الجندي المجهول
06-10-06, 05:50 AM
{ الحرب سخيفة .. ومن السخافة أن يحاول أحد ما قتلك ، لكن الأسخف أن تقف مكتوف اليدين ، دون أن تحاول درء الهجوم .. ثم ردعه }
للكاتب يوسف السباعي
جفف العرق الغزير المتساقط على جبينه ، وهو ينظر إلى الشمس الحارقة من فوقه
لم يكن عرقه بسبب حرارة الشمس اللافحة من فوقه ، أو تعبه من الصيام في هذا الجو ..
بل كان بسبب الحنق المتصاعد كألسنة من لهب ، ما إن تصل إلى حلقه حتى يطلقها كزفرة حارة حانقة ..
ينفث فيها غضبه وثورته ..
ست سنوات كاملة لم يذق فيها طعم الراحة ..
ست سنوات أحس فيها طعم الاحتقار والمهانة حتى من أقرب الناس إليه ..
حاول أن يفهم الجميع أنه لم يحارب .. ولا أحد حارب ..
لقد كان يتقدم ورفاقه في رمال سيناء الطاهرة ، حتى ظن الجميع أن الجيش سيواصل الزحف حتى يدخل فلسطين ..
ويحررها من أيدي اليهود ..
وفجأة .. صدر الأمر بالانسحاب ..
هكذا دون أي مقدمات أو أسباب ..
كدت أن تلقي بالأوامر كلها وراء ظهرك ، وتندفع إلى الأمام بمدفعك تحصد به الصهاينة كأنك مارد تجتاح الأرض أمامك .
لكن الجندي عليه الطاعة ..
الأزيز الذي يصم الآذان ، ودوي الانفجارات من حولك يؤكد أن العدو قد بدأ رحلة الصيد ..
وتساقط العشرات .. المئات .. الآلاف ..
وكل واحد يسقط كنت تكتشف أنك تعرف عنه كل شيء ..
كل أحلامه وآماله ..
لأنهم كانوا مثلك ..
وروت دماؤهم الطاهرة الأرض من حولك ..
وأنت تركض وتركض ، دون أن تحدد هدفاً أو اتجاهاً..
تتمنى في كل مرة أن تصيبك الرصاصة فترتا . لكنك مع ذلك تركض بأقصى ما تستطيع ..
الرفاق يتساقطون من حولك ، ولا تستطيع التقاطهم والعودة بهم إلى الوطن ..
والرصاص يتناثر حولك ، كأنها حبات مطر تروي الأرض العطشى ..
والرمال أمامك تمتد إلى مالا نهاية ، كأن الأرض كلها خلقت صحراء ..
وأنت قد تحولت إلى آلة عدو ، لا تحس ولا تفكر ..
أحسست أنها صورة مرسومة بريشة فنان مريض ، وكل شيء فيها يتوقف عن الحركة ..
ومن بعيد ، ظهرت المياه ، ووراءها الشاطئ الغربي ..
الشاطئ الوردي الذي يعني الأمان والنجاة ..
وركضت أسرع وأسرع .. وألقيت نفسك في الماء ..
وحين وصلت ، نظرت إليهم .. وضحكت ..
ضحكة مريرة تكتشف خلالها أنك ما زلت تمسك بسلاحك ..
وانك لم تطلق منه طلقة واحدة ..
وانتهت الضحكة ببكاء ..
بكاء مرير من أعمق أعماقك ..
لكن العذاب كان في بدايته ..
ففي كل مكان كانت العيون الحاقدة تنظر إليك باحتقار ..
النظرات الشامتة تقطع في جسدك بلا رحمة ..
الهمسات من وراء ظهرك تحمل المرارة والسخرية ..
حاولت ان تقول لهم أنك لم تحارب ..
نعم .. إنها لم تكن حرباً .. بل كانت رحلة قنص في صحراء سيناء ..
لم تواجه العدو وجهاً لوجه ..
لكن لا أحد يستمع إليك .. بل يواجهونك بالغضب والسخرية والإهانة ..
ولم تكن تستطيع الرد عليهم ..
كانت شفاهك ترتجف ، وتفتح فمك لتقول آلاف الكلمات ..
لكن الغصة كانت تمنعك .. وتجعل عينيك تدمعان ..
وتحني رأسك دون أن تنطق بكلمه ..
عيناك وحدهما كانتا تتحركان لتبحثا عنها ..
كنت تهرب منهم كلهم إليها ..
لم تكن تحتاج لأن تشرح إليها ..
يكفي أن تدفن وجهك في صدرها .. وتترك عيناك تسكبان ما شاءت من الدموع دون خوف أو خجل ..
كانت تحس بك من نظرة ..
ولأجلها عدت ..
عدت مرة أخرى لتثبت لها وللجميع أنك قادر على تحطيم المستحيل ..
قادر على تمزيق الأعداء بيديك العاريتين من اجل بسمة فرح تظهر على شفتيها ..
وسنة وراء سنة كنت تشاهد الأوغاد وهم يمرحون أمامك على الشاطئ دون أن يحفلوا بك ..
وكأنك قد أصبحت كماً مهملاً لا حياة فيه ..
ثم قاموا ببناء ذلك الحصن المسمى بارليف .. وزادت غطرستهم وتبجحهم ..
ولكن مهما فعلوا فلن يستطيعوا التفريق بينك وبينها ..
إنها أرضك ..
ووطنك ..
وفي أعماقك كنت تعرف أنك أقوى منهم ..
كنت على يقين من انك قادر على تحطيمهم جميعاً ..
فقط من اجلها ..
ستقاتل كأبطال الإغريق .. وكوحوش الغاب ..
فقط لكي تلمح نظرة حانية في عينيها الرائعتين ..
قد يطول الانتظار ..
وقد يحل بك التعب ..
لكنك لا بد ستكون هناك ..
رافعاً هامتك .. وفي يدك رايتك خفاقة تغرسها في قلب كل معتد ..
ووسط أشلاء العدو ..
ستكون هي هناك ..
بوجهها الجميل .. وقلبها الصافي .. ونظرتها المليئة بالحنان ..
وبينما لسانك يردد ( الله أكبــــــر ) ..
سيردد قلبك اسمها دون كلل ..
♥ مـصــــــــــر ♥
تحيتي لكل جندي أسر وغداً وقتل عمداً في سبيل الله ..
وأقول لمن يحاولون تغيير التاريخ الحقيقي ..
أنتم المهزومون ..
ونحن دائماً بإذن الله لمنتصرون ..
واعلموا أنه كلما كبرت دولتكم ..
اقتربت نهايتكم ..
تحيتي واحترامي للجميع
الجندي المجهول
للكاتب يوسف السباعي
جفف العرق الغزير المتساقط على جبينه ، وهو ينظر إلى الشمس الحارقة من فوقه
لم يكن عرقه بسبب حرارة الشمس اللافحة من فوقه ، أو تعبه من الصيام في هذا الجو ..
بل كان بسبب الحنق المتصاعد كألسنة من لهب ، ما إن تصل إلى حلقه حتى يطلقها كزفرة حارة حانقة ..
ينفث فيها غضبه وثورته ..
ست سنوات كاملة لم يذق فيها طعم الراحة ..
ست سنوات أحس فيها طعم الاحتقار والمهانة حتى من أقرب الناس إليه ..
حاول أن يفهم الجميع أنه لم يحارب .. ولا أحد حارب ..
لقد كان يتقدم ورفاقه في رمال سيناء الطاهرة ، حتى ظن الجميع أن الجيش سيواصل الزحف حتى يدخل فلسطين ..
ويحررها من أيدي اليهود ..
وفجأة .. صدر الأمر بالانسحاب ..
هكذا دون أي مقدمات أو أسباب ..
كدت أن تلقي بالأوامر كلها وراء ظهرك ، وتندفع إلى الأمام بمدفعك تحصد به الصهاينة كأنك مارد تجتاح الأرض أمامك .
لكن الجندي عليه الطاعة ..
الأزيز الذي يصم الآذان ، ودوي الانفجارات من حولك يؤكد أن العدو قد بدأ رحلة الصيد ..
وتساقط العشرات .. المئات .. الآلاف ..
وكل واحد يسقط كنت تكتشف أنك تعرف عنه كل شيء ..
كل أحلامه وآماله ..
لأنهم كانوا مثلك ..
وروت دماؤهم الطاهرة الأرض من حولك ..
وأنت تركض وتركض ، دون أن تحدد هدفاً أو اتجاهاً..
تتمنى في كل مرة أن تصيبك الرصاصة فترتا . لكنك مع ذلك تركض بأقصى ما تستطيع ..
الرفاق يتساقطون من حولك ، ولا تستطيع التقاطهم والعودة بهم إلى الوطن ..
والرصاص يتناثر حولك ، كأنها حبات مطر تروي الأرض العطشى ..
والرمال أمامك تمتد إلى مالا نهاية ، كأن الأرض كلها خلقت صحراء ..
وأنت قد تحولت إلى آلة عدو ، لا تحس ولا تفكر ..
أحسست أنها صورة مرسومة بريشة فنان مريض ، وكل شيء فيها يتوقف عن الحركة ..
ومن بعيد ، ظهرت المياه ، ووراءها الشاطئ الغربي ..
الشاطئ الوردي الذي يعني الأمان والنجاة ..
وركضت أسرع وأسرع .. وألقيت نفسك في الماء ..
وحين وصلت ، نظرت إليهم .. وضحكت ..
ضحكة مريرة تكتشف خلالها أنك ما زلت تمسك بسلاحك ..
وانك لم تطلق منه طلقة واحدة ..
وانتهت الضحكة ببكاء ..
بكاء مرير من أعمق أعماقك ..
لكن العذاب كان في بدايته ..
ففي كل مكان كانت العيون الحاقدة تنظر إليك باحتقار ..
النظرات الشامتة تقطع في جسدك بلا رحمة ..
الهمسات من وراء ظهرك تحمل المرارة والسخرية ..
حاولت ان تقول لهم أنك لم تحارب ..
نعم .. إنها لم تكن حرباً .. بل كانت رحلة قنص في صحراء سيناء ..
لم تواجه العدو وجهاً لوجه ..
لكن لا أحد يستمع إليك .. بل يواجهونك بالغضب والسخرية والإهانة ..
ولم تكن تستطيع الرد عليهم ..
كانت شفاهك ترتجف ، وتفتح فمك لتقول آلاف الكلمات ..
لكن الغصة كانت تمنعك .. وتجعل عينيك تدمعان ..
وتحني رأسك دون أن تنطق بكلمه ..
عيناك وحدهما كانتا تتحركان لتبحثا عنها ..
كنت تهرب منهم كلهم إليها ..
لم تكن تحتاج لأن تشرح إليها ..
يكفي أن تدفن وجهك في صدرها .. وتترك عيناك تسكبان ما شاءت من الدموع دون خوف أو خجل ..
كانت تحس بك من نظرة ..
ولأجلها عدت ..
عدت مرة أخرى لتثبت لها وللجميع أنك قادر على تحطيم المستحيل ..
قادر على تمزيق الأعداء بيديك العاريتين من اجل بسمة فرح تظهر على شفتيها ..
وسنة وراء سنة كنت تشاهد الأوغاد وهم يمرحون أمامك على الشاطئ دون أن يحفلوا بك ..
وكأنك قد أصبحت كماً مهملاً لا حياة فيه ..
ثم قاموا ببناء ذلك الحصن المسمى بارليف .. وزادت غطرستهم وتبجحهم ..
ولكن مهما فعلوا فلن يستطيعوا التفريق بينك وبينها ..
إنها أرضك ..
ووطنك ..
وفي أعماقك كنت تعرف أنك أقوى منهم ..
كنت على يقين من انك قادر على تحطيمهم جميعاً ..
فقط من اجلها ..
ستقاتل كأبطال الإغريق .. وكوحوش الغاب ..
فقط لكي تلمح نظرة حانية في عينيها الرائعتين ..
قد يطول الانتظار ..
وقد يحل بك التعب ..
لكنك لا بد ستكون هناك ..
رافعاً هامتك .. وفي يدك رايتك خفاقة تغرسها في قلب كل معتد ..
ووسط أشلاء العدو ..
ستكون هي هناك ..
بوجهها الجميل .. وقلبها الصافي .. ونظرتها المليئة بالحنان ..
وبينما لسانك يردد ( الله أكبــــــر ) ..
سيردد قلبك اسمها دون كلل ..
♥ مـصــــــــــر ♥
تحيتي لكل جندي أسر وغداً وقتل عمداً في سبيل الله ..
وأقول لمن يحاولون تغيير التاريخ الحقيقي ..
أنتم المهزومون ..
ونحن دائماً بإذن الله لمنتصرون ..
واعلموا أنه كلما كبرت دولتكم ..
اقتربت نهايتكم ..
تحيتي واحترامي للجميع
الجندي المجهول