الدكتور البدوي
16-03-11, 06:10 PM
من ذاكرة التاريخ
"الملح" قائد الثورات
كان الملح حتى القرن التاسع عشر هو المادة الأعز التي بذل الإنسان جهودا مريرة للحصول عليها على مر العصور، وقد كان الملح قليلاً إلى درجة انه استخدم بدل العملة، وعلى سبيل المثال لا الحصر كان التبادل التجاري عبر القارات في موريتانيا، قد بدء بالتعامل بالمسامير النحاسية كعملة، مروراً بريش النعام وقطع الملح والدينار الذهبي والفرنك الغرب إفريقي، وصولاً إلى العملة الوطنية المتعامل بها اليوم.
وبرز الملح منذ الاستقرار البشري بوصفه مادة أساسية يحتاج إليها للطعام، والتخزين، والصناعات الغذائية، والتحنيط، والأساطير والتراث، وأساسا للثورات الاستقلالية، وقامت عليه مدن وحركة اقتصادية وتجارية عالمية.
ومن المعروف أن الملح لعب دوراً هاماً في تاريخ الضرائب، قديماً في روما وفى عدة من الدول الهلينسية، ذلك أن الملح أكثر المواد التي يستخدمها الإنسان لذلك فإنه يعود على الخزانة العامة دخل كبير من احتكاره وفرض الضرائب على استهلاكه، ولا يزال الملح عملة الدفع في بعض بقاع أفريقيا.
كان تجار الملح في القرى المختلفة يشترون الملح من الحكومة ويبيعونه للراغبين في ذلك، وتحدثنا وثائق كثيرة من القرن الثالث ق . م على ضريبة الملح Halike وقد كان يظن قديماً أن هذه الضريبة كانت تمثل ثمن شراء أقل كمية يتعين على كل فرد شراؤها أما اليوم فإنه يرجع أنها كانت ضريبة حقيقية نظير حق شراء الملح شأنها في ذلك شأن الضرائب الأخرى المتصلة بالاحتكارات الأخرى التي كان يدفعها كل سكان البلاد فيما عدا أولئك الذين كانت الأوامر الملكية تعفهم منها .
كان سعر ضريبة الملح يختلف من عصر إلى عصر آخر وكان الإغريق يخضعون لها مثل المصريين ولكن بسعر أقل أحياناً وكان المبلغ الذي تسدده النساء أقل من الرجال أما العبيد فكانوا يوردون نصف المبلغ .
وكانت الضريبة في البداية ترسل إلى الحكومة في شكل كمية من الملح ثم أستعيض عنها بثمنه .
وعلى أية حال كانت ضريبة الملح ضريبة مرتفعة ونجد في إحدى الوثائق أن معدل ما كان يدفعه الرجال نظير تلك الضريبة هو 4 أوبول والنساء 1.5 أوبول كما يتضح لنا من قطع الأوستراكا أن دافعي ضريبة الملح كانوا يتسلمون إيصالات بذلك وكما أنه كان يعاقب بالسجن كل من لا يوفى حق التاج في دفع ضريبة الملح وقد وصلت إلينا من القرن الثالث إيصالات كثيرة عن ضريبة الملح في حين أنه لم يصل إلينا إيصالات لتلك الضريبة بعد عهد بطليموس الخامس وليس معنى ذلك أن الضريبة قد ألغيت في عهد هذا الملك فقد وجدت قائمة بأسماء الأشخاص المفروضة عليهم دفع هذه الضريبة من أهالي قريتين في الفيوم وهذه القائمة ترجع إلى عام 181/180 ق . م أو على الأرجح إلى عام 157/156 ق . م ويظن أن هذه الضريبة قد أعيد تنظيمها في القرن الثاني ق . م وقد كانت لا تزال تجبى في العصر الروماني في محافظة الفيوم .
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن طبقة الكهنة كانت تؤدى ضريبة الملح كسائر عناصر السكان الأخرى، فيما عدا أولئك الذين كان يتم إعفائهم بأوامر ملكية وأيضاً كان بعض منها المعلمين والفائزين في المباريات. وأيضاً أعفى منها الأطفال وبعض الأشخاص مثل الأطباء .
وقد ارتبطت (ضريبة الملح) بذاكرة الشعوب، شرقاَ.. وغرباً، ففي عام (1764) غزت جيوش الإمبراطورية البريطانية، أمريكا ، بجيش يناهز خمسة عشر ألف جندي.. وكان لابد لهذا العدد الهائل من نفقات فأرتات الحكومة البريطانية، فرض ضرائب على المواطنين الأمريكان وكانت إحداها ضريبة (الملح) التي كانت (القشة التي قصمت ظهر البعير ) إذ كانت احد العوامل التي فجرت الثورة الأمريكية.
ومن بين عوامل الثورة الفرنسية عام 1789 فداحة الضرائب وكانت ضريبة الملح ابغض الضرائب إلى نفس الشعب الفرنسي، فقد كانت الحكومة تحتكر محصول الملح وتحتم على كل فرد شراء كمية منه بثمن معين.. ولم تكن الحكومة الفرنسية تجبي هذه الضرائب مباشرة ، وإنما تمنحها لبعض المتنفذين و(الشقاوات)..وتمنحهم الصلاحيات المطلقة التي يستغلها هؤلاء في إيذاء الفقراء والمعوزين بفرض بضاعتهم قسراً وتحصل الثمن بمختلف الطرق القسرية والمهينة.
وفي إيران كانت من بين عوامل إثارة (المشروطة) والجدل الطويل العريض .. (ضريبة الملح) ، وفي عام 1930 بدأ المهاتما غاندي - في الهند- مسيرة الملح الشهيرة ضد القانون الذي يحتم على المواطنين شراء الملح من الحكومة ولا يبيح لهم استخراجه من البحر.. وقاد غاندي إتباعه إلى البحر على بعد /200ميل / وذاقوا على شفاههم الملح .. وكان دماً مالحاً أيضاً.
وكانوا ينضحون عرقاً مالحاً .. وإصراراً.
وفي (حضرة) الحاكم البريطاني يقدم الشاي لغاندي فيخرج من بين (وزرته) وجلده (قطعة ملح) يضعها في فنجان الشاي .. ويحد النظر في وجه الحاكم البريطاني، وكأنه يقول :- (أنظر .. أن قضية الملح لما تنته).
وامتدت ضريبة الملح إلى العراق أيام السلطة العثمانية.. وبقيت بين الذاكرة والنسيان حتى سقوط
الدولة العثمانية واحتلال بغداد من قبل الانكليز في 11 / آذار / 1917 بقيادة الجنرال مود..
الجنرال ستانلي مود ، قائد القوات البريطانية التي زحفت على بغداد واحتلها يوم 11 آذار 1917م. جئ به من الدردنيل بعد إنتهاء المعارك هناك ، لإنقاذ القوات المحاصرة في الكوت وفك الحصار عنها، رقي إلى رتبة قائد فيلق دجلة في 11تموز 1916م وبعد 48 يوماً رقّي مرة أخرى فصار القائد العام للقوات العامة في العراق.
دخل معارك ضارة مع الأتراك فانتصر فيها الواحدة تلو الأخرى حتى دخل بغداد صباح يوم 11 آذار 1917، وبعدها استمرت قواته في الاستيلاء على بقية المدن العراقية ، وبذلك انتهت آخر أيام الحكم العثماني في العراق.
وكأي سياسي وعسكري يتملق الجمهور سياسياً.. فقد اصدر بيانه للعراقيين (نحن جئنا محررين.. لا فاتحين).
ومن ثم اصدر بيانه، بعد عدة بيانات أخرى ، المتضمن إيقاف العمل باستيفاء ضريبة الملح وفق البيان الآتي:
بيان:
حيث وصل إلى مسامعنا إن استمرار وضع ضريبة الملح في حيز التنفيذ في ولاية بغداد بمقتضى القانون المتعلق بها إلى الآن يكون في الأحوال الحاضرة ثقيلاُ على أهالي الولاية المذكورة بلا مناسبة فالآن بناءً على ذلك إن الفريق أول ف. سي. مود . ك . سي . أم . جي . دي .اس أو.
واستناداً على السلطة المخولة لي كقائد عام لجيوش صاحب الجلالة البريطانية في الأراضي المحتلة من العراق بهذا أعلن وآمر بأن وضع ضريبة الملح المذكورة يوقف من اليوم الخامس عشر من شهر مايس سنة إلف وتسعمائة وسبعة عشر في كل الجزء المعروف بولاية بغداد من الأراضي المحتلة . بغداد 29/نيسان/1917 .
فريق أول ف.سي.مود
قائد جيوش الاحتلال في العراق
"الملح" قائد الثورات
كان الملح حتى القرن التاسع عشر هو المادة الأعز التي بذل الإنسان جهودا مريرة للحصول عليها على مر العصور، وقد كان الملح قليلاً إلى درجة انه استخدم بدل العملة، وعلى سبيل المثال لا الحصر كان التبادل التجاري عبر القارات في موريتانيا، قد بدء بالتعامل بالمسامير النحاسية كعملة، مروراً بريش النعام وقطع الملح والدينار الذهبي والفرنك الغرب إفريقي، وصولاً إلى العملة الوطنية المتعامل بها اليوم.
وبرز الملح منذ الاستقرار البشري بوصفه مادة أساسية يحتاج إليها للطعام، والتخزين، والصناعات الغذائية، والتحنيط، والأساطير والتراث، وأساسا للثورات الاستقلالية، وقامت عليه مدن وحركة اقتصادية وتجارية عالمية.
ومن المعروف أن الملح لعب دوراً هاماً في تاريخ الضرائب، قديماً في روما وفى عدة من الدول الهلينسية، ذلك أن الملح أكثر المواد التي يستخدمها الإنسان لذلك فإنه يعود على الخزانة العامة دخل كبير من احتكاره وفرض الضرائب على استهلاكه، ولا يزال الملح عملة الدفع في بعض بقاع أفريقيا.
كان تجار الملح في القرى المختلفة يشترون الملح من الحكومة ويبيعونه للراغبين في ذلك، وتحدثنا وثائق كثيرة من القرن الثالث ق . م على ضريبة الملح Halike وقد كان يظن قديماً أن هذه الضريبة كانت تمثل ثمن شراء أقل كمية يتعين على كل فرد شراؤها أما اليوم فإنه يرجع أنها كانت ضريبة حقيقية نظير حق شراء الملح شأنها في ذلك شأن الضرائب الأخرى المتصلة بالاحتكارات الأخرى التي كان يدفعها كل سكان البلاد فيما عدا أولئك الذين كانت الأوامر الملكية تعفهم منها .
كان سعر ضريبة الملح يختلف من عصر إلى عصر آخر وكان الإغريق يخضعون لها مثل المصريين ولكن بسعر أقل أحياناً وكان المبلغ الذي تسدده النساء أقل من الرجال أما العبيد فكانوا يوردون نصف المبلغ .
وكانت الضريبة في البداية ترسل إلى الحكومة في شكل كمية من الملح ثم أستعيض عنها بثمنه .
وعلى أية حال كانت ضريبة الملح ضريبة مرتفعة ونجد في إحدى الوثائق أن معدل ما كان يدفعه الرجال نظير تلك الضريبة هو 4 أوبول والنساء 1.5 أوبول كما يتضح لنا من قطع الأوستراكا أن دافعي ضريبة الملح كانوا يتسلمون إيصالات بذلك وكما أنه كان يعاقب بالسجن كل من لا يوفى حق التاج في دفع ضريبة الملح وقد وصلت إلينا من القرن الثالث إيصالات كثيرة عن ضريبة الملح في حين أنه لم يصل إلينا إيصالات لتلك الضريبة بعد عهد بطليموس الخامس وليس معنى ذلك أن الضريبة قد ألغيت في عهد هذا الملك فقد وجدت قائمة بأسماء الأشخاص المفروضة عليهم دفع هذه الضريبة من أهالي قريتين في الفيوم وهذه القائمة ترجع إلى عام 181/180 ق . م أو على الأرجح إلى عام 157/156 ق . م ويظن أن هذه الضريبة قد أعيد تنظيمها في القرن الثاني ق . م وقد كانت لا تزال تجبى في العصر الروماني في محافظة الفيوم .
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أن طبقة الكهنة كانت تؤدى ضريبة الملح كسائر عناصر السكان الأخرى، فيما عدا أولئك الذين كان يتم إعفائهم بأوامر ملكية وأيضاً كان بعض منها المعلمين والفائزين في المباريات. وأيضاً أعفى منها الأطفال وبعض الأشخاص مثل الأطباء .
وقد ارتبطت (ضريبة الملح) بذاكرة الشعوب، شرقاَ.. وغرباً، ففي عام (1764) غزت جيوش الإمبراطورية البريطانية، أمريكا ، بجيش يناهز خمسة عشر ألف جندي.. وكان لابد لهذا العدد الهائل من نفقات فأرتات الحكومة البريطانية، فرض ضرائب على المواطنين الأمريكان وكانت إحداها ضريبة (الملح) التي كانت (القشة التي قصمت ظهر البعير ) إذ كانت احد العوامل التي فجرت الثورة الأمريكية.
ومن بين عوامل الثورة الفرنسية عام 1789 فداحة الضرائب وكانت ضريبة الملح ابغض الضرائب إلى نفس الشعب الفرنسي، فقد كانت الحكومة تحتكر محصول الملح وتحتم على كل فرد شراء كمية منه بثمن معين.. ولم تكن الحكومة الفرنسية تجبي هذه الضرائب مباشرة ، وإنما تمنحها لبعض المتنفذين و(الشقاوات)..وتمنحهم الصلاحيات المطلقة التي يستغلها هؤلاء في إيذاء الفقراء والمعوزين بفرض بضاعتهم قسراً وتحصل الثمن بمختلف الطرق القسرية والمهينة.
وفي إيران كانت من بين عوامل إثارة (المشروطة) والجدل الطويل العريض .. (ضريبة الملح) ، وفي عام 1930 بدأ المهاتما غاندي - في الهند- مسيرة الملح الشهيرة ضد القانون الذي يحتم على المواطنين شراء الملح من الحكومة ولا يبيح لهم استخراجه من البحر.. وقاد غاندي إتباعه إلى البحر على بعد /200ميل / وذاقوا على شفاههم الملح .. وكان دماً مالحاً أيضاً.
وكانوا ينضحون عرقاً مالحاً .. وإصراراً.
وفي (حضرة) الحاكم البريطاني يقدم الشاي لغاندي فيخرج من بين (وزرته) وجلده (قطعة ملح) يضعها في فنجان الشاي .. ويحد النظر في وجه الحاكم البريطاني، وكأنه يقول :- (أنظر .. أن قضية الملح لما تنته).
وامتدت ضريبة الملح إلى العراق أيام السلطة العثمانية.. وبقيت بين الذاكرة والنسيان حتى سقوط
الدولة العثمانية واحتلال بغداد من قبل الانكليز في 11 / آذار / 1917 بقيادة الجنرال مود..
الجنرال ستانلي مود ، قائد القوات البريطانية التي زحفت على بغداد واحتلها يوم 11 آذار 1917م. جئ به من الدردنيل بعد إنتهاء المعارك هناك ، لإنقاذ القوات المحاصرة في الكوت وفك الحصار عنها، رقي إلى رتبة قائد فيلق دجلة في 11تموز 1916م وبعد 48 يوماً رقّي مرة أخرى فصار القائد العام للقوات العامة في العراق.
دخل معارك ضارة مع الأتراك فانتصر فيها الواحدة تلو الأخرى حتى دخل بغداد صباح يوم 11 آذار 1917، وبعدها استمرت قواته في الاستيلاء على بقية المدن العراقية ، وبذلك انتهت آخر أيام الحكم العثماني في العراق.
وكأي سياسي وعسكري يتملق الجمهور سياسياً.. فقد اصدر بيانه للعراقيين (نحن جئنا محررين.. لا فاتحين).
ومن ثم اصدر بيانه، بعد عدة بيانات أخرى ، المتضمن إيقاف العمل باستيفاء ضريبة الملح وفق البيان الآتي:
بيان:
حيث وصل إلى مسامعنا إن استمرار وضع ضريبة الملح في حيز التنفيذ في ولاية بغداد بمقتضى القانون المتعلق بها إلى الآن يكون في الأحوال الحاضرة ثقيلاُ على أهالي الولاية المذكورة بلا مناسبة فالآن بناءً على ذلك إن الفريق أول ف. سي. مود . ك . سي . أم . جي . دي .اس أو.
واستناداً على السلطة المخولة لي كقائد عام لجيوش صاحب الجلالة البريطانية في الأراضي المحتلة من العراق بهذا أعلن وآمر بأن وضع ضريبة الملح المذكورة يوقف من اليوم الخامس عشر من شهر مايس سنة إلف وتسعمائة وسبعة عشر في كل الجزء المعروف بولاية بغداد من الأراضي المحتلة . بغداد 29/نيسان/1917 .
فريق أول ف.سي.مود
قائد جيوش الاحتلال في العراق