المساعد الشخصي الرقمي إضغط هنا لمشاهدة المواضيع حسب التسلسل من الأحدث الى الأقدم

مشاهدة النسخة كاملة : هنـــا ترقــد فــاطمـة ...


المهندس
28-10-06, 06:53 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

روايـة " هنـا ترقـد فاطمـة " ..

هي المحاولة الأدبيـة الأولى في عالمـ الروايات ..

وهي من أربعـة فصول سأقوم بنشرهـا – بأذن الله تعالى – على التوالي .. أسبوعيــاً ..

أتمنى ان تنــال إعجابكمـ ..



هنــا ترقــد فاطمــة

" الفصــل الأول "

في بيتنـا - والذي أحاطه جدي بسلسلـة ٍ من الاحجار قبل أربعين سنة ٍ – جلست وبيدي سيجارتي وكوب قهوة ٍ كانت

قد صنعتـه لي أمي خصيصـاً من الفخـار ، رائحـة البرتقـال تفوح في أرجـاء المكـان من حديقـة جارتنـا " أمـ علاء "

في هذا الصبـاح الندي ، الذي لم يعكـر صفوه بعد عادمـات السيــارات أو صياح بـائع الغـاز وطقطته على أنابيبـه البـاليـة .

خمول ٌ يتسرب إلى جفوني ليرسمـ وذقني الطويلـة لوحة ً من الفوضويـة واللامبالاة لما يحدث من حولي ..

سبـع سنوات ٍ قد انقضت وأنا أعيش في منفاي هذا ، الذي فرضته ظروف الحرب في الخليج العربي في السنوات الأخيرة .

وعلى بعد الآف الكيلومترات يقطـن من تبقى من أهلي وإخوتي ، الذين إزدادوا واحدة ً ، كمـا أخبرتني أمي في رسالتهـا

الأخيــرة .. لا أذكـر ما جاء في رسـالة أمي .. كل ما اعرفـه بأن عائلتي قد زادت شخصـاً ..

وبأنهمـ أسموهـا " فاطمـة " .. ترى كيف هو شكلهـا هذه الـ " فاطمـة " ..؟! لا يهمـ ..

قالت أمي – في رسـالتهـا – بأنهـا جميلـة جداً كباقي إخوتي الخمسـة ، أو الستـة ، لست أذكـر .. وبأن والدي قد نقص وزنـه

وشـاب شـعره أكثـر فأكثـر ، تحب أمي أن تبقيني في قلب الحدث ، لتشعرني بأنني على قيـد الحيـاة ، أو ربما لتشعر بوجودي

الوهمي بجانبهـا ، وكعادتهـا تطلب مني أن أكتب لهـا رســالة ً أخبرها بحالي وما يجري من حولي ، ولا أذكر أن شيئـاً قد حدث

من حولي خلال السنوات الفـائتـة ، غيـر زواج بنت جيراننـا من إبن عمهـا في السعوديـة ، وقد كتبت لأمي عن أحداث ذلك

العرس ، الذي لم أذهب إليـه ..! واعتمدت على خيالي الواسـع الذي بات إحدى صفاتي في هذا المنفى .. في وطني ..

أحقـاً قـد يصبح الوطن هو المنفى ..؟! ربمـا لست ادري ..

كل ما أعرفـه الآن بأن فنجـان قهوتي قد نفذ ، وبأن الحيــاة قد بدأت تدب في أرجــاء المدينـة من حولي ، ولا بد لي أن أجدد

فنجان قهوتي مرة ً أخرى قبــل أن أخط لأمي رسـالتي التي وعدتهـا بهـا منذ سنة ٍ .. أو ربمـا أكثر ، لست أدري ..

دخلت إلى بيتنـا أو بيتي ، إختلف النـاس في تسميتـه ، فجارتنـا " أم علاء " تصر - في كـل مرة ٍ - بأن هذا البيـت هو بيت

عائلتي ، وترفض أن تسميـه ببيت " فارس " كما يسموه جيراننــا الآخرون .

لا أعلم لم َ أصر جدي على أن يسميني " فارس " ، ربما أراد أن يحقق أحد احلامـه الضائعـة من خلالي ، أو ربمـا كان يتمنى

بأن يولـد هو بهذا الإسمـ .. لا يهمـ .. لكنني أذكر يوم وفـاته جيداً ، وأنا من أخبر والدي بأن جدي لا يتحرك في سريره ..!

بعدهـا تعالت الأصوات والنحيب في المنزل ، وأخذتني أمي إلى بيت عمي الكـائن بنفس المنطقة ، لكنهـا نسيت أن تاخذ

ذاكرتي - التي خزنت صورة جدي وهو ميت – معهـا ..!

كانت مجرد اجازة صيف قضيناها في الأردن ، ككل عـام ٍ ، لا اعلمـ لم َ تتلاشى في ذهني الصور رويداً رويداً .. وتبقى صورة

" لميــس " باقيـة ٌ في ذهني ، وصورة جدي ..!

وعلى الرغم من أن " لميس " تسكن في نفس المنطقة ، لكنني لم اراها منذ أكثـر من عـام ، كدت انسى شكلهـا

أو ربما تناسيت ..!

في بيتنـا أو بيتي سمه ما شئت ، والذي يتكون من غرفـة ٍ واحدة وصالة ٍ واحدة ومطبخ ٍ واحد ونفس ٍ واحدة .. هي

نفسي أنـا .. هل أنا حقاً موجود ..؟! ربمـا ..

يتوسط غرفتي طاولة ٌ معدنيـة ٌ صنعها والدي قبل سنوات ٍ ، تآكلت مع مرور كل تلك السنين ، فقررت ان اجعـل منهـا

مكتبـاً ، أخط عليـه رسـائلي لنفسي ، أو لأمي ..

جلست على الأرض ، أمام تلك الطاولـة ، ذات الأرجل القصيرة ، وأمسكت بقلمي وبدأت أكتب تلك الرسـالة ..

" والدتي الحبيبـة .. بعـد تقبيـل أياديـك ِ – الطـاهرة عن بعـد – أكتب إليـك ِ كلمـاتي ..

جميـع من حولي يقرؤك ِ السلام ، هذا التلفـاز البـالي ، وتلك الكراسي التي رسمت اسمـك ِ على غبارهـا المتراكمـ منذ سنين ..

وخزانتي ووســادتي ، وبعضـاً من قصاصات الأوراق ، كنت قد حاولت أن أصنـع منهـا طائرة ً ورقيـة ..

ومع غروب شمس ذلك النهـار ، أقلعت وطائرتي إلى حيث انت ِ ، لكـن طائرة أحلامي ، سقطت عند تلك الحدود ..

أنـا – يا أمي – أعيش ليومي ، وماضي ّ الذي تزداد صفحاته في كل يومـ ٍ .. أطمئنــك ِ يا أمي بأن مستقبلي قـد دفنتـه تحت

أقدام " لميـس " .. بعـد أن تقطعـت بي الأسبــاب ،وفقدت حقي في إكمـال شهادتي الجامعيـة ، وأعلنت والدتهـا ثورتهـا

وغضبها على مشاعري لهـا ..

وحتى لا أطيــل عليـك ِ يا أمي ، فإن جارتنــا " أم علاء " ، قبلت أن أزرع لهـا حديقتهـا ، ووعدتني أن تسمح لي بشمـ

رائحـة البرتقـال مع هبوب اول نسيمـ للصباح ، تحيتي لك ِ يا أمي .. ولفــاطمـة .. "

أطفأت سيجارتي الثـانيـة أو الثالثـة .. لا يهمـ ، وبخطوات ٍ متثـاقلـة ورغبـة ٍ ميـْتة ، لملمـت ُ بقـايـا دراهمـي وبقـايا نفسي

ورسـالتي التي تلطخت ببعض قهوتي وانفـاسي المحترقـة ، ونزلت إلى الشـارع الرئيسي ، وعبثـاً باءت محاولاتي في إيجـاد

حافلـة ٍ تسرق منـي درهمـي وبعضـاً من قوت يومي ، على الرغمـ من ابتسـامتي الزائفـة في وجوه سائقي هذه الحافلات

المتعكـرة من الكـد والتعـب منـذ إشراقـة هذا الصبـاح ، من أجـل شراء ما يسكـت بكـاء طفل ٍ قدمـ إلى الحيـاة رغمـاً عنـه ،

ليجـد أبويـن قررا أن يشركـاه بفقرهمـا وبؤسهمـا في هذه الدنيـا ، فقط من اجـل استمرار ذريتهمـا .. يقـال بأن الطفـل يأتي

إلى هذه الدنيـا باكيـاً لأنــه يعرف بأنه لا مكـان للفرح على ظهـر هذا الكوكب المسمى بالأرض ..

قادتني قدماي إلى السيــر على هذا الرصيـف ، المتهدمـة حجارتــه ، وقـد زرعت بعـض الشجيرات – رغمـاً عنهـا – بيـــن

جنبــاته .. حتى الشجـر يزرع في غيــر مكــانه ، وحـاله يشبـه حالي ، لو أنـه خـُيـّر في مكـان ولادتـه لأختــار أن يكون في

حديقـة ٍ غنـّـاء ، أو أن أكون الآن بيـن إخوتي ومـع أمي وفــاطمـة .. أصبـح الآن عمرهـا شهريـن ، أو ربمــا ثلاثـة ...

الطريـق من بيتـي إلى مكتب البريـد يزداد بعـداً ، ولا زالت قدمــاي تصـر على أن أمضي في طريقي رغمـاً عني ..

كأنهــا الثورة قـد اعلنتهـا قدمـاي على جسدي الذي أصبـح أشبـه بورقـة خريف ٍ ، يعـايرني بـه كـل من رآني ، و" لميس "

أيضـاً ..! قالتهـا ذات مسـاء ٍ بأن جسدي يومـا ً مـا سيختفي مثـل أحلامي ..

أحلامي .. يا لهـا من كلمـة ٍ فقدت كل معنـى في داخلـي ، وأسكنـت اليـأس والاحبـاط بدلاً منهـا ، فغـدى قلبي مرتعـاً للخوف ..

" بقــالة السعــادة لصاحبهـا الحاج أحمـد "

" مطعمـ الإنشراح لصاحبهـا المعلمـ حســن "

هذه اليـافتـات تضحكنـي وكـأن كلمـة " السعـادة " أو " الإنشراح " ستجلب لأصحـابهـا الحظـ السعيـد ..! وكلا ً أضـاف

القـاباً بعدهـا " الحـاج " .. " المعلمـ " .. وكـانهـا بطـاقة ٌ شخصيـة ليعرف النـاس بأنهمـ اتقيـاء أو محترفون في عملهمـ ..

يا لسخـافة عقولهمـ .. ويا لعقلي الذي يحـاول أن ينشق عن رأسي ، ويغـادرني إلى غيـر رجعـة ٍ ..

قدمـاي أصابهمـا الإنهـاك ، لكننـي كدت أصـل إلى مكتـب البريـد ، احمد الله بأن هنـاك شيئـاً قـد اصـل إليه وأنا على قيد الحياة.

هـل انـا حقـاً على قيــد الحيـاة ..! ربمـا ..

لا اعلمـ لم َ كـل هذا الشوق الذي اعتراني – لحظـة رؤيتـي مكتب البريـد – إلى امـي و " فاطمـة " ..

اعتليـت سلمـ مكتـب البريـد المتهالك ، وابتسـامة ً علت محياي عندمـا سألتني هذه المتسولـة أن أرأف بحالهـا وأن اعطيهـا

بعض الدراهمـ ، لعلنـي يومـاً سأكون إلى جوارهـا وتعطيني " لميس " بعضـاً من دراهمهـا ، التي رفضتهـا منـذ سنتين ..

وجوه الموظفيـن واجمـة ً تتوارى خلف زجاج ٍ متسخ ٍ من بصمـات المواطنيـن ، الذين يبعثون برسائلهم إلى الطرف الآخر

من هذه الدنيـا ، كأنهـا ندءآت استغاثة أو كلمـات تقترب من الإحتضـار شوقـاً .. كـكلمـات أمي ..

تقدمت إلى هذا الرجل الأصلـع ذو الشارب الكثيـف والعينيـن الجاحظتيـن وقلت لـه :

- إذا سمحت يا أخ ، أريـد أن أبعث هذه الرسـالة إلى السعوديـة ..

- رسـالة عاديـة أم مستعجلـة ..؟

لم يخطر ببـالي – قبـل الآن – بأن أسـأل نفسي هذا السؤال ..!

هـل كلمـاتي إلى أمي هي كلمـات ٍ مهمـة وتستدعي الوصول على جناح السرعـة ..؟!

أم انهـا مجرد كلمـات ٍ عقيمـة أمرني بهـا عقلي التعس فكتبتهـا يدي دون فكر ٍ أو اهميـة ..؟! لست ادري ..

وحتى لا يزداد إنعقـاد حاجبي هذا الرجل الذي يقف امامي في إنتظـار جوابي .. سألتـه :

- ما الفرق بينهمـا ؟

وبكـل سخطه على هذه الدنيـا اجابني :

- الرســالة العـاديـة بـدرهمـ والمستعجلـة بعشرة دراهمـ ..

عشرة دراهمـ ..! يا لهـا من ثروة ٍ لمثل من همـ في حالتي .. لا اعلمـ لمـا خطرت " لميـس " على بالي في هذه اللحظـة ..

- تفضـل يا " فارس " هذه عشرة دراهمـ هي كـل ما أملك الآن ، إشتري علبـة سجائر و قهوة .. إن شاء الله سوف تفرج ..

أذكر يومها بأنني بكيـت قليلاً ، ولكن أبداً لم أسمح لـ " لميس " أن ترى تلك العبرات التي حاولت أن أجد لهـا سببـاً آخر غيـر

شعوري بالعجز والفقـر .. وقلت لنفسي " لا بد بأن شيئـاً مـا في الهواء قد دخل دون إذن ٍ مني إلى عيني " ..

مـا أصعب أن يبكي رجـل ٌ امـام أمراة ٍ يعشقهـا .. ! وما أصعب ان ينعقـد لسـاني أمـام " لميـس " ..

وأمـام هذا الرجل الذي الواقف امـامي في إنتظـار قراري المصيري ..

أحقـاً أصبحت العشرة دراهمـ قرار مصيري بالنسبـة لي ..؟! يا لشقـائي وبؤس حالي ..

- من فضلك إجعلهـا رسـالة عاديـة .. هــاك درهمي ..

ختم ٌ صغيــر على طرف هذه الرسـالة ، كصغـر عالمي ، كأنـه جواز مرور ٍ أو تأشيرة دخول ٍ إلى السعوديـة ..

لا ادري لم َ اجتاحتني الغيـرة من هذه الرسـالة ..! بدرهمـ ٍ واحد تسـافر إلى أمي ..

أمـا أنـا فبيني وبيـن تلك التأشيرة بحر ٌ عميـق وصحراء قاحلـة ، وقوانيـن وضعيـة سخيفـة ..

مـن قال بأن الإنســان أغلى ما في الوجود ..؟! يا لـه من عجوز ٍ خرف ذلك الذي قال هذه العبـارة ..

تلفـت حولي فلمـ اجد غير صناديق البريـد مرقمـة ٌ كأنهـا توابيـت تحمـل في داخلهـا أجداث كلمـات ٍ هلكت على يدي كاتبيهـا

وملت من كثرة الإنتظـار ..

" الصندوق رقمـ الف ومـائة وخمسة " ..

وقفت امـامـه وادرت مفتاحي .. ترى هـل امطرتني أمي برسـالة ٍ أخرى ..؟! أم أن أحدا ً مـا على هذه الكرة الأرضيـة قد أخطـأ

وبعث برسالتـه إلى صندوق بريدي المهمـل ..؟!

" المرسـل : نزار عبد الحميـد " ..! ! !

saysa
29-10-06, 10:36 PM
شكرا اخى قصة اكتر من رائعة

حزن
30-10-06, 04:05 PM
أخى : المهندس

ترددت كثيراً فى الرد بعد أن قرأت هذا الجزء من روايتك للمرة الرابعة

حقاً مبدع أنت بلاجدال أوأدنى قدر من المبالغة

أسلوبك المميز يضعك فى قائمة الروائيين الذين أعشق القرأة لهم برغم أنها

محاولتك الأولى فى عالم الرواية كما ذكرت

بإنتظار إكتمال فصول روايتك بشغف بالغ

ولى تعقيب أخير بعد إكتمالها بإذن الله

تقبل خالص شكرى وتقديرى لقلمك

تحياتى ..

حزن ..

المهندس
04-11-06, 10:00 PM
" الفصل الثاني "


لكل صندوق ٍ من هذه الصناديق حكـاية ً ، وفي كل حكـاية ٍ أحداث ٌ كتبتهـا الأيـام والسنون ، وصندوق بريدي إحدى هذه

الصناديق ، لكن احداثـه اختصرهـا الزمان في بضع رسـائل ٍ كان المرسـل إليـه فيهـا هو شخص واحد .." فارس عبدالحميد "

العلاقة – بيني وبيـن " نزار " – كانت في السـابق اكثر من مجرد علاقـة أخ ٍ بأخ .. وتجاوزتـه إلى صداقـة ٍ متفـردة ً بكيانهـا

عن باقي أخوتي ، والعـامل المشترك فيهـا هو الشعور بالظلمـ في هذه العـائلـة ، البسيطـة أفكارهـا ، والعميقـة مشاعرهـا ..

ولا زلت أذكر اجتماعاتنـا السريـة على سطح المنزل ، ومحاولاتنـا الطفوليـة لسرقـة اللوز من شجرة الجيران ، التي رمت

بثمارهـا على سطح منزلنـا .. كنت أنـا العقل المفكـر ، وكان هو يتسلق الأشجــار ..

هذه هي رسـالته الاولى لي منـذ أكثـر من سبـع سنوات ٍ ، هي سنوات منفاي القصري في وطني ، عن اهلي .. ولا زال خط

" نزار " يحتفظ بفوضويتـه المعتـادة ، وميلانـه الذي رسمـ تلك الابتسـامة على شفتي ، لحظـة قراءتي لإسمـ المرســل ..

لا انكـر بأنني عاودت قراءة الإسمـ لأكثــر من مرة ، لكي أتأكـد من ان هذه الرســالة تخصني ، وتخص " نزار " ..

قادتني قدمـاي إلى تلك السلالمـ مرة ً اخرى ، خارج مكتب البريـد ، وبيدي تلك الرسـالة ، أقلبهـا ذات اليميـن وذات الشمـال ..

لكنني هذه المرة لم اجد تلك المتسولــة على هذه السلالمـ ، ووجدت رضيعهـا على حطـة ٍ عربيــة ، تلك التي يضعهـا الرجـل

على رأسه ليتفاخر فيهـا بعروبتـه ، وبنخوتـه ، وبكرمــه .. ملقـاة ً وأيـاه على أرض السلالمـ ...!

حاولت أن أقتـل تلك المشـاعر الإنسـانيـة في داخلي من هذا المشهـد ، وأكتفي بتفسير المشهـد على أنـه مجرد متسولة ٍ

ورضيعهــا ، واطلقت العنـان لقدمي تسير إلى حيث قـُـدِرَ لهـا أن تسيــر ، واكتفيـت بفض تلك الرســالة وقراءة ما كتبـه

" نزار " بعـد كـل تلك السنين .

" أخي الحبيب " فارس " بعد التحيــة ، والاطمئنـان عن صحتـك ، أكتب لك رسالتي هذه راجيـاً أن تصلك في الموعـد

المنـاسب ، ومرفقـاً معهـا في اسفــل الرســالة ، رقمـ المعاملـة لدى السفارة السعوديـة في العاصمـة " عمان " ،

ورقم الحوالـة البنكيـة ، لكي تشتري تذكرة الطيران وما يلزمـك في هذه الرحلــة ، أرجو منـك يا اخي الذهـاب إلى السفارة

ووضع ختمـ الدخول إلى الأراضي السعوديـة ، ولا تنسى جواز سفرك .. مبروك يا أخي ، عسى الله أن يجمـع شملنـا على

خيــر .. مرفق مع الرســالة صورة لـ " فاطمـة " ..

أخوك المخلص / نزار عبد الحميد .. " ..

الطقس شديد الحرارة ، وقطرة العرق تنحدر من جبيني إلى إطار نظارتي ، ثم تنحدر على العدسـة . وغبش ٌ شــامل يعكـر

ما أراه ، وما اتوقعـه ، وما اتذكره ، وشريط العمـر يمـر أمامي ، أسمــع صوت خطواتي على الأسفلت لأول مرة ، أشعر

بقدمي لأول مرة ، وبيدي تلك الرســالة ، أمشي بإتجـاه الأمــام لأول مرة ، مشيـة ً عـادية ، ربمـا تبدو عاديـة ..

ورائي العـالم وأمــامي عالمي .

أفكـار ٌ تأخذني إلى ماوراء الكلمـات ، كلمـات " نزار " ، وتتوالى الصور أمــامي لبيتنــا الذي تركتـه قبــل سبــع سنوات ٍ ..

ربمــا اكثــر ، أرى خلفــه ابتســامة امي ، ولحيــة أبي ، وبيــن يدي الآن صورة " فــاطمــة " ..

تعابير وجهي تتغيــر في كل دقيقـة ٍ الف مرة ، ورمـاد سيجارتي يتطاير في الهواء ، كأيــام عمري الفـائتـة .. لا ادري لم َ

بدات أشعــر الآن بسنوات العمـر .. ؟! ولم َ تتسارع خطواتي إلى بيتي أو بيت العـائلة كمـا تحب أن تسميـه " أم علاء " ..؟!

والشعور بالخوف يتساوى - في معـادلة رياضيـة ٍ غير مفهومـة - مع السعـادة والحنين للسفــر خارج الوطن .

أي تنــاقض ٍ ذاك الذي يعتريني الآن ، وأي رغبـة ٍ تجتاحني للضحك والبكــاء في آن واحد ..

أدهشني أن خيالي استمر في العمـل ، رغم وعيي الكـامل بأنني امشي على الأرض التي كانت شغلا ً لخيـالي في سنوات البعـد

الطويلـة .

المسـافة بيـن مكتب البريد وبيتي اصبحت أبعـد فأبعـد ، والأشجـار – على ذلك الرصيف – تطالعني بنظرات ٍ غيـر مفهومـة ..

وكـل ما في يدي وعقلي لا يسـاوي غير بضـع دراهمـ ٍ وأيـام ٍ طويلــة ، ورســالة " نزار " وصورة " فــاطمـة " ..

قادني – ولأول مرة ٍ – فضول إلى رؤيـة ما كتب خلف تلك الصورة ، التي لم أطالعهـا بعـد ، ولم أشعـر إلا ّ بهـا في الوقت ذاته

فقرأت " صورة فاطمـة وعمرهـا خمسـة أشهـر " ..

" فاطمـة " عينـان بنيتـان وشعر ٌ يميـل إلى الأشقر وابتسـامة بريئـة ،، والمسـافة بيني وبينهـا لا تتجاوز أصابع يدي وتلك

الحدود الموضوعـة بين لسـان ٍ عربي وآخر ، وأختـام ٍ وجوازات سفــر ..

السـاعة تشير إلى الثانيـة عشرة ظهراً والحرارة في الخارج تتنـاسب طرديـاً مع أشواقي التعبـة إلى الوصول إلى بيتي

ومعانقـة جواز سفري ، وأوراقي الصفراء كاصفرار أوراق الشجر هذه ..

أشعر بأن القدر قـد مـن ّ علي بفرصـة ٍ أخيـرة لرؤيـة أمي واخوتي .. و " فاطمة " بعـد سبــع سنوات ٍ وليال ٍ طويلـة ..

ها هي " أم علاء " تقومـ بنشـر غسيلهـا على سطح بيتي بقامتهـا النحيلـة ، وعمرهـا الستيني .. يعجبني كفاح " أم علاء "

بعـد وفـاة زوجهـا ورحيـل ولدهـا إلى الخارج ، كغيـره من الشبـاب في حالة هروب ٍ إجباري من الوطن وانعدام فرص العمـل

في وطني ، الجميـع يهرب من الوطن ، والوطن مسلوب الإرادة ، مغلوب ٌ على أمره ، لكنـه يدفـع بأولاده إلى الخارج رغمـاً

عنـه حتى لا يفقدوا حقهمـ في الامـل ، والحلمـ ، والحيــاة .. " أم علاء " هي الوطن ..

- دعيني أســاعدك يا " أم علاء " ..

- الله يرضى عليـك يا ولدي يا " فارس " ويرجعـك سالم لأهلك بحق جاه الحبيب المصطفى .. احكي آميـن يا ولد ..

- آميــن ..

يبدو بأن الله قـد استجاب لدعوات " أم علاء " هذه المرة ، فمنذ سنوات ٍ وهذه الدعوة لا تفارق لسانهـا كلمـا قرأت

معالمـ الحزن في وجهي وأنـا أتحدث إليهـا .. من قــال بان " أم علاء " لا تعرف الكتابة والقراءة .. ؟!

أعود إلى غرفتي ، إلى سريري ، القي بجسدي التعب من السير طيلـة النهـار ، واحملق في سماء غرفتي وعالمي ، الذي

لا أعرف إيـاه منـذ أكثر من سبـع سنوات ..

صور ٌ كثيرة ترتسمـ على سقف الغرفـة لأنــاس ٍ مروا في حياتي ، بعضهمـ لا زال عالقـاً في ذاكرتي ، والآخـر قد توارى

تحت التراب .. النعـاس يزحف إلى مقلتي ببطء ٍ شديد ٍ ، وخلايـا عقلي تتزعمـ إنقلاب على عقلي وفكري ، وتطالب بأجـازة

من التفكيــر في ما مضى ومـا هو آت .. فأستسلم لنومـ ٍ عميـق ، الآن عرفت معنى أن ينـام المرء ملء جفونـه عن شواردها .

مع بزوغ فجر اليوم التالي .. حملت معي رسالة " نزار " وجواز سفري وبعض دراهمي وذاكرتي وصورة " فاطمـة " ..

هذه المرة كانت المسـافة أطول من أن تستحملهـا قدمـاي ، فاستوقفت سيارة " تاكسي " – ربمـا هذه هي المرة الأولى التي

اسمح لسائق تاكسي أن يسلبني دراهمي – وتوجهت إلى حيث أوصاني " نزار " في رسـالته ، التي بعث بهـا إلي ّ وزرع

بداخلهـا نبتـة الامـل لرؤية أمي ورؤيـة " فاطمة " ..

- السفارة السعوديـة لو سمحت ..

- تفضـل ..

أشعلت سيجارتي ، بعد استئذان هذا الرجل الذي يجلس بجانبي ويقودني إلى نقطـة البداية ، أو نقطـة النهـاية ، لست أدري ..

ونفثت دخانهـا من خلال النـافذة المفتوحـة بجانبي .. من قـال بان السيجارة رفيقة الغربـة ..!

الخوف من القـادم يحتـل مساحة ً كبيرة في عقلي وقلبي ، وتعبر عنه رعشـة يدي وسيجارتي بحركة ٍ لا إراديـة ، والسـائق

يسابق الزمـن حتى يوصلني ، ويقذف بي من هذا الباب ، وينتزع دراهمي ، حتى يتمكـن من اصطيـاد راكب ٍ آخر ..

ساريـة العلمـ تشير إلى تلك السفارة ، السفارة السعوديـة ، وتعيـد إلى ذاكرتي سنوات ٍ مضت ، وأيـام ٍ قضيت بعضهـا أمـام هذا

البـاب الأسود وأسواره ، بحراسـه ومراجعيـه وموظفيـه ..

البعض اتخذ من جوانب هذا السور مصدر رزق ٍ لـه ، وعلا صوتـه بكلمـات ٍ كثيرة .. " ببسي ، ساندوتش ، مناديل ، اقلام ،

دمغات .. " وغيرهـا من الكلمـات الكثيرة ، التي تشعرك بالجوع احيـاناً ، وبدنو موعـد الرحيـل عن الوطن والمنفى أحياناً

أخرى ...!

طابور ٌ من النـاس ، رجالاً ونسـاء ً ، اصطفوا امـام تلك البوابـة ، كل ٌ يحمـل بداخلـه حلمـه وبعضـاً من أمنيــاته ، لينتهي بهمـ

الامــر إلى ذلك الموظف القـابع على كرسيـه خلف تلك الشبابيــك .. ويصيـح بالموجودين :

- بالدور يا جمـاعة الله يرضى عليكمـ ، الكـل راح يمشي ، لا تتدافعوا وإلا ّ .. !

المشهـد ذاته يعيـد نفسـه بعـد هذه السنوات ، يوم أن أبلغني والدي بأن ظروف الحرب تحول دون رجوعي ، وبأنني قد فقدت

حق الإقــامة بيـنهمـ .. يومهـا لم اكن أعي جيدا ً معنى كلمـاته ، بـل ربمـا فرحت بداخلي بالحريــة الزائفـة التي سأحصــل

عليهـا ، ولمـ أفهمـ - يومهـا – لم َ بكت أمي ...!

الآن أقف في هذا الطـابور واحمـل بيـن يدي رســالة " نزار " وتذكرة سفري ، وجواز السفــر ..

- تفضـل هذا رقمـ المعاملـة وجواز السفر ..

بعد دقيقة أو دقيقتين .. لست أدري ..

- ارجع بعد ساعتيـن لتستلمـ جواز سفرك ..

- شكرا ً ..

خرجت من الطابور بخاصية القصور الذاتي لتدافـع الجماهيــر من خلفي وامـامي وعلى جانبي ّ ، لا أدري لما شعرت بالسعادة

في هذه اللحظة ، على الرغمـ من فقداني بطاقتي الشخصية وسط هذا الزحام ..

هذا المنظـر يتكرر في أنحاء كثيرة من وطني .. في المخـابز ، ومطاعم الفول ، ومواقف الحافلات ، وغيرهـا .. والقاسمـ

المشترك في نوعيـة البشــر هنـا وهناك هو فقر الحـال ، والركض خلف رغيف خبز ٍ يرتفـع سعره بعد كل خطاب ٍ لقـائد البلاد

...! أحاول أن أخرج بجسدي وما تبقى من وعي عقلي وبقايا دراهمي خارج هذا الباب الأسود ، والزمـن يتوقف أمامي ..

ساعتـان ..! ما قيمـة السـاعتان مقابل سبـع سنوات إنتظــار .. !

هذا الشـارع لا زال كما هو لم تتغيــر أرصفته ولم تتغيـر تلك الدعوات - التي ابتهـل بهـا اصحابها إلى الله – لتتمـ الموافقـة

على طلب زيــارة ٍ أو عقـد عمـل ٍ ينقذ أحلامهـم من الوؤد ِ تحت ركـام الواقـع المرير الذي فرضتـه ظروف الوطن ..

وعلى ذلك المقهى المقـابل للسفارة ، جلست احمـل بيدي سيجارتي وفنجان قهوتي ، وأطالع تذكرة السفر وصورة " فاطمة".

يسـافر عقلي إلى الماضي البعيـد ، لمنزل أمي ، هنــاك كانت طفولتي ، وهنـاك مارست الكتـابة على أوراقي لأول مرة ..

غداً – وفي تمـام السـاعة التـاسعة صباحا ً – أكون على تلك الطـائرة ، التي كنت أراقبهـا من على سطح بيتنـا أو بيتي ..

طائرتي هذه المرة ليست ورقيـة ، وحدودي أبعـد من ختمـ جواز سفري ، وأبعـد من حبي لـ " لميـس " ..

حدودي لن تتوقف عنـد جملة " ممنوع من السفر " ، حدودي هي عنـاق أبي وقهوة امي ووجــه " فــاطمـة " ..

أفيـق من شرودي مع اقتراب موعـد تسلمــ جواز سفري ، وأطوي الأرض تحت قدمـاي ، إلى تلك إلى ذلك الباب الأسود ،

وبعـد دقـائق ٍ معدودة ،، أسمـع ذلك الرجـل ، الواقف خلف ذلك الشبـاك ، ينـادي باسمي :

" فارس عبد الحميـد " تفضل جواز سفرك .. لا تدع الرحلـة تفوتـك يا رجل .." وابتسمـ ..

لا أعلمـ كيف ارتسمت على شفتي تلك الابتسـامة ، التي لم ترتسم على شفتي منذ أن أبلغني والدي بأن الحرب قد سلبت مني

حق العودة إليهمـ ..

أميرة الحب
06-11-06, 12:12 PM
بانتظار الفصل الثالث والرابع
أميـــــــــــــــــرة الحب

المهندس
13-11-06, 09:44 PM
" الفصــل الثــالث "

يوم السفـر ..

الســـاعة الســابعة صباحـاً ..

مضى أكثر من ساعـة ٍ وانـا أتامـل في أوراقي وحقيبة سفري ، التي لم تخلو من الفوضويـة وبعض الملابس غير المكويـة ..

ولم يبق على رحلة العودة إلا ّ ساعتين ، ربما أقـل ، أطالع بيتي للمرة الأخيرة ، أقبـّل وسادتي ، وطاولتي ، وحائط غرفتي ..

مشاعر مضطربة تربطني بهذا المكان ، والوقت يمر سريعـاً للمرة الأولى ، وللمرة الاخيرة أودع بيتي وبيت عائلتي وأودع

" أم علاء " كأنني أودع الوطن ..!

- دير بالك على حالك يا ولد .. فاهمـ ..؟ وياويلك إذا بكيت مرة ثانيـة أمام أي أحد .. وخصوصـاً أمـك ..

قالت " أم علاء " هذه الجملـة وعينـاها تفيض بدمـع غزير على وجنتيهـا .. ووضعت في يدي ورقـة ً وقالت :

- أقرأها وانت في الطائرة .. هذه الورقة من " لميس " يا ولد ..

يومهـا لمـ أبك ِ .. " ام علاء " هي من بكت ...

وقفت على الطريق العـام ، وبيوت الحي تطـل برأسهـا أمامي تودعني واودعهـا بنظرات ٍ صامتة ، واجلة .. وبيت " لميس "

ينهـار في داخلي وكيـاني ، أكـاد أسمـع ضحكاتهـا وبكاءهـا من مكـاني ، وصور ٌ تتوالى في ذاكرتي ..

- إلى أين يا رجل ..؟

- إلى المطـار لو سمحت ..

- تفضـل ..

- شكراً ..

في إحدى الليالي دار بيني وبين صديقي " معتصمـ " حوار ٌ حول الوضع – المؤسف – الذي نعيشه هنـا ..

أذكر يومهـا بأنني قد لمت الوطن بكلمـاتي ، واخبرتــه بأن الوطن ليس رحيمـاً بأولاده ..

- قــل لي يا " معتصم " .. ماذا قدمـ لنــا الوطـن حتى يستحق منــّا أن نحبـه او نبقى فيـه أو حتى نضحي لأجلـه ..؟!

- يا " فارس " .. لا تســل ماذا قدم لك الوطـن ، بـل اسأل مـاذا قدمنـا نحن إلى الوطـن ..؟!

الوطـن هو هذه الارض التي تجلس عليها ، وهذه السمـاء التي تظـلك وتسقيـك ، الوطـن هو حكـاية رواهـا لنـا أجدادنـا

وسنرويهـا – يومـاً – لأولادنـا ..

- يا شاب .. وصلنـا إلى المطـار .. اكمـل نومـك في الطـائرة ..

قالهـا – ذلك السائق – وهو يبتسمـ ..

- سامحني فلم أنمـ ليلـة البارحـة جيداً ..

هـا هو المطـار .. " مطار الملكة عليـاء " ..

دخلت إلى صالة المطـار ، شاشات عملاقـة ، وازمـان كثيرة ، تتغيــر بيـن الفينـة والأخرى ، وجمـع ٌ غفيــر من النـاس

ينتشرون في أرجـاء الصـالة ، البعض منهمـ يضحك ، والآخر يواري دموعـه ويتلعثمـ في الكلام ، وأنـا أحمل حقيبتي ،

وجواز سفري ، وسبع سنوات ٍ خلفي ، والغموض ينتظـر امـامي .. أطفيء سيجارتي لحظة اقترابي من هذا الموظف ..

- تفضـل يا أخي .. لا احمـل معي غير حقيبتي هذه ..

" النداء الاخير على الرحلـة رقم الف ومائة وسبعون والمتجه إلى مدينة الريـاض .. على السادة الركاب التوجه إلى البوابة

رقم سبعة استعداداً لصعود الطائرة .. وشكراً "

شعور ٌ بالقلق والترقب يتسرب إلى داخلي ، ونظراتي تمشط أرض الصـالة ، أبحث عن لا شيء ، وأراقب تلك العجوز الواقفة

بجانبي .. حاولت ان أتظـاهر بالثقـة ممـا افعـل ، او احاول أن أفعـل .. وأزمـّل هذا الخوف الذي يعتريني ويختبيء تحت جفوني

- تفضل يا أخي .. البوابة من هذا الإتجاه ..

- شكراً لك ..

ها هي خطواتي الأخيرة على أرض المطار ، وارض وطني ، تتنـاقص مع كل خطوة ٍ أخطوهـا ، اكــاد أسمـع احتضارهـا تحت

قدمي ، وأسمـع صوتـاً بداخلي يحثني على الاستمرار في المشي ، صورة " لميس " خلفي ، وصورة أمي و" فاطمة "

امامي .. وكلمـات " نزار " تعلو في مسمعي أكثـر فأكثـر ..

أشعر بخدر ٍ في يدي ، وفي قدمي ، وفي عقلي .. أين الطريق ؟! توقفت .. تسمرت في مكاني ..

الباب امامي ، والنـاس يدخلون من خلاله بلا خوف ٍ ، يدوسون أرض المطـار بأقدامهمـ ، لا يبالون ..

تنحيت عن الطريق ، ووضعت حقيبتي بجانب ذلك البـاب ، جلست ، ودفنت رأسي بين كـفي يدي ، أنفــاسي تتسارع ..

وكل من حولي ينظرون إلى انهياري ، إلى خوفي ..

- مالك يا بني .. في شي مضايقك ..؟؟ احكي انا زي أمك ..

إنها نفس العجوز ، جلست بجانبي ، حاولت اختراق سبع سنوات ٍ مضت بكلمـاتهـا البسيطة ..

- لا شيء .. أرجوك ِ دعيني وشأني ، والحقي بطائرتـك قبل فوات الاوان ..

وضعت حقيبتهـا الصغيرة على الارض وقالت :

- يا بتسافر معي ، يا بطلت أسافر .. شو رأيك ؟ بترضى لوحدة زي أمك تسافر لوحدها ، وما معاها ابن يساعدهـا ..!

لا أعلمـ ما السر الكامن وراء كلمـات هذه العجوز ، والذي جعلني أمسك بيدها ونعبـر هذه البوابة .. البوابة رقم سبعة ..

عند مدخل الطائرة .. افترقنـا وكـل ٌ إلى كرسيـه الذي اختاره لـه القدر ، لكنني ادركت بأن حيلتهـا قد نجحت لحظة سماعي

لكلمـات ذلك الشاب امامها .. " من هنـا يا أمي " فابتسمت لهـا ، ابتسامة الشكر والرضى عن ما فعلته على أرض المطار .

- تفضل يا سيدي هذا مقعدك ..

- شكرا ً ..

الركاب من حولي يبتسمون ويتهامسون ، لا أعلم بمـا يتهامسون ..! وهذه الطفلة بجانبي تبتسمـ في وجهي وكأنهـا تنتظر

مني أن أبادلهـا الابتسـام ، جلست في مقعدي ، أراقب من خلال النافذة ماضي ّ ، وشريط عمري أراه من خلال هذه النافذة ..

إشــارة ربط الأحزمـة تضيء أمـامي ، والنـاس من حولي يقرأون قرآنهمـ وإنجيلهمـ ، وانـا اطالع بيدي صورة " فاطمـة " .

ها هو الحلم يتحقق ، وأنا وأحلامي وطائرتي نحلق في السمـاء ، نتجاوز تلك الحدود العنيدة ..

سبـع سنوات ٍ وأنـا أنتظــر أن تفك هذه القيود ، أن ترفــع تلك الستــارة السوداء في حياتي ، ودعوات " أم علاء " ترن في

مسمعي .. ترددت كثيــراً قبـل أن أفتـح تلك الورقـة من " لميس " ، لكـن رغبتي في قرآءة آخر سطور ماضي تزداد مـع كـل

دقيقـة ٍ تمر ، أكثـر فـأكثـر ..

" ( فارس ) .. إقرأ خطـابي هذا ولا تسـأل لم َ كان هذا الخطــاب ..؟!

منـذ أن رأيتـك لأول مرة ٍ وأنـا أقرأ ذلك الحزن في عينيـك ، عشقت هذا الحزن ، عشقت كلمـاتك التي كنت ترددهـا في كـل

لقـاء يجمعنـا معـاً ، حتى وإن كان مجرد دقائق ٍ نسرقهـا من الزمـان ، كنت ولا زلت أسيرة كلمـاتك وصمتـك ، إني أعشق

صمتـك يا ( فارس ) ..! دعوت الله لك في كـل ليلة ٍ أن تعود إلى أهلك ، ولم أقـل كلمـة آميــن ولا مرة ..! لم أستطيـع ..

كنت أرى انهيارك يزداد يومـاً بعـد يوم ٍ ، وأراقب القدر وقد علت امواجـه أمـامك وأنت مسلوب الإرادة ، ويداي أقصـر

من أن تصلك يا ( فارس ) .. لا تعلمـ كم من الليالي سهرتهـا وانـا أغالب دمعي ، وأرسم تلك الابتسامة الكـاذبة في وجه

من حولي ، حاولت نسيـانك الف مرة ٍ ، لكنني فشلت .. " أحبــك " هـاقد قلتهـا لك .. لا .. بـل قلبي هو من قالهـا يا ( فارس)

بالامـس خانتني عينـاي ، بكيت أمـام الجميـع ، ما عدت ابـالي .. عبراتي أعلنت الثورة على مشاعري المقهورة في داخلي ..

تمنيـت أن أكسـر قيودي ، وارمي بنفسي في أحضانـك ..

راحل ٌ انت يا ( فارس) ومعـك قلبي ، راحل ٌ .. ودعواتي تلاحقـك أينمـا ذهبت ... "

لا أعلمـ لم َ تجمد الدمـع في عيني وانـا أقرأ تلك الكلمـات ، لكنني لم أستطـع أبداً أن امنـع زفراتي أن تحرق هذه الورقـة ..

- من هذه التي في الصورة يا عمـو ..؟

كلمـات هذه الطفلـة بجانبي ، جعلتني أغيـر تعـابير وجهي وأنـا اجيبهـا على سؤالهـا :

- هذه ( فاطمـة ) .. ما رأيـك ..؟ أهي جميلـة ؟

أومأت برأسهـا وابتسمت لي ..

- وانت ِ .. ما اسمـك ِ ؟!

- اسمي " فاطمـة " ..

- إذا ً فانت ِ أختي الصغيرة يا " فاطمـة " ..

علت ضحكاتهـا البريئـة في أرجاء الطـائرة ، واختلطت بكلمـات ( كابتن ) الطـائرة ..

" أيهـا الســادة أرجو الجلوس في أماكنكمـ وربط الاحزمـة إستعداداً للهبوط وشكـرا ً " ..

هـا هي مدينة الرياض ، بعمرانهـا الواسـع ، وفخامـة مبانيهـا ، هذا البـرج أعرفـه ، الزمـان يعود إلى الوراء بسرعـة ٍ غريبـة

وماهي إلا ّ دقـائق وتخطـو قدمـاي على أرضهـا ، أكـاد أرى وجـه أمي من خلال النــافذة ِ ، وهذه الصغيـرة التي لم تراهـا

عينـاي بعـد ، ووقــار أبي .. لحظــات ٍ سريعــة ٍ مرت قبـل أن تتلامـس عجلات هذه الطـائرة أرض المطــار .. ودقـات قلبي

تتســارع في داخلي ، والمـاضي تتلاشى صوره امـامي شيئـاً فشيئـاً ، وسنوات الإنتظــار تحتضـر ، والامـل يصـر ان يولـد

من رحم دنيـاي ..

" أيهـا السـادة الركـاب ، حمداً لله على سلامتـكمـ ، ونشكركمـ على اختيـاركمـ للخطوط الجويـة الأردنيـة ، على امـل ان

نراكمـ في رحلات قادمـة بإذن الله " ..

معادلـة الخوف تصـر على البقـاء ، وتحاول إغتيـال بذرة الأمـل في داخلي ، والشوق يعتصرني ..

الركـاب من حولي يتنـاقصون رويداً رويداً ، وأصواتهمـ تبتعـد عن مسمعي رويداً رويداً .. وانـا عالق ٌ في هذا الكرسي ..

ونظرات تلك المضيفـة ترمقني من بعيـد وتبتسمـ .. لا بــد من كسـر هذا الحـاجز ، حاجز الخوف ، أحرك قدمـي واتبعـها

بالاخرى ، خطواتي ثقيلـة .. لا يهمـ ..

- مـع السلامـة

- أشكرك أيتهـا المضيفـة .. مع السلامـة ..

حاولت ان اتجاهـل نظرات الإستغراب في وجههـا ، واتابـع الخطـا إلى تلك السلالمـ ، إلى تلك الصــالة الكبيـرة ..

أزمــان ٌ وأسمـاء ٌ كثيـرة ، وصور ٌ تلوح في ذاكرتي ، وفي تلك الصــالة ، وانـا ابحث في وجوه النـاس عن " نزار " ..

يا إلهي ..! هذا هو " نزار " يرفـع يده من بعيــد ، وخلفـه أمي ..

أشعر باحتضـار الخوف في داخلي ، وبتسـارع دقات قلبي وخطواتي ، معالمـ وجه " نزار " تزداد وضوحـاً مـع كل خطوة ٍ

أخطوهـا ، وعبرات أمي أكـاد اراها ، ألقيـت بحقيبتي على الأرض وتسمرت مكاني ..

- حمداً لله على سلامتـك يا ( فارس ) .. نورت الريــاض كلهـا يا اخي ..

حدقت في وجـه " نزار " طويلا ً ، بحثت عن " نزار " الذي أعرفـه ، إبن الرابعـة عشر ، رأيت ابتسـامته ، وضممتـه إلى

صدري دون ان أتكلمـ .. ، رأيت وجه امي ، رأيت عيني أمي ، رأيت كفي ّ أمي ..

تنحى " نزار " من امامي ، ووقفت امـامهـا .. ألقيت برأسي في حضن أمي ..

- آآه يا أمي .. آآه ٍ يا أمي ..

قلت في نفسي " سامحيني يا " أم علاء " لكنني بكيت ..

فوق السحاب
14-11-06, 05:32 PM
وأنا أيضاً بكيت ولكني بكيت عندما قرأت هذه العباره :

(( لا أعلمـ ما السر الكامن وراء كلمات هذه العجوز ، والذي جعلني أمسك بيدها

ونعبر هذه البوابة .. البوابة رقم سبعة )) .

السر يا فارس !! هو قدرنا الذي لا يترك لنا حرية الاختيار

وانما يجرنا جر اليه ويسيرنا لما هو يريده ..

في انتظار الابداع الرابع ..

لك تحياتي أخي المهندس .. أختك فوق السحاب ..

أوراق وردية
17-11-06, 09:14 AM
أطالع بيتي للمرة الاخيرة
أقبل وسادتي وطاولتي
وحائط غرفتي
مششششششششششششاعر مضطربه
تربطني بهذا المكان ...
___________
عزيزي ..
المهندس ..
قصه رائعة جدااا
ومؤثرة..


تحيااااتي اليك

ديواان الاماراات
17-11-06, 02:02 PM
المهندس

سلمت يداااااك ع القصه الروووعه صراحه

ننتظر المزيد والمزيد من ابداعك

دمت بود

المهندس
22-11-06, 04:25 PM
أعزائي ..

كل الشكــر لمـن مر على متصفحي " هنـا ترقـد فاطمـة " ..

وكل من خط قلمـه كلمـة شكر ٍ أو تقدير ..

* أعتذر عن إكمــال الفصــل الأخيــر في هذه الروايـــة ..

ختـاماً :

كــل الشكــر لمـن قرأ بعد ذلك هذه الفصــول ..

لكمـ مني كل تقدير واحترام ..

المهندس ..

عديل الروح
23-11-06, 07:51 PM
بارك الله بك , شكراً أخي الكريم



في انظار الجزء الرابع


ها هي خطواتي الأخيرة على أرض المطار ، وارض وطني ، تتنـاقص مع كل خطوة ٍ أخطوهـا ، اكــاد أسمـع احتضارهـا تحت

قدمي ، وأسمـع صوتـاً بداخلي يحثني على الاستمرار في المشي ، صورة " لميس " خلفي ، وصورة أمي و" فاطمة "

امامي .. وكلمـات " نزار " تعلو في مسمعي أكثـر فأكثـر ..

بحر غزير
25-11-06, 01:20 PM
عزيزي المهندس


حتى وإن لم تكتمل فأنا أهنيك على هذه الرواية الرائعة

وكلي ثقة بأنها سوف تكتمل يوما ً ما وفي مكان ما ... أتمنى أن يكون

لي نصيب في قراءة التكملة ..

المهندس .. شـــكــــرا ً


....تحياتي.....

ولد الامارات
12-12-06, 12:38 AM
يسلمووااااااااا

على القصه

لؤلؤة البحر
25-01-07, 04:34 PM
اخوي المهندس مرسي على القصه

أوراق وردية
04-02-07, 03:45 AM
عزيزي
المهندس ...........
لازلــــــــــــــــــــــت .. أنتظـــــــــــــــــــــــــر
الجـــــــــــــــــــــزء الرابــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع ..
وبمنتـــــــــــــــــــــــــــــــهى الشـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوق ..


وافـــــــــــــــــر الـتقــــــــــــــــــــــــــــــــــــدير لــــــــــك ..

بيــــــــــــــروت ..

ملاك القلوب
05-02-07, 05:57 AM
المهندس

مبدع ومستقبل رائع كروائي ناجح

تقبل مرورى

ملاك القلوب

محمد صادق
15-02-07, 05:52 AM
المهندس

كل الشكر على تلك الروايه واكتفى بقول
انها رائعه

حلا وكلي غلا
16-10-07, 10:26 AM
كلمات حقا جميله واتمنى أن ارى روايتك مدونه في كتب
لانها فعلاً روايات وقصص تستحق النشرودمت وننتظر جديدك بفارغ الصبر
تحياتي لكم

اريج الربيع
09-11-07, 09:12 PM
شكرا لتعبيرك الراقي الذي يعبر عن شخصيتك الراقية لقد كان اسلوبك اكثر من مشوق انا لم اقرء سوى الفصل الاول ساكمل واعدك بالرد مرة اخرى على باقي القصة

منتدى-المنتدى-منتديات-عديل-الروح-برامج-دروس-شروحات-تصاميم-تعارف-مواقع-فوتوشوب-تعليم-فلاتر-سويتش-دردشه-قصائد-خواطر-روايات-قصص-اسكربتات-اسكربت-برمجه-تطوير-استايلات مجانيه--دليل-مواقع-دورات-تصميم-حوادث-جرائم-فساتين-نسائيه-عالم-حواء-آدم-مطبخ-أثاث-حوارات-نقاش-سيارات-دراجات-أفلام مباشره-تحميل أفلام-مكتبه عامه-مسابقات-جوائز-نقديه-جليتير-برامج حمايه-برامج تصميم-صور- vBulletin
RSS | RSS 1 | RSS 2 | PHP | XML | ROR | HTML