الصعيدي المشاغب
15-12-06, 08:43 PM
مقدمــــــــــــــــــــــــــــة
الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله خير خلق الله وأحبهم إلى عباد الله.. وأصحابه الذين حباه، ومن سار على نهجه وهداه. وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد فإن هذا البحث يتناول جوانب من حياة بلقيس ملكة سبأ، التي كانت تعد سيدة نساء عصرها، وحكيمة حكماء زمانها.
وتستمد قصة الملكة بلقيس أهميتها من ذكر قصتها في الكتاب الحكيم مع النبي سليمان – عليه السلام - في سورة النمل، مما أكسبها شهرة لم تكن للكثير من الملوك من قبلها أو من بعدها، وضمنت بأن يبقى ذكرها خالداً عبر العصور، وعلى مر الدهور؛ وذلك لأن القرآن باقٍ وخالدٌ إلى آخر الزمان كما قال الحق – جل وعلا -: " إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون".
وقد قُسّم هذا البحث إلى أقسام ثلاثة:
الأول- نسب بلقيس و حكمها: ويتناول هذا القسم نبذة عن حياة الملكة بلقيس وعن حكمها لمملكة سبأ. والمعلومات في هذا الجزء من البحث وردت في المصادر ملخصة ومتشابهة إلى حدٍ ما.
والثاني- قصة بلقيس في القرآن: ويتناول هذا القسم قصة الملكة بلقيس مع النبي سليمان – عليه السلام - في سورة النمل.
والثالث- قراءةٌ في شخصية الملكة بلقيس: وهذا القسم ينظر عن كثب في شخصية الملكة بلقيس بعيداً عن التلفيق و التنميق، أو الافتراء والتزويق.
وفي النهاية فإن هذا البحث لا يعد سوى قطرةٍ في بحرٍ غير مسبور الأغوار، ورحلة ا لمسافر متعب من كثرة الأسفار، وزهرة في بستان مليء بالأزهار .هذا والله أعلم بالسرائر.
نسبهــــا:
تنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر [1]، و هناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها ووفاتها.
][ الملكة بلقيس ][
في محافظة مأرب إلى الشرق من العاصمة تشمخ هناك من الآثار والمعالم التاريخية الحية المجسدة لعمق وأصالة التراث والحارات اليمنية .. القديمة الضاربة في الجذور وأعماق التاريخ
ومن ذلك حضارة ملكة سبأ التي تعد واحدة من أشهر وأقدم الحضارات الإنسانية في الشرق القديم
فإلى جانب سد مأرب التاريخي العظيم هناك معابد والقصور والنقوش وغيرها من الآثار التي تتوزع في أنحاء متفرقة من محافظة مأرب .شاهدة على عظمة السبئية
وحيث أنة ليس من السهل الخوض في التفاصيل التاريخية الكاملة لمملكة سبأ وحضارتها وملوكها ،فإن ما نحن بصدد تناوله هنا هو ما يتعلق بالملكة (( بلقيس )) أحد أشهر الملوك السبئيين ... والتي يرتبط بأمها أشهر معابد القائمة في مأرب .. معبد (( برأن )) أو ما يعرف شعبيا بـ . (( عرش بلقيس ))
وبرأن كان يشكل أحد المعابد الرئيسية لأله الدولة السبئية (( المقه )) أو إلة القمر ، إذ كان يشكل كبير الالة عند السبئيين إلى جانب معبد (( أوام )) وهو معبد الرئيس لأله الشمس أو إله القمر ، حيث كانت الشمس والقمر والنجوم من الأله المشهورة في الديانات القديمة في اليمن .. وكانت الملكة بلقيس تسجد للشمس وتعبدها وكذلك قومها كما جاء في القرءان الكريم الذي اشار إلى قصة الملكة السبئية مع النبي سليمان علية السلام في سورة النمل ..
وكما يرون المختصون فإن معبد ا لإ له السبئي (( المقة )) الذي يعرف بمعبد (( برأن )) أو عرش
(( بلقيس )) كان قد بني فوق ثلاث معابد ، اولها كان فب القرن العاشر قبل الميلاد وهي فترة حكم الملكة بلقيس لليمن.
الملكة بلقيس تأتي المرتبة الـ18 في تسلسل ملوك دولة يبأ الذين يصل عددهم إلى 39 ملكا ..فيما أورد المؤرخ اليمني أبو الحسن الهمداي قائمة بملوك سبأ تشير إلى أن عددهم يصل إلى 49ملكا ، وهناك روايات تقول إن عددهم أكثر من ذلك .. ومن أوائل الملوك السبئيين حسبت تلك الروايات سبأ الأكبر الذي حكم اليمن لمدة خمسمائة عام ، وكان أول من قام ببناء سد (( مأرب )) .
وبالعودة إلى قصة الملكة السبئية مع النبي سليمان بت داوود نجد أن القرءان الكريم ، وهو أصدق القول ، وقد تحدث عن سبأ بشكل واضح ودقيق ، ووصف قصة ملكتها مع سليمان بأسلوب رائع وجميل ومؤثر ، وبمضمون بالغ الدقة والدلالة . وبين كتاب الله تعالى في الأيات 20 -44 من سورة النمل التفاصيل الواقعة للقصة بصورة مفصلة ومتسلسلة وفقا لتسلسل أحداث تلك القصة .
وفي سياق التناولات التي أوردتها المراجع التاريخية لهذه القصة ما جاء في ( سفر الملوك ) : (( وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب فاتت لتمتحنه بمسائل ، فتوجهت إلى أورشاليم بموكب عظيم جدا بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة .. وأتت إلى سليمان (( وكلمتة بكل ما كان بقلبها
وأضاف : (( عندما شاهدت البيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقائه وحرقاته التي كان يصعده في بيت الرب لم يبق فيها روح بعد ، فقالت للملك صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك ، ولم أصدق الأخبار حتى جئت ((وابصرت عيناي
ويروى أن بلقيس عندما قررت إلى سليمان كتبت إلية رسالة أخبرته فيها أنها قادمة بملوك قومها لتنظر ما امره ، وما يدعوها إلية في بيت المقدس وحملت معاها هدايا كثيرة ، فاستقبلها بالترحاب وأحسن وفادتها ، فبهرت بحكمته وقوته وعجائب ماتصنع الجن له .
وقال لها سليمان أدخلي الصراح ، وكان قد عمل من زجاج ابيض صافي اللون كالماء وأرسل الماء من تحته ( تحت الزجاج )، وضع لنفسة سريرا في الصراح وجلس عليه ، ولما رأت الملكة ذلك أ عتقدت في بادىء الأمر أنة ((لجة )) وكشفت عن ساقيها ظنا منها أنه ماء لتخوض فية ، واستدركت وعرفت انه صرح من قوارير وليس باجة ، وعندما رأت عجيب ما صنع سليمان أقرت بحكمته ونبوته و آ سلمت لله رب .العالمين
يؤكد عدد من الباحثين هناك الكثير من الأسرار التاريخية حول الملكة (( بلقيس )) ماتزال مدفونة تحت رمال مأرب .. كغيرها من أ ثار بقية .الملوك الذين تعاقبوا على حكم الدولة السبئية وأسرارهم.
حُكمهــــــــــا:
كانت بلقيس سليلة حسبٍ و نسب، فأبوها كان ملكاً، و قد ورثت الملك بولاية منه؛ لأنه على ما يبدو لم يرزق بأبناء بنين. لكن أشراف وعلية قومها استنكروا توليها العرش وقابلوا هذا الأمر بالازدراء و الاستياء، فكيف تتولى زمام الأمور في مملكة مترامية الأطراف مثل مملكتهم امرأة[2]، أليس منهم رجلٌ رشيد؟ و كان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكتها، فقد أثار الطمع في قلوب الطامحين الاستيلاء على مملكة سبأ، ومنهم الملك "عمرو بن أبرهة" الملقب بذي الأذعار. فحشر ذو الأذعار جنده و توجه ناحية مملكة سبأ للاستيلاء عليها و على ملكتها بلقيس، إلا أن بلقيس علمت بما في نفس ذي الأذعار فخشيت على نفسها، واستخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار. و عادت بلقيس بعد أن عم الفساد أرجاء مملكتها فقررت التخلص من ذي الأذعار، فدخلت عليه ذات يوم في قصره و ظلت تسقيه الخمر وهو ظانٌ أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً و ذبحته بها[3]. إلا أن رواياتٍ أخرى تشير إلى أن بلقيس أرسلت إلى ذي الأذعار وطلبت منه أن يتزوجها بغية الانتقام منه، وعندما دخلت عليه فعلت فعلتها التي في الرواية الأولى[4]. وهذه الحادثة هي دليلٌ جليّ وواضح على رباطة جأشها وقوة نفسها، وفطنة عقلها وحسن تدبيرها للأمور، وخلصت بذلك أهل سبأ من شر ذي الأذعار وفساده.
وازدهر زمن حكم بلقيس مملكة سبأ أيمّا ازدهار، واستقرت البلاد أيمّا استقرار، وتمتع أهل اليمن بالرخاء و الحضارة والعمران والمدنية. كما حاربت بلقيس الأعداء ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة. ومما أذاع صيتها و حببها إلى الناس قيامها بترميم سد مأرب الذي كان قد نال منه الزمن وأهرم بنيانه وأضعف أوصاله[5]. وبلقيس هي أول ملكة اتخذت من سبأ مقراً لحكمها.
قصة بلقيس في القرآن
ورد ذكر الملكة بلقيس في القرآن الكريم، فهي صاحبة الصرح المُمَرد من قوارير وذات القصة المشهورة مع النبي سليمان بن داود - عليه السلام - في سورة النمل.
وقد كان قوم بلقيس يعبدون الأجرام السماوية والشمس على وجه الخصوص، و كانوا يتقربون إليها بالقرابين، و يسجدون لها من دون الله، و هذا ما لفت انتباه الهدهد الذي كان قد بعثه سليمان - عليه السلام- ليبحث عن موردٍ للماء. و بعد الوعيد الذي كان قد توعده سليمان إياه لتأخره عليه بأن يعذبه إن لم يأت بعذرٍ مقبول عاد الهدهد و عذره معه “أحطت بما لم تحط به و جئتك من سبأ بنبأ يقين”[6]، فقد وجد الهدهد أن أهل سبأ على الرغم مما آتاهم الله من النعم إلا أنهم” يسجدون للشمس من دون الله “[7].
فما كان من سليمان –عليه السلام- المعروف بكمال عقله وسعة حكمته إلا أن يتحرّى صدق كلام الهدهد، فقال: " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين"[8]، وأرسل إلى بلقيس ملكة سبأ بكتابٍ يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والإنابة والإذعان، وأن يأتوه مسلمين خاضعين لحكمه وسلطانه، ونصه "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين" [9].
كانت بلقيس حينها جالسة على سرير مملكتها المزخرف بأنواع من الجواهر واللآلئ والذهب مما يسلب الألباب ويذهب بالمنطق والأسباب[10]. ولما عُرف عن بلقيس من رجاحة وركازة العقل فإنها جمعت وزراءها وعلية قومها، و شاورتهم في أمر هذا الكتاب. في ذلك الوقت كانت مملكة سبأ تشهد من القوة ما يجعل الممالك الأخرى تخشاها، و تحسب لها ألف حساب. فكان رأي وزرائها “ نحن أولوا قوةٍ و أولوا بأس شديدٍ “[11] في إشارةٍ منهم إلى اللجوء للحرب والقوة. إلا أن بلقيس صاحبة العلم والحكمة والبصيرة النافذة ارتأت رأياً مخالفاً لرأيهم، فهي تعلم بخبرتها وتجاربها في الحياة أن “ الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”[12]. وبصرت بما لم يبصروا ورأت أن ترسل إلى سليمان بهديةٍ مع علية قومها وقلائهم، عله يلين أو يغير رأيه، منتظرةٌ بما يرجع المرسلون. ولكن سليمان –عليه السلام- رد عليهم برد قوي منكر صنيعهم ومتوعد إياهم بالوعيد الشديد قائلاً: “أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون”[13].
عندها أيقنت بلقيس بقوة سليمان وعظمة سلطانه، وأنه لا ريب نبي من عند الله –عز وجل-، فجمعت حرسها وجنودها واتجهت إلى الشام حيث سليمان –عليه السلام-.
وكان عرش بلقيس وهي في طريقها إلى سليمان –عليه السلام- مستقراً عنده، فقد أمر جنوده بأن يجلبوا له عرشها، فأتاه به رجلٌ عنده علم الكتاب قبل أن يرتد إليه طرفه. ومن ثم غّير لها معالم عرشها، ليعلم أهي بالذكاء و الفطنة بما يليق بمقامها و ملكها[14].
الحمد لله.. والصلاة والسلام على رسول الله خير خلق الله وأحبهم إلى عباد الله.. وأصحابه الذين حباه، ومن سار على نهجه وهداه. وسلم تسليماً كثيرا، أما بعد فإن هذا البحث يتناول جوانب من حياة بلقيس ملكة سبأ، التي كانت تعد سيدة نساء عصرها، وحكيمة حكماء زمانها.
وتستمد قصة الملكة بلقيس أهميتها من ذكر قصتها في الكتاب الحكيم مع النبي سليمان – عليه السلام - في سورة النمل، مما أكسبها شهرة لم تكن للكثير من الملوك من قبلها أو من بعدها، وضمنت بأن يبقى ذكرها خالداً عبر العصور، وعلى مر الدهور؛ وذلك لأن القرآن باقٍ وخالدٌ إلى آخر الزمان كما قال الحق – جل وعلا -: " إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون".
وقد قُسّم هذا البحث إلى أقسام ثلاثة:
الأول- نسب بلقيس و حكمها: ويتناول هذا القسم نبذة عن حياة الملكة بلقيس وعن حكمها لمملكة سبأ. والمعلومات في هذا الجزء من البحث وردت في المصادر ملخصة ومتشابهة إلى حدٍ ما.
والثاني- قصة بلقيس في القرآن: ويتناول هذا القسم قصة الملكة بلقيس مع النبي سليمان – عليه السلام - في سورة النمل.
والثالث- قراءةٌ في شخصية الملكة بلقيس: وهذا القسم ينظر عن كثب في شخصية الملكة بلقيس بعيداً عن التلفيق و التنميق، أو الافتراء والتزويق.
وفي النهاية فإن هذا البحث لا يعد سوى قطرةٍ في بحرٍ غير مسبور الأغوار، ورحلة ا لمسافر متعب من كثرة الأسفار، وزهرة في بستان مليء بالأزهار .هذا والله أعلم بالسرائر.
نسبهــــا:
تنسب الملكة بلقيس إلى الهدهاد بن شرحبيل من بني يعفر [1]، و هناك اختلاف كبير بين المراجع التاريخية في تحديد اسم ونسب هذه الملكة الحِمْيَرية اليمانية، كما أنه لا يوجد تأريخ لسنة ولادتها ووفاتها.
][ الملكة بلقيس ][
في محافظة مأرب إلى الشرق من العاصمة تشمخ هناك من الآثار والمعالم التاريخية الحية المجسدة لعمق وأصالة التراث والحارات اليمنية .. القديمة الضاربة في الجذور وأعماق التاريخ
ومن ذلك حضارة ملكة سبأ التي تعد واحدة من أشهر وأقدم الحضارات الإنسانية في الشرق القديم
فإلى جانب سد مأرب التاريخي العظيم هناك معابد والقصور والنقوش وغيرها من الآثار التي تتوزع في أنحاء متفرقة من محافظة مأرب .شاهدة على عظمة السبئية
وحيث أنة ليس من السهل الخوض في التفاصيل التاريخية الكاملة لمملكة سبأ وحضارتها وملوكها ،فإن ما نحن بصدد تناوله هنا هو ما يتعلق بالملكة (( بلقيس )) أحد أشهر الملوك السبئيين ... والتي يرتبط بأمها أشهر معابد القائمة في مأرب .. معبد (( برأن )) أو ما يعرف شعبيا بـ . (( عرش بلقيس ))
وبرأن كان يشكل أحد المعابد الرئيسية لأله الدولة السبئية (( المقه )) أو إلة القمر ، إذ كان يشكل كبير الالة عند السبئيين إلى جانب معبد (( أوام )) وهو معبد الرئيس لأله الشمس أو إله القمر ، حيث كانت الشمس والقمر والنجوم من الأله المشهورة في الديانات القديمة في اليمن .. وكانت الملكة بلقيس تسجد للشمس وتعبدها وكذلك قومها كما جاء في القرءان الكريم الذي اشار إلى قصة الملكة السبئية مع النبي سليمان علية السلام في سورة النمل ..
وكما يرون المختصون فإن معبد ا لإ له السبئي (( المقة )) الذي يعرف بمعبد (( برأن )) أو عرش
(( بلقيس )) كان قد بني فوق ثلاث معابد ، اولها كان فب القرن العاشر قبل الميلاد وهي فترة حكم الملكة بلقيس لليمن.
الملكة بلقيس تأتي المرتبة الـ18 في تسلسل ملوك دولة يبأ الذين يصل عددهم إلى 39 ملكا ..فيما أورد المؤرخ اليمني أبو الحسن الهمداي قائمة بملوك سبأ تشير إلى أن عددهم يصل إلى 49ملكا ، وهناك روايات تقول إن عددهم أكثر من ذلك .. ومن أوائل الملوك السبئيين حسبت تلك الروايات سبأ الأكبر الذي حكم اليمن لمدة خمسمائة عام ، وكان أول من قام ببناء سد (( مأرب )) .
وبالعودة إلى قصة الملكة السبئية مع النبي سليمان بت داوود نجد أن القرءان الكريم ، وهو أصدق القول ، وقد تحدث عن سبأ بشكل واضح ودقيق ، ووصف قصة ملكتها مع سليمان بأسلوب رائع وجميل ومؤثر ، وبمضمون بالغ الدقة والدلالة . وبين كتاب الله تعالى في الأيات 20 -44 من سورة النمل التفاصيل الواقعة للقصة بصورة مفصلة ومتسلسلة وفقا لتسلسل أحداث تلك القصة .
وفي سياق التناولات التي أوردتها المراجع التاريخية لهذه القصة ما جاء في ( سفر الملوك ) : (( وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب فاتت لتمتحنه بمسائل ، فتوجهت إلى أورشاليم بموكب عظيم جدا بجمال حاملة أطيابا وذهبا كثيرا جدا وحجارة كريمة .. وأتت إلى سليمان (( وكلمتة بكل ما كان بقلبها
وأضاف : (( عندما شاهدت البيت الذي بناه وطعام مائدته ومجلس عبيده وموقف خدامه وملابسهم وسقائه وحرقاته التي كان يصعده في بيت الرب لم يبق فيها روح بعد ، فقالت للملك صحيحا كان الخبر الذي سمعته في أرضي عن أمورك وعن حكمتك ، ولم أصدق الأخبار حتى جئت ((وابصرت عيناي
ويروى أن بلقيس عندما قررت إلى سليمان كتبت إلية رسالة أخبرته فيها أنها قادمة بملوك قومها لتنظر ما امره ، وما يدعوها إلية في بيت المقدس وحملت معاها هدايا كثيرة ، فاستقبلها بالترحاب وأحسن وفادتها ، فبهرت بحكمته وقوته وعجائب ماتصنع الجن له .
وقال لها سليمان أدخلي الصراح ، وكان قد عمل من زجاج ابيض صافي اللون كالماء وأرسل الماء من تحته ( تحت الزجاج )، وضع لنفسة سريرا في الصراح وجلس عليه ، ولما رأت الملكة ذلك أ عتقدت في بادىء الأمر أنة ((لجة )) وكشفت عن ساقيها ظنا منها أنه ماء لتخوض فية ، واستدركت وعرفت انه صرح من قوارير وليس باجة ، وعندما رأت عجيب ما صنع سليمان أقرت بحكمته ونبوته و آ سلمت لله رب .العالمين
يؤكد عدد من الباحثين هناك الكثير من الأسرار التاريخية حول الملكة (( بلقيس )) ماتزال مدفونة تحت رمال مأرب .. كغيرها من أ ثار بقية .الملوك الذين تعاقبوا على حكم الدولة السبئية وأسرارهم.
حُكمهــــــــــا:
كانت بلقيس سليلة حسبٍ و نسب، فأبوها كان ملكاً، و قد ورثت الملك بولاية منه؛ لأنه على ما يبدو لم يرزق بأبناء بنين. لكن أشراف وعلية قومها استنكروا توليها العرش وقابلوا هذا الأمر بالازدراء و الاستياء، فكيف تتولى زمام الأمور في مملكة مترامية الأطراف مثل مملكتهم امرأة[2]، أليس منهم رجلٌ رشيد؟ و كان لهذا التشتت بين قوم بلقيس أصداء خارج حدود مملكتها، فقد أثار الطمع في قلوب الطامحين الاستيلاء على مملكة سبأ، ومنهم الملك "عمرو بن أبرهة" الملقب بذي الأذعار. فحشر ذو الأذعار جنده و توجه ناحية مملكة سبأ للاستيلاء عليها و على ملكتها بلقيس، إلا أن بلقيس علمت بما في نفس ذي الأذعار فخشيت على نفسها، واستخفت في ثياب أعرابي ولاذت بالفرار. و عادت بلقيس بعد أن عم الفساد أرجاء مملكتها فقررت التخلص من ذي الأذعار، فدخلت عليه ذات يوم في قصره و ظلت تسقيه الخمر وهو ظانٌ أنها تسامره وعندما بلغ الخمر منه مبلغه، استلت سكيناً و ذبحته بها[3]. إلا أن رواياتٍ أخرى تشير إلى أن بلقيس أرسلت إلى ذي الأذعار وطلبت منه أن يتزوجها بغية الانتقام منه، وعندما دخلت عليه فعلت فعلتها التي في الرواية الأولى[4]. وهذه الحادثة هي دليلٌ جليّ وواضح على رباطة جأشها وقوة نفسها، وفطنة عقلها وحسن تدبيرها للأمور، وخلصت بذلك أهل سبأ من شر ذي الأذعار وفساده.
وازدهر زمن حكم بلقيس مملكة سبأ أيمّا ازدهار، واستقرت البلاد أيمّا استقرار، وتمتع أهل اليمن بالرخاء و الحضارة والعمران والمدنية. كما حاربت بلقيس الأعداء ووطدت أركان ملكها بالعدل وساست قومها بالحكمة. ومما أذاع صيتها و حببها إلى الناس قيامها بترميم سد مأرب الذي كان قد نال منه الزمن وأهرم بنيانه وأضعف أوصاله[5]. وبلقيس هي أول ملكة اتخذت من سبأ مقراً لحكمها.
قصة بلقيس في القرآن
ورد ذكر الملكة بلقيس في القرآن الكريم، فهي صاحبة الصرح المُمَرد من قوارير وذات القصة المشهورة مع النبي سليمان بن داود - عليه السلام - في سورة النمل.
وقد كان قوم بلقيس يعبدون الأجرام السماوية والشمس على وجه الخصوص، و كانوا يتقربون إليها بالقرابين، و يسجدون لها من دون الله، و هذا ما لفت انتباه الهدهد الذي كان قد بعثه سليمان - عليه السلام- ليبحث عن موردٍ للماء. و بعد الوعيد الذي كان قد توعده سليمان إياه لتأخره عليه بأن يعذبه إن لم يأت بعذرٍ مقبول عاد الهدهد و عذره معه “أحطت بما لم تحط به و جئتك من سبأ بنبأ يقين”[6]، فقد وجد الهدهد أن أهل سبأ على الرغم مما آتاهم الله من النعم إلا أنهم” يسجدون للشمس من دون الله “[7].
فما كان من سليمان –عليه السلام- المعروف بكمال عقله وسعة حكمته إلا أن يتحرّى صدق كلام الهدهد، فقال: " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين"[8]، وأرسل إلى بلقيس ملكة سبأ بكتابٍ يتضمن دعوته لهم إلى طاعة الله ورسوله والإنابة والإذعان، وأن يأتوه مسلمين خاضعين لحكمه وسلطانه، ونصه "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين" [9].
كانت بلقيس حينها جالسة على سرير مملكتها المزخرف بأنواع من الجواهر واللآلئ والذهب مما يسلب الألباب ويذهب بالمنطق والأسباب[10]. ولما عُرف عن بلقيس من رجاحة وركازة العقل فإنها جمعت وزراءها وعلية قومها، و شاورتهم في أمر هذا الكتاب. في ذلك الوقت كانت مملكة سبأ تشهد من القوة ما يجعل الممالك الأخرى تخشاها، و تحسب لها ألف حساب. فكان رأي وزرائها “ نحن أولوا قوةٍ و أولوا بأس شديدٍ “[11] في إشارةٍ منهم إلى اللجوء للحرب والقوة. إلا أن بلقيس صاحبة العلم والحكمة والبصيرة النافذة ارتأت رأياً مخالفاً لرأيهم، فهي تعلم بخبرتها وتجاربها في الحياة أن “ الملوك إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”[12]. وبصرت بما لم يبصروا ورأت أن ترسل إلى سليمان بهديةٍ مع علية قومها وقلائهم، عله يلين أو يغير رأيه، منتظرةٌ بما يرجع المرسلون. ولكن سليمان –عليه السلام- رد عليهم برد قوي منكر صنيعهم ومتوعد إياهم بالوعيد الشديد قائلاً: “أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتكم، بل أنتم بهديتكم تفرحون”[13].
عندها أيقنت بلقيس بقوة سليمان وعظمة سلطانه، وأنه لا ريب نبي من عند الله –عز وجل-، فجمعت حرسها وجنودها واتجهت إلى الشام حيث سليمان –عليه السلام-.
وكان عرش بلقيس وهي في طريقها إلى سليمان –عليه السلام- مستقراً عنده، فقد أمر جنوده بأن يجلبوا له عرشها، فأتاه به رجلٌ عنده علم الكتاب قبل أن يرتد إليه طرفه. ومن ثم غّير لها معالم عرشها، ليعلم أهي بالذكاء و الفطنة بما يليق بمقامها و ملكها[14].