جاسم داود
28-04-11, 03:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما تجتمع القيم ماذا تقول المفارقات ؟
رأيت في ما يرى النائم، أن القيم قد اجتمعت في قاعة، كانت ذكرى زمن ألفته الحنايا الحرّة، وكان الوقت ضحى، لم يشرب من وجع الجرح النازف، يتنزى بالتعري الذي أصاب كل شيء.. وتوالى الخطباء على المنصة المنصوبة في صدر القاعة، وجاء دور المفارقات فقالت:
تتبدل الأشياء، وتتماهى الصور المتناقضة، ويقبض العدل على جمرة، لابساً قناع القهر.
تتفتح الأزاهير، ثم تغمض جفنيها على يبس، تنتقل الطيور من برد إلى دفء، ويمتلئ الينبوع ويثمل، ثم يعود شحيحاً بطيء الحركة، يهمس في أذن الصخر كلمات العجز.
تتكامل الرجولة ثم تندثر، وتغيب خلف غياهب السنين، فترتطم بحقيقة التحول في كل الخلائق، إذ لا يبقى حال على حاله، ولا يبقى مكان على ما كان. وفي مثل هذه الحال تكون الغنيمة في الدرس والعبرة، فتتبدى قلباً يشتعل بالحضور الواعي، يرتفع موجه متوهجاً بثبج الموعظة العصية، ولتستريح الآهة على كتف الحنين إلى الفطرة فيتزاوج عندئذ قمر وليل، صحراء وجبهة عالية تبتغي حديقة غناء، تعبق فيها رياحين التوبة والعودة التي هيَّجتها الأجوبة العامرة بصدى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (الزمر:53).
إن من أنكروا كل هذه العظات، لابد أنهم فعلوها في غياب وفي يأس، كونهم جاؤوا في عصر يورث الوجع المر، يفتح الأبواب مشرَّعة للمريبين ويغلق كل المنافذ في وجه ذوي الصلب الإيماني المتين، ويقتل كلمات الأنبياء، ويعلقها على بوابات المدن، كاتباً على شواهد قبورها: قتلت لأنها فلتات إرهاب!.
ويجيء الدَّعي منفرداً عن السرب، منكراً كل المواعظ، تاركاً غبار الجمع خلف فرسه، عائذاً بالجلاد، مستقوياً به على الضحية، ابنة جلدته وصنو جذوره، فيشتعل الصبر شيباً، ويرسل الدَّعي "فاكساً" إلى كل مطارات الهزيمة: أن أفيضوا إليَّ بني العرب، فقد وضعت يدي على كنز من سلام...!!.
ويأتي دورها إنها الثانية وكمن يستيقظ من حفرة قبر عتيق، ترتطم جبهة الحقيقة بحافتي القاعة فتترنح، ثم تشد القامة، مسكونة بفرح الأحلام، لتنتصب فوق المنصة، مبحرة في أعين الحاضرين جميعاً باحثة عن مكان آمن، تزف فيه البشرى بعودة العذوبة المشتاقة للحظة عيش إيمانية. ويُعييها البحث، فلا تجد إلا صدى الخوف والموت وبقايا متعفنة للإنسان فتتساءل بصوت قادم من قاع القرون:
أين فرجة الرؤيا الآمنة؟
ويرتد السؤال بلا جواب.
فتعود الحقيقة للسؤال مرة أخرى، هل أصبحنا رملاً تذروه الرياح في وجه الجبال؟ لماذا اصفرت الجباه السمراء؟ وفقد الأطفال البراءة؟ وعجمت اللغة أعوادها فتكسرت كل الحروف الناصعة، وتحولت خطباً تأكلها نار النازحين إلى ضفاف الغربة؟ ويأتي الجواب دافقاً بوهج الشماتة:
اسألوا عن كل ذلك دماء الشهداء المطلولة، التي اتُهِمَت براءتُها بلكنة نقيق الواقعية!!
لقد تعبت السرايا، فكان النوم بعد النوم حداء المارقين من فتحات الحياة الملتهبة، إلى حضن الأسِرَّة المترجِّلة عن صهوات الميادين. وتردد الحقيقة من جديد أسئلة محيرة تقول:
ولكن ما الذي جعل القطا يدخل حظيرة المصائد دون حذر؟ أين منه جنون الجناحين المتحفزين أبداً إلى الأعالي؟
كيف تكبَّلت الأقدام الحرّة بخداع ردة المواقع العاجزة عن اكتشاف سجن الحقيقة؟
وفي الحال يرتفع صوت يردد على مدى الأفق قائلاً:
إنه مكر الليل والنهار، وانتحار فجر الصبر فوق صخور الأنا المتعملقة في صدور النياشين العتيقة، والتحاق فتيان القوم بركب الهائمين بحثاً عن نسيان، يُدخلهم دار الظالمين بأمان مصنوع من غدرٍ، يوهم كل داخلٍ أنه اكتشف الحقيقة الموصولة بالأفق العربي المبين، مضيئاً جنبات القدس.. بسيف الفارس صلاح الدين ينادي بأعلى صوته متسائلاً:
تلك القدس تعني..؟ تلك التي ارتسمت جوهرة في سورة الإسراء؟
فيجيئه الجواب حالاً:
نعم تلك القدس، هي.. هي.. التي كان أديمها مهبط أقدام البراق.
ونار قلب الحقيقة فيها تلتهم حطب الصمت، وتطفئ نور عين الحاسدين، ولكن صوتاً يصيح في الجمع قائلاً: لا.. لا ليس الأمر كذلك، العشيرة كلها نامت على هدهدات بني قريظة، وترجل الفارس منذ الزمن الذي نادى فيه منادي القوم، أن أفيضوا علينا من أسرار البقاء فوق الكراسي، كي نلعب بحروف الاستراتيجيات.
ويأتي دوره.. إنه الثالث.. ها هو يقول:
حينما غرسوني ها هنا.. انتبهت إلى أنهم وضعوني على حافة السقوط، لم أجد سوى دموعي، ومواقد حزني، تؤنس وحشتي، في تلك البقاع، لقد هرب التاريخ من بين أصابعهم، وتحول الحلم في خيالهم إلى ذكريات مؤرقة، فحاولوا التخلص منه بالدخول في أدب الوقت الصهيوني، علّهم يجدون ملاذاً من ملاحقتي الكاشفة لعجزهم ها هم ينادون من قاع الهوّة يسألونني ببلاهة:
كيف تستريح على ظهر صهوة؟
لقد راعهم أن تمثلت الرجولة مرة في أطفال، من شرفات الحنين أطلت، فاسترعت البطولات دهشتهم فعادوا للتساؤل من جديد. لقد آذن النهار على الأفول فعلام أنتم تطلون من شرفات الحنين؟ إننا لم نتعب بعدُ، وفي بقية النهار متسع للحلم فلماذا تريدنا أن ننتكس كخيل عسكر مهزومين؟! ألم تعلموا بعد..؟
ماذا في جعبة العويل، يهديه لجسد رفض الاستكانة للوجع..؟ لقد مات الحياء على مشارف الليل.. ولم يوص لأحد.
ولكن مازالت جباهنا تحتفظ بأرتال من جيوشه، تكتمل بها الرجولة، فلا تقتلوا التمرد بفعل الجبن، وتوقفوا زحف الشهادة .
منقول بتصرف
دمتم برعاية الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما تجتمع القيم ماذا تقول المفارقات ؟
رأيت في ما يرى النائم، أن القيم قد اجتمعت في قاعة، كانت ذكرى زمن ألفته الحنايا الحرّة، وكان الوقت ضحى، لم يشرب من وجع الجرح النازف، يتنزى بالتعري الذي أصاب كل شيء.. وتوالى الخطباء على المنصة المنصوبة في صدر القاعة، وجاء دور المفارقات فقالت:
تتبدل الأشياء، وتتماهى الصور المتناقضة، ويقبض العدل على جمرة، لابساً قناع القهر.
تتفتح الأزاهير، ثم تغمض جفنيها على يبس، تنتقل الطيور من برد إلى دفء، ويمتلئ الينبوع ويثمل، ثم يعود شحيحاً بطيء الحركة، يهمس في أذن الصخر كلمات العجز.
تتكامل الرجولة ثم تندثر، وتغيب خلف غياهب السنين، فترتطم بحقيقة التحول في كل الخلائق، إذ لا يبقى حال على حاله، ولا يبقى مكان على ما كان. وفي مثل هذه الحال تكون الغنيمة في الدرس والعبرة، فتتبدى قلباً يشتعل بالحضور الواعي، يرتفع موجه متوهجاً بثبج الموعظة العصية، ولتستريح الآهة على كتف الحنين إلى الفطرة فيتزاوج عندئذ قمر وليل، صحراء وجبهة عالية تبتغي حديقة غناء، تعبق فيها رياحين التوبة والعودة التي هيَّجتها الأجوبة العامرة بصدى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله (الزمر:53).
إن من أنكروا كل هذه العظات، لابد أنهم فعلوها في غياب وفي يأس، كونهم جاؤوا في عصر يورث الوجع المر، يفتح الأبواب مشرَّعة للمريبين ويغلق كل المنافذ في وجه ذوي الصلب الإيماني المتين، ويقتل كلمات الأنبياء، ويعلقها على بوابات المدن، كاتباً على شواهد قبورها: قتلت لأنها فلتات إرهاب!.
ويجيء الدَّعي منفرداً عن السرب، منكراً كل المواعظ، تاركاً غبار الجمع خلف فرسه، عائذاً بالجلاد، مستقوياً به على الضحية، ابنة جلدته وصنو جذوره، فيشتعل الصبر شيباً، ويرسل الدَّعي "فاكساً" إلى كل مطارات الهزيمة: أن أفيضوا إليَّ بني العرب، فقد وضعت يدي على كنز من سلام...!!.
ويأتي دورها إنها الثانية وكمن يستيقظ من حفرة قبر عتيق، ترتطم جبهة الحقيقة بحافتي القاعة فتترنح، ثم تشد القامة، مسكونة بفرح الأحلام، لتنتصب فوق المنصة، مبحرة في أعين الحاضرين جميعاً باحثة عن مكان آمن، تزف فيه البشرى بعودة العذوبة المشتاقة للحظة عيش إيمانية. ويُعييها البحث، فلا تجد إلا صدى الخوف والموت وبقايا متعفنة للإنسان فتتساءل بصوت قادم من قاع القرون:
أين فرجة الرؤيا الآمنة؟
ويرتد السؤال بلا جواب.
فتعود الحقيقة للسؤال مرة أخرى، هل أصبحنا رملاً تذروه الرياح في وجه الجبال؟ لماذا اصفرت الجباه السمراء؟ وفقد الأطفال البراءة؟ وعجمت اللغة أعوادها فتكسرت كل الحروف الناصعة، وتحولت خطباً تأكلها نار النازحين إلى ضفاف الغربة؟ ويأتي الجواب دافقاً بوهج الشماتة:
اسألوا عن كل ذلك دماء الشهداء المطلولة، التي اتُهِمَت براءتُها بلكنة نقيق الواقعية!!
لقد تعبت السرايا، فكان النوم بعد النوم حداء المارقين من فتحات الحياة الملتهبة، إلى حضن الأسِرَّة المترجِّلة عن صهوات الميادين. وتردد الحقيقة من جديد أسئلة محيرة تقول:
ولكن ما الذي جعل القطا يدخل حظيرة المصائد دون حذر؟ أين منه جنون الجناحين المتحفزين أبداً إلى الأعالي؟
كيف تكبَّلت الأقدام الحرّة بخداع ردة المواقع العاجزة عن اكتشاف سجن الحقيقة؟
وفي الحال يرتفع صوت يردد على مدى الأفق قائلاً:
إنه مكر الليل والنهار، وانتحار فجر الصبر فوق صخور الأنا المتعملقة في صدور النياشين العتيقة، والتحاق فتيان القوم بركب الهائمين بحثاً عن نسيان، يُدخلهم دار الظالمين بأمان مصنوع من غدرٍ، يوهم كل داخلٍ أنه اكتشف الحقيقة الموصولة بالأفق العربي المبين، مضيئاً جنبات القدس.. بسيف الفارس صلاح الدين ينادي بأعلى صوته متسائلاً:
تلك القدس تعني..؟ تلك التي ارتسمت جوهرة في سورة الإسراء؟
فيجيئه الجواب حالاً:
نعم تلك القدس، هي.. هي.. التي كان أديمها مهبط أقدام البراق.
ونار قلب الحقيقة فيها تلتهم حطب الصمت، وتطفئ نور عين الحاسدين، ولكن صوتاً يصيح في الجمع قائلاً: لا.. لا ليس الأمر كذلك، العشيرة كلها نامت على هدهدات بني قريظة، وترجل الفارس منذ الزمن الذي نادى فيه منادي القوم، أن أفيضوا علينا من أسرار البقاء فوق الكراسي، كي نلعب بحروف الاستراتيجيات.
ويأتي دوره.. إنه الثالث.. ها هو يقول:
حينما غرسوني ها هنا.. انتبهت إلى أنهم وضعوني على حافة السقوط، لم أجد سوى دموعي، ومواقد حزني، تؤنس وحشتي، في تلك البقاع، لقد هرب التاريخ من بين أصابعهم، وتحول الحلم في خيالهم إلى ذكريات مؤرقة، فحاولوا التخلص منه بالدخول في أدب الوقت الصهيوني، علّهم يجدون ملاذاً من ملاحقتي الكاشفة لعجزهم ها هم ينادون من قاع الهوّة يسألونني ببلاهة:
كيف تستريح على ظهر صهوة؟
لقد راعهم أن تمثلت الرجولة مرة في أطفال، من شرفات الحنين أطلت، فاسترعت البطولات دهشتهم فعادوا للتساؤل من جديد. لقد آذن النهار على الأفول فعلام أنتم تطلون من شرفات الحنين؟ إننا لم نتعب بعدُ، وفي بقية النهار متسع للحلم فلماذا تريدنا أن ننتكس كخيل عسكر مهزومين؟! ألم تعلموا بعد..؟
ماذا في جعبة العويل، يهديه لجسد رفض الاستكانة للوجع..؟ لقد مات الحياء على مشارف الليل.. ولم يوص لأحد.
ولكن مازالت جباهنا تحتفظ بأرتال من جيوشه، تكتمل بها الرجولة، فلا تقتلوا التمرد بفعل الجبن، وتوقفوا زحف الشهادة .
منقول بتصرف
دمتم برعاية الله