جاسم داود
12-02-10, 12:07 PM
قـتيـــــل الـنــــار
روي أن رجلاً كان يعرف بـ"دينار العيار"، وكانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام، فأخذ منها عظماً نخراً فانفت في يده، ففكر في نفسه وقال لنفسه: ويحك؟ كأنك بك غداً قد صار عظمك هكذا رفاتاً، والجسم تراباً، وأنا اليوم أقدم على المعاصي، فندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني، ثم مضى نحو أمه متغير اللون منكسر القلب، فقال: يا أماه: ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده، فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه، ويغل يده وقدمه، فقال: أريد جبة من الصوف، وأقراصاً من الشعير، وتفعلين بي كما يُفعل بالآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت ما طلب.
فكان إذا جنَّ الليل أخذ في البكاء، ويقول: ويحك يا دينار! ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟ وكذلك إلى الصباح، فقالت له أمه بعض الليالي: أرفق بنفسك، فقال: دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلا، يا أمي إن لي موقفاً طويلاً بين يدي رب جليل ولا أدري أيأمر بي إلى الظل الظليل أم إلى شر مقبل، إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخاً لا عفو معه.
قالت: فاسترح قليلاً، فقال: الراحة أطلب، أتضمنين لي الخلاص؟ فقالت: فمن يضمنه لي؟ قال: فدعيني وما أنا عليه، كأنك يا أماه غداً بالخلائق يُساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به بعض الليالي في قراءته: "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" (الحجر: 92، 93)، ففكر بها وبكى وجعل يضطرب كالحية حتى خر مغشياً عليه فجاءته أمه ونادته فلم يجبها، فقالت: قرة عيني أين الملتقى؟
فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة فاسألي مالكاً ـ مالك خازن النار ـ ثم شهق شهقة مات فيها، فجهَّزته وغسـَّــلته وخــرجت تنادي أيها الناس هلمـــوا إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس فلم يـر أكثر جمعاً، ولا أغزر دمعاً من ذلك اليوم.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"..
إذن.. هل من متفكر في هذه القصة؟ هل من مذنب يريد الخلاص لنفسه من النار؟ ويحك أيها العاصي هل لك قدرة على النار؟ كيف تتعرض لغضب الجبار؟ كيف بك إذا الخلائق يُساقون إلى الجنة وأنت تُساق إلى النار؟.
دمتم برعاية الله
(كتاب التوابين ـ المقدسي ـ 5 266).
روي أن رجلاً كان يعرف بـ"دينار العيار"، وكانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام، فأخذ منها عظماً نخراً فانفت في يده، ففكر في نفسه وقال لنفسه: ويحك؟ كأنك بك غداً قد صار عظمك هكذا رفاتاً، والجسم تراباً، وأنا اليوم أقدم على المعاصي، فندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني، ثم مضى نحو أمه متغير اللون منكسر القلب، فقال: يا أماه: ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده، فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه، ويغل يده وقدمه، فقال: أريد جبة من الصوف، وأقراصاً من الشعير، وتفعلين بي كما يُفعل بالآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت ما طلب.
فكان إذا جنَّ الليل أخذ في البكاء، ويقول: ويحك يا دينار! ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟ وكذلك إلى الصباح، فقالت له أمه بعض الليالي: أرفق بنفسك، فقال: دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلا، يا أمي إن لي موقفاً طويلاً بين يدي رب جليل ولا أدري أيأمر بي إلى الظل الظليل أم إلى شر مقبل، إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخاً لا عفو معه.
قالت: فاسترح قليلاً، فقال: الراحة أطلب، أتضمنين لي الخلاص؟ فقالت: فمن يضمنه لي؟ قال: فدعيني وما أنا عليه، كأنك يا أماه غداً بالخلائق يُساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار، فمرت به بعض الليالي في قراءته: "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" (الحجر: 92، 93)، ففكر بها وبكى وجعل يضطرب كالحية حتى خر مغشياً عليه فجاءته أمه ونادته فلم يجبها، فقالت: قرة عيني أين الملتقى؟
فقال بصوت ضعيف: إن لم تجديني في عرصة القيامة فاسألي مالكاً ـ مالك خازن النار ـ ثم شهق شهقة مات فيها، فجهَّزته وغسـَّــلته وخــرجت تنادي أيها الناس هلمـــوا إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس فلم يـر أكثر جمعاً، ولا أغزر دمعاً من ذلك اليوم.
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"..
إذن.. هل من متفكر في هذه القصة؟ هل من مذنب يريد الخلاص لنفسه من النار؟ ويحك أيها العاصي هل لك قدرة على النار؟ كيف تتعرض لغضب الجبار؟ كيف بك إذا الخلائق يُساقون إلى الجنة وأنت تُساق إلى النار؟.
دمتم برعاية الله
(كتاب التوابين ـ المقدسي ـ 5 266).