول فيها سبحانه " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " سورة آل عمران 110
لقد بعثه الله قدوة للعالمين .. وهو أعلم حيث يجعل رسالته . وأعلم بمن خلق وهو اللطيف الخبير وقد جعله الله القدوة الرئدة للبشرية يتربون علي هديه ويرون في شخصه الكريم الترجمة الحية للقرآن ، فيؤمنون بهذا الدين علي واقع تراه أبصارهم محققا في واقع الحياة .
لقد كان – صلى الله عليه وسلم – قدوة جعلها الله متجددة علي مر الأجيال والله سبحانه لا يعرض علينا هذه القدوة للإعجاب السلبي والتأمل التجريدي في سبحات الخيال إنه يعرضها علينا لنحققها في ذوات أنفسنا وذوات من نقوم علي تربيتهم ، ومن ثم تظل حيويتها دافقة شاخصة ولا تتحول إلي خيال مجدد تهيم في حبة الأرواح دون تأثر واقعي ملموس ولا اقتداء .
والإسلام يرى أن القدوة معلم أساسي وقاعدة أساسية للتربية ابتداءً من مرحلة الطفولة إلي أن يحملوا أمانة هذا الدين .
فلابد اذن للمجتمع من قدوة في مربيهم وقادتهم تتحقق فيهم المبادئ وينسج علي منواله المربين .
نعم على المربي أن يحقق في نفسه ما يريد أن يحققه في الآخرين ، فيتعهد نفسه بالرعاية ويمتاز بالشفافية ، ويتحرى الصدق في المواقف ، والإخلاص في النية ، ومالم يستمد قادة الدعوة ومربيها نورهم من مشكاة النبوة وأخلاقهم من أخلاق النبوة ، ويصبحوا كالصحابة نجوما يهتدي بهم في ظلمات هذه الأيام فإن دعوتهم ستبقى ناقصة .
هذا المعلم أو هذا الأساس - القدوة – الذي هو من أهم أسس التربية والذي لن يفيدنا كثيرا إلا بعد أن نراه مطبقا بالفعل ويفيدنا أكثر أن نراه مطبقا في أعلى صوره لأن ذلك سوف يعطينا فكرة عملية عن المدى الذي يمكن أن يبلغ إليه هذا العنصر لنقيس به جهدنا إليه في كل مرة ونحاول المزيد .
وجانب القدوة المتمثل في شخصه – صلي الله عليه وسلم – لن يتكرر في أي جيل آخر لكن لدينا سيرة مفصلة لحياته - صلي الله عليه وسلم - كأنه حى بين ظهرانينا . ولئن أثر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بشخصه في بناء هذا الجيل الفذ الفريد فإن سيرته التي بين أيدينا تفرض علينا أن نكون كالجيل الأول وهذا الذي حدث لجيل التابعين فهو لم يشهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – وإنما سمع سيرته كما نقرؤها أو نسمعها نحن.
يقول الشاطبي ( إذا وقع القول بيانا فالفعل شاهد له ومصدق ) الموافقات 3/ 317
صدق والله فكم من دعاة ومربين أشعلوا حماسا وأحيوا فينا حب العمل والمثابرة والجد و الصبر ثم ما لبثوا أن سقطوا من أعيننا ومن أعين أتباعهم في لحظات بسبب كلمة أو تصرف لم يكن متناسبا مع مكانتهم كقدوات للآخرين وما الذي جعل أحمد بن حنبل إماما للسنة إلا بصبره في المحنة وإحيائه عقيدة السلف .
فها هو أبو جعفر الأنباري صاحب الإمام أحمد عندما أخبر بحمل الإمام أحمد للمأمون في الأيام الأولى للفتنة ( فعبر الفرات فإذا هو جالس في الخان ، فسلم عليه وقال : يا هذا ، أنت اليوم رأس والناس يقتدون بك ، فوالله لئن أجبت إلي خلق القرآن ليجيبنك بإجابتك خلق من خلق الله وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير ، ومع هذا فإن الرجل - يعني المأمون – إن لم يقتلك فأنت تموت ، ولابد من الموت فاتق الله ولا تجبهم إلي شيء . فجعل أحمد يبكي ويقول : ما قلت فأعاد عليه فجعل يقول : ما شاء الله ، ما شاء الله ) مناقب الإمام أحمد 314 .
وتمر الأيام عصيبة على الإمام أحمد ، ويمتحن فيها أشد الامتحان ولم ينس نصيحة الأنباري فها هو المروزي أحد أصحابه يدخل عليه أيام المحنة ويقول له ( يا أستاذ قال الله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم " فقال أحمد : يا مروزي اخرج ، انظر أي شيء ترى . قال فخرجت إلي رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعهم فقال لهم المروزي : أي شيء تعملون ؟ فقالوا : ننظر ما يقول أحمد فنكتبه، قال المروزي : مكانكم
فدخل إلي أحمد بن حنبل فقال له : رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبونه فقال : يا مروزي أضل هؤلاء كلهم ! أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء ) مناقب الإمام أحمد 330
ونذكر هنا بعضا من أبرز الجوانب لتفعيل القدوة في حياة المتربى وجعله من المستويات الجيدة الفعالة في الدعوة إلي الله .
1- الإيمان بالفكرة :
إن ايمان المربي بالفكرة التي يتحرك من خلالها ويؤمن بها لهي من أهم الأسباب لاستقرار المتربى وسيره قدما في طريق الدعوة فلا يمكن بحال أن تثمر العملية التربوية إذا كانت من أشخاص لديهم غبش أو تزعزع في الفكرة التي يحملونها أو عدم وضوح في صحة الطريق الذي يسلكونه ونحن هنا لا نتكلم عن صحة الفكرة أو صواب الطريق نحن نتكلم عن الأصوب سواء فيم يتعلق بالفكرة التي يحملها المربي أو فيما يتعلق بصحة الطريق الذي يسلكه .
فمن يسير في طريق يصل من خلاله لرضا ربه وتعبيد الناس لرب العالمين ينبغي أن تكون رؤية هذا الطريق واضحة تماما معالمها وأساليبها وأهدافها ، ومن ثم فعلي من يرى في نفسه أهلية لممارسة عملية البناء التربوي لدى اخوانه أن يسعى حثيثا لفهم ووضوح الفكرة التي ينطلق من خلالها .
والايمان بالفكرة التي يحملها المربي والفهم الجيد لصحة الطريق الذي يسلكه لا تتكون في نفس المتربى حتى يكون هو أو من يؤمن بما يقول ، ثم يترجم هذا إلي عمل .. ومن ذلك يقول سيد قطب رحمه الله : آمن أنت أولا بفكرتك ، آمن بها إلي حد الاعتقاد الجاد ! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون
وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة ! لا حياة لفكرة لم تتقمص روح انسان ، ولم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة بشر
2- تعلم العلم :
إذا كان العلم ضروريا لكل مسلم ، فالداعية القدوة هو أكثر الناس حاجة لتعلم العلم ، قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه - : ( تعلموا قبل أن تسودوا ) فتح الباري 1/165
فالسيادة في الدعوة تحتاج إلي علم يتأكد فيه القدوة من صحة خطواته ، ويصحح فيه خطوات الآخرين .
إن المربي ينبغي أن تكون فيه صفات معينة تؤهله لهذه المهمة الخطيرة ، فينبغي أن يشعر الشخص الذي يتلقى التربية أن مربيه أعلى منه وأنه منه – بالطبيعة – في موقف الآخذ المتلقي ، لا في موقف الند ولا في موقف أعلى من موقف المربي .
هذه حقيقة نفسية تعمل عملها تلقائيا في النفوس ! فأنت لكي تتلقى لابد أن تقتنع أنك في موقف المتلقي ، وإلا فلو أحسست أنك في الموقف الأعلى أو المساوي فما الذي يدفعك أن تتلقى من شخص بعينه من الناس والعلو أمر شامل يشمل مسائل كثيرة فقد يكون علوا روحيا ، أخلاقيا أو يكون تفوقا علميا وهو المعني هنا ، فعلى المربين أن يهتموا ببناء أنفسهم بناءً علميا رصينا قويا حتى لا يقف المربي عند حد معين ومن ثم تقف الدعوة ككل وتعجز عن أن تعطي أفضل ما لديها أو تهتم بتنمية المواهب والقدرات الفذة لأن ما عندها أصبح لا يكفي للكبار فتدور الدعوة في حلقة مفرغة حول موضوعات لا يخرجون منها لأن قادتها ومربيها ليس لديهم ما يؤهلهم بالنهوض بالدعوة والتقدم بها قدما ومن ثم فعلى أي حركة تريد أن يكتب لها النجاح أن تكون من خطتها تربية كوادر علمية تتسم بالفهم والعمق وإلا فالفشل والسير في المحل والواقع يحدثنا عن دعوات مر عليها سنين إلا أن أجيالها تتآكل وصفوفها تتساقط لأن ليس لدى قادتها ومربيها ما يؤهلهم للسير قدما في طريق الدعوة ويبدأ هؤلاء القادة والمربين في تربية جيل جديد هم على قناعة أنهم لن يستطيعوا أن يصلوا بهم إلي مرحلة البناء الكامل للنهوض بهذه الأمة .
إن تربية الكبار هي من أشق وأدق الأشياء في العملية التربوية فجيل الكبار الذي أصبح على درجة من الوعي والثقافة والعلم في حاجة إلي قيادة وزعامة يحس الكبار أمامها أنهم أصغر من قادتهم ومربيهم وأنهم في موقف التلقي منهم لا في موقف الند ولا في موقف التوجيه .
وليس يكفي أن تكون شخصية المربي أكبر من شخصية المتلقي - وهي البديهية الأولى في التربية-
إنما أن تكون عنده حصيلة علمية بمفهومها الشامل يعطيها للآخرين من خلال علمه الذي ثابر على تحصيله ومن خلال تجربته الواقعية ومن خلال حركته بهذا الدين .