الدكتور البدوي
11-02-07, 11:19 PM
اهتماماته و أعماله
إن تعددية اهتمامات دافنشي العلمية والفنية، جعلت عبقريته الفذة تتصف بالتكامل الإبداعي، وأدت في الوقت نفسه إلى توزع قدراته واهتماماته وتجلت في تركه إرثاً فنياً ضخماً من الرسوم والتخطيطات والجداريات والنصب المنحوتة واللوحات التاريخية والدينية غير المنتهية. فقد كان دا فنشي يبدأ العمل في عمل فني ما ويتوقف عن إنجازه النهائي لانشغاله بأبحاثه العلمية أو النظرية أو اختباراته التطبيعية في علم الميكانيكا والجيولوجيا وعلم النبات والطير..... وكان ليوناردو دافنشي هو الذي أبدع أول نظرية تقليدية عن نقل المياه في النباتات عندما قال إن القطاع العرضي للجذع لابد أن يساوي مجموع القطاعات العرضية للأفرع. ويعرف عن دافنشي أيضا أنه طرق باب العلوم الفيزيقية.
ففي المجال الفني فشأنه يختلف عن العلوم ، ذلك أنه ابتدع العديد من الأعمال في النحت وهندسة البناء ، وترك لنا ما يقارب أربعة آلاف رسم تمثل مجموعة على الآجر ، وقد اشتهرت أعماله الهندسية والفنية في إيطاليا وفرنسا.
وبالنسبة لـــ الموسيقــى, فقد اشتهر ليوناردو بعزفه علي القيثارة, التي ارتبطت بأبوللو وأورفينوس في الأساطير الإغريقية, وبالنبي داود عليه السلام في الكتاب المقدس.
أما في مجال الرسم والتصوير بوجه خاص فهنالك الحصيلة الكبرى المتميزة و تكاد ابتكاراته وتطلعاته وأفكاره لا تعد ولا تحصي ، والروائع التي أنجزها جاءت دقيقة متقنة ، والمؤثرات فيها ذات تفنن بليغ ، عميق ، بحيث أنه يستحيل على أصحاب المدارس الحديثة فهم اتجاهاتها ومراميها البعيدة ، حتى لو جردت من المنظور الشامل لعصر النهضة ، لقد تمكن "فازاري" من توضيح هذا الجانب من عبقرية ليوناردو ، إذ أكد أن صاحبنا بما كان يحمل من مواضيع ، وأساليب في التركيب ، قد تجاوز حدود التقليد ، وتخطي المدارس الإيطالية في عصره إلى حد بعيد ,وقد وضع في مذكراته وفي كتابه "كتاب التصوير" مجمل آرائه ونظرياته حول تأثير الطبيعة على فن التصوير وعلاقة الضوء والظل.
وكتب ليوناردو في هذا الصدد: "يجب أن ترسم المناظر الطبيعية بحيث تكون الأشجار مضاءة إلى النصف ومظللة إلى النصف. ولكن من الأفضل رسمها عندما تغطي السحب الشمس، لأن الأشجار تكون مضاءة بنور السماء الشامل وظل الأرض الشامل. وكلما كان جزء من أجزائها أقرب من وسط الشجرة، كان هذا الجزء داكناً".
ويرى دا فنشي أن مهمة الرسام الأساسية تصوير السطح المستوي بحيث يجعل الجسم بارزاً ومختلفاً عن السطح، بمقدرته على توزيع الضوء والظل من الفاتح والقاتم
أما في تخطيطاته التشريحية فإن من الصعب أن تجد الحدود الفاصلة بين بحوثه الفنية ومسيرته العلمية فيها. لقد كان ليوناردو يعتقد بأن الفنان الجيد يجب أن يكون ملما بكل شيء، ولهذا نراه يخطط في كل مكان وكل شيء وفي كل الأوقات، حتى أصبح التخطيط لديه حاجة ضرورية كالأكل والشرب. وهو ينصح الفنانين الشباب قائلا:
مرئياته
"بعد ما تدرس المنظور بشكل علمي وعميق، وتعرف بواسطته الموقع الصحيح لكل المرئيات، حينئذ أحمل معك دفترا للتخطيطات السريعة لكي تسجل انطباعاتك عن الناس والطبيعة، وأنت تقضي أوقاتك خارج البيت، فلاحظ الناس والمحيط، وخططهم وهم في حالة التحدث والجدال والضحك وحتى العراك، فالصور الفنية التي تشاهدها تتجمع لديك بالتدريج، بحيث تعجز ذاكرة أي فنان عن جمعها بدون الطريقة المذكورة، فيصبح لديك بعد فترة أرشيفا غنياً يكون لك خير مساعد وأستاذ ".
لقد اهتم ليوناردو بـــ الحصان اهتماماً كبيراً ومميزًا عن غيره من فناني عصر النهضة، لما لهذا الحيوان الجميل من دور تأريخي وأثر عميق في حياة عصر النهضة، ولقد كتب العديد من الشروحات والتعليقات حول تشريح الحصان ومكانة هذا الحيوان النبيل على انه جهاز عضوي حي، يحوى ما وراء جلده عوالم مجهولة ومتعددة. وقد رسم عشرات التخطيطات للشكل الخارجي لهذا الحيوان ومن جوانب متعددة، وخاصة الأرداف والصدر، والأقدام الأمامية والخلفية، كما رصد حركات هذا الجسم بإيقاعات الخطوط المتكررة الدقيقة، لتمثل القراءة الأولى للعين البشرية، بمخيلتها وصلابتها وتوازنها وتناسبها، محكومة بمهارات مقتدرة سعى الفنان لتقديم فكرته عن كيفية توازن هذا الحيوان، وخلق التفتح في معرفته والتسيد عليه، ومثلت هذه المجموعة من التخطيطات الدراسات الأولى الأولية للوحته التي أنجزها فيما بعد عن معركة (دانجاري) الشهيرة التي وقعت ما بين الفلورنسيين والميلانيين.
أما القسم الثاني من تخطيطاته عن الحصان فقد ارتبط مباشرة بالنسيج الداخلي للعضلات ذات الخطوط المستقيمة والمنحنية والمتركبة الواحدة على الأخرى بصناعة فنية تتيح تحليل الشكل الحقيقي لتركيب كتلة الجسم تحليلا يحوى على مزيدا من الفهم في تبلور الفراغات والامتلاءات المسطحة والمعقدة الأجزاء والمغلقة على نفسها داخل حدود الجسم، حيث يمثل الجلد بالنسبة له الحاجز ما بينها وبين الرؤية الإنسانية.
لقد عالج ليوناردو هذه النواحي التشريحية لعضلات هذا الحيوان وكأنها مشكلة تقتضي حلا يؤدى إلى معرفة جديدة تدعم العمل الفني وترسى له تقاليد حرفية مهنية تساعد الرؤية الحية الخاصة بالعين والعقل لذلك الشكل الحقيقي لهذا الحيوان تحليلا يحوى مزيدا من الفهم العلمي. وكان يحلم من خلال دراساته هذه بإنجاز تمثال ضخم للحصان ينصب وسط مدينة ميلانو، وقد عمل في هذا المشروع سنوات طويلة يقال أنها امتدت إلى أكثر من 15 سنة، على ضوء طلب من دوق ميلانو (لودفيكو سفورتسا) الذي يطلق عليه لقب (الأسمر) إلا انه لم يتمكن من إنهاء التمثال لانشغاله في تحصينات المدينة ضد أعدائها واختراعاته المستمرة للآلات الحربية الجديدة كالمدافع وقنابل البارود، وعوداته المستمرة إلى إمارة فلورنسا لتنفيذ العديد من الخدمات العلمية والفنية لعائلة( آل مديشى ) الحاكمة التي اشتهرت برعايتها للفنون، وقد حاول تغطيته بمادة البرونز، إلا انه لم يستطع إتمام هذه العملية المعقدة بسبب الحصار الذي فرضته القوات الفرنسية الغازية على المدينة، مهددة بالدخول بين لحظة وأخرى. وتذكر المصادر التاريخية، بان التمثال الطيني كان من الروعة التي جعلت الغزاة الفرنسيون الذين دخلوا ميلانو للاستيلاء عليها بعد أن دحروا جيشها في العاشر من (سبتمبر) من عام 1499 أن يصبوا نار حقدهم على التمثال الطيني الفخم ليدمروه لعدم تعاون ليوناردو معهم. وكان ليوناردو قد وضعه في الساحة الكبيرة التي تقابل قلعة الدوق( لودفيكو سفورتسا ) التي لا تزال قائمة حاليا وسط ميلانو.
وإن إلقاء نظرة على تخطيطات ليوناردو، تمنحنا استنتاجا يدل على العالم الواسع والعميق، فإنه درس الحياة والطبيعة بمعناها الكبير بواسطة تخطيطاته، فقد كان ليوناردو يخطط للموضوع المراد رسمه مجموعة من التخطيطات التمهيدية، ومن ثم يبدأ برسم أجزائه مستعينا في بعض الأحيان بالموديل. لقد كان ليوناردو، على النقيض من رفائيل وفرابارتو ولوميو وأندريا ديل سارتو، لا يلجأ إلى الموديل بسرعة، بل يستعين بذاكرته إلى أقصى الحدود الممكنة، ويحاول استلهام الحركات والوضعيات المطلوبة بمراقبة الموديل مباشرة، وكما قلنا بالرسم عن الموديل في بعض الأحيان. لقد كان ليوناردو يغير من التكوينات الفنية للوحاته عشرات المرات، ويبحث عن شكلها المتكامل بروح المثابرة العظيمة غير شاعر بالضجر والملل.
إن تخطيطات ليوناردو تمثل وحدها عالما متنوعا وغنيا منتهى الغنى بمضامينها الإنسانية وأشكالها الرائعة ومعالجاتها المدهشة، إنها أفكار وملاحظات وتحليلات الفنان والعالم والباحث العظيم عن أسرار الناس والطبيعة. لقد منح ليوناردو آفاقا واسعة وأبعادا كبيرة لمفهوم فن التخطيط، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا الفن الذي رفعه إلى مصاف الفنون الخالدة.
إن تعددية اهتمامات دافنشي العلمية والفنية، جعلت عبقريته الفذة تتصف بالتكامل الإبداعي، وأدت في الوقت نفسه إلى توزع قدراته واهتماماته وتجلت في تركه إرثاً فنياً ضخماً من الرسوم والتخطيطات والجداريات والنصب المنحوتة واللوحات التاريخية والدينية غير المنتهية. فقد كان دا فنشي يبدأ العمل في عمل فني ما ويتوقف عن إنجازه النهائي لانشغاله بأبحاثه العلمية أو النظرية أو اختباراته التطبيعية في علم الميكانيكا والجيولوجيا وعلم النبات والطير..... وكان ليوناردو دافنشي هو الذي أبدع أول نظرية تقليدية عن نقل المياه في النباتات عندما قال إن القطاع العرضي للجذع لابد أن يساوي مجموع القطاعات العرضية للأفرع. ويعرف عن دافنشي أيضا أنه طرق باب العلوم الفيزيقية.
ففي المجال الفني فشأنه يختلف عن العلوم ، ذلك أنه ابتدع العديد من الأعمال في النحت وهندسة البناء ، وترك لنا ما يقارب أربعة آلاف رسم تمثل مجموعة على الآجر ، وقد اشتهرت أعماله الهندسية والفنية في إيطاليا وفرنسا.
وبالنسبة لـــ الموسيقــى, فقد اشتهر ليوناردو بعزفه علي القيثارة, التي ارتبطت بأبوللو وأورفينوس في الأساطير الإغريقية, وبالنبي داود عليه السلام في الكتاب المقدس.
أما في مجال الرسم والتصوير بوجه خاص فهنالك الحصيلة الكبرى المتميزة و تكاد ابتكاراته وتطلعاته وأفكاره لا تعد ولا تحصي ، والروائع التي أنجزها جاءت دقيقة متقنة ، والمؤثرات فيها ذات تفنن بليغ ، عميق ، بحيث أنه يستحيل على أصحاب المدارس الحديثة فهم اتجاهاتها ومراميها البعيدة ، حتى لو جردت من المنظور الشامل لعصر النهضة ، لقد تمكن "فازاري" من توضيح هذا الجانب من عبقرية ليوناردو ، إذ أكد أن صاحبنا بما كان يحمل من مواضيع ، وأساليب في التركيب ، قد تجاوز حدود التقليد ، وتخطي المدارس الإيطالية في عصره إلى حد بعيد ,وقد وضع في مذكراته وفي كتابه "كتاب التصوير" مجمل آرائه ونظرياته حول تأثير الطبيعة على فن التصوير وعلاقة الضوء والظل.
وكتب ليوناردو في هذا الصدد: "يجب أن ترسم المناظر الطبيعية بحيث تكون الأشجار مضاءة إلى النصف ومظللة إلى النصف. ولكن من الأفضل رسمها عندما تغطي السحب الشمس، لأن الأشجار تكون مضاءة بنور السماء الشامل وظل الأرض الشامل. وكلما كان جزء من أجزائها أقرب من وسط الشجرة، كان هذا الجزء داكناً".
ويرى دا فنشي أن مهمة الرسام الأساسية تصوير السطح المستوي بحيث يجعل الجسم بارزاً ومختلفاً عن السطح، بمقدرته على توزيع الضوء والظل من الفاتح والقاتم
أما في تخطيطاته التشريحية فإن من الصعب أن تجد الحدود الفاصلة بين بحوثه الفنية ومسيرته العلمية فيها. لقد كان ليوناردو يعتقد بأن الفنان الجيد يجب أن يكون ملما بكل شيء، ولهذا نراه يخطط في كل مكان وكل شيء وفي كل الأوقات، حتى أصبح التخطيط لديه حاجة ضرورية كالأكل والشرب. وهو ينصح الفنانين الشباب قائلا:
مرئياته
"بعد ما تدرس المنظور بشكل علمي وعميق، وتعرف بواسطته الموقع الصحيح لكل المرئيات، حينئذ أحمل معك دفترا للتخطيطات السريعة لكي تسجل انطباعاتك عن الناس والطبيعة، وأنت تقضي أوقاتك خارج البيت، فلاحظ الناس والمحيط، وخططهم وهم في حالة التحدث والجدال والضحك وحتى العراك، فالصور الفنية التي تشاهدها تتجمع لديك بالتدريج، بحيث تعجز ذاكرة أي فنان عن جمعها بدون الطريقة المذكورة، فيصبح لديك بعد فترة أرشيفا غنياً يكون لك خير مساعد وأستاذ ".
لقد اهتم ليوناردو بـــ الحصان اهتماماً كبيراً ومميزًا عن غيره من فناني عصر النهضة، لما لهذا الحيوان الجميل من دور تأريخي وأثر عميق في حياة عصر النهضة، ولقد كتب العديد من الشروحات والتعليقات حول تشريح الحصان ومكانة هذا الحيوان النبيل على انه جهاز عضوي حي، يحوى ما وراء جلده عوالم مجهولة ومتعددة. وقد رسم عشرات التخطيطات للشكل الخارجي لهذا الحيوان ومن جوانب متعددة، وخاصة الأرداف والصدر، والأقدام الأمامية والخلفية، كما رصد حركات هذا الجسم بإيقاعات الخطوط المتكررة الدقيقة، لتمثل القراءة الأولى للعين البشرية، بمخيلتها وصلابتها وتوازنها وتناسبها، محكومة بمهارات مقتدرة سعى الفنان لتقديم فكرته عن كيفية توازن هذا الحيوان، وخلق التفتح في معرفته والتسيد عليه، ومثلت هذه المجموعة من التخطيطات الدراسات الأولى الأولية للوحته التي أنجزها فيما بعد عن معركة (دانجاري) الشهيرة التي وقعت ما بين الفلورنسيين والميلانيين.
أما القسم الثاني من تخطيطاته عن الحصان فقد ارتبط مباشرة بالنسيج الداخلي للعضلات ذات الخطوط المستقيمة والمنحنية والمتركبة الواحدة على الأخرى بصناعة فنية تتيح تحليل الشكل الحقيقي لتركيب كتلة الجسم تحليلا يحوى على مزيدا من الفهم في تبلور الفراغات والامتلاءات المسطحة والمعقدة الأجزاء والمغلقة على نفسها داخل حدود الجسم، حيث يمثل الجلد بالنسبة له الحاجز ما بينها وبين الرؤية الإنسانية.
لقد عالج ليوناردو هذه النواحي التشريحية لعضلات هذا الحيوان وكأنها مشكلة تقتضي حلا يؤدى إلى معرفة جديدة تدعم العمل الفني وترسى له تقاليد حرفية مهنية تساعد الرؤية الحية الخاصة بالعين والعقل لذلك الشكل الحقيقي لهذا الحيوان تحليلا يحوى مزيدا من الفهم العلمي. وكان يحلم من خلال دراساته هذه بإنجاز تمثال ضخم للحصان ينصب وسط مدينة ميلانو، وقد عمل في هذا المشروع سنوات طويلة يقال أنها امتدت إلى أكثر من 15 سنة، على ضوء طلب من دوق ميلانو (لودفيكو سفورتسا) الذي يطلق عليه لقب (الأسمر) إلا انه لم يتمكن من إنهاء التمثال لانشغاله في تحصينات المدينة ضد أعدائها واختراعاته المستمرة للآلات الحربية الجديدة كالمدافع وقنابل البارود، وعوداته المستمرة إلى إمارة فلورنسا لتنفيذ العديد من الخدمات العلمية والفنية لعائلة( آل مديشى ) الحاكمة التي اشتهرت برعايتها للفنون، وقد حاول تغطيته بمادة البرونز، إلا انه لم يستطع إتمام هذه العملية المعقدة بسبب الحصار الذي فرضته القوات الفرنسية الغازية على المدينة، مهددة بالدخول بين لحظة وأخرى. وتذكر المصادر التاريخية، بان التمثال الطيني كان من الروعة التي جعلت الغزاة الفرنسيون الذين دخلوا ميلانو للاستيلاء عليها بعد أن دحروا جيشها في العاشر من (سبتمبر) من عام 1499 أن يصبوا نار حقدهم على التمثال الطيني الفخم ليدمروه لعدم تعاون ليوناردو معهم. وكان ليوناردو قد وضعه في الساحة الكبيرة التي تقابل قلعة الدوق( لودفيكو سفورتسا ) التي لا تزال قائمة حاليا وسط ميلانو.
وإن إلقاء نظرة على تخطيطات ليوناردو، تمنحنا استنتاجا يدل على العالم الواسع والعميق، فإنه درس الحياة والطبيعة بمعناها الكبير بواسطة تخطيطاته، فقد كان ليوناردو يخطط للموضوع المراد رسمه مجموعة من التخطيطات التمهيدية، ومن ثم يبدأ برسم أجزائه مستعينا في بعض الأحيان بالموديل. لقد كان ليوناردو، على النقيض من رفائيل وفرابارتو ولوميو وأندريا ديل سارتو، لا يلجأ إلى الموديل بسرعة، بل يستعين بذاكرته إلى أقصى الحدود الممكنة، ويحاول استلهام الحركات والوضعيات المطلوبة بمراقبة الموديل مباشرة، وكما قلنا بالرسم عن الموديل في بعض الأحيان. لقد كان ليوناردو يغير من التكوينات الفنية للوحاته عشرات المرات، ويبحث عن شكلها المتكامل بروح المثابرة العظيمة غير شاعر بالضجر والملل.
إن تخطيطات ليوناردو تمثل وحدها عالما متنوعا وغنيا منتهى الغنى بمضامينها الإنسانية وأشكالها الرائعة ومعالجاتها المدهشة، إنها أفكار وملاحظات وتحليلات الفنان والعالم والباحث العظيم عن أسرار الناس والطبيعة. لقد منح ليوناردو آفاقا واسعة وأبعادا كبيرة لمفهوم فن التخطيط، بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ هذا الفن الذي رفعه إلى مصاف الفنون الخالدة.