المهندس
30-08-06, 11:15 PM
دنيـــا الخوف ..
لم تكن تلك المسافة التي تفصل بينهمـا ، على طرفي الشارع ، تسمح لأي منهمـا ، بتجاذب أطراف الحديث مع الآخر ..
وعلى الرغم من لقـائهما المتكرر كـل يوم ٍ ، وكـل صباح ، ونظراتهمـا الصامتة لبعضهما ، لكن أحداً منهما لم يكسر
حاجز الصمت هذا ، الذي بنايــاه سويــاً – دونمـا اتفـاق - طيلــة الأربع سنوات الماضية .. هي أيــام دراستهما الجامعية ..
كانت ملامحها تنمـ عن رغبتها في الحديث معه ، لكن خجل حواء كان يمنعها من التعبير عن رغبتها هذه ، وليزداد
قلقهـا مع إقتراب نهاية السنـة الجامعية الاخيرة ..
- ( دنيــا ) .. ما بك ..! هيا اصعدي الحافلة ..
كانت كلمات رفيقة دربها - ( ســارة ) – لها أشبه بناقوس ٍ دقت أجراسه في رأسها ، لتوقظها من شرود فكرها معـه ..
وعلى الطرف الآخر من الشارع .. ظـل ( علي ) مطرق الرأس ، يتمتم بكلمـات ٍ غير مسموعة ، حتى تحركت تلك الحافلة ..
ومن خلال نافذة الحافلة ، كانت عينـا ( دنيـا ) تغـــافلها ، لتنظر إليه ، كأنهـا ترجو في نفسها أن يتحرك ذلك الرأس إلى
الأعلى لينظر إليها ، علــّها تقرأ في عينيـه ما عجز لسانـه عن البوح بـه .. لكنـه لم يحرك ساكنـاً ، وبقيت تلك الشفتين تتمتم .
- ( دنيــا ) .. لا تنسي أن تحضري معك ِ غداً أدوات الرسمـ الهندسي ، فغداً هو اليوم الأخير وسوف نرتـاح من سنوات الدراسة أخيراً ، ولا تنسي ...
- هــل تعتقدين بأنـه سيتحدث إلي غداً ..؟!
تبسمت ( ســارة ) وهزت برأسها ، في إيمـاءة ٍ منهـا ، عن شرود ذهن صديقتهـا ، وقــالت لها :
- تعلميـن بانـه لن يفعــل ذلك .. إنــه ( علي ) ..! وخوفـه أكبـر من أن يتحدث ، أخبرتـك ِ بذلك مراراً ..
أشاحت ( دنيــا ) بوجههـا عن صديقتهـا ، وأغمضت عينيها ، كأنهـا ترفض أن تستمـع إلى حقيقة ما يدور في خلدهـا ..
وبين الخوف والرجاء ، كان ( علي ) يستجمع شتات نفسـه ، ويزداد خوفــه من اليوم الأخير لهمـا في الجامعة ..
ساعـات الليــل تمضي سريعـاً ، تغتـال ما تبقى لهمـا من الامـل في اللقـاء من جديد ، ونبضــات قلبـه تتسـارع مع كـل دقـة ٍ
من دقـات ساعتـه " البيولوجيـة " .. حتى إشراقـة شمس هذا النهـار كانت مختلفة ، وغيوم ٌ تكبدت في سمـاء الجامعـة ..
لتضفي على عالمهمـا مزيداً من الحزن والترقب المتعب .
الكـل يبتسمـ مع إنتهـاء هذا اليوم ، يتبادلون أرقـام الهواتف والتذكارات الجميلـة ، ودعوات التوفيق والنجاح تتنقـل بين
شفاه الجميـع ، وأصوات الضحكـات الصادقـة ، وبعضـاً من الدموع تذرف على الخدود ، وزخـات المطر تشـارك الجميع
في مشهـد ٍ طبيعي ، خلا من أي تصنـع ٍ أو مبــالغة ..
وعبـر هذا الجسـر الخشبي ، الذي يصـل بين طرفي الشــارع ، كان ( علي ) يجتـر أقدامـه ، كأنمـا يسـاق إلى موت ٍ محتوم ..
وحيداً تـائه القدم ، مطرقـا ً رأسـه في خيبة امـل ٍ ، جرها عليه مارد الخوف في داخلـه ، لترتسمـ في عينيــه ، نظرات حزن ٍ أبدي ، وتتعـالى الزفرات في صدره أكثر فأكثر .. ومـع وصوله إلى الطرف الآخر من الشــارع ، كانت حـافلة ( دنيــا ) قد وصلت وتوقفت أمـامهـا مباشرة ً ..
- إنطق أيهـا الأحمق .. ! تكلمـ يا نصف رجـل .. ! إنهــا فرصتـك الاخيـرة أيهــا الغبي .. !
قالهـا ( علي ) في نفســه ، وهو يعتصــر ألمــاً ، ونظراتـه ترقب تلك الحـافلـة وهي تستعــد للإنطلاق براكبيهــا وحلمـه المسجون داخــل خوفــه ، فنحنى برأســه ، ذليلاً ، يملأ قلبــه الحزن ، وزخــات المطــر تعــانق دموعــه ، وتغرق جسده وملابســه وأحلامــه في آن واحد ..
تمــر الدقــائق عليــه ، لا يشعــر بمــا يدور حولــه ، ويبتسم ، إبتســامة اليائس المنهزم ..
رفــع رأســه بهدوء ٍ إلى مكـان الحـافلة ، ليرى إنهيــار كبريــاء حواء تحت زخـات المطر ، وقـد إتسعت حدقتي عينيـه في ذهول ٍ وفرحـة ٍ ، تعــانقت مع عبراتـه الفرحـة ، وقــد بلـل المطــر خصلات شعر ( دنيــا ) وهي واقفــة ٌ أمــامه على الطرف الآخر من الشــارع ، ترتعـد من البـرد ، وتنظــر إليــه مبــاشرة ً ..!
جلـس ( علي ) على ذلك الرصيــف ، على الطـرف الآخـر ، من ذلك الشــارع ، الغــارقة أرضــه من المطــر ، ورفــع عينيـه إلى السمــاء وقــال بصوت ٍ عــال ٍ :
- إني أحبــــك ِ يا ( دنيـــا ) .. هــل تسمعيــن ..!
تمت ...........
بقلمـ / عدي بلال ( المهندس ) ...
لم تكن تلك المسافة التي تفصل بينهمـا ، على طرفي الشارع ، تسمح لأي منهمـا ، بتجاذب أطراف الحديث مع الآخر ..
وعلى الرغم من لقـائهما المتكرر كـل يوم ٍ ، وكـل صباح ، ونظراتهمـا الصامتة لبعضهما ، لكن أحداً منهما لم يكسر
حاجز الصمت هذا ، الذي بنايــاه سويــاً – دونمـا اتفـاق - طيلــة الأربع سنوات الماضية .. هي أيــام دراستهما الجامعية ..
كانت ملامحها تنمـ عن رغبتها في الحديث معه ، لكن خجل حواء كان يمنعها من التعبير عن رغبتها هذه ، وليزداد
قلقهـا مع إقتراب نهاية السنـة الجامعية الاخيرة ..
- ( دنيــا ) .. ما بك ..! هيا اصعدي الحافلة ..
كانت كلمات رفيقة دربها - ( ســارة ) – لها أشبه بناقوس ٍ دقت أجراسه في رأسها ، لتوقظها من شرود فكرها معـه ..
وعلى الطرف الآخر من الشارع .. ظـل ( علي ) مطرق الرأس ، يتمتم بكلمـات ٍ غير مسموعة ، حتى تحركت تلك الحافلة ..
ومن خلال نافذة الحافلة ، كانت عينـا ( دنيـا ) تغـــافلها ، لتنظر إليه ، كأنهـا ترجو في نفسها أن يتحرك ذلك الرأس إلى
الأعلى لينظر إليها ، علــّها تقرأ في عينيـه ما عجز لسانـه عن البوح بـه .. لكنـه لم يحرك ساكنـاً ، وبقيت تلك الشفتين تتمتم .
- ( دنيــا ) .. لا تنسي أن تحضري معك ِ غداً أدوات الرسمـ الهندسي ، فغداً هو اليوم الأخير وسوف نرتـاح من سنوات الدراسة أخيراً ، ولا تنسي ...
- هــل تعتقدين بأنـه سيتحدث إلي غداً ..؟!
تبسمت ( ســارة ) وهزت برأسها ، في إيمـاءة ٍ منهـا ، عن شرود ذهن صديقتهـا ، وقــالت لها :
- تعلميـن بانـه لن يفعــل ذلك .. إنــه ( علي ) ..! وخوفـه أكبـر من أن يتحدث ، أخبرتـك ِ بذلك مراراً ..
أشاحت ( دنيــا ) بوجههـا عن صديقتهـا ، وأغمضت عينيها ، كأنهـا ترفض أن تستمـع إلى حقيقة ما يدور في خلدهـا ..
وبين الخوف والرجاء ، كان ( علي ) يستجمع شتات نفسـه ، ويزداد خوفــه من اليوم الأخير لهمـا في الجامعة ..
ساعـات الليــل تمضي سريعـاً ، تغتـال ما تبقى لهمـا من الامـل في اللقـاء من جديد ، ونبضــات قلبـه تتسـارع مع كـل دقـة ٍ
من دقـات ساعتـه " البيولوجيـة " .. حتى إشراقـة شمس هذا النهـار كانت مختلفة ، وغيوم ٌ تكبدت في سمـاء الجامعـة ..
لتضفي على عالمهمـا مزيداً من الحزن والترقب المتعب .
الكـل يبتسمـ مع إنتهـاء هذا اليوم ، يتبادلون أرقـام الهواتف والتذكارات الجميلـة ، ودعوات التوفيق والنجاح تتنقـل بين
شفاه الجميـع ، وأصوات الضحكـات الصادقـة ، وبعضـاً من الدموع تذرف على الخدود ، وزخـات المطر تشـارك الجميع
في مشهـد ٍ طبيعي ، خلا من أي تصنـع ٍ أو مبــالغة ..
وعبـر هذا الجسـر الخشبي ، الذي يصـل بين طرفي الشــارع ، كان ( علي ) يجتـر أقدامـه ، كأنمـا يسـاق إلى موت ٍ محتوم ..
وحيداً تـائه القدم ، مطرقـا ً رأسـه في خيبة امـل ٍ ، جرها عليه مارد الخوف في داخلـه ، لترتسمـ في عينيــه ، نظرات حزن ٍ أبدي ، وتتعـالى الزفرات في صدره أكثر فأكثر .. ومـع وصوله إلى الطرف الآخر من الشــارع ، كانت حـافلة ( دنيــا ) قد وصلت وتوقفت أمـامهـا مباشرة ً ..
- إنطق أيهـا الأحمق .. ! تكلمـ يا نصف رجـل .. ! إنهــا فرصتـك الاخيـرة أيهــا الغبي .. !
قالهـا ( علي ) في نفســه ، وهو يعتصــر ألمــاً ، ونظراتـه ترقب تلك الحـافلـة وهي تستعــد للإنطلاق براكبيهــا وحلمـه المسجون داخــل خوفــه ، فنحنى برأســه ، ذليلاً ، يملأ قلبــه الحزن ، وزخــات المطــر تعــانق دموعــه ، وتغرق جسده وملابســه وأحلامــه في آن واحد ..
تمــر الدقــائق عليــه ، لا يشعــر بمــا يدور حولــه ، ويبتسم ، إبتســامة اليائس المنهزم ..
رفــع رأســه بهدوء ٍ إلى مكـان الحـافلة ، ليرى إنهيــار كبريــاء حواء تحت زخـات المطر ، وقـد إتسعت حدقتي عينيـه في ذهول ٍ وفرحـة ٍ ، تعــانقت مع عبراتـه الفرحـة ، وقــد بلـل المطــر خصلات شعر ( دنيــا ) وهي واقفــة ٌ أمــامه على الطرف الآخر من الشــارع ، ترتعـد من البـرد ، وتنظــر إليــه مبــاشرة ً ..!
جلـس ( علي ) على ذلك الرصيــف ، على الطـرف الآخـر ، من ذلك الشــارع ، الغــارقة أرضــه من المطــر ، ورفــع عينيـه إلى السمــاء وقــال بصوت ٍ عــال ٍ :
- إني أحبــــك ِ يا ( دنيـــا ) .. هــل تسمعيــن ..!
تمت ...........
بقلمـ / عدي بلال ( المهندس ) ...