msria
18-11-06, 05:30 AM
عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين
ولادته
ولد قبل بعثة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بثلاثين سنة وكان عدد المسلمين يوم أسلم تسعة وثلاثين مسلما. وامتدّت خلافة عمر 10 سنين و 6 أشهر وأربعة أيام.
الهجرة إلى المدينة
كان إسلام عمر بن الخطاب في ذي الحجة من السنة السادسة للدعوة، وهو ابن ست وعشرين سنة، وقد أسلم بعد نحو أربعين رجلاً، ودخل "عمر" في الإسلام بالحمية التي كان يحاربه بها من قبل، فكان حريصًا على أن يذيع نبأ إسلامه في قريش كلها، وزادت قريش في حربها وعدائها لمحمد وأصحابه؛ حتى بدأ المسلمون يهاجرون إلى "المدينة" فرارًا بدينهم من أذى المشركين، وكانوا يهاجرون إليها خفية، فلما أراد عمر الهجرة تقلد سيفه، ومضى إلى الكعبة فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلى، ثم نادى في جموع المشركين: "من أراد أن يثكل أمه أو ييتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي".(اين المصدر؟)
وفي "المدينة" آخى النبي (صلى الله عليه وسلم) بينه وبين "عتبان بن مالك" وقيل: "معاذ بن عفراء"، وكان لحياته فيها وجه آخر لم يألفه في مكة، وبدأت تظهر جوانب عديدة ونواح جديدة، من شخصية "عمر"، وأصبح له دور بارز في الحياة العامة في "المدينة".
موافقة القرآن لرأي عمر
تميز "عمر بن الخطاب" بقدر كبير من الإيمان والتجريد والشفافية، وعرف بغيرته الشديدة على الاسلام وجرأته في الحق، كما اتصف بالعقل والحكمة وحسن الرأي، وقد جاء القرآن الكريم، موافقا لرأيه في مواقف عديدة - كل ذلك حسب الروايات والمنظور السني - من أبرزها: قوله للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى: فنزلت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [ البقرة: 125]، وقوله يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب) [الأحزاب: 53].
وقوله لنساء النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد اجتمعن عليه في الغيرة: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن) [ التحريم: 5] فنزلت ذلك.
ولعل نزول الوحي موافقًا لرأي "عمر" في هذه المواقف هو الذي جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول:
جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه. رواه الترمذي
وروي عن ابن عمر: "ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر بن الخطاب، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه". ولما نزلت الايه الكريمة (وخلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضعة عظاما ثم كسونا العظام لحما ثم انشئناه خلق اخر ) فقال عمر فتبارك الله احسن الخالقين فتبسم رسول الله وقال لكاتبة اكتبها كما قالها صاحبك
و هناك ايضا بعض الآية التي تلوم عمر مثل (يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) سورة الحجرات: 1 و 2 وقصّتها أنّه قدِم وفد تميم، منهم الاَقرع بن حابس، فكلّم أبو بكر النبيّ أن يستعمله على قومه، فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله! فتكلّما حتّى ارتفعت أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيات (انظر: تفسير الطبري 13/119، سنن الترمذي 5 ح 3266، سنن النسائي/ كتاب القضاة ـ باب 8 ح 5936، أسباب النزول ـ للواحدي ـ: 215 لباب النقول ـ للسيوطي ـ: 194، الدرّ المنثور 7/546 و 547) .
قال ابن أبي مُلَيكة: كاد الخيّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر! رفعا أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم.. القصّة(صحيح البخاري/ كتاب التفسير ـ تفسير سورة الحجرات ـ باب 329 ح 4564)
قبيل وفاة النبي
رزية الخميس هي الرزية التي حدثت يوم الخميس الاخير لحياة رسول الله و اخرجها البخاري و مسلم في صحيحهما: عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عنّي، فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(صحيح البخاري كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عن: 7/9، صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية: 5/75، مسند أحمد بن حنبل: 4/356 ح2992 بسند صحيح)
خلافة ابو بكر
توفي رسول الله ، وانشغل بتغسيله وتجهيزه ودفنه بعض أهله كعلي بن أبى طالب، وعمه العباس وولديه، وبعض مواليه.
وفي أثناء ذلك، انشغل قسم آخر من الصحابة بحسم مشكلة القيادة على نحو رواه عمر بن الخطاب (رض) فقال: (فلا يغرن أمراء أن يقول أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون الى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا الى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا نريد إخواننا من الأنصار، قالا فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فقلنا والله لنأتينهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة
وإذا بين أظهرهم رجل مزمل قلت من هذا ؟ قالوا سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه ؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم فحمد الله وقال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة.
فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحد، وكان هو أوقر مني وأحلم، فلما أردت أن أتكلم قال: على رسلك، فكرهت أن أعصيه، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئاً كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه، وقال: أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحيٍّ من قريش، وهم أوسط داراً ونسباً، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلما قضى أبوبكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا
أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط فلما أشفقت الإختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون والأنصار، ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت قتل الله سعداً.
وإنا والله لم نجد أمراً أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون فساد)( تاريخ الطبري:2/446 ـ 447، مصر، 1939. صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا) .
وقد روى المؤرخون قالوا:
(اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة رسول الله يغسله أهله، فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد سعد بن عبادة، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض.. فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في الدين، وفضيلتهم في الإسلام، وإعزازهم للنبي وأصحابه، وجهادهم لأعدائه حتى استقامت العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راض (أي سعد) استبدوا بهذا الأمر دون الناس، فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر)( الطبري: 2/456) .
سمع أبوبكر وعمر (رض) بذلك فأسرعا الى السقيفة، وتكلم أبو بكر (رض) فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال (فهم أول من عبدالله في الأرض، وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم) ثم ذكر فضيلة الأنصار وقال: (فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجتريء مجتريء على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن.. والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمرهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدلٍ بباطل، أو متجانفٍ لإثم، أو متورط في هلكة ؟
فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة.
قال عمر: إذن يقتلك الله.
قال بل إياك يقتل.
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم إن كنتم أول من ناصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.
فقام بشير بن سعد أبو نعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي النعمة علينا بذلك، ألا إن محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أحق به...
ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم)( الطبري: 2/456 ـ458. السيرة النبوية لابن هشام: 4/337 ـ 339، القاهرة 1937) .
ولما كثر اللغط، واشتد الإختلاف قال عمر لأبي بكر (رض) أبسط يدك أبايعك، وتمت البيعة.
وفي رواية أن عمر (رض) قال مهدداً الناس إذا أخرجوا القيادة عن قريش (والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه) (السيرة النبوية لابن هشام: 4/338)
ورفض سعد بن عبادة بيعة أبي بكر وقال حين أرسلوا اليه ليبايع (أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي) فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم(الطبري: 2/459.) وبقي كذلك حتى توفى أبو بكر وولي عمر.
وقيل إن عمر أرسل اليه رجلاً في خلافة أبي بكر يدعوه الى البيعة فإن أبي فليقاتله، فلما أبي سعد البيعة رماه بسهم فقتله (أنساب الأشراف للبلاذري: 1/ 589، مصر 1959م، العقد الفريد لابن عبد ربه: 4/260) .
وذكر المؤرخون أن أبابكر أرسل جماعة، منهم عبدالرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد، برئاسة عمر بن الخطاب (رض) ليخرجوهم من بيت فاطمة، وقال لهم ان أبوا فقاتلوهم، فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(العقد الفريد: 4/260، تاريخ أبي الفدا: 1/156، ، الطبري: 2/443، أنساب الأشراف: 1/586، الرياض النضرة للمحب الطبري: 1/218)
يتبع
ولادته
ولد قبل بعثة سيدنا رسول الله -صلى الله عليه و سلم- بثلاثين سنة وكان عدد المسلمين يوم أسلم تسعة وثلاثين مسلما. وامتدّت خلافة عمر 10 سنين و 6 أشهر وأربعة أيام.
الهجرة إلى المدينة
كان إسلام عمر بن الخطاب في ذي الحجة من السنة السادسة للدعوة، وهو ابن ست وعشرين سنة، وقد أسلم بعد نحو أربعين رجلاً، ودخل "عمر" في الإسلام بالحمية التي كان يحاربه بها من قبل، فكان حريصًا على أن يذيع نبأ إسلامه في قريش كلها، وزادت قريش في حربها وعدائها لمحمد وأصحابه؛ حتى بدأ المسلمون يهاجرون إلى "المدينة" فرارًا بدينهم من أذى المشركين، وكانوا يهاجرون إليها خفية، فلما أراد عمر الهجرة تقلد سيفه، ومضى إلى الكعبة فطاف بالبيت سبعًا، ثم أتى المقام فصلى، ثم نادى في جموع المشركين: "من أراد أن يثكل أمه أو ييتم ولده أو يرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي".(اين المصدر؟)
وفي "المدينة" آخى النبي (صلى الله عليه وسلم) بينه وبين "عتبان بن مالك" وقيل: "معاذ بن عفراء"، وكان لحياته فيها وجه آخر لم يألفه في مكة، وبدأت تظهر جوانب عديدة ونواح جديدة، من شخصية "عمر"، وأصبح له دور بارز في الحياة العامة في "المدينة".
موافقة القرآن لرأي عمر
تميز "عمر بن الخطاب" بقدر كبير من الإيمان والتجريد والشفافية، وعرف بغيرته الشديدة على الاسلام وجرأته في الحق، كما اتصف بالعقل والحكمة وحسن الرأي، وقد جاء القرآن الكريم، موافقا لرأيه في مواقف عديدة - كل ذلك حسب الروايات والمنظور السني - من أبرزها: قوله للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى: فنزلت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [ البقرة: 125]، وقوله يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب: (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب) [الأحزاب: 53].
وقوله لنساء النبي (صلى الله عليه وسلم) وقد اجتمعن عليه في الغيرة: (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن) [ التحريم: 5] فنزلت ذلك.
ولعل نزول الوحي موافقًا لرأي "عمر" في هذه المواقف هو الذي جعل النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول:
جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه. رواه الترمذي
وروي عن ابن عمر: "ما نزل بالناس أمر قط فقالوا فيه وقال فيه عمر بن الخطاب، إلا نزل القرآن على نحو ما قال عمر رضي الله عنه". ولما نزلت الايه الكريمة (وخلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضعة عظاما ثم كسونا العظام لحما ثم انشئناه خلق اخر ) فقال عمر فتبارك الله احسن الخالقين فتبسم رسول الله وقال لكاتبة اكتبها كما قالها صاحبك
و هناك ايضا بعض الآية التي تلوم عمر مثل (يا أيّها الّذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعضٍ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) سورة الحجرات: 1 و 2 وقصّتها أنّه قدِم وفد تميم، منهم الاَقرع بن حابس، فكلّم أبو بكر النبيّ أن يستعمله على قومه، فقال عمر: لا تفعل يا رسول الله! فتكلّما حتّى ارتفعت أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآيات (انظر: تفسير الطبري 13/119، سنن الترمذي 5 ح 3266، سنن النسائي/ كتاب القضاة ـ باب 8 ح 5936، أسباب النزول ـ للواحدي ـ: 215 لباب النقول ـ للسيوطي ـ: 194، الدرّ المنثور 7/546 و 547) .
قال ابن أبي مُلَيكة: كاد الخيّران أن يهلكا، أبو بكر وعمر! رفعا أصواتهما عند النبيّ صلى الله عليه وسلم.. القصّة(صحيح البخاري/ كتاب التفسير ـ تفسير سورة الحجرات ـ باب 329 ح 4564)
قبيل وفاة النبي
رزية الخميس هي الرزية التي حدثت يوم الخميس الاخير لحياة رسول الله و اخرجها البخاري و مسلم في صحيحهما: عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس، قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا عنّي، فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(صحيح البخاري كتاب المرضى باب قول المريض قوموا عن: 7/9، صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية: 5/75، مسند أحمد بن حنبل: 4/356 ح2992 بسند صحيح)
خلافة ابو بكر
توفي رسول الله ، وانشغل بتغسيله وتجهيزه ودفنه بعض أهله كعلي بن أبى طالب، وعمه العباس وولديه، وبعض مواليه.
وفي أثناء ذلك، انشغل قسم آخر من الصحابة بحسم مشكلة القيادة على نحو رواه عمر بن الخطاب (رض) فقال: (فلا يغرن أمراء أن يقول أن بيعة أبي بكر كانت فلتة، فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون الى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا الى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا نريد إخواننا من الأنصار، قالا فارجعوا فاقضوا أمركم بينكم، فقلنا والله لنأتينهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة
وإذا بين أظهرهم رجل مزمل قلت من هذا ؟ قالوا سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه ؟ قالوا: وجع، فقام رجل منهم فحمد الله وقال: أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش رهط نبينا، وقد دفت إلينا من قومكم دافة.
فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحد، وكان هو أوقر مني وأحلم، فلما أردت أن أتكلم قال: على رسلك، فكرهت أن أعصيه، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئاً كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه، وقال: أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لحيٍّ من قريش، وهم أوسط داراً ونسباً، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، فلما قضى أبوبكر كلامه قام منهم رجل فقال: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، منا
أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فارتفعت الأصوات، وكثر اللغط فلما أشفقت الإختلاف قلت لأبي بكر: أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون والأنصار، ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت قتل الله سعداً.
وإنا والله لم نجد أمراً أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون فساد)( تاريخ الطبري:2/446 ـ 447، مصر، 1939. صحيح البخاري: كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنا) .
وقد روى المؤرخون قالوا:
(اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وتركوا جنازة رسول الله يغسله أهله، فقالوا نولي هذا الأمر بعد محمد سعد بن عبادة، وأخرجوا سعداً إليهم وهو مريض.. فحمد الله وأثنى عليه، وذكر سابقة الأنصار في الدين، وفضيلتهم في الإسلام، وإعزازهم للنبي وأصحابه، وجهادهم لأعدائه حتى استقامت العرب، وتوفي الرسول وهو عنهم راض (أي سعد) استبدوا بهذا الأمر دون الناس، فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نوليك هذا الأمر)( الطبري: 2/456) .
سمع أبوبكر وعمر (رض) بذلك فأسرعا الى السقيفة، وتكلم أبو بكر (رض) فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر سابقة المهاجرين في التصديق بالرسول دون جميع العرب، وقال (فهم أول من عبدالله في الأرض، وآمن بالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم) ثم ذكر فضيلة الأنصار وقال: (فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفتاتون بمشورة، ولا نقضي دونكم الأمور. فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا عليكم أمركم، فإن الناس في فيئكم وفي ظلكم، ولن يجتريء مجتريء على خلافكم، ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، وينتقض عليكم أمركم، فإن أبى هؤلاء ما سمعتم، فمنا أمير ومنهم أمير.
فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن.. والله لا ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمتنع أن تولى أمرها من كانت النبوة فيهم، وولي أمرهم منهم، ولنا بذلك على من أبى الحجة الظاهرة والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدلٍ بباطل، أو متجانفٍ لإثم، أو متورط في هلكة ؟
فقام الحباب بن المنذر وقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتموهم فأجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من لم يكن يدين به، أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، أما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة.
قال عمر: إذن يقتلك الله.
قال بل إياك يقتل.
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار إنكم إن كنتم أول من ناصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير.
فقام بشير بن سعد أبو نعمان بن بشير فقال: يا معشر الأنصار إنا والله لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين ما أردنا به إلا رضا ربنا وطاعة نبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي به من الدنيا عرضا، فإن الله ولي النعمة علينا بذلك، ألا إن محمداً صلى الله عليه وسلم من قريش وقومه أحق به...
ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه فبايعوه، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم)( الطبري: 2/456 ـ458. السيرة النبوية لابن هشام: 4/337 ـ 339، القاهرة 1937) .
ولما كثر اللغط، واشتد الإختلاف قال عمر لأبي بكر (رض) أبسط يدك أبايعك، وتمت البيعة.
وفي رواية أن عمر (رض) قال مهدداً الناس إذا أخرجوا القيادة عن قريش (والله ما يخالفنا أحد إلا قتلناه) (السيرة النبوية لابن هشام: 4/338)
ورفض سعد بن عبادة بيعة أبي بكر وقال حين أرسلوا اليه ليبايع (أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبل، وأخضب سنان رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، فلا أفعل وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي وأعلم ما حسابي) فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع معهم، ويحج ولا يفيض معهم بإفاضتهم(الطبري: 2/459.) وبقي كذلك حتى توفى أبو بكر وولي عمر.
وقيل إن عمر أرسل اليه رجلاً في خلافة أبي بكر يدعوه الى البيعة فإن أبي فليقاتله، فلما أبي سعد البيعة رماه بسهم فقتله (أنساب الأشراف للبلاذري: 1/ 589، مصر 1959م، العقد الفريد لابن عبد ربه: 4/260) .
وذكر المؤرخون أن أبابكر أرسل جماعة، منهم عبدالرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد، برئاسة عمر بن الخطاب (رض) ليخرجوهم من بيت فاطمة، وقال لهم ان أبوا فقاتلوهم، فأقبل عمر بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار، فلقيتهم فاطمة فقالت: يابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا ؟ قال نعم، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(العقد الفريد: 4/260، تاريخ أبي الفدا: 1/156، ، الطبري: 2/443، أنساب الأشراف: 1/586، الرياض النضرة للمحب الطبري: 1/218)
يتبع