المساعد الشخصي الرقمي إضغط هنا لمشاهدة المواضيع حسب التسلسل من الأحدث الى الأقدم

مشاهدة النسخة كاملة : وقفـة للاعتبـار من سورة الكهف


جاسم داود
22-09-10, 11:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وقفـة للاعتبـار من سورة الكهف




يقول تعالى: وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على" عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44) (الكهف).
هذا المشهد يعرض حقيقتين جليتين:
الأولى: حقيقة الثمر الكثير، والزينة العظيمة والجنتين، وكل الملك العريض، وقد دُمِّرَ على آخره، وتحطم من كل جانب وزال منه كل شيء، وأصبحت الجنة خاوية من كل نماء، وفارغة من كل حياة.
والحقيقة الثانية: موقف الرجل الكافر، وقد وقف يُقلِّب كفيه نادماً آسفاً على حظه العاثر وجهده الضائع، وماله المحطم، وأخذ يتندم على إشراكه بالله، ويعترف بربوبيته ووحدانيته، وقد أخذ يستعيذ من شركه، ولكن بعد فوات الأوان، ولم ينفعه صحبه، ولو كانت مع صالحين، فلكل مصيره، ولكل شأن يغنيه، ولم ينفعه نصرة نصير أمام قدر الله سبحانه، وأمام التعرض لسننه الإلهية.
شاهدٌ... على عصره


عرض المشهد مصير الرجل الكافر، ولم يتعرض لموقف الرجل المؤمن، ولعلها لفتة طيبة، تبين أن الرجل المؤمن قد عرض خطابه، وتوقع ما حدث لصاحبه، وانتهى دوره كناصح أمين ولو لمخالفيه، لأنه الرائد الذي لا يكذب أهله.
وأمر آخر نستشعره، هو أن الله عزَّ وجلَّ يحفظ المؤمن بعيداً عن مشهد الانتقام الإلهي، والدمار والحطام، ويبرأ به عن مواقف الندم والخسارة.
وصدق الرجل المؤمن في شهادته، وصدَّقه الحق سبحانه.
ولجلال موقف الشهادة، خاصة في الموقف يوم القيامة عندما يبعث الحق سبحانه من كل أمة شهيداً عليها، وهو رسول كل أمة : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على" هؤلاء شهيدا 41 (النساء).
فإن المؤمن من هذه الأمة القوَّامة الراشدة، يستشعر أنه مُكرَّم من قِبَلِ الحق سبحانه، بوضعه في المكانة الرائدة، بجعله من الشهداء على الناس: وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس. (الحج:78).
تجهيل.... لمن يتجاهل


لقد بُني الفعل للمجهول وحُذف فاعله "وأحيط بثمره" حتى "إن صاحب الجنتين لم يعرف الفاعل، ولم يعرف السبب. وذهبت به الظنون كل مذهب، وليختلف المراقبون والمشاهدون والمحللون في تقدير الفاعل، وقليل منهم سيفطن إلى السبب الإيماني والعامل الرباني. وكما تبيَّن فإن إسناد الأفعال إليه سبحانه في العطاء والإنعام كما في (( وجعلنا ))، فإنه ليس من المناسب أن يسند إذهاب النعمة، وإزالتها عن صاحبها إلى الله، مع أن الله حكيم عادل في هذا الإذهاب ـ والله أعلم.."(1).
وهذا الملمح الطيب من شأنه أن يجعل قضية فقه السنن الإلهية من القضايا التي يحتكر فهمها المؤمنون.
وتدبر ما قيل عن حرب العاشر من رمضان، فلقد شاط التيار المادي العلماني ولم يزل، ضد فكرة أن من عوامل النصر، بعد العدة المادية ـ هو صدق اللجوء إليه سبحانه، وفي رأيهم أنما هو العتاد المادي والعدة التدريبية فقط، بل ويتهكمون على صيحة "الله أكبر"!.
بل ويزيد التهكم عندما يسمعون أن الكوارث والزلازل، إنما تأتي نتيجة لما اقترفته أيدي البشر، ويغيب عنهم، هذه السنة الإلهية الاجتماعية، التي لا يفقهها إلا المؤمنون: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون 41 (الروم)، وستظل هذه الحقائق، غائبة ومهمشة بل ومستهجنة من قبل التيار المادي العلماني، حتى يثوب أفراده إلى نهجه سبحانه.
ضيق... وسعة


لقد عمم اللفظ القرآني كلمة (( ما أنفق فيها ))، وجعلها "كلمة عامة، شاملة لكل صور الإنفاق المادية والمعنوية، أنفق عليها الكثير من المال، أنفق عليها من وقته، أنفق عليها الكثير من جهده البدني، أنفق عليها الكثير من مشاريعه ومخططاته وبرامجه وخبراته، أنفق عليها الكثير من أحلامه وخيالاته، وآماله وأمنياته، وأنفق عليها حياته التي عاش من أجلها، وها هو كل ما أنفقه أمامه، يراه ويتعامل معه، دماراً وخسارة وفناء، لذلك ندم ندامة بالغة، وأصبح يقلب كفيه، وهو يسترجع هذه النفقات، ويستحضر تلك الخسائر"(2).
لقد اختار الرجل الكافر جنتيه، ورضي بأن تظل كل أحلامه مرتبطة بالأرض وثقلتها، بالطين ودونيته، بالماديات، والماديات فقط، حتى جاء الدمار لهذا المكمن الذي اعتز به، واغتر به.
لقد اختار مستوى معيناً حصر فيه أحلامه، وعاش له حياته، لقد اختار حدوداً معينة، حصر فيها سعيه، وحصر فيها آماله ورتب عليها غاياته في هذه الحياة، فاستحالت هذه النظرة إلى نوع من الضيق الشامل، وهو ضيق الدنيا، ذلك الضيق المادي الذي استحال عند الرجل الكافر بمرور الأيام وبطول المعاشرة إلى ضيق آخر، ضيق فكري، فأحدث في عقليته عملية ضمور شاملة وحركة استلاب مهينة.
حتى إذا تحطمت تلك الغاية، تحطم معها كل شيء.
ولو سمح مرة واحدة لأحلامه بالخروج من هذا الإسار المادي الرهيب، وتخطي هذا السياج الذي بناه حول جنتيه، لكان لعقليته أيضاً أن تخرج من هذا الضمور الفكري، ولوجد البدائل، فعندما يتحطم شيء سيجد العزاء في البديل الآخر، ولكنه استمراء الضيق، ولهذا كانت نهايته بمجرد نهاية جنتيه.
وتدبر كيف أن ربعي بن عامر، أراد ذات يوم أن ينقذ الفرس من هذا الضيق معلناً لهم مهمة الأمة المسلمة الراشدة: "إن الله قد ابتعثنا لنخرج من شاء من العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".
فهي إذن دعوة لإعمار الدنيا، والآخرة معاً، أو هي عملية انتشال من الضيق الشامل إلى السعة الشاملة الخالدة، ولكنها العقلية المادية التي تحصر نفسها في الدنيا وزينتها، وتستمرئ الضيق المادي، وتعيش للأحلام الدنيوية، ولا ترى وراء الأفق كل الآمال في عيشة أبدية خالدة من جنة، لاتعرف المحدودية، جنة عرضها السماوات والأرض، قد جهزها الحق سبحانه وأعدها لنوعية معينة من عباده، ثم دعا إليها بنداء علوي كريم: وسارعوا إلى" مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين 133 (آل عمران).

وقفة النهاية


لقد كان موقف الرجل الكافر، في محنته موقفاً عصيباً مهيناً، لقد واجه المحنة المدمرة منفرداً، ((ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا))، لقد كانت المحنة مضاعفة، فلقد ضرب بنصائح صاحبه المؤمن الأمين عرض الحائط، واغتر بماديات لا تنفع حين لا ينفع الندم، وواجه المصيبة وحيداً من أي نصير، عارياً من كل نصرة.
وإن كان مجرد الشعور بأن الله معك في السراء والضراء، نعمة فأكرم بها من نعمة، تهون بجوارها كل النعم، وتتصاغر أمامها كل النقم.
ففي المحن وأمام الصعاب يعز المعين، ويندر الرفيق، ويفتقد الصديق.
وإذا كان المعين هو الله فأكرم به من معين سبحانه، خاصة عند الصعاب، وأثناء المحن، فهنالك تكون الحاجة لعونه سبحانه وتثبيته: هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا.
وهذه الوقفة القرآنية، التي تجيء وكأنها استراحة قصيرة، يستمتع فيها القارئ، وكل من يشاهد أحداث المشهد الثالث، مشهد المصير، بينما يقف على أطلال الجنتين، ويرى الكافر مكوماً مهموماً محسوراً على إحدى تلال جنتيه، يستمع إلى تعليق خاطف ودرس سريع، مجمل ومفيد.
جوهر الصراع


ننتقل بعد ذلك إلى الجولة الرابعة التي تعرض التعقيب القرآني على القصة بقوله تعالى: واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا 45 المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا 46 (الكهف).
وهي الجولة التي تأتي على هيئة فقرتين:
الأولى: عبارة عن مثل يضربه الحق سبحانه للحياة الدنيا، فهي عبارة عن مرحلة قصيرة زائلة، سريعة الهلاك، فهي كماء ينزل من السماء، فلا يجري ولا يسيل، ولكن يختلط بنبات الأرض، والنبات لا يجد الفرصة للنمو ولا للنضوج، وفجأة يصبح هشيماً، عشباً يابساً مقطعاً، لا يقوى على الصمود أمام الرياح، فتسفه وتفرقه في الفضاء، ولقد جاءت "الفاء" التي تفيد الترتيب مع التعقيب الفوري السريع، لتؤكد سرعة زوال الحياة.
ومن وراء الأحداث، تبدو القدرة الإلهية، تحرك الجموع والوجود، وكأن الخلق مجرد ستار لأقدار الخالق.
ويأتي هذا المثل، تعقيباً على قصة صاحب الجنتين، وما حدث له ولجنتيه، ولآماله، ولغاياته.
ويؤكد أن أي تيار يحمل الفكر العلماني، المادي الدنيوي، الدوني، محكوم عليه من قبل الحق سبحانه، بالزوال والدمار ولو تلألأ لسويعات، ولو تحكم لمراحل حياتية دنيوية زائلة.
والفقرة الأخرى: تأتي قانوناً قرآنياً عاماً، وسنة إلهية ثابتة، وكأنها عملية تركيز لأهداف القصة: المال بأنواعه، وصوره، والبنون، زينة لهذه الحياة الدنيا، عبارة عن قشرة خارجية تُطلى بها، فيفتن من يفتن، ويثبت من يثبته الحق سبحانه، ولا يدرك الحقيقة وجوهرها إلا من يرى بنور الله.
والمنهج الإسلامي منهج الخروج من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، فهو لا ينهى عن الخروج الأول، الخروج إلى سعة الدنيا، كما أنه لا يهمل الخروج الثاني، إلى سعة الآخرة، والعمل لها، لذا فهو يعطي هذه الزينة الدنيوية قيمتها التي تستحقها، على أساس ميزان الخلود، ميزان السماء، ميزان الآخرة.
والقيمة الحقيقية هي للباقيات الصالحات من الأعمال، والأقوال، والعبادات، وهو توجيه علوي كريم، إلى التمتع بزينة الدنيا، بحيث لا تهمل الباقيات الصالحات، التي هي منهج الخير الذي يتحرك به المسلم في حياته، لأنها خير أثراً، وخير ما يعمل له العاملون، وهي الأبقى.
فهي الباقية حياتياً، فيراها المسلم في مسيرته الحياتية، ويستشعر أثرها في نفسه، وفي أسرته، في زوجته وفي ذريته، وفيمن حوله، في علاقاته، وفي دعوته.
وهي الباقية أخروياً، فتؤهله إلى الخلود والبقاء السرمدي في جنة رب العالمين.
وتأتي هذه السنة الإلهية تلخص منهج الرجل الكافر، ونظرته للحياة ومنهج الرجل المؤمن، وفكرته ونظرته للحياة، وتؤكد الفرق بين الزينة الزائلة، والقيم الباقية، والفرق بين التيار الزائل، والتيار الباقي، والفرق بين الزبد الذي يذهب جفاء، وما يمكث في الأرض ليعمرها بالخير والصلاح والنماء، لنفع الناس، كل الناس.
فلقد زال الرجل الكافر، وزال عتبة بن ربيعة، وزال من يمثلونه من تيارات مادية لا دينية، في كل عصر وفي كل أرض.
وبقي الصالحون في كل عصر، ورفع الله ذكرهم في الأولين والآخرين، كما رفع للرجل للمؤمن ذكره، وخلد موقفه العظيم ورفع الحق ذكر محمد صلى الله عليه وسلم ، كما امتن عليه سبحانه: ورفعنا لك ذكرك. (الشرح:4).
وسيرفع الله ذكر كل من سار على نهجه، وسلك سبيل المؤمنين، وجاهد مع العاملين تحت لواء تيار الحق.


الهوامش


(1) مع قصص السابقين في القرآن: د. صلاح الخالدي ـ طبعة دار القلم ـ دمشق 2-142 بتصرف.
(2) المرجع السابق : 2-143 ـ 144 بتصرف.

بقلم: د. حمدي شعيب

دمتم برعاية الله

فارس عديل
26-09-10, 10:29 AM
شكرا على الموضوع
جزاك الله خيرا

الشهيد المصري
26-09-10, 07:07 PM
التائب




بارك الله فيك


وجعله فى ميزان حسناتك

venom
30-09-10, 10:45 PM
http://3deeel.com/vb/mwaextraedit4/extra/69.gif

yaman
05-10-10, 12:00 PM
التائب

شكرا للطرح القيم وجزاك الله خيرا عزيزي

جاسم داود
06-10-10, 12:00 PM
كل الشكر لمروركم الكريم و دعائي لكم :
يا رب يا حنّان يا منّان يا ذا الجلال و الإكرام
اللهم نتوسل إليك باسمك الأعظم الذي إذا سئلت به لا ترد دعوة سائل أبداَ أن نرزق حسن الخاتمة و نرزق جوارك في الفردوس الأعلى يا أكرم الأكرمين .
دمتم برعاية الله

أميرة الصمت
12-10-10, 01:05 PM
جزاك الله خير
وجعله في ميزان حسناتك
وغفر لك ولنا ولجميع المسلمين

حنين الذكريات
13-10-10, 03:47 AM
جزاك الله كل خير

اصاله العرب كيمو
14-10-10, 05:48 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كل الشكر والتقدير

للمجهود الطيب والرائع

لما قدمت وبه جدت

وجزاك الله خير جزاء

وجعل كل ما تخطه لك لا عليك

وتقبل منا ومنك سائر الاعمال

واسكننا اعالى الجنان بالفردوس


بجوار الصدقين

منتدى-المنتدى-منتديات-عديل-الروح-برامج-دروس-شروحات-تصاميم-تعارف-مواقع-فوتوشوب-تعليم-فلاتر-سويتش-دردشه-قصائد-خواطر-روايات-قصص-اسكربتات-اسكربت-برمجه-تطوير-استايلات مجانيه--دليل-مواقع-دورات-تصميم-حوادث-جرائم-فساتين-نسائيه-عالم-حواء-آدم-مطبخ-أثاث-حوارات-نقاش-سيارات-دراجات-أفلام مباشره-تحميل أفلام-مكتبه عامه-مسابقات-جوائز-نقديه-جليتير-برامج حمايه-برامج تصميم-صور- vBulletin
RSS | RSS 1 | RSS 2 | PHP | XML | ROR | HTML