المهندس
28-10-06, 06:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
روايـة " هنـا ترقـد فاطمـة " ..
هي المحاولة الأدبيـة الأولى في عالمـ الروايات ..
وهي من أربعـة فصول سأقوم بنشرهـا – بأذن الله تعالى – على التوالي .. أسبوعيــاً ..
أتمنى ان تنــال إعجابكمـ ..
هنــا ترقــد فاطمــة
" الفصــل الأول "
في بيتنـا - والذي أحاطه جدي بسلسلـة ٍ من الاحجار قبل أربعين سنة ٍ – جلست وبيدي سيجارتي وكوب قهوة ٍ كانت
قد صنعتـه لي أمي خصيصـاً من الفخـار ، رائحـة البرتقـال تفوح في أرجـاء المكـان من حديقـة جارتنـا " أمـ علاء "
في هذا الصبـاح الندي ، الذي لم يعكـر صفوه بعد عادمـات السيــارات أو صياح بـائع الغـاز وطقطته على أنابيبـه البـاليـة .
خمول ٌ يتسرب إلى جفوني ليرسمـ وذقني الطويلـة لوحة ً من الفوضويـة واللامبالاة لما يحدث من حولي ..
سبـع سنوات ٍ قد انقضت وأنا أعيش في منفاي هذا ، الذي فرضته ظروف الحرب في الخليج العربي في السنوات الأخيرة .
وعلى بعد الآف الكيلومترات يقطـن من تبقى من أهلي وإخوتي ، الذين إزدادوا واحدة ً ، كمـا أخبرتني أمي في رسالتهـا
الأخيــرة .. لا أذكـر ما جاء في رسـالة أمي .. كل ما اعرفـه بأن عائلتي قد زادت شخصـاً ..
وبأنهمـ أسموهـا " فاطمـة " .. ترى كيف هو شكلهـا هذه الـ " فاطمـة " ..؟! لا يهمـ ..
قالت أمي – في رسـالتهـا – بأنهـا جميلـة جداً كباقي إخوتي الخمسـة ، أو الستـة ، لست أذكـر .. وبأن والدي قد نقص وزنـه
وشـاب شـعره أكثـر فأكثـر ، تحب أمي أن تبقيني في قلب الحدث ، لتشعرني بأنني على قيـد الحيـاة ، أو ربما لتشعر بوجودي
الوهمي بجانبهـا ، وكعادتهـا تطلب مني أن أكتب لهـا رســالة ً أخبرها بحالي وما يجري من حولي ، ولا أذكر أن شيئـاً قد حدث
من حولي خلال السنوات الفـائتـة ، غيـر زواج بنت جيراننـا من إبن عمهـا في السعوديـة ، وقد كتبت لأمي عن أحداث ذلك
العرس ، الذي لم أذهب إليـه ..! واعتمدت على خيالي الواسـع الذي بات إحدى صفاتي في هذا المنفى .. في وطني ..
أحقـاً قـد يصبح الوطن هو المنفى ..؟! ربمـا لست ادري ..
كل ما أعرفـه الآن بأن فنجـان قهوتي قد نفذ ، وبأن الحيــاة قد بدأت تدب في أرجــاء المدينـة من حولي ، ولا بد لي أن أجدد
فنجان قهوتي مرة ً أخرى قبــل أن أخط لأمي رسـالتي التي وعدتهـا بهـا منذ سنة ٍ .. أو ربمـا أكثر ، لست أدري ..
دخلت إلى بيتنـا أو بيتي ، إختلف النـاس في تسميتـه ، فجارتنـا " أم علاء " تصر - في كـل مرة ٍ - بأن هذا البيـت هو بيت
عائلتي ، وترفض أن تسميـه ببيت " فارس " كما يسموه جيراننــا الآخرون .
لا أعلم لم َ أصر جدي على أن يسميني " فارس " ، ربما أراد أن يحقق أحد احلامـه الضائعـة من خلالي ، أو ربمـا كان يتمنى
بأن يولـد هو بهذا الإسمـ .. لا يهمـ .. لكنني أذكر يوم وفـاته جيداً ، وأنا من أخبر والدي بأن جدي لا يتحرك في سريره ..!
بعدهـا تعالت الأصوات والنحيب في المنزل ، وأخذتني أمي إلى بيت عمي الكـائن بنفس المنطقة ، لكنهـا نسيت أن تاخذ
ذاكرتي - التي خزنت صورة جدي وهو ميت – معهـا ..!
كانت مجرد اجازة صيف قضيناها في الأردن ، ككل عـام ٍ ، لا اعلمـ لم َ تتلاشى في ذهني الصور رويداً رويداً .. وتبقى صورة
" لميــس " باقيـة ٌ في ذهني ، وصورة جدي ..!
وعلى الرغم من أن " لميس " تسكن في نفس المنطقة ، لكنني لم اراها منذ أكثـر من عـام ، كدت انسى شكلهـا
أو ربما تناسيت ..!
في بيتنـا أو بيتي سمه ما شئت ، والذي يتكون من غرفـة ٍ واحدة وصالة ٍ واحدة ومطبخ ٍ واحد ونفس ٍ واحدة .. هي
نفسي أنـا .. هل أنا حقاً موجود ..؟! ربمـا ..
يتوسط غرفتي طاولة ٌ معدنيـة ٌ صنعها والدي قبل سنوات ٍ ، تآكلت مع مرور كل تلك السنين ، فقررت ان اجعـل منهـا
مكتبـاً ، أخط عليـه رسـائلي لنفسي ، أو لأمي ..
جلست على الأرض ، أمام تلك الطاولـة ، ذات الأرجل القصيرة ، وأمسكت بقلمي وبدأت أكتب تلك الرسـالة ..
" والدتي الحبيبـة .. بعـد تقبيـل أياديـك ِ – الطـاهرة عن بعـد – أكتب إليـك ِ كلمـاتي ..
جميـع من حولي يقرؤك ِ السلام ، هذا التلفـاز البـالي ، وتلك الكراسي التي رسمت اسمـك ِ على غبارهـا المتراكمـ منذ سنين ..
وخزانتي ووســادتي ، وبعضـاً من قصاصات الأوراق ، كنت قد حاولت أن أصنـع منهـا طائرة ً ورقيـة ..
ومع غروب شمس ذلك النهـار ، أقلعت وطائرتي إلى حيث انت ِ ، لكـن طائرة أحلامي ، سقطت عند تلك الحدود ..
أنـا – يا أمي – أعيش ليومي ، وماضي ّ الذي تزداد صفحاته في كل يومـ ٍ .. أطمئنــك ِ يا أمي بأن مستقبلي قـد دفنتـه تحت
أقدام " لميـس " .. بعـد أن تقطعـت بي الأسبــاب ،وفقدت حقي في إكمـال شهادتي الجامعيـة ، وأعلنت والدتهـا ثورتهـا
وغضبها على مشاعري لهـا ..
وحتى لا أطيــل عليـك ِ يا أمي ، فإن جارتنــا " أم علاء " ، قبلت أن أزرع لهـا حديقتهـا ، ووعدتني أن تسمح لي بشمـ
رائحـة البرتقـال مع هبوب اول نسيمـ للصباح ، تحيتي لك ِ يا أمي .. ولفــاطمـة .. "
أطفأت سيجارتي الثـانيـة أو الثالثـة .. لا يهمـ ، وبخطوات ٍ متثـاقلـة ورغبـة ٍ ميـْتة ، لملمـت ُ بقـايـا دراهمـي وبقـايا نفسي
ورسـالتي التي تلطخت ببعض قهوتي وانفـاسي المحترقـة ، ونزلت إلى الشـارع الرئيسي ، وعبثـاً باءت محاولاتي في إيجـاد
حافلـة ٍ تسرق منـي درهمـي وبعضـاً من قوت يومي ، على الرغمـ من ابتسـامتي الزائفـة في وجوه سائقي هذه الحافلات
المتعكـرة من الكـد والتعـب منـذ إشراقـة هذا الصبـاح ، من أجـل شراء ما يسكـت بكـاء طفل ٍ قدمـ إلى الحيـاة رغمـاً عنـه ،
ليجـد أبويـن قررا أن يشركـاه بفقرهمـا وبؤسهمـا في هذه الدنيـا ، فقط من اجـل استمرار ذريتهمـا .. يقـال بأن الطفـل يأتي
إلى هذه الدنيـا باكيـاً لأنــه يعرف بأنه لا مكـان للفرح على ظهـر هذا الكوكب المسمى بالأرض ..
قادتني قدماي إلى السيــر على هذا الرصيـف ، المتهدمـة حجارتــه ، وقـد زرعت بعـض الشجيرات – رغمـاً عنهـا – بيـــن
جنبــاته .. حتى الشجـر يزرع في غيــر مكــانه ، وحـاله يشبـه حالي ، لو أنـه خـُيـّر في مكـان ولادتـه لأختــار أن يكون في
حديقـة ٍ غنـّـاء ، أو أن أكون الآن بيـن إخوتي ومـع أمي وفــاطمـة .. أصبـح الآن عمرهـا شهريـن ، أو ربمــا ثلاثـة ...
الطريـق من بيتـي إلى مكتب البريـد يزداد بعـداً ، ولا زالت قدمــاي تصـر على أن أمضي في طريقي رغمـاً عني ..
كأنهــا الثورة قـد اعلنتهـا قدمـاي على جسدي الذي أصبـح أشبـه بورقـة خريف ٍ ، يعـايرني بـه كـل من رآني ، و" لميس "
أيضـاً ..! قالتهـا ذات مسـاء ٍ بأن جسدي يومـا ً مـا سيختفي مثـل أحلامي ..
أحلامي .. يا لهـا من كلمـة ٍ فقدت كل معنـى في داخلـي ، وأسكنـت اليـأس والاحبـاط بدلاً منهـا ، فغـدى قلبي مرتعـاً للخوف ..
" بقــالة السعــادة لصاحبهـا الحاج أحمـد "
" مطعمـ الإنشراح لصاحبهـا المعلمـ حســن "
هذه اليـافتـات تضحكنـي وكـأن كلمـة " السعـادة " أو " الإنشراح " ستجلب لأصحـابهـا الحظـ السعيـد ..! وكلا ً أضـاف
القـاباً بعدهـا " الحـاج " .. " المعلمـ " .. وكـانهـا بطـاقة ٌ شخصيـة ليعرف النـاس بأنهمـ اتقيـاء أو محترفون في عملهمـ ..
يا لسخـافة عقولهمـ .. ويا لعقلي الذي يحـاول أن ينشق عن رأسي ، ويغـادرني إلى غيـر رجعـة ٍ ..
قدمـاي أصابهمـا الإنهـاك ، لكننـي كدت أصـل إلى مكتـب البريـد ، احمد الله بأن هنـاك شيئـاً قـد اصـل إليه وأنا على قيد الحياة.
هـل انـا حقـاً على قيــد الحيـاة ..! ربمـا ..
لا اعلمـ لم َ كـل هذا الشوق الذي اعتراني – لحظـة رؤيتـي مكتب البريـد – إلى امـي و " فاطمـة " ..
اعتليـت سلمـ مكتـب البريـد المتهالك ، وابتسـامة ً علت محياي عندمـا سألتني هذه المتسولـة أن أرأف بحالهـا وأن اعطيهـا
بعض الدراهمـ ، لعلنـي يومـاً سأكون إلى جوارهـا وتعطيني " لميس " بعضـاً من دراهمهـا ، التي رفضتهـا منـذ سنتين ..
وجوه الموظفيـن واجمـة ً تتوارى خلف زجاج ٍ متسخ ٍ من بصمـات المواطنيـن ، الذين يبعثون برسائلهم إلى الطرف الآخر
من هذه الدنيـا ، كأنهـا ندءآت استغاثة أو كلمـات تقترب من الإحتضـار شوقـاً .. كـكلمـات أمي ..
تقدمت إلى هذا الرجل الأصلـع ذو الشارب الكثيـف والعينيـن الجاحظتيـن وقلت لـه :
- إذا سمحت يا أخ ، أريـد أن أبعث هذه الرسـالة إلى السعوديـة ..
- رسـالة عاديـة أم مستعجلـة ..؟
لم يخطر ببـالي – قبـل الآن – بأن أسـأل نفسي هذا السؤال ..!
هـل كلمـاتي إلى أمي هي كلمـات ٍ مهمـة وتستدعي الوصول على جناح السرعـة ..؟!
أم انهـا مجرد كلمـات ٍ عقيمـة أمرني بهـا عقلي التعس فكتبتهـا يدي دون فكر ٍ أو اهميـة ..؟! لست ادري ..
وحتى لا يزداد إنعقـاد حاجبي هذا الرجل الذي يقف امامي في إنتظـار جوابي .. سألتـه :
- ما الفرق بينهمـا ؟
وبكـل سخطه على هذه الدنيـا اجابني :
- الرســالة العـاديـة بـدرهمـ والمستعجلـة بعشرة دراهمـ ..
عشرة دراهمـ ..! يا لهـا من ثروة ٍ لمثل من همـ في حالتي .. لا اعلمـ لمـا خطرت " لميـس " على بالي في هذه اللحظـة ..
- تفضـل يا " فارس " هذه عشرة دراهمـ هي كـل ما أملك الآن ، إشتري علبـة سجائر و قهوة .. إن شاء الله سوف تفرج ..
أذكر يومها بأنني بكيـت قليلاً ، ولكن أبداً لم أسمح لـ " لميس " أن ترى تلك العبرات التي حاولت أن أجد لهـا سببـاً آخر غيـر
شعوري بالعجز والفقـر .. وقلت لنفسي " لا بد بأن شيئـاً مـا في الهواء قد دخل دون إذن ٍ مني إلى عيني " ..
مـا أصعب أن يبكي رجـل ٌ امـام أمراة ٍ يعشقهـا .. ! وما أصعب ان ينعقـد لسـاني أمـام " لميـس " ..
وأمـام هذا الرجل الذي الواقف امـامي في إنتظـار قراري المصيري ..
أحقـاً أصبحت العشرة دراهمـ قرار مصيري بالنسبـة لي ..؟! يا لشقـائي وبؤس حالي ..
- من فضلك إجعلهـا رسـالة عاديـة .. هــاك درهمي ..
ختم ٌ صغيــر على طرف هذه الرسـالة ، كصغـر عالمي ، كأنـه جواز مرور ٍ أو تأشيرة دخول ٍ إلى السعوديـة ..
لا ادري لم َ اجتاحتني الغيـرة من هذه الرسـالة ..! بدرهمـ ٍ واحد تسـافر إلى أمي ..
أمـا أنـا فبيني وبيـن تلك التأشيرة بحر ٌ عميـق وصحراء قاحلـة ، وقوانيـن وضعيـة سخيفـة ..
مـن قال بأن الإنســان أغلى ما في الوجود ..؟! يا لـه من عجوز ٍ خرف ذلك الذي قال هذه العبـارة ..
تلفـت حولي فلمـ اجد غير صناديق البريـد مرقمـة ٌ كأنهـا توابيـت تحمـل في داخلهـا أجداث كلمـات ٍ هلكت على يدي كاتبيهـا
وملت من كثرة الإنتظـار ..
" الصندوق رقمـ الف ومـائة وخمسة " ..
وقفت امـامـه وادرت مفتاحي .. ترى هـل امطرتني أمي برسـالة ٍ أخرى ..؟! أم أن أحدا ً مـا على هذه الكرة الأرضيـة قد أخطـأ
وبعث برسالتـه إلى صندوق بريدي المهمـل ..؟!
" المرسـل : نزار عبد الحميـد " ..! ! !
روايـة " هنـا ترقـد فاطمـة " ..
هي المحاولة الأدبيـة الأولى في عالمـ الروايات ..
وهي من أربعـة فصول سأقوم بنشرهـا – بأذن الله تعالى – على التوالي .. أسبوعيــاً ..
أتمنى ان تنــال إعجابكمـ ..
هنــا ترقــد فاطمــة
" الفصــل الأول "
في بيتنـا - والذي أحاطه جدي بسلسلـة ٍ من الاحجار قبل أربعين سنة ٍ – جلست وبيدي سيجارتي وكوب قهوة ٍ كانت
قد صنعتـه لي أمي خصيصـاً من الفخـار ، رائحـة البرتقـال تفوح في أرجـاء المكـان من حديقـة جارتنـا " أمـ علاء "
في هذا الصبـاح الندي ، الذي لم يعكـر صفوه بعد عادمـات السيــارات أو صياح بـائع الغـاز وطقطته على أنابيبـه البـاليـة .
خمول ٌ يتسرب إلى جفوني ليرسمـ وذقني الطويلـة لوحة ً من الفوضويـة واللامبالاة لما يحدث من حولي ..
سبـع سنوات ٍ قد انقضت وأنا أعيش في منفاي هذا ، الذي فرضته ظروف الحرب في الخليج العربي في السنوات الأخيرة .
وعلى بعد الآف الكيلومترات يقطـن من تبقى من أهلي وإخوتي ، الذين إزدادوا واحدة ً ، كمـا أخبرتني أمي في رسالتهـا
الأخيــرة .. لا أذكـر ما جاء في رسـالة أمي .. كل ما اعرفـه بأن عائلتي قد زادت شخصـاً ..
وبأنهمـ أسموهـا " فاطمـة " .. ترى كيف هو شكلهـا هذه الـ " فاطمـة " ..؟! لا يهمـ ..
قالت أمي – في رسـالتهـا – بأنهـا جميلـة جداً كباقي إخوتي الخمسـة ، أو الستـة ، لست أذكـر .. وبأن والدي قد نقص وزنـه
وشـاب شـعره أكثـر فأكثـر ، تحب أمي أن تبقيني في قلب الحدث ، لتشعرني بأنني على قيـد الحيـاة ، أو ربما لتشعر بوجودي
الوهمي بجانبهـا ، وكعادتهـا تطلب مني أن أكتب لهـا رســالة ً أخبرها بحالي وما يجري من حولي ، ولا أذكر أن شيئـاً قد حدث
من حولي خلال السنوات الفـائتـة ، غيـر زواج بنت جيراننـا من إبن عمهـا في السعوديـة ، وقد كتبت لأمي عن أحداث ذلك
العرس ، الذي لم أذهب إليـه ..! واعتمدت على خيالي الواسـع الذي بات إحدى صفاتي في هذا المنفى .. في وطني ..
أحقـاً قـد يصبح الوطن هو المنفى ..؟! ربمـا لست ادري ..
كل ما أعرفـه الآن بأن فنجـان قهوتي قد نفذ ، وبأن الحيــاة قد بدأت تدب في أرجــاء المدينـة من حولي ، ولا بد لي أن أجدد
فنجان قهوتي مرة ً أخرى قبــل أن أخط لأمي رسـالتي التي وعدتهـا بهـا منذ سنة ٍ .. أو ربمـا أكثر ، لست أدري ..
دخلت إلى بيتنـا أو بيتي ، إختلف النـاس في تسميتـه ، فجارتنـا " أم علاء " تصر - في كـل مرة ٍ - بأن هذا البيـت هو بيت
عائلتي ، وترفض أن تسميـه ببيت " فارس " كما يسموه جيراننــا الآخرون .
لا أعلم لم َ أصر جدي على أن يسميني " فارس " ، ربما أراد أن يحقق أحد احلامـه الضائعـة من خلالي ، أو ربمـا كان يتمنى
بأن يولـد هو بهذا الإسمـ .. لا يهمـ .. لكنني أذكر يوم وفـاته جيداً ، وأنا من أخبر والدي بأن جدي لا يتحرك في سريره ..!
بعدهـا تعالت الأصوات والنحيب في المنزل ، وأخذتني أمي إلى بيت عمي الكـائن بنفس المنطقة ، لكنهـا نسيت أن تاخذ
ذاكرتي - التي خزنت صورة جدي وهو ميت – معهـا ..!
كانت مجرد اجازة صيف قضيناها في الأردن ، ككل عـام ٍ ، لا اعلمـ لم َ تتلاشى في ذهني الصور رويداً رويداً .. وتبقى صورة
" لميــس " باقيـة ٌ في ذهني ، وصورة جدي ..!
وعلى الرغم من أن " لميس " تسكن في نفس المنطقة ، لكنني لم اراها منذ أكثـر من عـام ، كدت انسى شكلهـا
أو ربما تناسيت ..!
في بيتنـا أو بيتي سمه ما شئت ، والذي يتكون من غرفـة ٍ واحدة وصالة ٍ واحدة ومطبخ ٍ واحد ونفس ٍ واحدة .. هي
نفسي أنـا .. هل أنا حقاً موجود ..؟! ربمـا ..
يتوسط غرفتي طاولة ٌ معدنيـة ٌ صنعها والدي قبل سنوات ٍ ، تآكلت مع مرور كل تلك السنين ، فقررت ان اجعـل منهـا
مكتبـاً ، أخط عليـه رسـائلي لنفسي ، أو لأمي ..
جلست على الأرض ، أمام تلك الطاولـة ، ذات الأرجل القصيرة ، وأمسكت بقلمي وبدأت أكتب تلك الرسـالة ..
" والدتي الحبيبـة .. بعـد تقبيـل أياديـك ِ – الطـاهرة عن بعـد – أكتب إليـك ِ كلمـاتي ..
جميـع من حولي يقرؤك ِ السلام ، هذا التلفـاز البـالي ، وتلك الكراسي التي رسمت اسمـك ِ على غبارهـا المتراكمـ منذ سنين ..
وخزانتي ووســادتي ، وبعضـاً من قصاصات الأوراق ، كنت قد حاولت أن أصنـع منهـا طائرة ً ورقيـة ..
ومع غروب شمس ذلك النهـار ، أقلعت وطائرتي إلى حيث انت ِ ، لكـن طائرة أحلامي ، سقطت عند تلك الحدود ..
أنـا – يا أمي – أعيش ليومي ، وماضي ّ الذي تزداد صفحاته في كل يومـ ٍ .. أطمئنــك ِ يا أمي بأن مستقبلي قـد دفنتـه تحت
أقدام " لميـس " .. بعـد أن تقطعـت بي الأسبــاب ،وفقدت حقي في إكمـال شهادتي الجامعيـة ، وأعلنت والدتهـا ثورتهـا
وغضبها على مشاعري لهـا ..
وحتى لا أطيــل عليـك ِ يا أمي ، فإن جارتنــا " أم علاء " ، قبلت أن أزرع لهـا حديقتهـا ، ووعدتني أن تسمح لي بشمـ
رائحـة البرتقـال مع هبوب اول نسيمـ للصباح ، تحيتي لك ِ يا أمي .. ولفــاطمـة .. "
أطفأت سيجارتي الثـانيـة أو الثالثـة .. لا يهمـ ، وبخطوات ٍ متثـاقلـة ورغبـة ٍ ميـْتة ، لملمـت ُ بقـايـا دراهمـي وبقـايا نفسي
ورسـالتي التي تلطخت ببعض قهوتي وانفـاسي المحترقـة ، ونزلت إلى الشـارع الرئيسي ، وعبثـاً باءت محاولاتي في إيجـاد
حافلـة ٍ تسرق منـي درهمـي وبعضـاً من قوت يومي ، على الرغمـ من ابتسـامتي الزائفـة في وجوه سائقي هذه الحافلات
المتعكـرة من الكـد والتعـب منـذ إشراقـة هذا الصبـاح ، من أجـل شراء ما يسكـت بكـاء طفل ٍ قدمـ إلى الحيـاة رغمـاً عنـه ،
ليجـد أبويـن قررا أن يشركـاه بفقرهمـا وبؤسهمـا في هذه الدنيـا ، فقط من اجـل استمرار ذريتهمـا .. يقـال بأن الطفـل يأتي
إلى هذه الدنيـا باكيـاً لأنــه يعرف بأنه لا مكـان للفرح على ظهـر هذا الكوكب المسمى بالأرض ..
قادتني قدماي إلى السيــر على هذا الرصيـف ، المتهدمـة حجارتــه ، وقـد زرعت بعـض الشجيرات – رغمـاً عنهـا – بيـــن
جنبــاته .. حتى الشجـر يزرع في غيــر مكــانه ، وحـاله يشبـه حالي ، لو أنـه خـُيـّر في مكـان ولادتـه لأختــار أن يكون في
حديقـة ٍ غنـّـاء ، أو أن أكون الآن بيـن إخوتي ومـع أمي وفــاطمـة .. أصبـح الآن عمرهـا شهريـن ، أو ربمــا ثلاثـة ...
الطريـق من بيتـي إلى مكتب البريـد يزداد بعـداً ، ولا زالت قدمــاي تصـر على أن أمضي في طريقي رغمـاً عني ..
كأنهــا الثورة قـد اعلنتهـا قدمـاي على جسدي الذي أصبـح أشبـه بورقـة خريف ٍ ، يعـايرني بـه كـل من رآني ، و" لميس "
أيضـاً ..! قالتهـا ذات مسـاء ٍ بأن جسدي يومـا ً مـا سيختفي مثـل أحلامي ..
أحلامي .. يا لهـا من كلمـة ٍ فقدت كل معنـى في داخلـي ، وأسكنـت اليـأس والاحبـاط بدلاً منهـا ، فغـدى قلبي مرتعـاً للخوف ..
" بقــالة السعــادة لصاحبهـا الحاج أحمـد "
" مطعمـ الإنشراح لصاحبهـا المعلمـ حســن "
هذه اليـافتـات تضحكنـي وكـأن كلمـة " السعـادة " أو " الإنشراح " ستجلب لأصحـابهـا الحظـ السعيـد ..! وكلا ً أضـاف
القـاباً بعدهـا " الحـاج " .. " المعلمـ " .. وكـانهـا بطـاقة ٌ شخصيـة ليعرف النـاس بأنهمـ اتقيـاء أو محترفون في عملهمـ ..
يا لسخـافة عقولهمـ .. ويا لعقلي الذي يحـاول أن ينشق عن رأسي ، ويغـادرني إلى غيـر رجعـة ٍ ..
قدمـاي أصابهمـا الإنهـاك ، لكننـي كدت أصـل إلى مكتـب البريـد ، احمد الله بأن هنـاك شيئـاً قـد اصـل إليه وأنا على قيد الحياة.
هـل انـا حقـاً على قيــد الحيـاة ..! ربمـا ..
لا اعلمـ لم َ كـل هذا الشوق الذي اعتراني – لحظـة رؤيتـي مكتب البريـد – إلى امـي و " فاطمـة " ..
اعتليـت سلمـ مكتـب البريـد المتهالك ، وابتسـامة ً علت محياي عندمـا سألتني هذه المتسولـة أن أرأف بحالهـا وأن اعطيهـا
بعض الدراهمـ ، لعلنـي يومـاً سأكون إلى جوارهـا وتعطيني " لميس " بعضـاً من دراهمهـا ، التي رفضتهـا منـذ سنتين ..
وجوه الموظفيـن واجمـة ً تتوارى خلف زجاج ٍ متسخ ٍ من بصمـات المواطنيـن ، الذين يبعثون برسائلهم إلى الطرف الآخر
من هذه الدنيـا ، كأنهـا ندءآت استغاثة أو كلمـات تقترب من الإحتضـار شوقـاً .. كـكلمـات أمي ..
تقدمت إلى هذا الرجل الأصلـع ذو الشارب الكثيـف والعينيـن الجاحظتيـن وقلت لـه :
- إذا سمحت يا أخ ، أريـد أن أبعث هذه الرسـالة إلى السعوديـة ..
- رسـالة عاديـة أم مستعجلـة ..؟
لم يخطر ببـالي – قبـل الآن – بأن أسـأل نفسي هذا السؤال ..!
هـل كلمـاتي إلى أمي هي كلمـات ٍ مهمـة وتستدعي الوصول على جناح السرعـة ..؟!
أم انهـا مجرد كلمـات ٍ عقيمـة أمرني بهـا عقلي التعس فكتبتهـا يدي دون فكر ٍ أو اهميـة ..؟! لست ادري ..
وحتى لا يزداد إنعقـاد حاجبي هذا الرجل الذي يقف امامي في إنتظـار جوابي .. سألتـه :
- ما الفرق بينهمـا ؟
وبكـل سخطه على هذه الدنيـا اجابني :
- الرســالة العـاديـة بـدرهمـ والمستعجلـة بعشرة دراهمـ ..
عشرة دراهمـ ..! يا لهـا من ثروة ٍ لمثل من همـ في حالتي .. لا اعلمـ لمـا خطرت " لميـس " على بالي في هذه اللحظـة ..
- تفضـل يا " فارس " هذه عشرة دراهمـ هي كـل ما أملك الآن ، إشتري علبـة سجائر و قهوة .. إن شاء الله سوف تفرج ..
أذكر يومها بأنني بكيـت قليلاً ، ولكن أبداً لم أسمح لـ " لميس " أن ترى تلك العبرات التي حاولت أن أجد لهـا سببـاً آخر غيـر
شعوري بالعجز والفقـر .. وقلت لنفسي " لا بد بأن شيئـاً مـا في الهواء قد دخل دون إذن ٍ مني إلى عيني " ..
مـا أصعب أن يبكي رجـل ٌ امـام أمراة ٍ يعشقهـا .. ! وما أصعب ان ينعقـد لسـاني أمـام " لميـس " ..
وأمـام هذا الرجل الذي الواقف امـامي في إنتظـار قراري المصيري ..
أحقـاً أصبحت العشرة دراهمـ قرار مصيري بالنسبـة لي ..؟! يا لشقـائي وبؤس حالي ..
- من فضلك إجعلهـا رسـالة عاديـة .. هــاك درهمي ..
ختم ٌ صغيــر على طرف هذه الرسـالة ، كصغـر عالمي ، كأنـه جواز مرور ٍ أو تأشيرة دخول ٍ إلى السعوديـة ..
لا ادري لم َ اجتاحتني الغيـرة من هذه الرسـالة ..! بدرهمـ ٍ واحد تسـافر إلى أمي ..
أمـا أنـا فبيني وبيـن تلك التأشيرة بحر ٌ عميـق وصحراء قاحلـة ، وقوانيـن وضعيـة سخيفـة ..
مـن قال بأن الإنســان أغلى ما في الوجود ..؟! يا لـه من عجوز ٍ خرف ذلك الذي قال هذه العبـارة ..
تلفـت حولي فلمـ اجد غير صناديق البريـد مرقمـة ٌ كأنهـا توابيـت تحمـل في داخلهـا أجداث كلمـات ٍ هلكت على يدي كاتبيهـا
وملت من كثرة الإنتظـار ..
" الصندوق رقمـ الف ومـائة وخمسة " ..
وقفت امـامـه وادرت مفتاحي .. ترى هـل امطرتني أمي برسـالة ٍ أخرى ..؟! أم أن أحدا ً مـا على هذه الكرة الأرضيـة قد أخطـأ
وبعث برسالتـه إلى صندوق بريدي المهمـل ..؟!
" المرسـل : نزار عبد الحميـد " ..! ! !