aziz15
31-08-06, 05:00 PM
دروس الفشل مفيدة
كتب (جان جاك روسو ) كتابه الاعترافات فكان تحفة أدبية. وكتب عابد الجابري (حفريات في الذاكرة) فكانت لوحة فلسفية. وكتب غاندي بحثه عن (الحقيقة) فكانت اعترافات في غاية الصراحة والجمال، وكتب برتراند راسل سيرته الذاتية فكانت معادلات في التفاضل والتكامل. وأجمل ما يفعله المرء مواجهة النفس فينساب القلم بفيض الذكرى، والأيام المزعجة العصيبة. واللحظات البريئة عندما يمضي معظم العمر، وهو ما أعيشه حاليا بعد أن مضى ثلاثة أرباع حياتي، ولم يبق إلا الربع، وفي حالة انحطاط. فلم نعد شبابا، ولم تبق من الشباب والطفولة إلا صور باهتة. ومن أصعب الأشياء على النفس الاعتراف بالفشل فضلاً عن ذكره، والاعتراف بالخطأ فضيلة، ولكنها قيمة نظرية، ومن يمارسها يجب أن يصل إلى مرحلة عالية من النضج، وقدرة النقد الذاتي، ولا شيء يسكر النفس كذكريات النجاح ومحطات التحقق، ولا أغم على القلب من لحظات الخيبة. وأن نفتح هذا الباب فهو تحد من نوع خاص، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، والتحدي فيها أن الشخص يقوم بفتح ملفه الخاص، وكفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وأنا أعترف بالحذق والحكمة لمن يطرح مثل هذا السؤال؛ فهيج هذا المعنى الخفي المؤلم المحرض لذاكرة تمتد على طول العمر، وتقوم النفس بفتح ملفات قديمة علاها الغبار، ونكأ جروحا اندملت.
عندما وصل أديسون إلى إضاءة العالم بالمصباح الكهربي كان قد فشل في خمسة آلاف تجربة،ولما سئل عن هذه التجارب الفاشلة قال: في الواقع لم تكن تجارب فاشلة بل كانت تجارب اكتشفت فيها أنها لا تعمل.
وفي الواقع فإن كثيراً من الأعمال الجانبية التي نعتبرها فاشلة تكون مفتاحاً لتغيرات مصيرية، وتفضي إلى كشوفات في غاية الإثارة، ولعل تقدم العلم كله تم بهذه الطريقة، وأحد الأسرار الأربعة في التقدم العلمي هي: ضربة حظ جانبية وصدفة لم تكن على البال فضلا عن الجهد المتتابع والقاعدة العلمية وروح العصر والمال.
هكذا تم اكتشاف مادة التيفال في أواني المطبخ، التي لا يلتصق بها الطعام، وحبوب الفياجرا التي حلت مشكلة تاريخية للرجال منذ أيام حمورابي، وكانت بالأصل تجارب لاكتشاف مادة تفيد في علاج آفات القلب، فتبين أنها قد تقتل المعتلين بأمراض القلب، ولكنها تروي الحوض، وتحل مشكلة جنسية استعصت على الباحثين آلاف السنين. ولم يكشفها سوى الصدفة والعمل الجانبي والتجارب الفاشلة.
وفي حياتي أتذكر أياماً صعبة ولحظات سوداء، ولكنها في الواقع دروس جيدة في تنبيه الإنسان إلى اعتبارات: إن الإنسان مكون من مخططات ارتفاع وانخفاض ومحطات هبوط وعلو وانتعاش وانتكاس وسعادة ويأس فهذه واحدة. وأن يتعلم الإنسان التواضع؛ فليس هناك من كامل إلا الكامل جل جلاله. وأن دروس الفشل مفيدة في إحداث الألم لإيقاظ الوعي، ولولا الألم الذي عانى منه غاندي حينما ألقي من القطار في جنوب إفريقيا في تلك الليلة الباردة، ما خرج علينا بنظرية اللاعنف في الكفاح السلمي، فالألم مقدس ومفيد وموقظ وشاحذ للوعي ومنير سبيل المؤمنين. ولقد خلقنا الإنسان في كبد. وإشعال زناد التنبيه بالألم يجعل الفرد متيقظاً يحسب حساب الصغائر قبل الكبائر، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وحريق غابة لا يحتاج إلى أكثر من عود ثقاب، والأمور التافهة ليست تافهة، وكل عملية يدخلها الجراح يجب أن لا يسميها صغيرة قبل الخروج منها، وبعوضة أدمت مقلة الأسد.
كتب (جان جاك روسو ) كتابه الاعترافات فكان تحفة أدبية. وكتب عابد الجابري (حفريات في الذاكرة) فكانت لوحة فلسفية. وكتب غاندي بحثه عن (الحقيقة) فكانت اعترافات في غاية الصراحة والجمال، وكتب برتراند راسل سيرته الذاتية فكانت معادلات في التفاضل والتكامل. وأجمل ما يفعله المرء مواجهة النفس فينساب القلم بفيض الذكرى، والأيام المزعجة العصيبة. واللحظات البريئة عندما يمضي معظم العمر، وهو ما أعيشه حاليا بعد أن مضى ثلاثة أرباع حياتي، ولم يبق إلا الربع، وفي حالة انحطاط. فلم نعد شبابا، ولم تبق من الشباب والطفولة إلا صور باهتة. ومن أصعب الأشياء على النفس الاعتراف بالفشل فضلاً عن ذكره، والاعتراف بالخطأ فضيلة، ولكنها قيمة نظرية، ومن يمارسها يجب أن يصل إلى مرحلة عالية من النضج، وقدرة النقد الذاتي، ولا شيء يسكر النفس كذكريات النجاح ومحطات التحقق، ولا أغم على القلب من لحظات الخيبة. وأن نفتح هذا الباب فهو تحد من نوع خاص، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم، والتحدي فيها أن الشخص يقوم بفتح ملفه الخاص، وكفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وأنا أعترف بالحذق والحكمة لمن يطرح مثل هذا السؤال؛ فهيج هذا المعنى الخفي المؤلم المحرض لذاكرة تمتد على طول العمر، وتقوم النفس بفتح ملفات قديمة علاها الغبار، ونكأ جروحا اندملت.
عندما وصل أديسون إلى إضاءة العالم بالمصباح الكهربي كان قد فشل في خمسة آلاف تجربة،ولما سئل عن هذه التجارب الفاشلة قال: في الواقع لم تكن تجارب فاشلة بل كانت تجارب اكتشفت فيها أنها لا تعمل.
وفي الواقع فإن كثيراً من الأعمال الجانبية التي نعتبرها فاشلة تكون مفتاحاً لتغيرات مصيرية، وتفضي إلى كشوفات في غاية الإثارة، ولعل تقدم العلم كله تم بهذه الطريقة، وأحد الأسرار الأربعة في التقدم العلمي هي: ضربة حظ جانبية وصدفة لم تكن على البال فضلا عن الجهد المتتابع والقاعدة العلمية وروح العصر والمال.
هكذا تم اكتشاف مادة التيفال في أواني المطبخ، التي لا يلتصق بها الطعام، وحبوب الفياجرا التي حلت مشكلة تاريخية للرجال منذ أيام حمورابي، وكانت بالأصل تجارب لاكتشاف مادة تفيد في علاج آفات القلب، فتبين أنها قد تقتل المعتلين بأمراض القلب، ولكنها تروي الحوض، وتحل مشكلة جنسية استعصت على الباحثين آلاف السنين. ولم يكشفها سوى الصدفة والعمل الجانبي والتجارب الفاشلة.
وفي حياتي أتذكر أياماً صعبة ولحظات سوداء، ولكنها في الواقع دروس جيدة في تنبيه الإنسان إلى اعتبارات: إن الإنسان مكون من مخططات ارتفاع وانخفاض ومحطات هبوط وعلو وانتعاش وانتكاس وسعادة ويأس فهذه واحدة. وأن يتعلم الإنسان التواضع؛ فليس هناك من كامل إلا الكامل جل جلاله. وأن دروس الفشل مفيدة في إحداث الألم لإيقاظ الوعي، ولولا الألم الذي عانى منه غاندي حينما ألقي من القطار في جنوب إفريقيا في تلك الليلة الباردة، ما خرج علينا بنظرية اللاعنف في الكفاح السلمي، فالألم مقدس ومفيد وموقظ وشاحذ للوعي ومنير سبيل المؤمنين. ولقد خلقنا الإنسان في كبد. وإشعال زناد التنبيه بالألم يجعل الفرد متيقظاً يحسب حساب الصغائر قبل الكبائر، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وحريق غابة لا يحتاج إلى أكثر من عود ثقاب، والأمور التافهة ليست تافهة، وكل عملية يدخلها الجراح يجب أن لا يسميها صغيرة قبل الخروج منها، وبعوضة أدمت مقلة الأسد.